Tag: judicial authority

  • بين الأدب والسياسة فن من النقد السياسي

    حديث الوادي: بين الأدب والسياسة فن من النقد السياسي

    طه حسين

    جريدة الوادي

    ٢٤ أكتوبر ١٩٣٤

    لا ينشر في الصحف ولا في المجلات، ولا تنطلق به ألسنة الخطباء في مجالس النواب والشيوخ أو في المجامع العامة، ولا تجري به الأحاديث في الأندية الخاصَّة وغُرفات الاستقبال، وإنَّما يكونُ حوارًا بين اثنين أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك، في مَلَاعِب التَّمثيل.

    وقد فهمتَ عني من غير شك أني أريد أن أتحدث عن التمثيل الذي يعرض للشئون السياسية فينالها بالنقد الثقيل العنيف أو بالنقد الرشيق الخفيف، ولكني مع ذلك لا أُريد أنْ أَتَحَدَّث عن التمثيل السياسي من حيث هو؛ فالتَّمْثِيلُ السياسي كثيرٌ مُختلف شديدُ التنوع، وعهد الناس به قديم، ولعله كان أسبق جدًّا إلى التأثير في الحياة السياسية العامة من صاحبة الجلالة الصحافة، ولعله كان أسبق إلى التأثير في السياسة من الخطب البرلمانية، كما نعرفها في العصر الحديث.

    والذين يعرفون الشاعر الممثل اليوناني أرسطوفان ويذوقون قصصه السياسية، ويعرفون من أسرار هذه القصص ومن أخبارها ما نقله إلينا التاريخ، يعلمون حق العِلم أنَّ المَلْعَب سبق إلى التأثير في الحياة السياسية منذ خمسة وعشرين قرنًا، قبلَ أنْ يخطر للناس المُتحضرين أن صاحبة الجلالة الصحافة تستطيع أنْ توجِد أو أن تُحدِث في الحياة العامة أثرًا قويًّا أو ضعيفًا.

    وكثير جدًّا من الذين سيقرءون هذا الفصل يعلمون من غير شك أنَّ أرسطوفان كان أرستقراطي الهوى، وكان شديد الضيق بالديمقراطية في أثينا، وبالديمقراطية المُتطرفة بنوع خاص، وكان مُسرفًا في مُهَاجَمَة الزُّعماء الديمقراطيين في كثير من قصصه التي الآن يشهدها الأثينيون جميعًا، فكانَ يُضحِك الجمهور الأثيني من نفسه، ويَعْبَثُ بالنظام الديمقراطي ما وَسِعَه العَبَثُ، وكثيرًا ما كان ينتهي إلى إحفاظ الزُّعماء الدِّيمقراطيين، وخُطباء الشعب منهم بنوع خاصٍّ.

    ولعله قد أدى ثمن ذلك غاليًا، ولم يستمتع بحريته الفنية، ولم يضحك الجمهور اللاتيني من ديمقراطيته التي كان يُحِبُّها أشد الحب دون أن يحتمل في ذلك شيئًا من الأذى، ودون أن يرصد له خصومه من زعماء الديمقراطية من كان ينتظره في بعض الطريق ليشبعه ضربًا ولكمًا، ويُسمعه ما يكره، ويُعرِّضه من الأذى لما كان يخاف إذا خلا إلى نفسه، ولمن كان ينسى إذا تلقى الوحي عن شيطانه، أو إذا أراد أن يلهي الجمهور.

    وهم يعلمون من غير شك أنَّ هؤلاء اللاتينيين كانوا يَخْتَلِفُون إلى الملعب، ويضحكون منْ أنْفُسِهم مع الضَّاحكين، ويعجبون مع المُعجبين، ويعفون في أكثر الأحيان، ولكنهم كانوا يَضيقون من حين إلى حين؛ فيعبثون بجسم الشاعر العظيم كما كان يعبث بمكانتهم وزعامتهم وبيانهم، وحسن أثرهم في الجماعات.

    وليسَ من الإسراف أنْ تزعم، أو أنْ تُؤَكِّد أنَّ التَّمثيل لم يسبق صاحبة الجلالة الصحافة إلى النقد السياسي وحده، بل سبقها إلى النقد الأدبي أيضًا، وكان أرسطوفان هو بطل هذا السبق؛ فكما أنَّ الذين يقرءون قصة الشعب يرون فيها النقد السياسي اللاذع، فالذين يقرءون قصة الضفادع يرون فيها النقد الأدبي البديع الذي قد نَعْرِضُ له في يوم من الأيام.

    بل لسنا نُسْرِفُ أيضًا حين نُؤكد أنَّ التَّمْثِيل قد سَبَق صاحبة الجلالة الصحافة إلى النقد الفلسفي، سواء في ذلك النقد الفلسفي الذي يعتمد على الجد، والنقد الفلسفي الذي يعتمد على الهزل والمزاح، فأمَّا أوربيد، صاحب التراجيديا والمُنتهي بها إلى طور الكمال عند اليونان، فكان ناقدًا فلسفيًّا جادًّا، أو قُل: كان فيلسوف الملعب.

    وأما أرسطوفان فيكفي أنْ تقرأ له قصة السحاب لترى كيف عبث بالفلسفة والفلاسفة، وكيف أضحك الناس من زعيم الفلسفة سقراط. فالتمثيل إذن صديق النقد من زمن بعيد، والتمثيل المضحك خاصة هو الذي أسس النقد العام الذي يَشترِك فيه الجمهور، أو الذي يُوجَّه إلى الجمهور لا إلى الأخصائيين. وقد مَضَى التمثيل المُضحك في سنته هذه على اختلاف العصور لم يتحول عنها، ولم يغير مذهبه فيها، وإنما تأثر بما كان يحيط به من الظروف، فأنتَ واجدٌ عند موليير من النَّقد السِّياسي والفَلْسَفي والأدَبي مثل ما تجده عند أرسطوفان، مع مُلاحظة الفرق بين هذين الرجلين العظيمين اللذين كان يعيش أحدهما في ظل الديمقراطية اليونانية الحرة، وكان يعيش ثانيهما في ظل لويس الرابع عشر.

    لستُ إذن أريدُ أنْ أَتَحَدَّث عن هذا النَّحو من النَّقد التمثيلي العام الذي يعرفه الناس جميعًا، ويرون آثاره في كل تمثيل خليق بهذا الاسم، إنَّما أُريد أنْ أَتَحَدَّث عن فنٍّ خاصٍّ من فنون النَّقد التمثيلي يمس نواحي ضيقة أشدَّ الضيق من الحياة السياسية العَامَّة، هو هذا الذي تراه فيما ترك الكاتب الفرنسي العظيم كورتلين من هذه الآيات التمثيلية البديعة القصيرة، التي لا تكاد الواحدة منها تجاوز فصلًا واحدًا في أكثر الأحيان.

    فكورتلين كما يعرفه الناس صاحب فكاهة وهزل، أو هو الكاتب الفرنسي الحديث الذي تفوق في الفكاهة والهزل، وترك فيهما الآيات الخالدة، بعضها في صورة القصص، وبعضها في صورة التمثيل، ولكنه عُني في تمثيله بنقد النَّاحية القانونية والقضائية عناية خاصة، فلا نكادُ نقرأ له قصة من هذه القصص القصار إلا رأيتها قد اتخذت لنفسها مَوضُوعًا يمس القضاء، أو يمس الشرطة، ويمس القانون، وقد يمس الجيش أحيانًا، وقد يمس بعض النواحي التي تتصل بالحياة الاجتماعية والخلقية أحيانًا أخرى.

    ولكن عنايته بالشرطة والقضاء والقانون مُمتازة حقًّا، وهو قد أتى فيها بالآيات البينات، ولستُ أتَحَدَّثُ عن هذا النحو من التمثيل لأُبَيِّن عمَّا فيه من الجَمَال الفني، فذلك شَيءٌ قد أعرض له في غير هذا المكان، إنما أريد أن أبين ما فيه من هذه الحرية السياسية الممتازة التي يستمتع بها الأدب في البلاد التي تعرف للحرية حقها، والتي تراها ضرورة من ضرورات الحياة العامة، كما أنَّ الهواء ضرورة من ضرورات الحياة الطبيعية.

    ولقد أحبُّ أن يقرأ قضاتنا ورجالُ النيابة عندنا ورؤساء الشرطة بعض هذه القصص، وأن يقدروا أنها تُمثَّل في الملاعب، وفي أكبر الملاعب الفرنسية، في بيت موليير خاصة، ويشهدها الشعب الفرنسي مُتهالكًا عليها، مفتونًا بها، ويسبق رجال القضاء والنيابة والشرطة إلى شهودها والاستمتاع بما فيها من الفكاهة والهزل، دون أن يتعرض الكاتِبُ لشيء مما يتعرض له أشد كُتَّابنا احترامًا للقضاء والنيابة والشرطة، وأعظمهم حِرْصًا على أنْ لا ينال رجال هذه النظم المُقدسة بما يؤذيهم.

    إنهم إن فعلوا هونوا على أنفسهم، وعلى النَّاس، وابتسموا للحياة، وأبَاحُوا للنَّاس أنْ يَبْتَسِموا لها، وعرفوا أنَّ جلال النُّظم العُليا لا يأتيها من التشدد ودقة الحس والضيق بكل شيء، والغضب من كل شيء، والتحرج من أيسر الأشياء، وإنَّما يأتيها من السَّماحة والسهولة واللين، واستقبال الحياة كما هي، واستقبال الناس كما هي، والإيمان بأنَّ الحياةَ تفسد أشد الفَساد إنْ أصْبَحَت كلها جدًّا، وتقبح أشنع القبح إنْ حرصت أشد الحرص على مرارة الجد، والتزيد منه.

    والغريب أنَّ كورتلين لم يعبث برجال القضاء والنيابة والشرطة إلا من النواحي التي يتشدد رجال القضاء والنيابة والشرطة فيها، ويحرصون على أنْ تَكُون فوق النقد، فضلًا عن أن تكون فوق العبث والمزاح.

    ما نظنُّ أن شيئًا يؤذي صاحب الشرطة ويغيظه ويُحرجه، ويدفعه إلى استثارة القضاء والاستغاثة بحماية القانون من أنْ يعرض له الناقد المَازح فيما يمس مَنْصِبه، وفيما يمس واجبه الخَاص، ومذهبه في تأدية هذا الواجب، ومع ذلك فلم يعرض كورتلين للشرطة الفرنسية إلا من هذه الناحية.

    تستطيع أن تقرأ قصته التي سماها «المأمور رجل طيب»، فسترى أنه قد عبث بمأمور القسم عبثًا لو أنَّ شيئًا منه أقدم عليه كاتب مِصْري لما أمنت عليه أن تغتاله العوائل، وتجتاحه الجوائح، ولما ضمنت له أنْ تَطْمَئنَّ به الدارُ بين الأهل والأصدقاء، فمَأمُور القسم في قصة كورتلين رجلٌ قد تعوَّد الدقة في أداء واجبه، وحرص أشد الحرص على أنْ يُطبق القوانين تطبيقًا حَرْفيًّا، ومضى في ذلك حتى اكتسب منه عيوبًا هي التي سجلها كورتلين. يدخل عليه الشاكي فلا يكاد يتحدث إليه بشكاته حتى يسبقه المأمور إلى إتمامها كأنه كان معه، وكأنَّه شهد ما يشكو منه، ولكنه مع ذلك لا يحفل به ولا يغيثه؛ لأنه لا يُرِيدُ أنْ يشق على نفسه، ولا يريد أن يتكلف كتابة المذكرات، وإنشاء المحاضر، واتخاذ الإجراءات، فهو يلتمس الحيلة لصرف هذا الشاكي عن نفسه، يحوله إلى النيابة حينًا، ويُغريه بالدعوى المُباشرة حينًا آخر، ويرُدُّه ردًّا عنيفًا دون أن يحوله على شيء مرة أخرى؛ فإذا ألح الشاكي فويل له؛ لأنَّ المأمور يستطيع أن يأمر الشرطة بإخراجه، فإذا أغلى في الإلحاح فالمأمور يستطيع أن يأمر الشرطة بحبسه؛ لأنَّه أهان صاحب السلطان أثناء قيامه بالواجب.

    وانظر إلى هذا الرجل قد التقط ساعة في بعض الطريق، وكان أمينًا، فأقبل بالساعة يحملها إلى المأمور، فيسأله المأمور: أين وجدتها؟ فإذا قال: وجدتها في مكان كذا، فيسأله: في أي وقت وجدتها؟ فإذا أجابه: في وقت كذا من الليل، سأله: وماذا كنت تصنع في هذا المكان أثناء الليل؟ فإذا أجابه: كنت في الطريق إلى بيتي، سأله: مَنْ تكون؟ وأين يكون بيتك؟ فإذا أنبأه باسمه، سأله: ومن يثبت لي أنك صادقٌ؟ ومن يضمن لي أنك لم تَسرق هذه الساعة؟ وما يزال الحوار بين هذا الرَّجل الأمين يُحرجه تحكُّم المأمور، وبين المأمور يغيظه دفاع هذا الرجل عن أمانته؛ حتى ينتهي الأمر إلى إقصاء، وإذا المأمور يدعو الشرطة ويكلفها أن تقود هذا الرجل الأمين إلى السجن؛ لأن الشبهات تأخذه من كل مكان.

    ثم انظر إلى هذه المرأة قد أقبلت تُريد أن تتحدث إلى المأمور، فيسألها: لعلك إنما تريدين أن تشكي زوجك؟ فإذا أجابت: نعم، قال: فلا ينبغي أن تشكي إليَّ؛ لأني لستُ مُكلفًا أنْ أَسْمَع شكاة الزَّوجات إلا في أمور خاصة؛ هي إثبات الزِّنا، فإذا زعمتْ له أنَّ زوجها مجنون أبى عليها ذلك أشد الإباء، وزعم لها أنَّها تُسيء الظن به، وتتهم سيرته، وأنها قد تكون هي المجنونة، وأنَّ زوجها قد يكون رجلًا بريئًا كامل العقل، ولكنها تنغص عليه الحياة لتضطره إلى ما تكره، وما يزال بها حتى يردها عنه.

    ولكن انظر إلى الانتقام الذي يتم في أقرب وقت وأقصره: فهذان الشرطيان قد أقبلا يسوقان إليه رجلًا يزعمان أنَّه كان يصيح في الشارع بما يُخالف القانون ويغري بالثورة، فلا يكاد المأمور يتحدث إليه ويسمع منه حتى يأخذ هذا الرجل في أن يعرض عليه نظريات فلسفية في السياسة، وقد خلا بالمأمور، وانصرف عنه الشُّرطيان، وأخذ المأمور يسمع له ويحاوره، ولكن الرجل يَنسَلُّ شيئًا فشيئًا إلى الباب فيغلقه، ويخفي المُفتاح في جيبه، ويمضي في الحوار حتى يستيقن المأمور بأنَّ صاحبه مجنون، ولكنه يهم أن يدعو الشرطة فلا يستطيع؛ لأنَّ صاحبه قد صوَّب المسدس إليه.

    وما يزال المجنون بالمأمور يصدر إليه الأمر إثر الأمر: يكلفه أن يطفئ النار والبرد شديد؛ لأنَّ الله لم يخلق البرد عبثًا، وإنما خلقه ليجده الناس، فيجبُ أن يجد الناس البرد في الشتاء، والحرَّ في الصيف، وإلا فهم خارجون على الطبيعة، والمأمور مُضطر إلى الإذعان؛ لأنَّ المُسدس مصوبٌ إليه إنْ لم يفعل، ثم يأمره أن يخرج من أكثر ثيابه، وأن يخلع نعليه، ثم يأمره أن يفتح النافذة، ثم يرى بابًا صغيرًا؛ فإذا سأل عما وراءه وقال المأمور: إنه مُستودع الفحم، فتح المجنون هذا الباب وكلَّف المأمور أن يدخل المستودع، فإذا أبى صوَّب المسدس إليه، والمأمور مُضطر إلى أن يُذعن، وإذا هو يدخل وإذا الباب يُغلق من دونه، ثم يُحْكِم إغلاقه، وإذا المجنون يأخذ قلنسوته ويفتح الباب ويخرج كأحسن ما يخرج العقلاء، ثم يدخل الشرطيان فلا يجدان المأمور، وهما يبحثان عنه فلا يجدانه، وإنما يجدان آثاره، وهما في ذلك فإذا صوت المأمور يبلغهما من وراء الباب، فإذا فُتح له الباب خرج عليهما وقد جلله الفحم بالسواد.

    ما رأيك في قصة كهذه تراعى فيها صنوف الحياة المصرية، ثم تقدم إلى ملعب من الملاعب، ثم يمثلها الممثلون؟ فنلاحظ أولًا أنها لن تبلغ الملعب؛ لأنَّ الرِّقابة في وزارة الداخلية ستحول بينها وبين بلوغه، وهب الرقيب لم يقرأ القصة، أو قرأها ولم ير بها بأسًا فأذن بتمثيلها، فما رأيك إذا مُثلتْ وشهدها الناسُ، وشهدها رجل من رجال الشُّرطة المُثقفين: أيضحكُ كما يضحك رجال الشرطة في فرنسا، ثم ينصرف وكأنَّه لم ير شيئًا، أم يُسرع إلى الإنكار والاحتجاج والاستغاثة بالقضاء؟

    فإذا قرأت قصة أخرى لكورتلين سماها «هذا الشرطي لا شفقة له»، رأيت العبث بالشرطي قد انتهى إلى أقصاه، فبطل القصة شرطي حساس جدًّا، كل شيء يؤذيه، وكل شيء يغيظه، وهو يرى في كل شيء إهانة له أثناء القيام بواجبه، وهو يقدم إلى النيابة في كل يوم مُذكرات لا تُحصى؛ لأنَّ فلانًا أهانه بهذا اللفظ، أو لأنَّ فلانًا أهانه بهذه النَّظرة، أو لأنَّ فُلانًا لم يستجبْ له حين دعاه، ووكيل النيابة ضَيِّقٌ به وبمُذكراته، يُؤنبه حينًا، وينصح له حينًا آخر، حتى يقرأ مُذكرة من هذه المذكرات؛ فإذا هو يتهم رجلًا من خير أهل المدينة، وأعظمهم ثراء، وأكثرهم إحسانًا إلى الناس، بأنَّه أهانه أثناء تأدية الواجب، والإهانة صارخة لا يستطيع وكيل النيابة أن يغضي عنها، والرجل عظيم لا ينبغي أن يُؤخذ في شيء كهذا.

    فإذا دعاه وكيل النيابة وسأله واعترف بالذنب، ولكنه قص قصته، فأنبأ وكيل النيابة بأنه خرج ذات يوم يتنزه ومعه كلب يسعى وراءه، وإنه لفي بعض الطريق إذ لقي هذا الشرطي فتهيأ لتحيته، ولكن الشرطي استوقفه وعنَّفه؛ لأنَّه يترك الكلب يسعى وراءه مُطلقًا، وإذ هو يكتب له مُذكرة، ويذهب الرجل إلى العُمدة فيعتذر ويستغفر، ويقبل العمدة منه ذلك، ويعده أن يشفع له عند الشرطي ليلغي مُذكرته، وينصح له بأنْ لا يُرسل كلبه بغير حبل حتى يعفو عنه الشرطي. وقد أذعن للرجل، فجعل لا يخرج إلا وهو يجر كلبه وراءه بحبل، حتى إذا كان يوم أو يومان لقي الشرطي في بعض الطريق، فأقبل عليه الشرطي يُنبِئه بأنَّ العُمدة قد شفع له، وبأنَّه قبل شفاعته، والرجل يتهيأ ليشكر الشرطي، ولكنَّ الشرطي ينظر فإذا الرجل قد ربط كلبه إنفاذًا لأمره الأول؛ فيَغْتاظ الشرطي فيقول: ما بالك تربط هذا الكلب وأنت تعلم أني أذنت لك في إرساله؟ لأكتبن لك مُذكرة، فيخرج الرجل عن طوره ويشتمه.

    وإذا سمع وكيل النيابة هذه القصة دعا الشرطي وأخذ يترضاه ويستعطفه، والشرطي لا يزداد إلا شدة وإلحاحًا، والرجل نفسه يترضى ويستعطف ويغلو في ذلك حتى يعرض مُكافأة، وإذا الشرطي ينتهز الفرصة ويقدم إلى وكيل النيابة شكوى جديدة بأنَّ هذا الرجل حاول أن يشتري ذمته بالرشوة، ويغتاظ الرجل فيُنذر ببعض اللفظ، وإذا الشرطي يقدم شكوى أخرى بأنَّ هذا الرجل يعتدي عليه أثناء قيامه بالواجب في مكان لا ينبغي الاعتداء فيه.

    وقد غضب وكيل النيابة من تشدد الشرطي غُلوِّه، ولكنه مضطر إلى أن يقبل الشكوى، وإلى أنْ يُقدم صاحبه إلى القضاء، ثم يبدو له فيسأل الشرطي عن السَّاعة، فإذا أنبأه بأنها الساعة الثانية عشرة والرُّبع قال له: «وإذن، فما وقوفك هنا في هذا الزَّمن الذي يُخالف القانون؟» ثم يكتب كلمات يدفعها إليه ويأمره أن يرفعها إلى رئيس الشرطة. وينظر الشرطي في هذه الكلمات فلا يشك في أنها العقوبة إنْ وصل هذا الكتاب إلى رئيسه، فيستعطف ويتضرع ويذكر ماضيه الذي لم يُعاقب فيه، ولكنَّ وكيل النيابة لا يسمع له ولا يَحفَل به، والشرطي مُضطرب يُعاني صدامًا هائلًا بين حقه وبين خوفه، ثم ينتهي إلى تمزيق المُذكرات التي كتبها لهذا الرَّجل مُعلنًا أنَّ الشرطي قد يكون لا قلب له، ولكنه قد يكون كبير النَّفس يتَجَاوزُ أحْيانًا عن السيئات. هنا يعفو عنه وكيل النيابة، ويأمُرُ صاحبه أن ينصرف، ولكنَّ الرجل سعيد مسرور قد أفلت من المُحاكمة، وهو يريد أن يشكر للشرطي عفوه، وأن يُثني عليه؛ فإذا هَمَّ بذلك سبقه لسانه إلى شتم الشرطي.

    أرأيت إلى هذه الحرية التي يصطنعها كورتلين مع الذين جعلت إليهم الدولة حماية النظام؟ أرأيت كيف يمضي بها هذا الكاتب إلى أقصاها، وكيف لا يجدُ رجال الشرطة ولا رجال القضاء بأسًا لا نقُول بقراءتها ولا بشهودها، بل بالاستمتاع بها والرضا عنها، ومع ذلك فليس هذا كله شيئًا بالقياس إلى قصص أخرى يمزح فيها الكاتب مع رجال النيابة والقضاء، ولعلي أُحدثك عن بعض هذه القصص في الأسبوع المُقبل بعد أن أستشير رجال القانون، وأتثبت منهم أنَّ الحديث عن هذه القصص لا يدفعني إلى التحقيق، ولا إلى المحاكم، فإلى اللقاء.

  • الجامعة المصرية في عالم الحرية-١

    الجامعة المصرية في عالم الحرية
    – في مجلس القضاء
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٤ مايو ١٩٣٤

    أمَّا أنَّ مجلس القضاء مهيب رهيب، فهذا شيء لا شك فيه، وكيف لا يكون كذلك وهو المجلس الذي يتجلى فيه سلطان الأمة قويًّا حازمًا صارمًا، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يرقى إليه ضعف ولا وهن، ولا تسعى إليه هذه الأسباب والظروف التي تسعى إلى غيره من مظاهر السلطان فتسلك إليه طرقًا تستقيم حينًا، وتلتوي أحيانًا، وتبلغه أو لا تبلغه، وتؤثر فيه حين تنتهي إليه أو لا يصيبه من تأثيرها شيء.

    فأما مظهر السلطان الذي يتجلى في مجلس القضاء فبعيد عن هذا كله، مبرَّأ من هذا كله؛ لأنه يتجلى في حرم مقدس لا تستطيع أسباب الحياة وظروفها أنْ تبلغه أو تتجاوزه إلا إذا خلصت من كل شائبة، وارتفعت عن كل لائمة، وتنزهت عن كل سوء، وأصبحت من أسباب الحق والعدل والإنصاف. فليس من سبيل إلى شك إذن في أنَّ مجلس القضاء هذا الذي يتجلى فيه هذا المظهر العظيم من مظاهر السلطان الرفيع المنيع، ليس من شك في أنَّ هذا المجلس مهيب رهيب، ولا سيما بالقياس إلى الذين يقفون في هذا المجلس موقف الخصوم؛ لأنهم يواجهون هذا السلطان مواجهة، وينتظرون منه كلمة الحق قاطعة ناصعة، وحكم العدل صارمًا حازمًا، ولا سيما بالقياس إلى الذين يقفون من هذا المجلس موقف المتهمين، ويقومون منه مقام الذين تأخذهم الظنة ويحيط بهم الشك؛ فهؤلاء يطمعون في البراءة ويشفقون من الإدانة، وهؤلاء يترددون بين ما تريده نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم ومنافعهم، وما يريده القانون والمسيطرون على تطبيق القانون؛ فهم إذن بطبيعة موقفهم مضطربون، وهم إذن بطبيعة هذا الموقف نفسه أشدُّ الناس شعورًا بجلال القضاء، وبأن مجلسه مهيب رهيب.

    كل هذا شيء لا شك فيه، ولا معنى لتناوله بالبحث أو بالكتابة إلا من الذين يريدون أنْ يدرسوا علم النفس، ويكتبوا فصلًا من هذه الفصول التي إنْ أتيح لي فهمها حينًا فهو شديد العسر عليَّ في أكثر من الأحيان.

    ولكنَّ في مجلس القضاء أمورًا أخرى يستطيع مثلك ومثلي من عباد الله الذين لم يفرغوا للقانون والفقه، ولم يقصروا جهدهم على الفلسفة وعلم النفس أنْ يلحظوها ويفكروا فيها، بل أنْ يقفوا عندها فيُطيلوا الوقوف، وأنْ يدرسوها فيستخرجوا من دراستها نتائج تنفع وتفيد، ولعلها لا تخلو من هذه اللذة المريحة الظريفة التي تشبه لذة الأدب والفن من كثير من الوجوه.

    ولعل أوضح ما ظهر لي من هذه الأمور، ودفعت إلى التفكير الطويل فيه، حين كنت في مجلس القضاء، هو هذه الصلة الغريبة التي تنشأ في محكمة الجنايات بين عناصر مختلفة، فلا تلبث حتى تجعل الجو المعنوي في مجلس القضاء قيِّمًا خصبًا خليقًا بالعناية والتأمل والتمحيص. وهذه العناصر المختلفة هي عناصر الاتهام والدفاع والنظَّارة. وأنا أعتذر من اصطناع كلمة النظَّارة؛ فهي الكلمة الملائمة حقًّا لهؤلاء الناس الذين يختلفون إلى مجالس القضاء ليشهدوا ما يكون من صراع بين الخصوم عامة، وما يكون من صراع بين الاتهام والدفاع أمام محاكم الجنايات بنوع خاص. فهؤلاء الناس نظَّارة لا بالمعنى اللغوي للكلمة فحسب، بل بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.

    هم كهؤلاء الذين يستمعون كل صراع، ويلتمسون في ذلك لذة من اللذات، وهم كهؤلاء الذين يسمعون لكل حوار، سواء منهم من يلتمس ذلك في دور التمثيل، ومن يلتمسه في غير دور التمثيل من مواطن الصراع والنضال المادي والمعنوي. يذهبون إلى مجلس القضاء وفي نفوسهم تلك الأهواء والشهوات، وتلك الغرائز والميول التي يذهبون بها إلى أي موطن من مواطن الصراع والنضال، ولا يكادون يجلسون في مجلس القضاء، ولا تكاد المعركة تبدأ بين المختصمين حتى تكون حال هؤلاء الناس كحالهم حين يشهدون أي صراع أو أي نضال آخر؛ قد اتصلت نفوسهم بالمختصمين، فهم يرضون ويسخطون، وهم يعرفون وينكرون، وهم يحبون ويبغضون، وهم يَعجَبون ويَزْوَرُّون، ثم هم يأملون حتى تنبسط أمامهم آفاق الأمل إلى غير حد، وهم يخافون حتى يأخذ عليهم الخوف كل طريق، ثم هم لا يتبعون أنفسهم وحدها خصام المختصمين، وإنما يتبعونه حواسهم أيضًا؛ فإذا لذة الأمل تدب في أجسامهم كأنها نشوة الراح، وإذا قشعريرة الخوف تعبث بأجسامهم كأنها نذير الكارثة المكروهة، ومنهم من لا يستطيع أنْ يمسك نفاسه وصوته عن الاندفاع بما يجد من أمل أو خوف، ومنهم من لا يستطيع أنْ يمسك عينيه عن إرسال الدموع، ومنهم من لا يستطيع أنْ يمسك شفتيه عن انبساط الراضي المغتبط، أو انقباض المكتئب المحزون.

    كل هذا يكون في مجلس القضاء، وفي محاكم الجنايات خاصة؛ فأخلاق الناس الذين يحضرون هذا المجلس وخصالهم، وما يعرض لنفوسهم وأجسامهم من الأعراض هي بالضبط هذه الأخلاق والخصال والأعراض التي تشخص هؤلاء الناس حين يذهبون إلى دور التمثيل وغيرها من مواطن الصراع والنضال، ولكن لهم فضلًا على هؤلاء النظارة الذين يختلفون إلى دور التمثيل؛ فالنظارة يعرفون أنَّ ما يجري في دور التمثيل خيال من الخيال، ولعب من اللعب، على حين يعرف هؤلاء الناس أنَّ ما يجري في مجلس القضاء واقع كله لا حظ فيه للعب أو خيال.

    وهذه المعرفة نفسها تجعل ما يثور في نفوسهم من العواطف والأهواء والميول أعنف وأقوى مما يثيره التمثيل في الذين يختلفون إلى دور التمثيل. وربما كان من الطريف أنْ نلاحظ أنَّ النظارة في مجلس القضاء يضاعفون لذاتهم وآلامهم بعنصر جديد لا يوجد في غير مجلس القضاء، وهو عنصر النظر إلى القضاة، والاستماع لما قد يصدر عنهم من لفظ، أو لما قد يدفعون إليه من مناقشة أو حوار. فكل النظارة في مجلس القضاء فطن، وكلهم ذكي لبق، وكلهم قادر قدرة بالغة على أنْ ينفذ إلى نفس القضاة، ويرى فيها آثار ما يقول المختصمون، وكلهم بارع في أنْ يُئَوِّل ما يمر على وجوه القضاة من حركات طوال أو قصار، وكلهم دقيق يلاحظ أنَّ هذا القاضي قد مد شفتيه أو قبضهما، وأنَّ هذا القاضي قد بسط جبينه أو قطبه، وأنَّ هذا القاضي قد هم بالكلام ثم مضى فيه أو كف عنه، وكلهم ماهر في تأويل ذلك واستخلاص ما سينتهي إليه مجلس القضاء من حكم بالإدانة أو البراءة، ومن تشديد في العقوبة أو تخفيف. وواضح جدًّا أنَّ مجلس القضاء ينتهي في أكثر الأحيان وتصدر أحكام القضاة فإذا هي مخالفة كل المخالفة لما كانت النظارة ترجو أو تخاف.

    كل هذا يدعو صاحب الأدب — أو صاحب تاريخ الأدب إنْ أردت التدقيق — إلى أنْ يتساءل: ما بال الأدباء في مصر لا يعنون بمجالس القضاء كما يعنون بغيرها من مظاهر الحياة الأدبية القومية الممتعة؟ فمجلس القضاء ميدان من ميادين البراعة الأدبية ما في ذلك شك، ولا إلى الريب في ذلك سبيل؛ فالمختصمون خطباء، وما يتحدثون به خطابة؛ أي مادة أدبية قابلة للبحث والتحليل، خليقة أنْ يُلتَمَس فيها شيئان يُلتَمسان دائمًا في كل نصٍّ أدبي قيِّم؛ أحدهما: نفس الخطيب الذي نطق بهذه الخطبة وحاور في هذه الخصومة، والآخر: حياة الشعب التي تنعكس في خطب الخطباء وحوار المختصمين.

    ومن المحقق أنَّ البحث عن هذين الغرضين ينتهي دائمًا إلى نتائج لذيذة ممتعة، فأنت تتبين في خصومة هذا المحامي أو هذا النائب أنه يخاصم بلسانه وعقله، وقد ألقى بين قلبه وبين الخصومة حجابًا صفيقًا، وأنت تتبين في خصومة ذاك المحامي وذاك النائب أنه يخاصم بقلبه وعواطفه قبل أنْ يخاصم بعقله وتفكيره الهادئ المطمئن، وأنت تتبين في خصومة محام آخر أو نائب آخر أنه يؤلف من قلبه وعقله في الخصام مزاجًا رائعًا بديعًا يرضي العقل والشعور معًا، ثم أنت تتبين أثر هذا الاختلاف بين طباع الخصوم وأمزجتهم، لا أقول في نفس القضاة، فقد يظهر أنَّ هذا عسير جدًّا، وقد يظهر أنه إنْ أتيح لك لم يحسن بك أنْ تخوض فيه، وإنما أقول في نفس النظارة، وفيما يظهر عليهم من آيات الهدوء والاستقرار، أو من مظاهر القلق والاضطراب، أو من علامات الإعراض والإعياء الذي قد يدفع بعضهم إلى الانصراف، وقد يدفع بعضهم إلى النوم.

    وظاهر جدًّا أنَّ هذا كله حديث في مصر جاءنا مع ما جاءنا من تقليدنا للأوربيين؛ فالخطابة القضائية — كما يسميها أرسطاطاليس — فن لم يزهر في أدبنا العربي القديم بسبب واضح جدًّا، وهو أنَّ نظام القضاء عند العرب لم يعرف تأليف المحكمة من قضاة عدة يتجه إليهم المختصمون بما يتجهون به إلى الجماعات من فنون الخطابة ووسائل الإقناع التي يقصد بها إلى الجماهير، وإنما كان القاضي في المحكمة الإسلامية واحدًا، فلم يكن المختصمون في حاجة إلى أنْ يقنعوه بهذه الطرق الطويلة العريضة الملتوية التي يسلكها المختصمون، إنما هي البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر؛ فإن لم يكن بدٌّ من جدال أو حوار، فمع القصد والإيجاز والاعتدال.

    أما عند اليونان والرومان فقد كانت المحاكم تتألف من العشرات للقضاء المدني، ومن المئات للقضاء الجنائي، ولم يكن بُدٌّ إذن للمختصمين من أنْ يخطبوا، أو يندبوا من يخطب لهم أو يهيئ لهم الخطبة، وكذلك نشأت المحاماة وأزهرت وأخرجت للإنسانية دموستين وسهيرون عند اليونان والرومان، ثم احتفظت أوروبا في العصر الحديث بكثير من سنن القضاء القديم؛ فاستبقت نظام المحلفين في بعض أنحاء القضاء، وفي القضاء الجنائي خاصة، واحتفظ المحامون بسنن الخطابة القديمة أيضًا، وأخذنا نحن عن أوروبا نظام القضاء الجديد، وأخذ المحامون في مصر عن أوروبا نظام المحاماة وسنتها، ولَكِنَّا لم نأخذ نظام المحلفين، وأخذ المحامون نظام الخطابة فكان هذا الموقف الطريف الظريف الذي لا أشك في أنَّ قضاتنا يفكرون فيه كثيرًا، ويضيقون به كثيرًا أيضًا، وهو أنَّ القضاة قوم هادئون لا يحتاجون إلى ما تقتضيه الخطابة من هذه الوسائل المختلفة للإقناع، وإنما يحتاجون إلى الحوار الهادئ والجدال المعتدل، والخصام الذي يقوم على الحجة والبرهان القانوني أكثر مما يقوم على إثارة العواطف والتأثير في الشعور.

    ومن هنا لا أشك في أنَّ القضاة كثيرًا ما يتبرمون فيما بينهم وبين أنفسهم وضمائرهم بهذه المرافعات الطويلة العريضة الحادة العنيفة، التي تستغرق منهم وقتًا طويلًا، وتُحمِّلهم جهدًا ثقيلًا، ولا تكاد تمس موضوع الخصومة التي يعنون بها إلا مسًّا يسيرًا بعيدًا، لا إقناع فيه ولا غناء، والقضاة مضطرون بحكم مناصبهم إلى الحلم وسعة الصدر، وإلى الهوادة واحتمال كثير من الضيق. وهم يبذلون من ذلك ما يراد منهم، ولكن من المرجح أنهم يؤدون ثمن هذا البذل فيما بينهم وبين أنفسهم، فيشقون به شقاءً ثقيلًا.

    ذلك أنَّ المحامين خطباء، والقضاة — كما قلت — ليسوا في حاجة إلى الخطابة، ولكن النظَّارة في حاجة إلى هذه الخطابة، وما أكثر المختصمين الذين ينسون القضاة وجوهر الخصومة، ولا يذكرون إلا النظارة وحرارة الخطابة والبراعة في الفن، فيبلغون من هذا كله ما يريدون. ولو أنَّ هذا الموضوع ظفر بما ينبغي له من عناية الأدباء والنُقَّاد والمفكرين لكان من الممكن، بل ومن المؤكد، أنْ تتقرر هذه الحقيقة التي يخيل إليَّ أنها ليست مقررة — كما ينبغي — في آدابنا القضائية، وهي أنَّ المحامين عند اليونان والرومان كانوا من كبار الأدباء والفلاسفة والمثقفين؛ فكانت حظوظهم من الكفاية أعظم جدًّا من حظوظ القضاة الذين كانوا يختارون من الشعب، وأنَّ المحامين في أوروبا أيضًا من كبار الأدباء والفلاسفة والمثقفين، ولكنهم يخاصمون في بعض فنون الخصام أمام المحلفين الذين يختارون من الشعب، فهم أقل كفاية وثقافة من المختصمين.

    أما في مصر فالمحامون من كبار الأدباء والفقهاء والمثقفين، والقضاة أيضًا من كبار الفقهاء والمفكرين والمثقفين؛ فكفايتهم تعدل كفاية المحامين ولا تقل عنها، وإذن فيجب أنْ يتحدث المحامون إلى القضاة حديث الأكفاء إلى الأكفاء. وأريد الكفاية العقلية الثقافية القانونية التي تغني عن كثير جدًّا من فن الخطابة، أو التي تغير كثيرًا جدًّا من فن الخطابة، لا أنْ يتحدث المحامون المصريون إلى القضاة المصريين، كما كان يتحدث المحامون القدماء إلى قضاة يختارون من أوساط الناس، ولا كما يتحدث المحامون الأوروبيون إلى المحلفين. وما دامت النظارة لا تقضي ولا تستشار في القضاء بين الخصوم؛ فالخير كل الخير أنْ تكون عناية المختصمين بها معتدلة مؤثرة للقصد.

    ستقول: ومتى فكرت في هذا كله؟ وما أنت وهذا الحديث؟ ولكنك نسيت أني حضرت مجلس القضاء أسبوعًا أو أكثر من أسبوع، وشهدت فيه فنونًا مختلفة من المرافعات في ضروب مختلفة من القضايا؛ فقد كنت أحضره من الساعة التاسعة وانصرف عنه مع الساعة الثالثة، وأسمع ما يجري فيه من خصومة حول السرقة والقتل والاعتداء، وحول النشر أيضًا. وأؤكد لك أني وجدت في هذا الأسبوع لذة ممتعة حقًّا، وأني أسفت أشد الأسف لأني لم أشهد مجلس القضاء إلا حين أُكرهت على أنْ أشهده، وأنا أرجو أنْ يتاح لي الاختلاف إليه كأحد النظارة لا كأحد المتهمين.