إعراض
طه حسين
كوكب الشرق
٥ يناير ١٩٣٤
أما أنا فلست أريد أن أنقد خطبة قاضي القضاة من الناحية السياسية كما نقدها توفيق دياب، ولا أن أدافع عنها من الوجهة القضائية كما دافع الأستاذ مرقس فهمي؛ فلست أنا من هذا كله في شيء.
ولعلِّي لا أغلو إن قلتُ إني لا أكتب اليوم ناقدًا بل مستفهمًا؛ فقد تركت خطبة قاضي القضاة مكانًا للاستفهام، وقد يكون هذا الاستفهام طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه استفهام على كل حال.
وكنت أحب أن لا تترك خطبة قاضي القضاة مقالًا لقائل أو سؤالًا لسائل؛ لأن ما أعرفه عنه يطمعنا في ذلك منه.
وأكبر الظن أن هذا الاستفهام قد يستحيل إلى تفسير، وليس غريبًا أن تثير خطبة قاضي القضاة استفهامًا، ثم يستحيل هذا الاستفهام إلى تفسير أو شيء يشبه التفسير؛ فالأستاذ الجليل عبد العزيز باشا فهمي دقيق ممعن في الدقة، قد عُرِف بذلك، عرفه به أبعد الناس عنه، فضلًا عن أقرب الناس منه. وهو على ذلك بعيد المرامي، يريد باللفظ اليسير القصير أشياء لا يبلغها غيره بالإطناب والإسهاب.
ولعله أن يكون قد لمح إلى ما أسأل عنه تلميحًا، وأشار إلى ما أستفهم عنه إشارة من هذه الإشارات التي لا تُتاح لغيره من الخطباء والكتاب.
أما السؤال الذي أثارته خطبة الأستاذ في نفسي، وفي نفس جماعة من الذين يحبهم ويحبونه، ويكرمهم ويكرمونه فتصل بالقضاء الشرعي؛ ما باله لم يُذكَر في خطبة الأستاذ؟! وما باله لم يظفر بكلمة صريحة جلية في هذه الخطبة الصريحة الجلية؟! فقد كانت الخطبة في ذكر القضاء الأهلي كيف دعت إليه الحاجة؟ وكيف نشأ؟ وكيف ارتقى وتطور حتى قطع إلى الكمال شوطًا بعيدًا، وحتى مكن قاضي القضاة من أن يطلب إلى جلالة الملك أن يتفضل فيعلن أن هذا القضاء خليق منذ الآن أن يرضي حاجة الذين يسكنون مصر جميعًا إلى العدل، ويحفظ حقوقهم، ويُغْنِي مصر عن المحاكم المختلطة؟!
وكل هذا حسن، وكل هذا حق لا شك فيه، ولكن قاضي القضاة ذكر المحاكم المختلطة، وبيَّن كيف كان التفكير فيها، وكيف نشأت، وكيف انتفعت بها مصر.
وكان قاضي القضاة — كدأبه دائمًا — بارعًا لبقًا حين أثنى على نظام القضاء المختلط في أول الخطبة، وطلب إلغاءه في آخر الخطبة، ونظن أن القضاء الشرعي كان خليقًا بأن يقف عنده الأستاذ الخطيب وقفة إن لم تكن أطول من وقفته عند القضاء المختلط فلتكن مثلها أو أقصر منها.
ولكن هذه الوقفة — فيما نرى — لم يكن منها بد لتكون الخطبة كاملة شاملة عامة تامة ملمة بالموضوع من جميع أنحائه، آخذة له من جميع أطرافه؛ فنظام القضاء الشرعي أقدم النظم القضائية في مصر، فله من حرمة القدم هذه حق تاريخي على الذين يعرضون لذكر القضاء لا ينبغي لهم ولا يُقبَل منهم أن يهملوه مهما تكن الظروف ومقتضيات الحال كما يقولون.
وليس ينبغي أن يُقال إن القضاء الشرعي قد كانت له نظم وأوضاع لم تكن تخلو من العيب، ولم تكن تسمو على النقد؛ فكل نظام إنساني لا يكاد يخلو من العيب، ولا يكاد يسمو عن النقد، وأعمال الإنسان كلها ونظم الإنسان كلها مزاج من الخير والشر؛ فمن أراد التاريخ الدقيق ذكر الحسنات والسيئات، ومن أراد الذم الخالص ذكر السيئات دون الحسنات، ومن أراد الثناء الخالص ذكر الحسنات وأعرض عن السيئات، ومن أراد المجاملة والإنصاف في غير إمعان في البحث، ولا استقصاء للدقائق قال خيرًا ولمح تلميحًا إلى ما لا ينبغي أن يُنسى من مواضع النقص.
وقد كانت في هذه المجاملة المُنْصِفة سَعَة للأستاذ الخطيب تتيح له إرضاء هذا النظام الذي مهما يُقَل فيه فقد عاشت عليه مصر قرونًا طوالًا، وكان خليقًا أن يظفر بكلمة من كلمات الثناء هذه التي يشوبها شيء من النقد الرفيق البليغ من هذه الكلمات المرضية المُغْنِيَة التي يحسنها الأستاذ أكثر مما يُحْسِنها غيره من الكتاب والخطباء.
ولكن في الأمر ما يجعل الأسف شديدًا عميقًا لإعراض الأستاذ عن ذكر القضاء الشرعي في خطبته تلك؛ فقد يُخيَّل إلينا أن هذا القضاء الشرعي قد سعى إلى الرقي في هذا العصر الحديث كما سعى غيره من النظم المصرية، وإذا لم تُخنَّا الذاكرة فقد كان التفكير في إصلاح القضاء الشرعي وتنظيمه وتجديد أوضاعه معاصرًا للتفكير في إدخال القضاء الأهلي إلى هذه البلاد؛ أي: في سنة ١٨٨٠. ومن ذلك الوقت، أخذت نظم القضاء الشرعي تحيا وتبلو ما تبلوه النظم الحية من الخير والشر، ومن التجربة والامتحان؛ فتتخلص من العيب، وتستكثر من المحاسن، وترقى في نظام واطراد، وقد غُيِّرت نُظُم القضاء الشرعي قليلًا أو كثيرًا في أوقات مختلفة من هذا العصر الحديث الذي يبلغ خمسين سنة أو أكثر قليلًا، ويُخيَّل إلينا أن الجهود التي بُذِلَتْ في ذلك لم تكن قليلة، ولا يسيرة، ولا خليقة بالإعراض.
ويُخيَّل إلينا أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله قد بذل في ذلك جهودًا كانت خليقة أن تُذكَر، ولاسيما إذا لاحظنا أن القضاء الأهلي قد ازدان بنفس الأستاذ الإمام الرضية، وصوته العذب، وخلقه الطيب، وزيه الجميل. فكان رحمه الله صلة حسنة بين هذين النوعين من نظم القضاء، عمل في أحدهما وجدَّ في إصلاح ثانيهما.
ولو لم يكن للقضاء الشرعي إلا أن زميلًا عظيمًا من زملاء قاضي القضاة قد فكر فيه، وعُنِي به، وجدَّ في إصلاحه؛ لكان هذا كافيًا لأَنْ يلم به الأستاذ في خطبته إلمامة قصيرة.
ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فقد يُقال إن سعدًا رحمه الله عُنِيَ بالقضاء الشرعي عناية خصبة لم يقف أمرها عند القضاء الشرعي وحده، بل كانت لها نتائج بعيدة الأثر في حياة التفكير المصري كله؛ فقد أنشأ سعد رحمه الله مدرسة القضاء يريد بها إصلاح القضاء، فأصلحه وأصلح معه فنونًا من التعليم وفنونًا من التفكير وأبوابًا من الحياة العقلية، لا في مصر وحدها بل في الشرق العربي كله.
ويكفي أن الذين خرجوا من مدرسة القضاء هذه يُعلِّمون الآن في الجامعة، ويشغلون مناصب ذات خطر في الدولة، ولا تستطيع الحياة المصرية أن تخلص منهم أو أن تنفيهم عنها، أو أن تخلص من الطابع الذي طبعوها به دون أن يصيبها شيء من الاضطراب والفساد غير قليل.
وكان سعد رحمه الله أزهريًّا كالأستاذ الإمام، وكان سعد رحمه الله قاضيًا أهليًّا كقاضي القضاة، فكان سعد إذن صلة حسنة بين هذين النوعين من القضاء المصري، وكان اشتراك سعد في القضاء الأهلي وعناية سعد بالقضاء الشرعي يكفيان ليلم قاضي القضاة في خطبته تلك إلمامة قصيرة بهذا النظام المصري الذي نُسمِّيه القضاء الشرعي.
لا أخفي على الأستاذ الجليل أني دُهِشْتُ ودُهِشَ معي قوم آخرون، وأَسِفْتُ وأَسِفَ معي قوم آخرون لإعراض الأستاذ عن ذكر القضاء الشرعي في خطبته. وأخذنا نلتمس لذلك الأسباب ونبحث له عن العلل، فمِنَّا مَنْ زعم أن الأستاذ إنما أعرض عن القضاء الشرعي؛ لأن القضاء الأهلي قد قام مقامه في كثير من المواضع، فهو إذن نظام جديد يخاصم نظامًا قديمًا، وقد آثر الأستاذ أن لا يثير الخصومة بين النظامين. ولكني رأيت أن أول ما يجب على النظام الجديد أن يذكر النظام القديم الذي سبقه بالخير مجاملة له واعترافًا ببعض فضله.
ومِنَّا مَنْ زعم أن رجال القضاء الشرعي اعتذروا عن الاشتراك في تكريم القضاء الأهلي؛ فأعرض عنهم هذا القضاء إعراضًا. ولكني رأيت أن قاضي القضاة إنما كان يتحدث عن النظام قبل أن يتحدث عن رجاله، فلم يكن عليه بأس أن يذكر النظام، وإن أعرض رجاله عن الحفلة إعراضًا.
وزعم بعضنا أن الخصومة بين النظامين لم تُنقَض بعد، وأن في مصر قومًا ما زالوا يفكرون في أن نظام القضاء الشرعي ليس من ضرورات الحياة المصرية بالوضع الذي هو عليه الآن، وأن الرقي الطبيعي يقتضي أن يُمضَى في تطوره حتى يصبح جزءًا من نظام القضاء المصري العام، وحتى تصبح في المحاكم المصرية دوائر للأحوال الشخصية تطبق أحكام الشرع الشريف، كما أن فيها دوائر للقضاء المدني وأخرى للقضاء الجنائي، ولكني رأيت أن هذا النحو من التفكير أيضًا لا يستقيم؛ فسواء تم هذا التطور أم لم يتم، وسواء أُلْغِيَتْ أوضاع المحاكم الشرعية أو لم تُلْغَ فإن القضاء الشرعي حقيقة واقعة لها مكانها في التاريخ، ولها أثرها في الحياة المصرية القديمة والحديثة، ولا ينبغي أن يُهمَل ذكرها في خطبة يلقيها قاضي القضاة في حفلة من حفلات القضاء، ويلم فيها بالقضاء المختلط.
وهَبْ قاضي القضاة كان يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب، فما الذي كان يمنعه أن يذكر القضاء الشرعي، كما ذكر القضاء المختلط مثنيًا عليه في أول الخطبة مشيرًا إلى إلغائه أو تعديله في آخر الخطبة؟!
ما زلت مستفهمًا، وما زلت آسفًا، وما زلت دهشًا لأن القضاء الشرعي لم يُذكَر في خطبة قاضي القضاة يوم الأحد الماضي؛ لأني كنت أحب لهذه الخطبة أن تكون من المجاملة والإنصاف بحيث عرفت الأستاذ الخطيب.
Tag: Jurisprudence
-
إعراض
-
القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)
حديث اليوم: القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)
طه حسين
جريدة السياسة
٣٠ أغسطس ١٩٢٣
لولا أني أشفقت من أن أُروِّعك بعنوان بشع لكتبت هذا الفصل تحت عنوان «نكبة مدرسة القضاء»، أو «العبث بالتعليم الديني»؛ فإن هذين القانونين اللذين أقرهما مجلس الوزراء يوم الأحد الماضي لا يخرجان عن أن يكونا نكبة لمدرسة القضاء، وعبثًا بالتعليم الديني في الأزهر الشريف.
بل لولا أني أريد أن أكتب إليهم من الجهة العلمية الخالصة لقلت: إن لهذين القانونين خطرًا سياسيًّا عظيمًا ستظهر آثاره قريبًا أو بعيدًا، ولكني أريد أن أتجنَّب السياسة كل التجنُّب في هذا الفصل، وأن أبحث عن الحكمة التي حمَلت الحكومة على أن تتعجَّل في إصدار هذين القانونين، وعن الفائدة التي سيظفر بها القضاء الشرعي والتعليم الديني من هذين القانونين.
يجب أن أُقرِّر أني بحثت عن هذه الحكمة فلم أجدها، وأنا أتحدى أنصار الحكومة وأنصار هذين القانونين أن يُبيِّنوا لنا حكمة معقولة يمكن الاعتراف بها للتعجل في هذا التغيير الخطير. لم أجد هذه الحكمة، ولم أجد الفائدة العلمية التي يظفر بها القضاء الشرعي من هذا التغيير، والتي يظفر بها الأزهر الشريف من إنشاء قسم الاختصاص هذا.
ولست أريد أن أطيل؛ فالأمر لا يحتاج إلى إطالة، وإنما أريد أن ألفتك إلى المقارنة اليسيرة بين مدرسة القضاء الجديدة والقسم العالي من مدرسة القضاء القديمة، نثبت غير ما ذهب إليه صاحب المعالي وزير المعارف في حديثه الذي نشرته له «السياسة» صباح الأحد، فقد ذهب صاحب المعالي إلى أن هذا التغيير يُرقِّي مدرسة القضاء، ويرفع من شأنها من الوجهة العلمية.
وأنا أزعم أنه يحطُّ مدرسة القضاء، وينقص من قيمة القضاة؛ ذلك أن القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كان يتعمق في درس الفقه الإسلامي وأصول الفقه وبقية العلوم الدينية تعمُّقًا لن يتجاوزه قسم الاختصاص، وكان يضيف إلى التعمق في هذه العلوم درس اللغة وآدابها وفنونها المختلفة، وكان يضيف إلى ذلك إلمامًا لا بأس به بالتاريخ والجغرافيا، وكان يضيف إلى هذا كله إلمامًا بطائفة من العلوم النظرية والتجريبية، فكان يلم بالعلوم الرياضية، وكان يلم بالطبيعة والكيمياء، وكان يدرس أصول القوانين، ونظام القضاء والإدارة، والتوثيقات الشرعية، وكان يتناول طائفة غير قليلة من التمرين القضائي.
كان يدرس هذا كله ويلم به، فأزيل منه هذا كله، ولم يبق فيه إلَّا الفقه مع حكمة التشريع — كما يقولون — وأصول الفقه، ومقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية والتوثيقات الشرعية، ودراسة بعض القضايا ذات المبادئ الشرعية. وأحب أن ألاحظ أن في هذه التسمية شيئًا من البهرج الذي لا يفيد ولا يدلُّ على شيء؛ فالفقه مع حكمة التشريع مثلًا اسم وُضِع ليخدع الناس ويخلبهم، وهو في حقيقة الأمر لا يدلُّ على شيءٍ جديد؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء مقرون دائمًا بحكمة التشريع، وحكمة التشريع جزء من الفقه؛ فالنص عليها بدع لا فائدة فيه.
وهناك المقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية زخرف من القول لا معنى له، فإن كان له معنى فهو شرٌّ؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي هو بطبعه مقارنة بين المذاهب، لا في الأحوال الشخصية وحدها، بل فيها وفي المعاملات والعبادات. ينص الكتاب الفقهي العالي بنوع خاص على المسألة الفقهية، ويذكر فيها مذهبه، ثم يذكر مذهب غيره من الفقهاء، ثم يقارن ويناظر ويحاجُّ.
وهذه المقارنة والمناظرة والمحاجَّة مستوفاة في الكتب التي تُدرَّس في الأزهر وفي مدرسة القضاء، ولسنا ندري ماذا يريد الذين وضعوا هذا القانون من هذا النص إلَّا أن يكونوا قد أرادوا أن يُدرَّس الفقه على وجهه في الأحوال الشخصية، وأن يختزل درس الفقه في غير الأحوال الشخصية من الأبواب. وهذا لا يلائم قسم الاختصاص.
أمَّا بقية الأسماء التي مرت بك، فكلها تدرَّس في مدرسة القضاء القديمة، وإذن فليس في قسم الاختصاص شيءٌ جديدٌ في العلوم الدينية، وإنما فيه حذف التفسير والحديث والتوحيد، ولكن هناك علومًا أخرى غير العلوم الدينية، فلننظر ما هي؟
هي: تاريخ القضاء والقضاة في الإسلام — وهذه مادة جديدة لا بأس بها — والسياسة الشرعية — ولسنا نعرف معنى هذه الكلمة، ولسنا ندري أين وجدها واضعو القانون، وإن كنَّا نعترف بأن في القانون رواية أخرى تخلو من هذه المادة — ونظام ولوائح المحاكم الشرعية والأوقاف والمجالس الحسبية — وكان هذا يُدرَّس في مدرسة القضاء مقارنةً بين هذه اللوائح وقانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية. ونحب أن نفهم كيف تكون هذه المقارنة إذا لم يُدرَّس قانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية — وأصول القوانين — وكانت تُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — ونظام القضاء والإدارة — وكان يُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — والإجراءات وتمرينات قضائية — وكانت موجودة في مدرسة القضاء الشرعي.
أرأيت إلى ما سيُدرَّس في قسم الاختصاص هذا من العلوم؟ أرأيت أن الفرق بينه وبين مدرسة القضاء الشرعي ليس في منفعة التعليم، وليس في منفعة الاختصاص، وليس في منفعة القضاء، وليس في منفعة شيء من الأشياء؟ فقد كانت مدرسة القضاء تُخرِّج قومًا لم يشكُ أحدٌ من جهلهم بالفقه، ولا من ضعفهم فيه، وكانوا إلى تعمُّقهم في الفقه يُلِمُّون بعلوم أخرى أدبية ونظرية تقرب المسافة بينهم وبين إخوانهم الذين يُخرَّجون من المدارس المدنية، وتفتح عقولهم للحياة العصرية الجديدة، فحُرموا هذه العلوم، وردُّوا إلى حظيرة الأزهر، وحِيل بينهم وبين هذا الشعاع الضئيل من نور العلم الحديث.
ولا تقل إن هذه العلوم الحديثة تُدرَّس في الأزهر؛ فالله يعلم كيف تُدرَّس هذه العلوم في الأزهر، وكيف يُكلَّف درسها قومٌ ليس لهم بها صلة ولا علم.
أمَّا بعد، فقد كانت مدرسة القضاء تتناول الشاب ولما يتجاوز الصبا إلَّا قليلًا، فتصوغه وتؤدبه تأديبًا يلائم نظامها، ويؤهله لفهم ما يُدرَّس فيها من العلم. أمَّا الآن، فستتناول شيوخًا تم تعليمهم وتثقيفهم، وصيغت نفوسهم صيغة خاصة لا يعمل فيها التعليم ولا التثقيف.
ثم نصَّ هذا القانون على رسالة تُقدَّم في الامتحان النهائي. ولم يلاحظ واضعوه أن طلاب القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كانوا يقدِّمون هذه الرسالة آخر كل سنة، فكانوا يقدِّمون أربع رسائل لا رسالة واحدة.
هذا مبلغ ما أحدث القانون الجديد من تغيير. ولست أذكر إلغاء القسم الأولي، ولست أذكر إلغاء القسم العالي، وإنما أكتفي بما ذكرت من المقارنة اليسيرة بين قسم الاختصاص الذي يعدُّ لشهادة تشبه الدكتوراه، وبين هذا القسم العالي المُلغَى الذي كان يُعدُّ لشهادة العالمية. وهذه المقارنة تنتج — كما ترى — أن مدرسة القضاء انحطَّتْ ولم تَرْقَ، أو قُل إنها أُلغيت إلغاءً، فما حكمة هذا الإلغاء، وما نفعه؟
أمَّا قسم الاختصاص الذي أُنشئ في الأزهر الشريف، فعجبٌ من العجب، ولغوٌ من اللغو، وضربٌ من العبث الذي لا خير فيه؛ تَدرُس النحو اثنتي عشرة سنة في الأزهر، حتى إذا نلت شهادة العالمية أُكرهت — إذا أردت أن تتخصص — أن تدرس النحو أربع سنين أخرى. فما عسى أن تدرس في هذه السنين الأربع؟ وما هذا النحو الذي تُمضِي ست عشرة سنة من عمرك لتكون نحويًّا؟ وقل مثل هذا في الفقه، وقل مثل هذا في غيرهما من العلوم. أصبح الأزهر «كساقية جحا»، أو أصبح الأزهر كالرحى التي تدور وتجعجع دون أن يكون فيها شيءٌ، أو دون أن يكون لها طحن، أو كما قال أبو العلاء: أصبح الأزهر «رحى تطحن قرونًا …»
وليس معنى هذا كله أن الأزهر ومدرسة القضاء لم يكونا في حاجة إلى الإصلاح. كلا، كانا في حاجة شديدة جدًّا إلى الإصلاح، ولكن إلى إصلاح آخر غير الذي ذهب إليه التشريع الجديد، إلى إصلاح ينفع مصر حقًّا، ينفع الأمم الإسلامية حقًّا، يجعل العالم الأزهري ملائمًا للعصر الذي يعيش فيه، إلى إصلاح يحيي العقول ولا يُميتها، ويفتح البصائر ولا يغلقها، إلى إصلاح يجعل الأزهر خليقًا أن يمشي أمامه، لا أن يتقهقر وراءه.
كان الأزهر ومدرسة القضاء في حاجة إلى الإصلاح فأُفْسِدا ولم يُصلَحا. ومصدر هذا شيئان؛ الأول: أن الذين كُلِّفوا هذا الإصلاح ليسوا من الفنيين ولا من أهل البصر بالتعليم، والثاني: أن هذا الإصلاح لم يُردْ به وجه الله، وإنما أريد به وجه السياسة. وإذا دخلت المنافع السياسية في العلم؛ فويلٌ للعلم! وويلٌ للمعلمين! وويلٌ للمتعلمين!