Tag: Jurisprudence

  • إعراض

    إعراض
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٥ يناير ١٩٣٤

    أما أنا فلست أريد أن أنقد خطبة قاضي القضاة من الناحية السياسية كما نقدها توفيق دياب، ولا أن أدافع عنها من الوجهة القضائية كما دافع الأستاذ مرقس فهمي؛ فلست أنا من هذا كله في شيء.

    ولعلِّي لا أغلو إن قلتُ إني لا أكتب اليوم ناقدًا بل مستفهمًا؛ فقد تركت خطبة قاضي القضاة مكانًا للاستفهام، وقد يكون هذا الاستفهام طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه استفهام على كل حال.

    وكنت أحب أن لا تترك خطبة قاضي القضاة مقالًا لقائل أو سؤالًا لسائل؛ لأن ما أعرفه عنه يطمعنا في ذلك منه.

    وأكبر الظن أن هذا الاستفهام قد يستحيل إلى تفسير، وليس غريبًا أن تثير خطبة قاضي القضاة استفهامًا، ثم يستحيل هذا الاستفهام إلى تفسير أو شيء يشبه التفسير؛ فالأستاذ الجليل عبد العزيز باشا فهمي دقيق ممعن في الدقة، قد عُرِف بذلك، عرفه به أبعد الناس عنه، فضلًا عن أقرب الناس منه. وهو على ذلك بعيد المرامي، يريد باللفظ اليسير القصير أشياء لا يبلغها غيره بالإطناب والإسهاب.

    ولعله أن يكون قد لمح إلى ما أسأل عنه تلميحًا، وأشار إلى ما أستفهم عنه إشارة من هذه الإشارات التي لا تُتاح لغيره من الخطباء والكتاب.

    أما السؤال الذي أثارته خطبة الأستاذ في نفسي، وفي نفس جماعة من الذين يحبهم ويحبونه، ويكرمهم ويكرمونه فتصل بالقضاء الشرعي؛ ما باله لم يُذكَر في خطبة الأستاذ؟! وما باله لم يظفر بكلمة صريحة جلية في هذه الخطبة الصريحة الجلية؟! فقد كانت الخطبة في ذكر القضاء الأهلي كيف دعت إليه الحاجة؟ وكيف نشأ؟ وكيف ارتقى وتطور حتى قطع إلى الكمال شوطًا بعيدًا، وحتى مكن قاضي القضاة من أن يطلب إلى جلالة الملك أن يتفضل فيعلن أن هذا القضاء خليق منذ الآن أن يرضي حاجة الذين يسكنون مصر جميعًا إلى العدل، ويحفظ حقوقهم، ويُغْنِي مصر عن المحاكم المختلطة؟!

    وكل هذا حسن، وكل هذا حق لا شك فيه، ولكن قاضي القضاة ذكر المحاكم المختلطة، وبيَّن كيف كان التفكير فيها، وكيف نشأت، وكيف انتفعت بها مصر.

    وكان قاضي القضاة — كدأبه دائمًا — بارعًا لبقًا حين أثنى على نظام القضاء المختلط في أول الخطبة، وطلب إلغاءه في آخر الخطبة، ونظن أن القضاء الشرعي كان خليقًا بأن يقف عنده الأستاذ الخطيب وقفة إن لم تكن أطول من وقفته عند القضاء المختلط فلتكن مثلها أو أقصر منها.

    ولكن هذه الوقفة — فيما نرى — لم يكن منها بد لتكون الخطبة كاملة شاملة عامة تامة ملمة بالموضوع من جميع أنحائه، آخذة له من جميع أطرافه؛ فنظام القضاء الشرعي أقدم النظم القضائية في مصر، فله من حرمة القدم هذه حق تاريخي على الذين يعرضون لذكر القضاء لا ينبغي لهم ولا يُقبَل منهم أن يهملوه مهما تكن الظروف ومقتضيات الحال كما يقولون.

    وليس ينبغي أن يُقال إن القضاء الشرعي قد كانت له نظم وأوضاع لم تكن تخلو من العيب، ولم تكن تسمو على النقد؛ فكل نظام إنساني لا يكاد يخلو من العيب، ولا يكاد يسمو عن النقد، وأعمال الإنسان كلها ونظم الإنسان كلها مزاج من الخير والشر؛ فمن أراد التاريخ الدقيق ذكر الحسنات والسيئات، ومن أراد الذم الخالص ذكر السيئات دون الحسنات، ومن أراد الثناء الخالص ذكر الحسنات وأعرض عن السيئات، ومن أراد المجاملة والإنصاف في غير إمعان في البحث، ولا استقصاء للدقائق قال خيرًا ولمح تلميحًا إلى ما لا ينبغي أن يُنسى من مواضع النقص.

    وقد كانت في هذه المجاملة المُنْصِفة سَعَة للأستاذ الخطيب تتيح له إرضاء هذا النظام الذي مهما يُقَل فيه فقد عاشت عليه مصر قرونًا طوالًا، وكان خليقًا أن يظفر بكلمة من كلمات الثناء هذه التي يشوبها شيء من النقد الرفيق البليغ من هذه الكلمات المرضية المُغْنِيَة التي يحسنها الأستاذ أكثر مما يُحْسِنها غيره من الكتاب والخطباء.

    ولكن في الأمر ما يجعل الأسف شديدًا عميقًا لإعراض الأستاذ عن ذكر القضاء الشرعي في خطبته تلك؛ فقد يُخيَّل إلينا أن هذا القضاء الشرعي قد سعى إلى الرقي في هذا العصر الحديث كما سعى غيره من النظم المصرية، وإذا لم تُخنَّا الذاكرة فقد كان التفكير في إصلاح القضاء الشرعي وتنظيمه وتجديد أوضاعه معاصرًا للتفكير في إدخال القضاء الأهلي إلى هذه البلاد؛ أي: في سنة ١٨٨٠. ومن ذلك الوقت، أخذت نظم القضاء الشرعي تحيا وتبلو ما تبلوه النظم الحية من الخير والشر، ومن التجربة والامتحان؛ فتتخلص من العيب، وتستكثر من المحاسن، وترقى في نظام واطراد، وقد غُيِّرت نُظُم القضاء الشرعي قليلًا أو كثيرًا في أوقات مختلفة من هذا العصر الحديث الذي يبلغ خمسين سنة أو أكثر قليلًا، ويُخيَّل إلينا أن الجهود التي بُذِلَتْ في ذلك لم تكن قليلة، ولا يسيرة، ولا خليقة بالإعراض.

    ويُخيَّل إلينا أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله قد بذل في ذلك جهودًا كانت خليقة أن تُذكَر، ولاسيما إذا لاحظنا أن القضاء الأهلي قد ازدان بنفس الأستاذ الإمام الرضية، وصوته العذب، وخلقه الطيب، وزيه الجميل. فكان رحمه الله صلة حسنة بين هذين النوعين من نظم القضاء، عمل في أحدهما وجدَّ في إصلاح ثانيهما.

    ولو لم يكن للقضاء الشرعي إلا أن زميلًا عظيمًا من زملاء قاضي القضاة قد فكر فيه، وعُنِي به، وجدَّ في إصلاحه؛ لكان هذا كافيًا لأَنْ يلم به الأستاذ في خطبته إلمامة قصيرة.

    ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فقد يُقال إن سعدًا رحمه الله عُنِيَ بالقضاء الشرعي عناية خصبة لم يقف أمرها عند القضاء الشرعي وحده، بل كانت لها نتائج بعيدة الأثر في حياة التفكير المصري كله؛ فقد أنشأ سعد رحمه الله مدرسة القضاء يريد بها إصلاح القضاء، فأصلحه وأصلح معه فنونًا من التعليم وفنونًا من التفكير وأبوابًا من الحياة العقلية، لا في مصر وحدها بل في الشرق العربي كله.

    ويكفي أن الذين خرجوا من مدرسة القضاء هذه يُعلِّمون الآن في الجامعة، ويشغلون مناصب ذات خطر في الدولة، ولا تستطيع الحياة المصرية أن تخلص منهم أو أن تنفيهم عنها، أو أن تخلص من الطابع الذي طبعوها به دون أن يصيبها شيء من الاضطراب والفساد غير قليل.

    وكان سعد رحمه الله أزهريًّا كالأستاذ الإمام، وكان سعد رحمه الله قاضيًا أهليًّا كقاضي القضاة، فكان سعد إذن صلة حسنة بين هذين النوعين من القضاء المصري، وكان اشتراك سعد في القضاء الأهلي وعناية سعد بالقضاء الشرعي يكفيان ليلم قاضي القضاة في خطبته تلك إلمامة قصيرة بهذا النظام المصري الذي نُسمِّيه القضاء الشرعي.

    لا أخفي على الأستاذ الجليل أني دُهِشْتُ ودُهِشَ معي قوم آخرون، وأَسِفْتُ وأَسِفَ معي قوم آخرون لإعراض الأستاذ عن ذكر القضاء الشرعي في خطبته. وأخذنا نلتمس لذلك الأسباب ونبحث له عن العلل، فمِنَّا مَنْ زعم أن الأستاذ إنما أعرض عن القضاء الشرعي؛ لأن القضاء الأهلي قد قام مقامه في كثير من المواضع، فهو إذن نظام جديد يخاصم نظامًا قديمًا، وقد آثر الأستاذ أن لا يثير الخصومة بين النظامين. ولكني رأيت أن أول ما يجب على النظام الجديد أن يذكر النظام القديم الذي سبقه بالخير مجاملة له واعترافًا ببعض فضله.

    ومِنَّا مَنْ زعم أن رجال القضاء الشرعي اعتذروا عن الاشتراك في تكريم القضاء الأهلي؛ فأعرض عنهم هذا القضاء إعراضًا. ولكني رأيت أن قاضي القضاة إنما كان يتحدث عن النظام قبل أن يتحدث عن رجاله، فلم يكن عليه بأس أن يذكر النظام، وإن أعرض رجاله عن الحفلة إعراضًا.

    وزعم بعضنا أن الخصومة بين النظامين لم تُنقَض بعد، وأن في مصر قومًا ما زالوا يفكرون في أن نظام القضاء الشرعي ليس من ضرورات الحياة المصرية بالوضع الذي هو عليه الآن، وأن الرقي الطبيعي يقتضي أن يُمضَى في تطوره حتى يصبح جزءًا من نظام القضاء المصري العام، وحتى تصبح في المحاكم المصرية دوائر للأحوال الشخصية تطبق أحكام الشرع الشريف، كما أن فيها دوائر للقضاء المدني وأخرى للقضاء الجنائي، ولكني رأيت أن هذا النحو من التفكير أيضًا لا يستقيم؛ فسواء تم هذا التطور أم لم يتم، وسواء أُلْغِيَتْ أوضاع المحاكم الشرعية أو لم تُلْغَ فإن القضاء الشرعي حقيقة واقعة لها مكانها في التاريخ، ولها أثرها في الحياة المصرية القديمة والحديثة، ولا ينبغي أن يُهمَل ذكرها في خطبة يلقيها قاضي القضاة في حفلة من حفلات القضاء، ويلم فيها بالقضاء المختلط.

    وهَبْ قاضي القضاة كان يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب، فما الذي كان يمنعه أن يذكر القضاء الشرعي، كما ذكر القضاء المختلط مثنيًا عليه في أول الخطبة مشيرًا إلى إلغائه أو تعديله في آخر الخطبة؟!

    ما زلت مستفهمًا، وما زلت آسفًا، وما زلت دهشًا لأن القضاء الشرعي لم يُذكَر في خطبة قاضي القضاة يوم الأحد الماضي؛ لأني كنت أحب لهذه الخطبة أن تكون من المجاملة والإنصاف بحيث عرفت الأستاذ الخطيب.

  • كرامة

    حديث اليوم: كرامة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٧ أغسطس ١٩٣٢

    وكنا قد حفظنا في متن من المتون، في الجريدة أو في الجوهرة، بيتًا لم ننسه وإن طغى النسيان على كثير مما حفظنا؛ لأن هذا البيت قد شاع وانطلقت به الألسنة في البيئات الأزهرية، كما انطلقت به الألسنة في القرى وأسمار الريف وهو:

    واثبتن للأولياء الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه

    ولم أكن فكرت قط في أن أنفي كرامة الأولياء، أو أشك فيها، وإنما كنت أصدق ما يقص علي من أخبارها وأعاجيبها. وكثيرًا ما كنت ألتمس هذه الأخبار والأعاجيب؛ لأني أجد لذة في قراءتها والتحدث بها، والاستماع لها، ولكني كنت أنتظر أن أشهد منها واحدة، لا شكًّا ولا ريبًا، ولكن ليطمئن قلبي. وقد أذن اللَّه في أن يظهر لي أن أشهد هذه الكرامة، وأن يصبح إيماني بها قويًّا متينًا، كإيماني بأن شيخ الأزهر هو شيخ الأزهر!

    وكان شيخ الأزهر نفسه علة هذه الكرامة الجديدة، والباعث على ظهورها وإشراق نورها. فقد أمر منذ أسبوعين أن يصادر كتاب البغدادي غيرة على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وذودًا عن المذهب الرسمي للدولة في الفقه. فلم تكد تمضي على هذا الأمر وتنفيذه ليلة، وتتبعها ليلة، حتى غير الشيخ أمره تغييرًا، وبدل حكمه تبديلًا، وأذن بأن يذاع الكتاب، إلا ما كان منه نقدًا لأبي حنيفة رحمه اللَّه. ثم مضت أيام تبعتها أيام، وليالٍ تبعتها ليالٍ، وإذا نحن نسمع اليوم قومًا يهمسون، ولكنهم يؤكدون، أن الشيخ قد ألغى قضاءه إلغاءً، ومحا رأيه محوًا، وأذن في أن يذاع الكتاب كما تركه صاحبه، لا يصيبه مسخ ولا نسخ، ولا يحذف منه قليل ولا كثير. وقد خفت غيرة الشيخ على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وهدأت حدته في الذود عن المذهب الرسمي للدولة. فاكتفى بأن يتفق مع الناشر على طبع كتاب قديم، فيه دفاع عن الإمام الأعظم ومذهبه. ومن المحقق أن رجوع الشيخ عن مصادرة الكتاب كله، بعد أن أمر بها، وأذعنت لأمره إدارة الأمن العام، ثم رجوعه عن مسخ الكتاب وتشويهه بعد أن أمر به، وأذعن الناشر لأمره، وأذاعت إدارة الأمن العام هذا الأمر وهذا الإذعان في بلاغ رسمي، كل هذا من الظواهر الغريبة الخارقة كما جرت به العادة في الحكومات والمصالح الرسمية. ذلك أن الحكومة إذا أمرت، فليس من شأنها أن ترجع فيما أمرت به، حتى ولو تحققت أنها قد جارت عن القصد، وتجاوزت العدل فيما أصدرت من أمر؛ لأن هيبتها أعز عليها من العدل، وهي تحرص على خوف الناس منها أكثر مما تحرص على حبهم لها، وهي تقدر أن الرجوع عن الأمر بعد إصداره، يزعزع هيبتها في نفوس الناس، ويحملهم على أن يتساءلوا: أجادة هي أم هازلة؟ مستقلة هي في أحكامها وأعمالها، أم خاضعة ليد تحركها من وراء ستار؟

    غريب إذن أن يعدل الشيخ، وتعدل معه إدارة الأمن العام، عن مصادرة كتاب البغدادي كله أو بعضه. وقد اختلف الناس في تأويل هذه الظاهرة الغريبة. فأما الكُتَّاب والصحفيون الذين أنكروا على الشيخ والحكومة هذا الجور، فقد زعموا — وويل للناس من الغرور — أن أقلامهم قد استردت هيبتها القديمة، وسطوتها الماضية، وأصبحت تخيف الشيخ وغير الشيخ من رجال السياسة ورجال الدين. وزعموا — وويل الناس من الغرور — أن الشيخ وإدارة الأمن العام، قد فزعا لحملتهم، وأشفقا أن تتصل، فآثرا أن يُلغى هذا الأمر، ويربأا بأنفسهما عن نقد الناقدين، وخصومة المخاصمين.

    ولكن الكتاب يكتبون، ويكتبون وهم ينفذون أعمال الشيخ وأعمال الحكومة منذ سنتين دون أن يحفل بهم أحد، أو يلتفت إليهم إنسان. فليس الكتاب ولا الصحفيون إذن هم الذين غيروا رأي الشيخ، أو عدلوا بإدارة الأمن العام إلى قصد السبيل. قال آخرون: نعم، ولكن الحكومة قدرت، وقدر معها الشيخ، أن مصادرة الكتب العلمية تسيء سمعة مصر، وتسمها بالخزي والعار أمام الشرقيين والغربيين، الذين اشتركوا في هذا الكتاب، وانتظروا أن يصل إليهم كاملًا. وقد لا تحفل الحكومة، ولا شيخ الأزهر برأي المصريين فيهما، ولكنهما يحفلان جدًّا برأي الأجانب، ويحرصان جِدًّا على ألا يسوء فيهما هذا الرأي. ولكن الحكومة وشيخ الأزهر يأتيان من الأمر في شأن السياسة والدين أشياء كثيرة، يعرفها الأجانب ولا يرضون عنها، كثيرًا ما يتناولونها بالنقد، وكثيرًا ما يعبثون بها ويضحكون منها، وتمضي الحكومة، ويمضي الشيخ فيها مع ذلك، لا يحفلان بما يقول الأجانب أو ما يرون.

    قال آخرون: هذا كله حق، ولكن المشتركين في الكتاب من المصريين وغير المصريين، كانوا ينتظرون الكتاب كاملًا، فلما عرفوا أنه سيصل إليهم منقوصًا تأهَّب فريق منهم لمقاضاة الناشر والحكومة، وتأهب فريق آخرون لإكمال الكتاب، ومقاضاة الحكومة إن عرضت لهم بشر. ولكن متى أشفقت الحكومة، أو خافت من مثل هذا الموقف وحبل القضاء طويل، وقد تستقيل الوزارة قبل أن يفصل القضاء في الأمر. ليس شيء من هذه الأسباب إذن هو الذي عدل بالحكومة وشيخ الأزهر عن تحريم ما كانا حرماه من نشر شيء فيه نقد لأبي حنيفة رحمه اللَّه، وتعريض بالمذهب الرسمي للدولة في الفقه.

    قال جماعة من الشيوخ: إنما تختصمون في غير موضع للخصومة، وتختلفون في غير محل للاختلاف، وكل هذه الأسباب التي يزعمها بعضكم، وينكرها بعضكم الآخر لا تزن عند الشيخ الأكبر شيئًا. فهو لم يخف من الكتَّاب، ومن يكونوا الكتاب حتى يخافهم الشيخ؟ وهو لم يحسب حسابًا لشيء من هذه الأشياء التي ذكرتموها؛ لأنه أحرص على حرمة أبي حنيفة ومذهب الدولة من أن يخاف فيها لومة لائم مهما يكن. إنما هي كرامة. ولكن لمن؟ هنا اختلف الشيوخ وتفرقوا. فأما الحنفية منهم، فقالوا: كرامة للإمام الأعظم رحمه اللَّه؛ فقد كان رحب الصدر لخصومه، واسع العفو عن معارضيه، وكان يقول: اللهم من ضاق صدره بنا فإن في قلبنا له سعة. فلما رأى روحه الكريم غضبة الشيخ الأكبر، لم تعجبه ولم يرضَ عنها؛ فزار الشيخ في المنام، وأنذره لئن لم يعدل عن خطئه، ويخفف من حدته، ويترك للنقد حريته كاملة موفورة، ليلقين من اللَّه عز وجل شر ما يلقى المعتدون في الدنيا والآخرة. وقال الشافعية: بل هو الشافعي رحمه اللَّه تمثل للشيخ في حلم من أحلام الليل، وقال له: لقد روى الخطيب في كتابه ثنائي على أبي حنيفة، ألست ترى أنك تسيء إليَّ وإلى أبي حنيفة بمصادرة هذا الثناء. قال المالكية: وما نرى إلا أن مالكًا رحمه اللَّه قد قال للشيخ مثلما قال الشافعي، فقد روى الخطيب ثناء مالك على أبي حنيفة؛ كما روى ثناء الشافعي. قال الحنابلة: وروى الخطيب أيضًا ثناء أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه على أبي حنيفة، كما روى ثناء غيره من أئمة المسلمين، فما نرى إلا أنه قد لام الشيخ في المنام أيضًا.

    وكان في القوم رجل شيخ فيه وقار، ولكن فيه دعابة، فلما فرغ القوم مما كانوا فيه، ولم يتفقوا على مصدر هذه الكرامة، صفَّق بيديه تصفيقًا هينًا، واعتدل بعض الشيء، وابتسم عن يمينه، وضحك عن شماله، وهي عادته إن هم بأمر ذي بال. ثم قال للقوم: ألا أحدثكم أحدوثة كلها صدق، وهي على ذلك تزيل ما أنتم فيه من خلاف؟ قالوا: هات. قال الشيخ: كان — وما أكثر ما كان — في قديم الزمان، شيخ من الجان، يسمى القيحطان، له جبة وقفطان، وقلب ولسان، وعلم وإيمان، وكان معمرًا قد شهد العصور، وبلي الدهور؛ ورأى اختلاف الأجيال، وتنازع الملل، وتخاصم العلماء والفقهاء، منذ ظهر العلم والفقه، وكان يغشى مجالس أهل العلم، وأصحاب الفقه، ومجالس الحكماء والفلاسفة، ومجالس الشعراء والمتأدبين، وكان يحسن كل لغة، ويتقن كل فن، وكان يعي كل ما يسمع، ولكنه إذا خلا إلى نفسه نظر فيما وعى، فحفظ أحسنه ونفى سيئه. وقد ظل هذا الشيخ على هذه الحال حياته، حتى إذا كانت فتنة من الفتن، لقي فيها الصالحون من العلماء من ظلم الظالمين، وعسف المستبدين شرًّا كثيرًا، وظهر فيها الباطل، واستخفى فيها الحق، وعلت فيها كلمة الجهل، وسفلت فيها كلمة العلم، ضاق الشيخ بهذه الحال، وأقسم لينفقن ما بقي له من حياة في ترويع الظالمين للعلم، والمعتدين على العلماء حيثما كانوا. وأنتم تعلمون أن الجن يتمثلون في صور مختلفة، ويتشكلون في أشكال متباينة منها الحسن المغري، ومنها القبيح المخيف، فجعل هذا الشيخ كلَّما اعتدى على العلم معتدٍ أو ظلمه ظالم، لزمه حتى يعرف مزاجه، ويبلو طبعه، فإن كان ضعيف القلب، قصير العقل، طويل اللسان، لا ثقة له بنفسه، ولا اعتماد له عليها، ولا رأي له فيما يأتي من الأمر، إنما هو مسخر يؤمر فيأتمر، ويُنهى فينتهي. تصور له في أي شكل من هذه الأشكال التي تخيف ضعاف القلوب والعقول ثم أنذره وحذره، فما هي إلا أن يقصر الظالم عن ظلمه، وينصرف الباغي عن بغيه، وأنا زعيم لكم بأن القيحطان هذا، قد زار الشيخ في يقظة، أو زاره في حلم، وقد تشكل للشيخ في شكل من هذه الأشكال المزعجة المروعة، وقد عزم على الشيخ ليطلقن كتاب الخطيب من إساره، أو لينغصن عليه يقظته ونومه.

    ألم تعرفوا هذا القيحطان بعد؟ إنما هو حرية العلم، قد وجدت منذ عرف الإنسان التفكير ولن تموت وعلى الأرض إنسان يفكر. وقد عاهدت هذه الحرية نفسها على أن تحتال في صرف الظالمين للعلم عن ظلمهم، والمعتدين على العلم عن عدوانهم.

    وكذلك أجمع القوم على أن في الأمر كرامة أضافها بعضهم إلى الإنس، وأضافها بعضهم إلى الجن. أما أنا فمع أني أؤمن بالكرامات ولا أنفيها فأعتقد أن قد سُمع النداء، واستُجيب الدعاء، وتنزل الأمر إلى الشيخ، فأطلق لكتاب الخطيب حريته. لقد استجار العلم منذ أسبوعين بصاحب الجلالة المصرية حامي العلم وجاره من كل ضيم. وما كان للعلم أن يستجير بملك مصر ثم يلقى ضيمًا، ولو من شيخ الأزهر، ولو من وزير الداخلية.

    لم يحدثني أحد بما أقول، لكني لا أشك أنه قد كبر على حضرة صاحب الجلالة الملك أن يضام العلم، وتفتضح مصر، وهو الجالس على عرش النيل، فتفضل حفظه اللَّه فرد الأمر إلى نصابه، وردع الظالمين عن ظلمهم، وجعل الخطيب البغدادي حرًّا في القاهرة، كما كان حرًّا في بغداد.

    أما بعد، فإني أرى في رجوع الشيخ عن ظلمه لكتاب الخطيب فألًا حسنًا، وبشيرَ خيرٍ، فقد سقط الحجر الأول من هذا البناء المريب، الذي أقامه التحالف بين جماعة من رجال السياسة وجماعة من رجال الدين، والذي كان قوامه التحكم في الحرية على اختلاف أنواعها. ومتى سقط الحجر الأول فتسقط بعده أحجار. ومتى ردت إلى العلم حريته، فسترد إلى السياسة حريتها أيضًا.

    أما بعد، فإني أرجو أن ينتفع شيخ الأزهر وتنتفع معه الحكومة من هذا الدرس القاسي، فليس من الهين أن يقال: «قضى الشيخ وأمرت الحكومة ثم رجع الشيخ عن قضائه، وعدلت الحكومة عن أمرها.» ولو قد فكر الشيخ، ولو قد تروَّتِ الحكومة، لعرفا أن حرب العلم ليست كحرب السياسة، وأن خصومة العلماء ليست كخصومة الساسة، وأن القوة مهما تكن عنيفة غاشمة، لا تصلح سلاحًا لحرب العلم والعلماء. إنما يحارب العلم بالعلم. وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم بالعلم؟! إنما يحارب العلم جهرًا وصراحة، لا سرًّا ولا من وراء حجاب، وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم في وضح النهار. إنما يحارب العلم ليخلص حقه من باطله، ويبرأ صوابه من خطئه، لا لتهدر حريته، فليس إلى إهدار حريته من سبيل. وأنى لشيخ الأزهر أن يلتمس الحق، أو أن يلتمس الصواب؟! إني نذير لشيخ الأزهر إذا لم يكن له بد من أن يشتغل بالسياسة، ويؤيد رجال السياسة باسم الدين، ألا يفعل هذا على حساب العلم؛ فإن العلم أقوى جانبًا وأعز نفرًا من أن ينال منه الشيخ، وإن أيدته ألف حكومة كالحكومة المصرية. إن القيحطان حي ما عاش الإنسان، وإنه قادر على أن يروع الشيخ ويبغض إليه مصادرة الكتب. فليدع الشيخ خصومة العلم، وحرب العلماء، وليمضِ بعد ذلك إلى حيث شاء.

  • بلاغ

    حديث اليوم: بلاغ
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٧ يوليو ١٩٣٢

    بلاغ أذاعته إدارة الأمن العام في الناس عن مصادرة تاريخ بغداد، أقل ما يوصف به أنه لا يدل على سعة في العقل، ولا استقامة في التفكير، ولا علم بالحقائق الواقعة في هذا البلد، ولا عناية بالحرية، ولا احترام للقانون والدستور. وقد كنت أحسب أن ضيق العقل واعوجاج التفكير حلية قصرها الله على وزارة المعارف منذ جعل أمورها إلى وزير التقاليد، وإلى عبد الفتاح باشا صبري، فإذا نحن نستكشف اليوم أن الله قد طوق بهذه الحلية جيد وزارة الداخلية، وإن كانت أمور هذه الوزارة إلى أكفأ المصريين جميعًا، وأذكاهم جميعًا، وأبرعهم جميعًا، في القول والعمل، وفي النوم واليقظة، وفي الرحيل والمقام: صدقي باشا.

    نعم، إن أمر هذا البلاغ غريب مضحك محزن في وقت واحد. غريب لأن إدارة الأمن العام التي أصدرته قد علمت في آخر لحظة أن كتابًا يطبع عنوانه «تاريخ بغداد»، وكان قد طُبع من هذا الكتاب اثنا عشر مجلدًا ضخمًا في سنتين كاملتين. ومن المحقق أن إدارة الأمن العام كانت تجهل الكِتاب وتجهل صاحبه، وتجهل أن أحدًا يفكر في نشره أو إذاعته، وكانت مشغولة عن ذلك بما هو أجل خطرًا: كانت مشغولة بمراقبة الأمن واستقرار النظام، والاحتياط لانتقال المعارضين من مدينة إلى مدينة في القطر، ومن مكان إلى مكان في القاهرة.

    وهي كانت موفقة في جهلها كتاب البغدادي؛ فليس من شأنها أن تُعنى بالكتب التي تُنشَر في العلم، ولكن ساعيًا سعى بالكتاب وناشره إلى شيخ الأزهر، وإدارة الأمن العام مُسخَّرة في هذه الأيام لشيخ الأزهر، فلم يكد يقول الشيخ حتى اضطربت الإدارة وصودر الكتاب ليتصفحه رجال الأمن العام، وقد تصفحوه في ساعة أو نصف ساعة، وأنا أؤكد لك أنهم لم يفعلوا؛ فإن هذا الكتاب لا يُتصفَّح في يوم ولا في أيام، ولا يستطيع أن يقضي فيه شيخ الأزهر ولا رجال الأمن العام، وإنما أمر الشيخ فأذعنت الإدارة، وظُلم الكتاب ومؤلفه وناشره وقُرَّاؤه والعلم كله، وفُضِحت مصر، وعرف الشرق والغرب أن في مصر مراقبة لا تقف عند الصحف والتمثيل والسينما، ولكنها تمتد إلى كتب العلم الخالص التي أُلِّفت وشُغف بها المسلمون وعُدت من كنوزهم الخالدة منذ تسعة قرون.

    نعم، كان هذا كله بأمر من شيخ الأزهر، وطاعة من إدارة الأمن العام عن غير فهم ولا تحقيق ولا نظر دقيق في الكتاب. ولولا أني أكره أن تعود إدارة الأمن العام فتقترف إثمها مرة أخرى بأمر الشيخ الورع الصالح، وتعتدي مرة أخرى على الحرية والدستور والقانون، في ظل حكومة الحرية والدستور والقانون؛ لأظهرت لها مواضع في الكتاب لا يرضى عنها الشيخ، ولكن ما لي ولهذا وأنا حريص على أن يبقى الكتاب، وعلى أن يتم نشره دون أن يصيبه حذف أو مسخ، ولكن ما دامت هذه الأيام السود قد جعلت رأي الشيخ الظواهري فوق الدين، والعلم فوق الحرية والدستور والقانون، وجعلت إدارة الأمن العام وشرطة الدولة وجندها لعبة في يد هذا البابا الجديد، فمن الحق على هذا البابا ألا يحكم رعاياه البائسين حكم قراقوش، وأن لا يقضي في أمر حتى يفهم ويتبصر.

    وأنا أعلم أن عمامة الشيخ تضيق بفهم هذه الكتب العلمية الخالصة التي يطبعها في مصر جماعة من المصريين والأجانب الشرقيين والغربيين، والتي يجب أن تصادر لأن بعضها يمس أبا حنيفة، وبعضها يمس القرآن، وبعضها يمس الحديث. وهي تطبع بين سمع الشيخ وبصره، وسيتم طبعها، وسيعجز الشيخ عن مصادرتها؛ لأن الذين ينشرونها ليسوا مصريين ولا شرقيين، ولكنهم أوروبيون تحميهم الامتيازات، وهم يأبون أن يدينوا لبابا الإسلام بعد أن أفلتوا من بابا المسيحية. ستطبع هذه الكتب، وستُرسل إلى أوروبا، وستنشر في أطراف الأرض شرقًا وغربًا، وسيحظر الشيخ قراءتها على المصريين وحدهم، ولكنهم سيقرءونها رغم الشيخ، إلا أن تطلق يده فيأمر بتفتيش الدور والبيوت الخاصة، ويأذن للشرطة أن تقف المارة وتسألهم عما في أيديهم من كتب، وما في حقائبهم وجيوبهم من أوراق؛ ويومئذ يعلم الشيخ وأنصاره إلى أين ينتهي بهم الطغيان.

    تضيق عمامة الشيخ إذن بهذه الكتب، فمن الحق عليه أن ينشئ مكتبًا خاصًّا لمراقبة العلم، وأن يحشد في هذا المكتب عددًا ضخمًا من الشيوخ يرزقهم من أموال الدولة ليحموا دين الدولة ومذهب الدولة من عدوان العلم والعلماء عليهما.

    غريب بلاغ إدارة الأمن العام ومضحك أيضًا؛ فقد استكشفت إدارة الأمن العام أمس أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه، ثم ينكر الناس على المصريين أنهم أذكياء، وأنهم بارعون، وأنهم مستكشفون، وأين يقع استكشاف حسنين بك للصحراء من استكشاف إدارة الأمن العام والرياسة الدينية العليا مذهب دولتنا الرسمي في الفقه؟

    نعم، يقال إن دولتنا ليس لها مذهب رسمي في الفقه؛ وإنما هي بقية من حكم الترك، ويقال إننا منذ زمن طويل فكرنا في أن يكون تشريعنا الفقهي معتمدًا على المذاهب الأربعة، ويقال إن السلطان حسينًا — رحمه الله — قد تقدم في ذلك وأمر به، ويقال إننا خطونا في هذا السبيل خطوات قصارًا أو طوالًا، ويقال إن كثرة المصريين ليست حنفية المذهب، وإنما هي مقسمة بين مذهب مالك والشافعي — رحمهما الله. كل هذا يقال، ولكن الذين يقولونه هم العلماء الذين يكرههم الشيخ، وتخافهم إدارة الأمن العام؛ وإذن فقولهم يجب أن يُكذَّب، ويجب أن يصادر، ويجب أن يُعرف أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه هو مذهب أبي حنيفة، كما أن لها دينًا رسميًّا هو الإسلام.

    وإذن فتعالوا أيها المالكية، تعالوا أيها الشافعية، تعالوا أيها الحنابلة، تعالوا أيها المجتهدون، تعالوا ننظم شئوننا وندبر أمورنا؛ فقد أصبحنا قلة في الفقه، كما أن المسيحيين واليهود قلة في الدين، تعالوا ننظم شئوننا الفقهية ونطلب إلى الدولة أن تحمينا كما نظم المسيحيون واليهود أمورهم الدينية وطلبوا إلى الدولة أن تحميهم فحمتهم.

    بأي عقل يفكر الشيخ وتفكر معه إدارة الأمن العام؟ ماذا كانا يصنعان لو أن الخطيب نقد الشافعي أو مالكًا أو ابن حنبل؟ أكانا يصادران الكتاب؟ لا؛ لأن مذاهب هؤلاء الأئمة — رحمهم الله — ليست مذاهب رسمية للدولة، وإن كانت مذاهب للأمة المصرية، وإن كان أصحابها أئمة في الدين لهم من الحرمة والجلال مثل ما لأبي حنيفة؛ فالمسألة إذن مسألة الدولة. هي مسألة سياسية، إذن يجب أن يكون في الأمر سر، أو أن يكون بلاغ إدارة الأمن العام سخيفًا يدل على التورط والاضطراب.

    وقد ذكرت للشيخ ولإدارة الأمن العام كتاب نهج البلاغة، وفيه ذم قبيح لأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية — رضي الله عنهم — فلم يأمر الشيخ بمصادرته، لماذا؟ لأن هؤلاء الخلفاء لا يتصلون بالدولة ولا بمذهبها الرسمي، ومع ذلك فهم أئمة الإسلام وأصحاب النبي، والمسلمون جميعًا يكبرونهم إلا جماعة من الشيعة. أفتراهم أهون على الشيخ من أبي حنيفة؟ رحم الله أبا حنيفة، إنه لمظلوم، وإن الشيخ ليسيء إليه ويعتدي على حرمته ومكانته حين يتخذ اسمه ومذهبه وسيلة للظلم.

    لم يكن أبو حنيفة — رحمه الله — جبانًا ولا ضعيفًا، ولم يكن يشفق من النقد، ولم يكن يخاف السلطان ولا يحفل به؛ وإنما كان رجلًا شجاعًا مستقل الرأي، يُعلِّم مذهبه في مسجد الكوفة، ويصبر لنقد الناقدين، ومعارضة المعارضين. ولقد أراده ابن هبيرة على القضاء فأبى عليه، وأراده العباسيون على القضاء فأبى عليهم، ولقي من الأمويين والعباسيين مشقة وظلمًا، فلم يحفل بأولئك ولا هؤلاء. كان أيام الأمويين معارضًا هاشمي الهوى، وكان أيام العباسيين معارضًا علوي الميل، وكان مع هذا كله لا يرى رأي الشيعة، وإنما يرى رأي المرجئة، أفمثل هذا الرجل يحتاج إلى الشيخ الظواهري ليحميه من نقدٍ نُشر في كتاب؟ إنما يشفق من النقد ويتقيه بالشرطة وسلطان الدولة أمثال الشيخ الظواهري، من هؤلاء الذين لا يحسون ثقة بأنفسهم، فهم يحتاجون دائمًا إلى من يتكئون عليه، فأما أبو حنيفة وأضرابه من أئمة المسلمين فهم أعلى قدرًا، وأكرم أنفسًا، وأعز جانبًا من أن يحتاجوا إلى حماية هذا الشيخ أو إدارة الأمن العام.

    وبلاغ إدارة الأمن العام محزن أيضًا؛ فقد أرادت أن تصلح ظلمًا فتورطت في ظلم شر منه، أرادت أن تنفي مصادرة الكتاب، فأعلنت أنها اتفقت مع الناشر كتابةً على حذف جزء وبعض جزء من الكتاب، وأنبأتنا الأهرام أن الاتفاق تم بين الناشر والشيخ في الإسكندرية، ثم أمضته إدارة الأمن العام، وأذعنت له ونسبته لنفسها في بلاغها الرسمي، كأنها تجعل شيخ الأزهر فوق التبعات، أو كأنها تنتحل لنفسها من الفهم والفقه ما ليس لها.

    وإدارة الأمن العام تعتقد أن حذف ما حذفته من الكتاب بأمر الشيخ أخف من مصادرته، وهذا دليل جديد على حظ إدارة الأمن العام والشيخ من سعة العقل واستقامة التفكير؛ فكل رجل واسع العقل، مستقيم التفكير، معتدل الذوق، يوافقنا على أن مصادرة الكتاب وإخفاءه كله أهون من مسخه وتشويهه. وليس هناك فرق أمام الأخلاق، وأمام الذوق، وأمام القانون، وأمام العدل الطبيعي بين من يعتدي علي فيسرق مني أو يغصب درهمًا، ومن يعتدي عليَّ فيسرق أو يغصب كل ما أملك.

    ذلك أن السرقة والغصب هما السرقة والغصب قلَّ المسروق والمغصوب أو كثر. فكيف إذا أضيف إلى هذا الغصب حذف وبتر ومسخ وتشويه؟ كلا، إن اعتداء الشيخ وإدارة الأمن العام قائم، وظلمهما صارخ، وما زال العلم يطلب منصفًا ومجيرًا، وإذا لم يجد العلم منصفًا ولا مجيرًا من الحكومة، فسيجد منصفًا ومجيرًا من العلماء آخر الأمر. وأنا أتحدى الشيخ، وأتحدى إدارة الأمن العام، وأتحدى ناشر الكتاب أيضًا، وأعلن إليهم جميعًا في صراحة وحزم، أن هذا الجزء الذي حذف من الكتاب ظلمًا وعدوانًا، وتجنيًا على العلم، سينشر، وسينشر في مصر، وستنشره أيد مصرية؛ لأن الدستور والقانون وأصول العدل الطبيعي، كل أولئك يبيح نشره. نعم، سينشر في مصر بأيد مصرية، وستصادره إدارة الأمن العام، ولكن إدارة الأمن العام يومئذ ستؤدي حسابًا عن هذه المصادرة أمام القضاء.

    أعرف أن في مصر ظلمًا، وهذا شيء لا شك فيه، ولكني أعرف أيضًا أن في مصر عدلًا، وأن أنصار هذا العدل إن أذعنوا للحكومة فيما يتصل بالسياسة والإدارة، فلن يذعنوا لها في ظلم العلم. وإذا كانت الحكومة لا تحفل بمعارضة السياسيين، فإني أنصح لها أن تحذر مقاومة العلماء؛ فإنها أشد خطرًا، وأبعد أثرًا، وأبقى على الزمان مما يُقدِّر الظالمون.

    وبعدُ، فهل من الحق أن الكتاب قد صودر دفاعًا عن أبي حنيفة وعن مذهب الدولة الرسمي في الفقه كما تقول إدارة الأمن العام؟ إن في مصر ألسنة تلهج بغير هذا، وقومًا يزعمون أن أبا حنيفة — رحمه الله — قد اتخذ دريئة وستارًا؛ وأن أبوابًا أخرى في الكتاب وآراء وأحاديث وآثارًا هي التي دعت إلى هذه المصادرة.

    فلما كتبت الصحف واشتدت في الكتابة، وأوشك الأمر أن يفتضح تُرك الكتاب، وحذف ما حذف منه سترًا لموقف سيئ وظلم قبيح. في مصر ألسنة تلهج بهذا الكلام، وقوم يذيعونه ويؤكدونه، ولست أدري أصحيح هو أم غير صحيح، ولكني أعلم أن علماء الدين كان ينبغي أن يكون حبهم لأبي حنيفة أطهر وأكرم من هذا.

    ومهما يكن من شيء، فإن تصرف الشيخ وإدارة الأمن العام قد أعلن أمر هذا الكتاب أحسن إعلان، وخدم الخطيب البغدادي أحسن خدمة، وأصبح من الحق أن يعرف الناس هذا الكتاب، وأن يوجز لهم ما فيه مما حذفته الحكومة وما لم تحذفه، ومن هذه الفصول التي يلهج بها اللاهجون. ولعلي أوفق في وقت قريب إلى أن أوجز للقراء هذا كله، إلا أن تغضب إدارة الأمن العام فترسل الجند والشرطة لينزعوا الكتاب مني انتزاعًا.

  • القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)

    حديث اليوم: القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٣٠ أغسطس ١٩٢٣

    لولا أني أشفقت من أن أُروِّعك بعنوان بشع لكتبت هذا الفصل تحت عنوان «نكبة مدرسة القضاء»، أو «العبث بالتعليم الديني»؛ فإن هذين القانونين اللذين أقرهما مجلس الوزراء يوم الأحد الماضي لا يخرجان عن أن يكونا نكبة لمدرسة القضاء، وعبثًا بالتعليم الديني في الأزهر الشريف.

    بل لولا أني أريد أن أكتب إليهم من الجهة العلمية الخالصة لقلت: إن لهذين القانونين خطرًا سياسيًّا عظيمًا ستظهر آثاره قريبًا أو بعيدًا، ولكني أريد أن أتجنَّب السياسة كل التجنُّب في هذا الفصل، وأن أبحث عن الحكمة التي حمَلت الحكومة على أن تتعجَّل في إصدار هذين القانونين، وعن الفائدة التي سيظفر بها القضاء الشرعي والتعليم الديني من هذين القانونين.

    يجب أن أُقرِّر أني بحثت عن هذه الحكمة فلم أجدها، وأنا أتحدى أنصار الحكومة وأنصار هذين القانونين أن يُبيِّنوا لنا حكمة معقولة يمكن الاعتراف بها للتعجل في هذا التغيير الخطير. لم أجد هذه الحكمة، ولم أجد الفائدة العلمية التي يظفر بها القضاء الشرعي من هذا التغيير، والتي يظفر بها الأزهر الشريف من إنشاء قسم الاختصاص هذا.

    ولست أريد أن أطيل؛ فالأمر لا يحتاج إلى إطالة، وإنما أريد أن ألفتك إلى المقارنة اليسيرة بين مدرسة القضاء الجديدة والقسم العالي من مدرسة القضاء القديمة، نثبت غير ما ذهب إليه صاحب المعالي وزير المعارف في حديثه الذي نشرته له «السياسة» صباح الأحد، فقد ذهب صاحب المعالي إلى أن هذا التغيير يُرقِّي مدرسة القضاء، ويرفع من شأنها من الوجهة العلمية.

    وأنا أزعم أنه يحطُّ مدرسة القضاء، وينقص من قيمة القضاة؛ ذلك أن القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كان يتعمق في درس الفقه الإسلامي وأصول الفقه وبقية العلوم الدينية تعمُّقًا لن يتجاوزه قسم الاختصاص، وكان يضيف إلى التعمق في هذه العلوم درس اللغة وآدابها وفنونها المختلفة، وكان يضيف إلى ذلك إلمامًا لا بأس به بالتاريخ والجغرافيا، وكان يضيف إلى هذا كله إلمامًا بطائفة من العلوم النظرية والتجريبية، فكان يلم بالعلوم الرياضية، وكان يلم بالطبيعة والكيمياء، وكان يدرس أصول القوانين، ونظام القضاء والإدارة، والتوثيقات الشرعية، وكان يتناول طائفة غير قليلة من التمرين القضائي.

    كان يدرس هذا كله ويلم به، فأزيل منه هذا كله، ولم يبق فيه إلَّا الفقه مع حكمة التشريع — كما يقولون — وأصول الفقه، ومقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية والتوثيقات الشرعية، ودراسة بعض القضايا ذات المبادئ الشرعية. وأحب أن ألاحظ أن في هذه التسمية شيئًا من البهرج الذي لا يفيد ولا يدلُّ على شيء؛ فالفقه مع حكمة التشريع مثلًا اسم وُضِع ليخدع الناس ويخلبهم، وهو في حقيقة الأمر لا يدلُّ على شيءٍ جديد؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء مقرون دائمًا بحكمة التشريع، وحكمة التشريع جزء من الفقه؛ فالنص عليها بدع لا فائدة فيه.

    وهناك المقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية زخرف من القول لا معنى له، فإن كان له معنى فهو شرٌّ؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي هو بطبعه مقارنة بين المذاهب، لا في الأحوال الشخصية وحدها، بل فيها وفي المعاملات والعبادات. ينص الكتاب الفقهي العالي بنوع خاص على المسألة الفقهية، ويذكر فيها مذهبه، ثم يذكر مذهب غيره من الفقهاء، ثم يقارن ويناظر ويحاجُّ.

    وهذه المقارنة والمناظرة والمحاجَّة مستوفاة في الكتب التي تُدرَّس في الأزهر وفي مدرسة القضاء، ولسنا ندري ماذا يريد الذين وضعوا هذا القانون من هذا النص إلَّا أن يكونوا قد أرادوا أن يُدرَّس الفقه على وجهه في الأحوال الشخصية، وأن يختزل درس الفقه في غير الأحوال الشخصية من الأبواب. وهذا لا يلائم قسم الاختصاص.

    أمَّا بقية الأسماء التي مرت بك، فكلها تدرَّس في مدرسة القضاء القديمة، وإذن فليس في قسم الاختصاص شيءٌ جديدٌ في العلوم الدينية، وإنما فيه حذف التفسير والحديث والتوحيد، ولكن هناك علومًا أخرى غير العلوم الدينية، فلننظر ما هي؟

    هي: تاريخ القضاء والقضاة في الإسلام — وهذه مادة جديدة لا بأس بها — والسياسة الشرعية — ولسنا نعرف معنى هذه الكلمة، ولسنا ندري أين وجدها واضعو القانون، وإن كنَّا نعترف بأن في القانون رواية أخرى تخلو من هذه المادة — ونظام ولوائح المحاكم الشرعية والأوقاف والمجالس الحسبية — وكان هذا يُدرَّس في مدرسة القضاء مقارنةً بين هذه اللوائح وقانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية. ونحب أن نفهم كيف تكون هذه المقارنة إذا لم يُدرَّس قانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية — وأصول القوانين — وكانت تُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — ونظام القضاء والإدارة — وكان يُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — والإجراءات وتمرينات قضائية — وكانت موجودة في مدرسة القضاء الشرعي.

    أرأيت إلى ما سيُدرَّس في قسم الاختصاص هذا من العلوم؟ أرأيت أن الفرق بينه وبين مدرسة القضاء الشرعي ليس في منفعة التعليم، وليس في منفعة الاختصاص، وليس في منفعة القضاء، وليس في منفعة شيء من الأشياء؟ فقد كانت مدرسة القضاء تُخرِّج قومًا لم يشكُ أحدٌ من جهلهم بالفقه، ولا من ضعفهم فيه، وكانوا إلى تعمُّقهم في الفقه يُلِمُّون بعلوم أخرى أدبية ونظرية تقرب المسافة بينهم وبين إخوانهم الذين يُخرَّجون من المدارس المدنية، وتفتح عقولهم للحياة العصرية الجديدة، فحُرموا هذه العلوم، وردُّوا إلى حظيرة الأزهر، وحِيل بينهم وبين هذا الشعاع الضئيل من نور العلم الحديث.

    ولا تقل إن هذه العلوم الحديثة تُدرَّس في الأزهر؛ فالله يعلم كيف تُدرَّس هذه العلوم في الأزهر، وكيف يُكلَّف درسها قومٌ ليس لهم بها صلة ولا علم.

    أمَّا بعد، فقد كانت مدرسة القضاء تتناول الشاب ولما يتجاوز الصبا إلَّا قليلًا، فتصوغه وتؤدبه تأديبًا يلائم نظامها، ويؤهله لفهم ما يُدرَّس فيها من العلم. أمَّا الآن، فستتناول شيوخًا تم تعليمهم وتثقيفهم، وصيغت نفوسهم صيغة خاصة لا يعمل فيها التعليم ولا التثقيف.

    ثم نصَّ هذا القانون على رسالة تُقدَّم في الامتحان النهائي. ولم يلاحظ واضعوه أن طلاب القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كانوا يقدِّمون هذه الرسالة آخر كل سنة، فكانوا يقدِّمون أربع رسائل لا رسالة واحدة.

    هذا مبلغ ما أحدث القانون الجديد من تغيير. ولست أذكر إلغاء القسم الأولي، ولست أذكر إلغاء القسم العالي، وإنما أكتفي بما ذكرت من المقارنة اليسيرة بين قسم الاختصاص الذي يعدُّ لشهادة تشبه الدكتوراه، وبين هذا القسم العالي المُلغَى الذي كان يُعدُّ لشهادة العالمية. وهذه المقارنة تنتج — كما ترى — أن مدرسة القضاء انحطَّتْ ولم تَرْقَ، أو قُل إنها أُلغيت إلغاءً، فما حكمة هذا الإلغاء، وما نفعه؟

    أمَّا قسم الاختصاص الذي أُنشئ في الأزهر الشريف، فعجبٌ من العجب، ولغوٌ من اللغو، وضربٌ من العبث الذي لا خير فيه؛ تَدرُس النحو اثنتي عشرة سنة في الأزهر، حتى إذا نلت شهادة العالمية أُكرهت — إذا أردت أن تتخصص — أن تدرس النحو أربع سنين أخرى. فما عسى أن تدرس في هذه السنين الأربع؟ وما هذا النحو الذي تُمضِي ست عشرة سنة من عمرك لتكون نحويًّا؟ وقل مثل هذا في الفقه، وقل مثل هذا في غيرهما من العلوم. أصبح الأزهر «كساقية جحا»، أو أصبح الأزهر كالرحى التي تدور وتجعجع دون أن يكون فيها شيءٌ، أو دون أن يكون لها طحن، أو كما قال أبو العلاء: أصبح الأزهر «رحى تطحن قرونًا …»

    وليس معنى هذا كله أن الأزهر ومدرسة القضاء لم يكونا في حاجة إلى الإصلاح. كلا، كانا في حاجة شديدة جدًّا إلى الإصلاح، ولكن إلى إصلاح آخر غير الذي ذهب إليه التشريع الجديد، إلى إصلاح ينفع مصر حقًّا، ينفع الأمم الإسلامية حقًّا، يجعل العالم الأزهري ملائمًا للعصر الذي يعيش فيه، إلى إصلاح يحيي العقول ولا يُميتها، ويفتح البصائر ولا يغلقها، إلى إصلاح يجعل الأزهر خليقًا أن يمشي أمامه، لا أن يتقهقر وراءه.

    كان الأزهر ومدرسة القضاء في حاجة إلى الإصلاح فأُفْسِدا ولم يُصلَحا. ومصدر هذا شيئان؛ الأول: أن الذين كُلِّفوا هذا الإصلاح ليسوا من الفنيين ولا من أهل البصر بالتعليم، والثاني: أن هذا الإصلاح لم يُردْ به وجه الله، وإنما أريد به وجه السياسة. وإذا دخلت المنافع السياسية في العلم؛ فويلٌ للعلم! وويلٌ للمعلمين! وويلٌ للمتعلمين!