جوع
أما وزارتنا شفيقة على الفقراء، رفيقة بالبائسين، تتولاهم بالبر الذي لا حد له، وتشملهم بالعطف الذي لا ينتهي إلى غاية، وتذود عنهم ألم الجوع، وترد عنهم المشقة والضر، وتغمرهم باليسر والنعيم، فشيءٌ ليس إلى الشك فيه من سبيل، إلا أن تكون مكابراً تحب المكابرة، أو محارباً تتهالك على المراء. وفي أي بلد من بلاد الأرض ترى الفقراء والبائسين رغم هذه الأزمة العنيفة ينعمون بخفض العيش ويأخذون من لذات الحياة ما يريدون وفوق ما يريدون كما تراهم في مصر الآن تستطيع أن تطوف في المدن والقرى وأن تجوب أقطار الريف فلن ترى مفلساً ولا مأزوماً. ولن ترى شقياً بالحياة ولا يائساً منها، ولا زاهداً فيها. إنما الناس جميعاً في صفو لا يشوبه كدر، ولين لا تشوبه قسوة. كلهم فرح مرح، وكلهم سعيد مبتهج، وكلهم باسم للحياة، مقبل عليها، مستزيد منها. وتستطيع أن تطوف في القاهرة فترى من مظاهر السعادة واليسر، ومن آيات النعيم وصفو العيش ما يضطرك إلى أن تسأل نفسك: كيف أعرض الفقراء والبائسون من أهل الأرض عن مصر؟ وكيف لم يرحلوا إليها، ولم يتساقطوا عليها وقد أصبحت مصر في هذه الأيام السود جنة الله في الأرض من غير شك ولا مراء؟ لقد كان يسخر فولتير حين صور في قصة من قصصه المشهورة قطراً من الأقطار الأمريكية يمشي الناس فيه على الذهب، ويعبث الأطفال فيه بالأحجار الكريمة وتنحط فيه قيمة المعدن والجوهر حتى يأنف الناس أن يتخذوهما أساساً للتعامل أو ثمناً للبيع والشراء.
كان فولتير يسخر حين صور هذا القطر. فلو قد عاش فولتير إلى هذا العهد السعيد الذي نحن فيه لعلم أن سخريته قد أصبحت حقاً وأن هزله قد أصبح جداً، وأن مصر إذا لم يمش الناس فيها على الذهب ولم يعبث الأطفال فيها بالدر والياقوت فإن الناس فيها لا يعرفون ألماً ولا ضراً، ولا يخافون أن يصيبهم ألم أو يمسهم ضر.
لهذا كله عجبت أشد العجب حين أقبل على جماعة من الناس قد أضناهم الجوع وأنهكهم الحرمان، وظهرت عليهم آثار السوء وضعفت أصواتهم لأنهم لا يجدون ما يقيم أودهم ويمكنهم من أن يتحدثوا إليك في صوت ظاهر ممتلئ مستقيم. ولم أشك حين رأيت هؤلاء الناس البائسين المحرومين في أنهم جماعة من الأجانب الذين مسهم الضر في بلادهم، وضاقت بهم الحياة في أوطانهم، فأقبلوا إلى مصر يلتمسون فيها اليسر والسعة، ويفزعون إلى ما فيها من النعيم والرخاء. ولكني لم أكد أتحدث إليهم وأسمع منهم حتى اشتد عجبي وانتهى إلى أقصاه، لأني علمت أن هؤلاء الناس مصريون، نعم مصريون! أسمعت؟ إنهم مصريون يلذعهم الجوع، وتحرقهم الفاقة، لا يستطيعون أن يأووا إلى بيوتهم لأن لهم نساء وأطفالاً يقضون اليوم الكامل لا يصيبون فيه طعاماً ولا يظفرون فيه بالنوم. وهم مع ذلك مصريون يعيشون على ضفاف النيل. أتستطيع أن تفسره أو تجد إلى تعليله سبيلاً؟ بؤس في مصر يجوع له الناس ويأرقون، ورئيس الوزراء صدقي باشا، هذا الذي تولى وزارة مصر فعاهد النعيم واليسر على أن يقيما فيها ما أقام هو رئيساً للوزراء.
بؤس في مصر، وهذه الوزارة القائمة مشرفة على أمور مصر، وهي التي مست وادي النيل بعصا سحرية فتحول كل شيء جدب فيه إلى خصب وأصبحت مصر زينة الدنيا وبهجتها، ومطمع الأماني والآمال. نعم في مصر بؤس، وفي مصر قوم يشقون بالجوع، لا بالجوع الذي يحسونه هم وحدهم، بل بالجوع الذي يحسه النساء والأطفال. لم أكن أصدق ذلك ولا أطمئن إليه، فأخذت أسأل القوم وألح عليهم وآخذهم بالأيمان المحرجة حتى لم يبق لي سبيل إلى الشك في أنهم صادقون، وفي أنهم مصريون، وفي أنهم جماعة من العمال الذين كانوا يعملون في شركة السيارات، فلما كان الإضراب وقصة الإضراب حيل بينهم وبين العمل لما شئت من هذه الأسباب التي تقبل أو لا تقبل والتي تجوز أو لا تجوز، فهم الآن عاطلون وهم الآن جائعون، وهم الآن يصلون نار البؤس والشقاء. أهم قليلون؟ قد يكون ذلك وقد لا يكون، فهم بين المائتين والثلاثمائة. وفي عنق كل واحد منهم زوج وصبيان، وكلهم بائس فهم يبلغون الألف أو يزيدون. وألف جائع في مدينة القاهرة كثيرون إن كنت تحب العدل والبر والرحمة. وألف جائع في مدينة القاهرة قليلون إن كنت تريد الإحصاء. وقياس هؤلاء الألف الجائعين إلى عشرات الآلاف ومئاتها وأولئك الذين لا يجدون جوعاً ولا حرماناً. وسواء كانوا قليلين أم كثيرين فهم ألف وهم ألف من المصريين لا ينبغي بحال من الأحوال أن يمسهم الضر إلى هذا الحد، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تحرقهم نار البؤس إلى هذا الحد. فإذا تبينت أنهم لا يجوعون ولا يرون جوع أهلهم، لأنهم قصروا في العمل أو رغبوا في الكسل، وإنما هم يشقون بجوعهم وجوع أهلهم لأنهم طلبوا الإنصاف فردوا إلى القسوة والجور. وإذا تبينت هذا كله عرفت أن لهؤلاء الناس وعلى وزارتنا، ووزارة الثروة والرخاء، ووزارة البهجة والصفاء حقاً محتوم الأداء. لهم علينا الحق أن يشبعوا بعد جوع وأن يرتووا بعد ظمأ، وأن تستقر قلوبهم في صدورهم وألا يسمعوا أنين النساء لأنهم اختلفوا مع شركة السيارات فأضربوا مع المضربين فطاولتهم الشركة ولم تسعفهم الحكومة، وكان من الحق على الحكومة أن تسعفهم فترفع عنهم الظلم وتحفظ عليهم كرامة المصريين، حتى إذا بلغ بهم الجهد ما أعياهم وتجاوز طاقتهم عادوا إلى العمل فتلقتهم الشركة مزدرية لهم ملتوية عليهم. وأخذت تفصل منهم من تفصل وتهمل منهم من تهمل حتى انتهى أمرهم من السوء إلى هذه الحال.
وكانت الحكومة أثناء الإضراب تريد أن تحمي منهم الشركة وتحمي منهم العمل. وهذا حق الحكومة وواجب عليها، ولكنها أسرفت في الاستمتاع بهذا الحق، وأسرفت في أداء هذا الواجب حتى استحالت حماية الشركة إلى تعقب المضربين، واستحالت حماية العمل إلى إرهاق للعمال. ونظر الناس فإذا الحكومة تقبض على العمال في كثرة غريبة وتحول بينهم وبين الاجتماع والتشاور في أمورهم. ونظر الناس فإذا الحكومة تمهل الشركة وتعجل العمال. وإذا الحكومة تظهر للشركة ليناً لا يشبهه إلا ما كانت تظهر للعمال من شدة، ونظر الناس فإذا الحكومة لا تأخذ الشركة بتنفيذ العقد الذي كان بينها وبين الدولة حين احتكرت هذا النوع من أنواع العمل. والناس ينظرون الآن فيرون مئات من المصريين جياعاً، لا يعرفون كيف يردون الجوع عن أنفسهم وعن أهلهم. أليس من الحق على الحكومة أن تنظر إلى هؤلاء الناس نظرة عطف ورفق وبر وإشفاق؟ بلى ولكن زعموا لنا أن الشرطة ما زالت تتبعهم وتراقبهم، وأنهم معرضون في كل لحظة لتلقي الإنذار الذي يتلقاه المتشردون. يجب أن يفكر وزير الداخلية في هؤلاء الناس وأن يراجع في أمرهم شركة السيارات. فإذا كان الإنجليز يحمون الأجانب في مصر ومنهم أصحاب هذه الشركة، فلا يقصرون في حمايتهم بل يغلون. فقد يكون من الحق على المصريين أن يحموا مواطنيهم، لا نقول في غلو وإسراف، وإنما نقول في غير تفريط ولا تقصير. وإذا كان للأجانب من مدير الأمن الأوروبي ركن شديد يأوون إليه، فمن الحق أن يكون للمصريين من وزير الداخلية ركن شديد يأوون إليه. إن من العار أن يجوع ألف من أهل القاهرة لا لشيء إلا لأن خلافاً شجر بين العمال المصريين وبين شركة أجنبية فليفرغ وزير الداخلية لأمر هؤلاء الناس ساعة من نهار، وليكن في هذه الساعة صاحب حزم وعزم وإنصاف، ولعله يستطيع.
كوكب الشرق ١٠-٧-١٩٣٣
Tag: labor strike
-
إضراب٢
إضراب
عاد الأمر إلى الاضطراب والفساد بين شركة تورنيكروفت وعمالها، وأصبح الناس اليوم قد حرموا وسيلة من وسائل الانتقال التي كانوا يعتمدون عليها، ويهيئون أمورهم على أنها متصلة غير منقطعة، وموفورة ليس عليها خوف. ومن حق الناس أن يضيقوا بهذا الإضراب الذي يتكرر فيعطل عليهم مصالحهم، ويفسد عليهم أمورهم، ويعرضهم لضرر قد يكون كثيرا. وهم على كل حال لم يأتوا من الأمر ما يجعلهم أهلا للقاء هذا الضرر، واحتمال هذا الأذى. ومن حق الناس أيضا أن يعرفوا مصدر هذا الإضراب الذي يتكرر، وهم إنما يستطيعون أن يعرفوه من العمال ومن الشركة ومن الحكومة التي يجب أن تسيطر على ما بينهم وبينها من صلات، وتتوسط فيما بينهم وبينها من خلاف.
فأما العمال فهم لا يبخلون بتفسير موقفهم، وإظهار الناس على أسبابه ومصادره. وهم لا يتمنون إلا أن يؤذن لهم في القول، ولا يحبون إلا أن يسمع لهم الناس، لعل رثاء الناس لهم وعطفهم عليهم، وتأييدهم لما يطلبون، أن يدعو الشركة إلى أن تغير من موقفها الذي يرونه ظالما، مسرفا في الظلم. ولعله أن يخرج الحكومة عن خطة اللين للقوى إلى شيء من الحزم في المطالبة بالإنصاف. ولعله إذا لم ينته إلى هذا أن يبعث في نفوس العمال أنفسهم شيئا من الرضى، وقليلا من العزاء. فليس أحب إلى نفس المكروب المحروب من أن يحس عطف الناس عليه، ورثاءهم له.
لم يبخل العمال بالقول ولا بالتفسير، فهم يستكثرون ساعات العمل، وهم يستقلون ما يعطون من أجر، وهم يشكون من معاملات أخرى قاسية، فيها فصل لبعضهم، وتعريض لبعضهم الآخر للفصل، وعبث بكثير من حاجاتهم وآمالهم.
قالوا ذلك وكرروه، وألحوا فيه، وأضربوا منكرين له، محتجين عليه. ثم قيل لهم إن من اليسير إصلاح ما ينكرون إذا عادوا إلى أعمالهم. وكانت الحكومة قد توسطت بينهم وبين الشركة. وكانت وساطة الحكومة هي التي مكنت من أن يبذل للعمال هذا الوعد فصدقوه، واطمأنوا إليه، واستأنفوا عملهم، وانتظروا الوفاء.
ويظهر أن هذا الوفاء لم يكن سريع الخطى، بل لم يكن ميالا إلى الحركة، فيقال إن الشركة لم تغير ما كانت وعدت بتغييره، ويقال إنها حين أرادت بعض التغيير راوغت وداورت وفصلت من العمال والموظفين عددا ليس بالقليل، فعاد الخلاف كما كان أو أشد مما كان، وعاد العمال إلى الإضراب.
كذلك يقول العمال في تفصيل كثير مؤلم، تقرأه في غير هذا المكان من الكوكب.
أما الشركة فلا تقول أو لا تكاد تقول شيئا. وأما الحكومة فتؤثر صمتا أقل ما يوصف به أنه لا يلائم مصلحة أحد. لا يلائم مصلحة الناس الذين لا يريدون أن تعطل مصالحهم، ويحبون أن يفهموا فيم تعطيلها. ولا يلائم مصلحة الشركة التي لا ينبغي أن يسوء بها ظن الناس، وأن يفهم الجمهور أنها تستغل العمال، وتسرف في العبث بهم. ولا يلائم مصلحة العمال الذين يحرصون على ألا يتهمهم أحد بالعنت والمبالغة والاستهانة بمصالح الناس. ثم هو لا يلائم مصلحة الحكومة بنوع خاص، فهي التي أذنت لهذه الشركة بالعمل، وهي التي قضت بهذا الإذن على نشاط جماعة من الوطنيين كانوا يعملون في النقل بالسيارات، وهي التي حملت الناس شيئا غير قليل من المشقة حين قضت على هذا النشاط مكان تشجيعه، ومحته مكان تقويته. وهي التي تعاقدت مع الشركة، فمن حقها على نفسها، ومن حق الناس عليها أن تشعر مصر بأن القضاء على النشاط الوطني لم يكن من شأنه أن يؤدي إلى الغلو في إذلال المصريين، واستغلالهم، وإهدار مصالحهم، وتعريض فريق منهم للبطالة، وما يتبعها من الجوع والحرمان. ومن الحق عليها لنفسها وللناس أن لا تتهم بالتقصير في المحافظة على عقد الإلزام، هذا الذي أمضته، والذي يجب عليها أن ترعى حرمته، وأن تأخذ الشركة برعاية حرمته أيضا.
ليس من الملائم إذن لمصلحة الحكومة أن تؤثر هذا الصمت الذي آثرته، وليس من مصلحتها بنوع خاص أن يسوء ظن الناس بها ورأيهم فيها. وأن تتهم باللين المسرف والتهاون المنكر مع الأجنبي، وبالشدة المغرقة، والتعنت مع المصري. وليس من مصلحتها بحال من الأحوال أن تتساءل طائفة من المصريين، هي طائفة العمال: فيم وجود الحكومة إذا كانت تعجز أو تتكلف العجز عن حماية المصريين من جور الأجنبي وقسوته عليهم في بلادهم، وتعجز أو تتكلف العجز عن أخذ الشركة بتنفيذ عقد الإلزام؟
فالناس لا ينشئون الحكومات لينظروا إليها ويلهوا بها، ويستمتعوا بجمالها، وبما تحيط نفسها به من مظاهر القوة والجلال. وإنما الحكومة أداة من أدوات العمل في الحياة، قد أنشئت لأغراض فإذا لم تحقق هذه الأغراض أصبحت عبئا ثقيلا، وأصبحت متاعا لغوا لا حاجة إليه.
وأول ما يجب على الحكومة في مثل هذه الحال كما قلنا منذ أيام إنما هو حماية هؤلاء العمال مرتين: حمايتهم لأنهم عمال لهم حقوق يجب أن يظفروا بها، وعليهم واجبات يجب أن يؤدوها، ولهم آمال يجب أن لا تقطع بينهم وبينها الطريق. وحمايتهم لأنهم مصريون يعملون عند الأجنبي في بلادهم، فيجب أن توفر عليهم عزتهم وتحفظ عليهم كرامتهم، ويعاملوا كما يعامل الرجل العزيز في وطنه العزيز.
ونحن نأسف أشد الأسف لأن سيرة الحكومة فيما بين العمال والشركة من خلاف لا يظهر فيها من الحزم والقوة ما يشعر الناس بأنها تؤدي هذا الواجب على أحسن وجه ممكن للأداء. نفهم إلى حد ما أن يسوء رأي الحكومة والبرلمان في رجال التعليم الأولى، وأن تستكثر عليهم مرتباتهم الضئيلة، وأن يختلف النواب في هذه المرتبات، أترقى إلى جنيهين أم تنزل إلى جنيه ونصف جنيه. نفهم ذلك إلى حد ما، فهو يدل على سوء فهم للتعليم، وعلى سوء تقدير لحق المعلم وواجبه، ولكن ما يبخل به من المال على المعلمين سيبقى في خزائن الدولة، ولكن ما يلم بالمعلمين من ظلم سيصدر عن المصريين وسيصيبهم من مواطنيهم. فأما أن تغلو شركة أجنبية في تخفيض أجور العمال المصريين ولا تشتد الحكومة في منعها من هذا الغلو، فشيء ليس إلى فهمه من سبيل. فالمال الذي ستبخل به الشركة على هؤلاء المصريين لن يرد إلى خزائن مصر، ولن يبقى في أرض مصر، ولكنه سيعبر البحر إلى حيث يستمتع به الأجنبي. والظلم الذي سيقع على العمال من نقص الأجور، وزيادة ساعات العمل، واضطرار فريق منهم إلى البطالة، لن يقع من مصري على مصري، لكنه سيقع من أجنبي على مصري.
فلتقدر الحكومة هذا كله، ولتفكر الحكومة في أنها مدينة لنفسها ولوطنها وللكرامة والعدل ولمنفعة الجمهور الذي أنشئت لتخدمه وترعى مصالحه بأن تقف موقفا حازما كريما في هذا الخلاف، وأن تضطر الشركة إن كانت ظالمة إلى العدول عن هذا الظلم، وتضطر العمال إن كانوا جائرين إلى العدول عن هذا الجور، ولا تضيع مصالح الجمهور لخلاف من اليسير جدا أن يزال لو نهضت الحكومة بواجبها على الوجه الصحيح.
كوكب الشرق في ٣ – ٦ – ١٩٣٣