الظاهرة الكبرى
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٥ أغسطس ١٩٤٥
يمكن أن يقال: إن الانتخابات البريطانية شغلت العالم أشهرًا متصلة كما شغلته أحداث الحرب الجسام … وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلبريطانيا العظمى مكانتها الممتازة بين أمم الأرض، وإمبراطوريتها العظيمة وكلمتها المسموعة في كل مشكلة من مشكلات السياسة العالمية، بل لبريطانيا العظمى آثارها التي تختلف قوةً وضعفًا في السياسة الداخلية والخارجية لكثير من الأمم المستقلة، أو التي تشبه أن تكون مستقلة … فإذا حدث في بريطانيا العظمى ما من شأنه أن يغير سياستها قليلًا أو كثيرًا، فمن الطبيعي أن يتساءل العالم، وأن تتساءل الأمم المتأثرة بهذه السياسة عن طبيعة هذا التغيير، وعمَّا يمكن أن ينتهي إليه من الآماد، وأن يترتب عليه من النتائج.
وقد كانت الحرب الانتخابية في بريطانيا العظمى مثار اختلافات كثيرة عنيفة في التفسير والتقدير، لا في بلاد الإنجليز وحدها، بل في كثيرٍ جدًّا من بلاد الأرض. فكانت الحرب نفسها عنيفة جدًّا بين المحافظين والعمال … وكان الناس يقرءون خطب الزعماء المختصمين في كثير من التلهف والتشوق … وكانوا يعجبون إعجابًا شديدًا بأن هذه الخصومة العنيفة وتلك الحرب — التي كانت بالقياس إلى الحزبين حرب حياة أو موت — لم تمنع الحزبين من التعاون والتناصر، ومن أن يشدَّ أحدُهما أزْرَ صاحبه حين يَجدُّ الجد في أمور السياسة الخارجية.
فلم يكد مستر إيدن يعلن في مجلس العموم البريطاني قبيل حله مأساة سوريا وموقف بريطانيا العظمى منها حتى وقف زعيم العمال فأعلن تأييد حزبه لمسلك الحكومة، ثم لم يكد يتقرر اجتماع الرؤساء الثلاثة في بوتسدام حتى أعلن مستر تشرشل في مجلس العموم أنه طلب إلى خصمه وصديقه المستر إتلي أن يصحبه في هذا الاجتماع الخطير؛ ليثق العالم بأن البريطانيين مهما يختلفوا في السياسة الداخلية فهم متفقون في كل ما يتصل بسياسة العالم بعد انتهاء الحرب، وبأن بريطانيا العظمى لن تغيِّر موقفها في السياسة العالمية بتغير حكوماتها، أو بانتقال السلطان فيها من حزب إلى حزب.
كان الناس يقرءون هذا كله ويعجبون به، ويكبرون هذه الديمقراطية البريطانية التي تعرف ما تريد، وتعرف كيف تسعى إلى ما تريد، وكيف تبلغ ما تريد. وكانوا في الوقت نفسه يختلفون في نتائج الحرب الانتخابية، وكان أكثرهم يرى أن المحافظين سيظفرون بالفوز، وسيتفوقون على خصومهم ولو بكثرة ضئيلة، يبنون ذلك على ما للمستر تشرشل من مكانة ممتازة في نفوس الشعب البريطاني خاصةً، وفي نفوس الناس جميعًا خارج بريطانيا العظمى بعد أن أنقذ وطنه من كوارث لم يكد أحد يشك في أنها واقعة، وبعد أن ثبت وحمل مواطنيه على أن يثبتوا لهذه الخطوب الهائلة المروعة التي لم يعرف التاريخ مثلها في عصر من العصور، وبعدما بذل من جهود لا يكاد يتصورها العقل، واحتمل من عناء لا يكاد يحتمله الناس. فسافر في البر والبحر والجو في غير أوقات السفر، وعرض نفسه لأخطار جسام على تقدمه في السن، وعلى اعتلال صحته كلما تعرضت لهذه الأعراض التي تنشأ عن التنقل السريع إلى الأقطار النائية مهما يكن من اختلاف الفصول.
وكان قليل من الناس ينتظرون فوز العمَّال، يبنون ذلك على اتجاهات إنسانية هي التي اضطربت لها أوروبا بين الحربين، وهي التي ثارت لها الحرب العالمية الثانية، وهي التي تتصل بالصراع بين نوعين من نظام الحكم، وتدبير أمر الشعوب؛ أحدهما: النظام الديمقراطي السمح الطلق، والآخر نظام الدكتاتورية أو ما يشبهها من هذه الديمقراطيات المقيدة المتحرجة.
وقد انتهت الحرب الانتخابية في بريطانيا بفوز العمَّال، فلم يكد هذا الفوز يعلن إلى الناس حتى أخذوا يختلفون في نتائجه القريبة والبعيدة، وهم الآن ماضون في هذا الاختلاف، يرى بعضهم أن هذه النتائج ستقتصر على السياسة الداخلية البريطانية؛ فتحكم بريطانيا العظمى حكمًا اشتراكيًّا يمعن في الاشتراكية إمعانًا قويًّا أو ضعيفًا، وتمضي السياسة الخارجية على أساليبها التقليدية لينة في هذا المكان، شديدة في ذاك، مرنة بالقياس إلى بعض الأمم، صلبة بالقياس إلى بعضها الآخر، باسطة للنفوذ البريطاني على كل حال.
ولم يحدث قط أن اهتم العالم لنتائج الانتخابات في بريطانيا العظمى كما اهتم لها في هذه المرة؛ فبريطانيا العظمى دولة منتصرة قد شاركت في سحق ألمانيا وإيطاليا، وفي تحرير أوروبا من تسلط الألمانيين، ولا يكاد قطر من أقطار الأرض في الشرق والغرب يخلو من قوة بريطانية تستقر فيه، أو تسعى إلى دخوله والاستقرار فيه استقرارًا طويلًا أو قصيرًا، لا نستثني من ذلك إلَّا أمريكا، فتغير السياسة البريطانية من طبيعته أن يحمل هذه الأقطار كلها على أن تتساءل ما عسى أن يكون لهذا التغير من أثر في حياته الحاضرة أو المستقبلة.
ومهما يكن من الحق أن جوهر السياسة الخارجية في بريطانيا العظمى واحد لا يتغير بتغير الأحزاب الحاكمة، وأن غاية السياسة البريطانية واحدة لا تتغير، وهي بسط النفوذ البريطاني في كل مكان؛ فإن أساليب هذه السياسة تتغير من غير شك بتغير الأحزاب التي تنفذها، وتختلف باختلاف الأشخاص الذين يرعونها ويقومون عليها. وليس من شك عندي في أن أهم الأسباب التي دعت إلى هزيمة المحافظين أنهم غلوا في المصانعة داخل بريطانيا العظمى وخارجها حين كانت المحنة شديدة شاقة، فترفقوا بالشعب البريطاني إلى أبعد حدود الترفق، وتقربوا إلى العمال تقربًا شديدًا، واستعاروا من الاشتراكية نظمًا كثيرة اقتضتها الحرب، ثم وعدوا وغلوا في الوعد حتى اعتقد البريطانيون أنفسهم — واعتقد الأجانب — أن بريطانيا العظمى صائرة إلى الاشتراكية الخالصة.
وهم في الوقت نفسه توددوا إلى حلفائهم وأنصارهم، وإلى الأمم المحايدة، وغلوا في هذا التودد، ونثروا وعودهم نثرًا، وجلوا أمام الإنسانية وأمام الأمم الضعيفة خاصةً آمالًا خلَّابة، حتى لم تشك أمة من الأمم الخاضعة لنفوذ هذه الدولة أو تلك أنها ستظفر بالحرية والاستقلال متى أصبح النصر شيئًا محققًا.
وشارك الأمريكيون حلفاءهم البريطانيين في هذا التودد الخارجي، وفي هذه الوعود المبذولة للأمم الضعيفة، فنشر ميثاق الأطلنطي وميثاق الأمم المتحدة وكلام كثير كله وعد، وكله تزيين للآمال والأماني، ولكن الحرب لم تكد تدنو من غايتها في أوروبا حتى استرد المحافظون تقاليدهم القديمة، واستأنفوا سيرتهم الأولى داخل بريطانيا العظمى وخارجها على السواء.
ولم ينس الناس بعدُ كيف تخلَّص المحافظون في لباقة ورشاقة من مشروع الأستاذ بيفردج، مع أنه كان معتدلًا شديد الاعتدال، ولم ينس الناس بعدُ كيف عاد المحافظون إلى سياستهم التقليدية في الخارج؛ فأيدوا أحزاب اليمين وناهضوا أحزاب اليسار، ولم يتحرجوا من أن يعمدوا إلى القوة أحيانًا في هذا التأييد، وظهر الخلاف بينهم وبين الروسيين في شئون بولندا والبلقان وفي شئون إسبانيا، كما اشتد تأثيرهم في سياسة إيطاليا وبلجيكا حتى قال بعض العمال للمستر تشرشل ذات يوم: إنه يسرف في تأييد الملوك وتملُّقهم.
ونتج عن هذا الرجوع إلى السياسة التقليدية للمحافظين أن خابت الآمال في السياسة البريطانية داخل بريطانيا العظمى وخارجها، فأمَّا الشعب البريطاني فقد أحس شيئًا يشبه أن يكون خداعًا، وكره أن يذعن لهذا الخداع، وهو قد ذاق أثناء الحرب ألوانًا من الجهد والضيق، وذاق في الوقت نفسه ألوانًا من العدل الاجتماعي الذي اقتضته الظروف، وذاق بنوع خاص حلاوة تلك الوعود؛ فصمَّم على ألَّا يُخدع، وصمَّم على ألَّا يفلت منه ما ظفر به، وصمَّم على ألَّا تكذبه الوعود.
وأمَّا العالم الخارجي، فقد أصبح ذات يوم وإذا السياسة البريطانية تؤيد الديمقراطيات المعتدلة أحيانًا، والديمقراطيات المزيفة أحيانًا أخرى، وربما أيدت الأقليات في غير تردد؛ فضاق بهذا الانحراف عن الوعود قبل أن يبعد بها العهد، وعن المواثيق قبل أن يجف الحبر الذي كُتِبت به.
وتعرضت سمعة السياسة البريطانية لكثيرٍ جدًّا من الشك وسوء الظن. والواقع أن المستر تشرشل قد أسرف في سياسة انتهاز الفرص، ولم يحسن تدبير حرصه على تثبيت قوة الإمبراطورية وبسط نفوذها، وإنما اندفع في ذلك اندفاع المنتصر الذي لا يحفل بشيء، ولا يلوي على شيء؛ لأنه واثق بالقدرة على كل شيء.
من أجل هذا كله كان مركز المستر تشرشل منذ أواخر الصيف الماضي ظاهر القوة، خفي الضعف، وأخذ خصومه في بريطانيا العظمى يجمجمون فيما بينهم وبين أنفسهم أولًا، ثم في مجلس العموم ثانيًا، ثم يصرحون بالمعارضة القوية آخر الأمر، ثم انتهى الأمر بالعمَّال إلى مقاطعته؛ فتصدع الائتلاف، واضطر مستر تشرشل إلى استفتاء الشعب.
وكان العمال يودون لو مدت لهم الأسباب وجرت الحرب الانتخابية هادئة وادعة في وقت طويل، وقد توسلوا في ذلك إلى المستر تشرشل، ولكنه خدع عن أمره وتعجل الفوز الذي كان واثقًا به، وتعلل بأن الحكومة البريطانية يجب أن تكون مستقرة قوية لا يشك العالم الخارجي في قوتها. وقبِل العمَّال كارهين هذا التحدي الذي وصفوه بأنه بغيض، وأُتيح لهم الفوز، وأشرفوا على السياسة البريطانية تؤيدهم كثرة لم يظفروا بمثلها من قبل.
ومهما يكن اختلاف الآراء في نتائج هذه الانتخابات، فإن هناك حقائق ثلاثًا هي التي لا تتعرض للشك؛ الأولى: أن الشعب البريطاني قد أثبت أنه يفهم الديمقراطية فهمًا دقيقًا، ويحرص على أن يستمتع بها استمتاعًا كاملًا، ويريد أن يدبر الشعب أمر نفسه بنفسه لنفسه مهما تكن الظروف، الثانية: أن هذه النتيجة قد أزالت التناقض الذي تورط فيه المنتصرون برجوع المحافظين إلى سياستهم التقليدية؛ فقد ثارت الحرب العالمية الثانية لتأييد الديمقراطية بأوسع معانيها، فكان من الطبيعي أن تخطو الديمقراطية البريطانية إلى أمام لا إلى وراء، وأن يشعر العالم الخارجي بشيءٍ من الحرية يمكِّن الشعوب لا أقول في تقرير مصيرها، بل من الأمل في تقرير مصيرها، وانتصار العمال يحقق هذين الغرضين، فيقدم الديمقراطية البريطانية نحو الاشتراكية، ويرد إلى الشعوب الضعيفة والمحررة شيئًا من الأمل.
وقد ظهرت النتائج السريعة لهذه الخطوة، فضعف أمل ملك بلجيكا في العودة إلى وطنه، وضعف مركز الملكيين في اليونان وفي إيطاليا، واستطاع بعض أعضاء الجمعية الاستشارية في فرنسا أن يصيحوا في وجه الجنرال دي جول بسقوط الدكتاتورية، مع أن الجنرال ليس من الدكتاتورية في شيء.
وكذلك بدأت الشعوب في أوروبا تتنفس؛ لأنها استيقنت أن وزارة العمال لن تؤيد أحزاب اليمين، ولن تناصر حكومات الأقليات.
الحقيقة الثالثة هي: أن الشعوب التي تنتظر حريتها واستقلالها واستمتاعها بالعدل الاجتماعي من انهزام المحافظين، وانتصار العمَّال في بريطانيا العظمى ليست خليقة بالحرية، ولا بالاستقلال، ولا بالعدل الاجتماعي.
فهذه كلها أمور لا تُعطى، وإنما تؤخذ، ولا تأتي من الخارج، وإنما تصدر عن قلوب المواطنين.
Tag: Labour Party
-
الظاهرة الكبرى
-
أزمة الديمقراطية
أزمة الديمقراطية
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٤ مايو ١٩٤٥
لم تتعقَّد شئون السياسة العالمية منذ تَمَّ تسليم ألمانيا كما تعقَّدت في هذه الأيام الأخيرة؛ فقد كانت الخصومات الدولية الكبرى وحدها تشغل الرأي العالمي العام، أما الآن فقد أضيفت إلى هذه الخصومات الدولية خصومات أخرى حزبية في السياسة الداخلية لبعض الدول الكبرى.
ولما كانت هذه الخصومات الداخلية بعيدة الأثر في السياسة الدولية نفسها، فقد اشتدَّت العناية بها، وكثر التأويل لها والاختلاف فيما يستنتج من نتائج، بحيث أصبحت السياسة الخارجية نفسها تأتي في المرتبة الثانية بعد هذه المشكلات السياسية الداخلية. وأعظم هذه المشكلات الداخلية خطرًا، مشكلة بريطانيا العظمى بالطبع؛ فلبريطانيا العظمى مركزها الممتاز في العالم كله، ولها العلاقات المعقدة بالدول الكبيرة والصغيرة وبممتلكاتها المستقلة وإمبراطوريتها الواسعة؛ فليس من الغريب أن تُعْنَى هذه الدول كلها بكل ما يحدث في بريطانيا العظمى، وبكل ما يمكن أن يكون له أثر في سياستها الخارجية وفي مسلكها نحو المستعمرات.
ومصدر هذه الخصومة الداخلية في بريطانيا العظمى طبيعي لا غرابة فيه؛ فقد حكمت بريطانيا أثناء الحرب حكمًا ائتلافيًّا يقوم على اتفاق الأحزاب التي تتباين مناهجها وبرامجها. وكان رئيس الوزراء مستر تشرشل يعتقد أن هذا الحكم الائتلافي سيستمر حتى تضع الحرب أوزارها في الشرق والغرب. ولكن الحوادث دلَّت منذ وقت غير قصير على أن هذا الائتلاف قد أَخَذَ يتصدَّع، وعلى أن الاختلاف في شئون السياسة الخارجية نفسها بين الأحزاب أعظم من أن تثبت له الوزارة الائتلافية.
ويكفي أن نذكر حوادث اليونان التي لم يبعد العهد بها بعد؛ لنتبيَّن أن الأحزاب المؤتلفة في بريطانيا العظمى لم تكن تنظر إليها نظرة واحدة، وقد كان المحافظون ينظرون إليها نظرة الرضا عن السياسة الإنجليزية في تدبيرها وتسييرها، وكان العمال ينظرون إليها نظرة السخط، وكان الأحرار ينظرون إليها نظرة قلقة مترددة. ولم ننسَ بعدُ تلك المناورات البرلمانية التي لجأ إليها العمال أثناء أزمة اليونان؛ ليحتفظوا بحريتهم في الرأي وإنكارهم لسياسة الحكومة من جهة، وليحتفظوا بالائتلاف من جهة أخرى حتى يتم الانتصار في أوروبا وتُلْقِي ألمانيا السلاح.
وقد طلب مستر تشرشل الثقة غير مرة إلى مجلس العموم بشأن سياسته في اليونان فظفر بها، ولكنه ظفر بها غير كاملة: ظفر بثقة تشبه أن تكون شكلية؛ لأن عددًا ضخمًا من النواب يوشك أن يبلغ نصف المجلس — أو أن يزيد عليه — لم يشهد التصويت؛ فظفر رئيس الوزراء بالثقة من كثرة الحاضرين، واستطاع أن يقول رسميًّا إنه مؤيد بثقة المجلس، ولكنه استطاع أن يعلم أن تأييد المجلس له ليس قويًّا ولا عميقًا ولا صالحًا للاعتماد عليه.
وكان ما حدث في مؤتمر القرم مظهرًا آخر من مظاهر التصدع في هذا الائتلاف؛ فقد سخط العمال والأحرار، وأيَّدهم الرأي العام البريطاني على إمضاء الأمر في شئون بولندا وهي نائية، ودلت الحوادث بعد ذلك على أن الساخطين لم يخطئوا؛ فهذه بولندا لا تزال في موقفها المعقد، وهي لا تشارك في الشئون العالمية، ولا تشهد مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين يرون في شأنها رأيًا، ويرى الإنجليز والأمريكيون في شأنها رأيًا آخر، وتضيع هي بين أولئك وهؤلاء.
والواقع أن شئون السياسة الخارجية البريطانية مضت مستقيمة مرضية للعمال والمحافظين والأحرار أثناء المحنة حين كانت ألمانيا قوة تُخَاف ويُخْشَى خطرها، وحين كان الحلفاء في حاجة شديدة إلى تأييد القويِّ والضعيف في جميع أقطار الأرض، فلما انهزمت ألمانيا في إيطاليا وفرنسا، وأخذ الحلفاء يغزونها في أرضها، واستيقن الحلفاء أنهم منتصرون؛ تغير اتجاه السياسة الخارجية البريطانية شيئًا ما، وأخذ يسترد قليلًا لونَه القديم الذي كان يعتمد على انتهاز الفرص، وتقوية سلطان الإمبراطورية، وإظهار البأس البريطاني، وإشعار الأقوياء والضعفاء بأن للسلطان البريطاني قوَّة لا تحب الضعف وشدة لا تحب اللين.
وظهرت آثار هذا كله في أزمة اليونان، كما ظهر شيء من ذلك في الشرق الأدنى؛ فقد نسيت وعود كانت مبذولة، وظهرت ميول كانت حريصة على أن تستخفي، ولم يلبث هذا كله أن اصطدم بحرص الدول الأخرى العظيمة على ما تحب أن يكون لها من نفوذ وسلطان، ومنذ ذلك الوقت أحسَّ العمال أن المحافظين قد جعلوا يعودون إلى سياستهم التقليدية، فصبروا على مضض صامتين، ثم جمجموا وغمغموا منكرين، ثم جهروا بالخلاف، وصرَّحوا بالإنكار، وعرضوا الائتلاف للخطر.
فإذا أضفت إلى هذا أن السياسة الداخلية في بريطانيا العظمى قد سلكت نفس السبيل التي سلكتها السياسة الخارجية؛ لم تنكر مسلك العمال، فقد مضى المحافظون مع حلفائهم العمال في الحرب إلى أبعد مدًى، ودعاهم ذلك إلى أن يبسطوا سلطان الدولة على كل شيء، ويبسطوه في قوة لا تعرف هوادة ولا تراخيًا، حتى كان كثير من الناس يتحدثون بأن بريطانيا العظمى تسعى إلى الاشتراكية سعيًا سريعًا. ولكن الأستاذ بيفردج لم يكد يعلن تقريره المشهور، حتى أحسَّ المحافظون أن هناك خطرًا يحسن الاحتياط له والاستعداد لمقاومته، وإذا تقرير الأستاذ بيفردج يؤجل إلى حين، وإذا الحديث يستأنف من حق الأفراد والهيئات في أن يمكنوا شخصياتهم من العمل والابتكار والإنتاج.
وإذن فقد جعل المحافظون يستردون شيئًا عن حريتهم، ويعودون إلى سياستهم التقليدية التي تُؤْثِر التطور البطيء، فضلًا عن الثورة في كل ما يتصل بالنظم الاجتماعية والاقتصادية، وليس العمال غافلين ولا ذاهلين؛ فهم قد لاحظوا هذا التغير في سياسة المحافظين في السياسة الداخلية كما لاحظوه في السياسة الخارجية، وهم قد احتملوا الائتلاف كارهين منذ وقت طويل، حتى إذا انتهت الحرب في أوروبا قرروا أن يستردُّوا حريتهم، واستردوها بالفعل، ولكنهم ضحوا في سبيل هذه الحرية بشيء غير قليل مما كانوا يعتمدون عليه ليظفروا بالفوز في الانتخاب؛ فقد كانوا يريدون أن يخوضوا معركة انتخابية طويلة هادئة يدعون فيها لآرائهم بعد أن تطمئنَّ القلوب في الصدور، ويُفِيق الشعب البريطاني من نشوة النصر، ويستطيع أن يحكم على الأشياء في هدوء وأناة، ويعود كثير من الجنود المحاربين إلى أرض الوطن، فيسمعوا من الناس ويقولوا لهم، ويقضي الشعب في مصيره عن روية وبصيرة.
ولكن مستر تشرشل لم يمهلهم، ولم يُتِحْ لهم هذه المعركة الهادئة الطويلة، وإنما خيَّرهم بين الائتلاف إلى أن تستسلم اليابان، والانتخاب في أوائل يوليو المقبل؛ فقبلوا التحدي كارهين، ووصفوا خطة المستر تشرشل بأنها خطة مخجلة، وحملوه تبعتها، وبدءوا دعوتهم الانتخابية منذ يوم الثلاثاء.
والعالم ينتظر نتيجة هذه المعركة التي تدور الآن بين هذه الأحزاب الثلاثة، وينتظر ما سيكون لهذه المعركة من أثر في السياسة الخارجية، وفي الصلات بين بريطانيا العظمى وبين الدول الكبرى من جهة وبينها وبين الدول الصغيرة من جهة أخرى. وأيسر ما ينبغي أن يقال للمصريين خاصة وللشرق العربي عامة هو أن الشعوب المستقلة الكريمة يجب أن تعتمد على نفسها قبل كل شيء، وألا تعتمد على تحول سياسي يحدث هنا أو هناك، ويجب في الوقت نفسه ألا تهمل هذا التحول السياسي، وأن تحسب له حسابه، وتستعد للانتفاع به إن كان نافعًا، والاحتياط له إن كان مخيفًا.
على أن الأزمة الديمقراطية الداخلية ليست مقصورة على بريطانيا العظمى وحدها؛ فقد يظهر أن في فرنسا شيئًا يشبه أن يكون أزمة ديمقراطية، فقد دلت الانتخابات البلدية على أن فرنسا تتجه اتجاهًا شديدًا نحو اليسار، وكل شيء يدل على أن في الشعب الفرنسي شيئًا غير قليل من القلق حين ينظر إلى مستقبله القريب وإلى تنظيم أمره الداخلي. وقد خطب ليون بلوم رئيس الحزب الاشتراكي خطبته الأخيرة، فدلَّ على أن الأمور لا تجري في فرنسا على نحو يدعو إلى الرضا والاطمئنان. وأخص ما يلفت النظر في خطبة ليون بلوم قوله: «إن أداء خدمة الوطن مهما تعظم لا يُكسِب صاحبه حقًّا في البلاد الديمقراطية، وإنما يكسبه الحق في البلاد الدكتاتورية؛ لأن أداء الخدمة إلى الوطن الديمقراطي واجب على المواطنين جميعًا تقتضيه طبيعة الأشياء.»
وواضح ما في هذا الكلام من التعريض، وقوله كذلك: إن فرنسا يجب أن تصل إلى عظمتها من طريق الاتحاد بين المواطنين، والتعاون على تحقيق العدالة الاجتماعية في الحياة الداخلية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الدول؛ فلا يظلم القوي الضعيف، ولا يستأثر صاحب البأس بالأمر دون من لا حظَّ له من قوة أو بأس. وهذا البرنامج على إيجازه إن صور شيئًا فإنما يصور المثل الأعلى للعدل الداخلي والخارجي جميعًا، ولكن المثل الأعلى شيء والحياة الواقعة شيء آخر.
فأنت ترى أن مشكلات السياسة الداخلية قد كادت تسيطر في هذه الأيام على مشكلات السياسة الخارجية، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيب؟ ولكن أشعر بأن بعض المشكلات الأوروبية الحادة قد أخذت تتخفَّف من حدتها شيئًا ما؛ فمشكلة تريستا توشك أن تنتهي إلى حلٍّ يُرْضِي الحلفاء من جهة واليوغوسلافيين من جهة أخرى، وما أظن أن الأيام القليلة المقبلة ستنقضي دون أن يعلن أن الاتفاق تام موقوت بين أولئك وهؤلاء.
وكانت هناك مشكلة الحكم في ألمانيا، وكانت موسكو ساخطة أشدَّ السخط لبقاء حكومة ألمانية برياسة الأميرال دونتز، فقد حلت هذه المشكلة بإلغاء هذه الحكومة واعتقال أعضائها جميعًا. أما المشكلة البولندية فمرجأة إلى أن تستأنف فيها المفاوضات، فهل تُسْتَأنَفُ هذه المفاوضات مع الحكومة البريطانية المؤقتة التي يؤلِّفها المستر تشرشل الآن؟ أم هل تستأنف مع الحكومة التي ستنتجها الانتخابات؟ والشيء الواضح هو أن بولندا لن تشارك في مؤتمر سان فرانسيسكو، ولكن الشيء الواضح أيضًا هو أن مؤتمر سان فرانسيسكو قد أصبح شيئًا في المرتبة الثانية أو الثالثة، وفقد كثيرًا جدًّا من خطورته، ولن تفقد بولندا شيئًا كثيرًا لأنها لم تشترك فيه. ومن يدري لعلها سترضى في يوم من الأيام عن هذه الظروف القاسية التي حالت بينها وبين الاشتراك فيه؟