Tag: lawyers

  • مظلمة القانون

    حديث الوادي
    مظلمة القانون . . .
    رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
    وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
    ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
    فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
    فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
    وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
    وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
    هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
    فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
    طه حسين
    الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.

  • سيادة …

    حديث المساء: سيادة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ ديسمبر ١٩٣٣

    مصر دولة مستقلة ذات سيادة ما في ذلك شك ولا ريب، ولا إلى الجدال في ذلك مذهب أو سبيل. قد
    أعلنه الدستور القديم ولم يهمل إعلانه الدستور الجديد؛ فإنكاره إثم، والشك فيه جرم والتواء به
    خروج على الدستور والنظام.

    ونعوذ بالله أن ننكر أن الدولة المصرية مستقلة وأنها سيدة في بلادها، تأمر وتنهى، وتأتي وتذر،
    ليس لأحد أن يمانعها في ذلك أو يَحُول بينها وبين ما تريد منه، ومجلس الوزراء هو مظهر هذه
    السيادة، أو قُلْ هو أداة هذه السيادة، يُجْرِيها وينفذ أحكامها ويَصُونها من عبث العابث
    واعتداء المعتدي.

    ومجلس الوزراء لذلك يأمر وينهى، ويأتي ويدع، ليس لأحد أن يَرُدَّ عليه أمره ونهيه، أو إقدامه
    وإحجامه، إلا البرلمان والقضاء؛ لأن البرلمان — فيما يقول الناس — مُستقَرُّ السيادة ومصدر
    السلطة، ولأن القضاء ملجأ المظلومين، والفيصل بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين
    الإنصاف والإجحاف.

    كل هذه أوليات يدرسها الطلاب في مدارسهم، ويتحدث بها الناس في مجالسهم، ويؤمن بها الكبير
    والصغير، ويذعن لها القوي والضعيف، ويصدر عنها مجلس الوزراء فيما يعمل وما يقول. وعنها صَدَرَ
    مجلس الوزراء في هذا التشريع البديع الذي أنذر بإصداره يوم الخميس، ثم جدَّ في إصداره نحو
    أسبوع، ثم هيَّأه وأذاعه أمس ليعرضه على البرلمان يوم الاثنين.

    وقد عرفت بالطبع هذا التشريع البديع الذي تكشَّفَ عنه إكبار مجلس الوزراء لسيادة الدولة،
    واجتهاد مجلس الوزراء في ألا تكون هذه السيادة كلامًا يُقال، أو رأيًا يُرى أو مثلًا أعلى يُسعى
    إليه، بل في أن تكون حقًّا واقعًا يراه الناس بعيونهم ويسمعونه بآذانهم، ويمسونه بأيديهم،
    وينعمون بآثاره الحلوة، ويشقون بآثاره المُرَّة.

    ولولا أن مجلس الوزراء مقتنعٌ بسيادة الدولة، مؤمن بأنه مظهر هذه السيادة وأداتها في مصر، على
    أن يستفيد ويفيد بهذا الإيمان وذلك الاقتناع، لولا هذا لما أنذر مجلس الوزراء يوم الخميس ولما
    فكر مجلس الوزراء منذ يوم الجمعة، ولما بر مجلس الوزراء بوعيده مساء الأربعاء. فالقادر على
    الإنذار وحده هو الذي ينذر، والقادر على التفكير وحده هو الذي يفكر، والقادر على الوفاء وحده هو
    الذي يفي.

    وقد جمع الله لمجلس وزرائنا كل هذه الألوان من القدرة، فعلَّق السيف على رقاب المحامين منذ
    يوم الخميس، قبل أن يبدءوا في الانتخاب؛ لأنه قادر على تعليق السيف. ثم هز السيف منذ يوم الجمعة
    أمام عيون المحامين؛ لأنه قادر على هز السيف، وعلى أن يسحر عيون المحامين بما في صفحة السيف من
    بريق ورواء، وبما في حد السيف من نفاذ ومضاء. ثم رفع السيف منذ أمس على رءوس المحامين؛ لتهوي
    بالسيف يده على هذه الرءوس حين يأذن الله بذلك لمجلس الوزراء. وإنما يأذن الله بذلك لمجلس
    الوزراء حين يبيح البرلمان له أن يضرب بعد أن استعد للضرب، وينفذ بعد أن هم، ويجعل ضربته نكالًا
    للذين يخالفون عن أمر الوزراء، ويُقْدِمون على انتخاب من يكرههم الوزراء بعد أن سبق إليهم وعيد
    الوزراء. هنالك تهوي يد مجلس الوزراء بسيف الدولة القاطع؛ فوا رحمتاه للمحامين من هذا السلطان
    المبين!

    وكذلك يعرف المصريون جميعًا أن الدستور لم يكن هازلًا حين أعلن إليهم أن في بلادهم دولة
    مستقلة ذات سيادة، ويعرف المصريون جميعًا أن هذه الدولة المستقلة السيدة لا تمزح في استقلالها
    ولا في سيادتها ولا تحب أن يمزح فيهما الناس، ولو كانوا محامين أو أكبر من المحامين، ويعرف
    المصريون أن الدولة إذا أمرت يجب أن تُطاع ولا ينبغي لأحدٍ أن يسألها أتأمر بالحق أم بالباطل،
    أتعدل في أمرها أم تجور؛ لأن مثل هذا السؤال إنما يُوجَّه إلى غير السادة، فأما السادة فلا
    ينبغي لهم إلا الطاعة والإذعان. فمَنْ همَّ منهم أن يخالف عن ذلك، صدمته الوزارة بالإنذار، فإن
    خالف بعد الإنذار أنفذت فيه الوزارة عقابها الشديد.

    وكذلك فعلت مع المحامين، أحست أنهم يريدون أن ينتخبوا لهم نقيبًا لا تحبه؛ فأنذرتهم وحذرتهم
    وكان هؤلاء المحامون أباة، جفاة، قساة، لا يخافون ولا يرهبون، ولا يحبون الطاعة في غير ما
    يعتقدون أنه الحق؛ فأعرضوا عن الإنذار وولوه ظهورهم، وانتخبوا نقيبهم الذي تكرهه الوزارة
    وأصدقاء الوزارة، وانتخبوا أصحاب هذا النقيب الذين تكرههم الوزارة وأصدقاء الوزارة؛ فثبت عليهم
    الإثم وحقت عليهم الكلمة ووجب عليهم الآن أن يحتملوا ما سينزل بهم من العقاب، ويا له من عقابٍ
    سيؤرقهم طول الليل، ويحزنهم طول النهار! سيلغي انتخابهم إلغاءً وسيخرج الذين انتخبوهم من
    النقابة إخراجًا، وسيعلمون أن أوامر الدولة يجب أن تُطاع.

    وعلى هذا النحو هُيِّئ التشريع الذي أُذِيعَ أمس واشتمل على هذه المزية التي لا يشتمل عليها
    إلا التشريع الكامل، وهو أنه صالح لكل زمان ومكان، قصير ولكنه طويل، يشمل الحاضر والماضي
    والمستقبل كأنه الفعل عند النحويين، ضيق ولكنه عريض، يشمل المحامين الأهليين الذين خالفوا عن
    أمر الوزارة، والمحامين الشرعيين الذين أظهروا تأييدًا لزملائهم أولئك.

    وما رأيك في تشريعٍ قصير طويل، ضيق عريض، هيِّن قاسٍ، لين شديد. فيه قسوة وعنف؛ لأنه يخرج
    مكرمًا وأصحابه من النقابة بعد أن دخلوا فيها، ولكنَّ فيه رحمةً ولطفًا؛ لأنه يشرك معهم قومًا
    آخرين لم تكن الوزارة تفكر في إيذائهم أو إنزال العقاب بهم؟! ولكن بدا لها أن التسوية بين الناس
    في العنف لين، وأن التسوية بين الناس في الشدة رحمة، وأن إنزال العقاب بالذين لم يخالفوا ضرورة
    قبل إنزال العقاب بالذين خالفوا.

    وكذلك جاء هذا التشريع آية من آيات البيان، وآية من آيات العدل، وآية من آيات الحكمة، وآية من
    آيات السياسة. آية في كل شيء، آية في كل وقت، آية في كل مكان، آية عند كل إنسان.

    وليس هناك شك ولا شيء يشبه الشك في أن البرلمان سيلقى هذه الآية بما تستحقه من الإعجاب،
    والبرلمان أحرص على الآيات من أن يُضيِّعها، وأرفق بالأمة من أن يحرمها مثل هذه الرحمة، أو أن
    يُفوِّت عليها فرصة كهذه الفرصة التي تُتاح لوزارة من الوزارات؛ لأن الوزارات الأخرى تكره أن
    تُظْهِر تحدي الحق والعدل إلى هذا الحد، وأن تشرع للأشخاص ولمعاقبة الخصوم، وتكره بنوع خاص أن
    تجر القوانين إلى الماضي، وتأبى لنفسها أن تتكلف العلل والحِيَل لِتمَسَّ خصومها بما تريد من
    الشر.

    أما الوزارة القائمة فلا تخاف شيئًا؛ لأنها أكبر من أن تخاف ولا تحسب لشيء حسابًا؛ لأنها أكبر
    من أن تحسب الحساب، ولا تذكر صدقي باشا، فليس صدقي باشا شيئًا، وإنما هو داء يَسْرِي في الجسم
    فيجب أن يُتَّقَى؛ فالوزارة لا تخافه وإنما تريد أن تمحوه. ومن الذي يلوم المريض إذا جد في محو
    الداء؟!

    وزارتنا إذن قد أحدثت هذه الآية في التشريع، وبرلماننا إذن قد يُعجَب بهذه الآية آيات
    التشريع، وقد يخطر لبعض النواب — وهذا بعيد — أن يناقشوا أو يجادلوا. ولكن هل تُخذَل الوزارة
    والنواب قد قرءوا الصحف، والنواب قد علموا أن الوزارة قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سيف
    التهديد بحل مجلس النواب، والنواب يعلمون أن الوزارة لا تمزح إذا أوعدت أو أنذرت؟! وهل مزحت حين
    أنذرت المحامين؟!

    سيمضي تشريع الوزارة إذن في أغلب الظن، وستُخلَّد آيتها الباهرة إلى أن تتبدل الحال غير
    الحال، وتُمحَى آية الوزارة كما مُحِيَتْ آيات وزارات أخرى.

    وآيات الناس لا تقوى على الخلود، ولكن المصريين — على كل حال — يعلمون منذ الآن أين هم، وماذا
    يُراد بهم، وما ينبغي أن ينتظروا إن لم يذعنوا لسادتهم الوزراء.

    وويل للمصريين من فكرة خطرة تضطرب أحيانًا في نفوس جماعة منهم فتفسد عليهم كل شيء؛ وهي أن
    السيادة لا ينبغي أن تُبسَط على المصريين وحدهم، بل ينبغي قبل كل شيء أن تُبسَط على الأجانب
    المقيمين في مصر والوافدين عليها، والنازحين عنها!

    ينبغي قبل كل شيء أن يشعر الأجانب أن الدولة المصرية سيدة في بلادها، لا تقبل أن يُستغَلَّ
    أهلها وأن يُستذَلوا، ولا أن تتعرض مصالحهم للعبث؛ لترضى الشركات وليرضى الأفراد ولترضى الدول.
    لا ينبغي أن يدفعوا ذهبًا ليرضى الفرنسيون، لا ينبغي أن يفاوضوا في ذلك؛ لأن المفاوضة في ذلك
    نزول عن بعض السيادة، لا ينبغي أن يرهن الفلاحون لترضى المصارف.

    هذه الفكرة وما إليها تخطر لبعض الناس، فيشعرون بأن سيادة الدولة منقوصة، ويودون لو استطاع
    مجلس الوزراء أن يبسطها ويكملها ويمس بها الأجانب ولو مسًّا لينًا هينًا عنيفًا خطر.

    ونصيحتنا إلى المصريين أن يطردوا هذه الفكرة من رءوسهم ويذودوها عن نفوسهم؛ فهم لم يُخلَقوا
    ليكونوا سادة كلهم، وإنما خُلِقوا ليسود منهم فريق ضئيل، وهم لم يُخلَقوا ليضعوا أنفسهم بآراء
    الأجانب، وإنما خُلِقوا ليطيعوا الوزراء، والتواضع فضيلة يجب أن يرغب فيها العقلاء؛ فليتواضع
    المصريون إن كان لهم حظ من عقل أو نصيب من رشد، وإلا فإن مجلس الوزراء خليق بتأديبهم وتعليمهم
    كيف يكون التواضع، وكيف يكون الاقتصاد، وكيف يلزمون منزلتهم التي خُلِقوا ليعيشوا فيها يُؤمَرون
    فيأتمرون ويُنهَون فينتهون، ويصيبهم البأس فلا ينكرون ويمسهم الضر فلا يشكون، ويضحك منهم الناس
    فيضحكون مثلهم.

    ولا تظن أن مجلس الوزراء عاجز عن تأديب المصريين بهذا الأدب؛ فهو قد أدَّبَ المحامين
    فأَحْسَنَ تأديبَهم، وهو قادر من غير شك على أن يؤدب غير المحامين فيُحْسِن تأديبَهم، وما دام
    مجلس الوزراء يستطيع أن يشرع القوانين القصيرة الطويلة الضعيفة العريضة اللينة العنيفة؛ فهو
    قادر على أن يصنع بالمصريين ما يشاء.