Tag: Lecture hall

  • حلم

    حلم
    زعموا أن من أراد تعريف الحكم لم يوفق إلى خير من هذا التعريف الذي اهتدى إليه بعض الفلاسفة الفرنسيين، وهو أن الحكم تقدير العواقب والاستعداد للغد، والتنبؤ بما سيكون. وزعموا أن وزارة من وزارات الأرض لم توفق إلى أن تفهم هذا التعريف على وجهه، وتقدره حق قدره، وتجعله حقيقة واقعة كالوزارة المصرية القائمة. وزعموا أن أوضح دليل على ذلك كله قد أقامته مشتركة في إقامته وزارة المعارف ووزارة الأشغال.
    فقد أنبأتنا الصحف بأن الوزارة كانت قد قررت أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة المصرية، وأن تنفق في تشييدها خمسة وسبعين ألفًا من الجنيهات. وكان هذا القرار فيما تقول الصحف قد صدر قبل أن توضع الرسوم وتأخذ القاعة شكلها المنتظر. فلما وضع الرسم وتم وجود القاعة على الورق ظهر أن وجودها على الأرض يحتاج إلى خمسة وثمانين ألفًا لا إلى خمسة وسبعين ألفًا. وعُرض الأمر على مجلس الوزراء فلم يتردد لحظة في الموافقة على الرسم وما يحتاج إليه من النفقات.
    وليس من شك في أن أوربا، على ما فيها من جامعات، وعلى ما لها من بعد العهد بالجامعات، وعلى ما لها من أمل في مستقبل الجامعات، وعلى ثروتها الضخمة ويسارها الذي تضرب به الأمثال، سينفطر قلبها غيظًا وحنقًا، وستحسدنا حسدًا يحرق الأفئدة وينضج الأكباد حين تعلم أننا سننفق هذا المقدار لإقامة هذه القاعة. فإذا أنفقنا هذا المقدار بالفعل، وأقمنا هذه القاعة بالفعل، فستذعن أوربا لنا، وستؤمن لمصر الحديثة بعظمة لا تشبهها إلا عظمة مصر القديمة.
    وكيف لا، وستكون لنا قاعة تُلقى فيها المحاضرات، وتُعقد فيها المؤتمرات، تقام على ثلاثة آلاف متر، وتحتوي على أربعة آلاف من الناس، وينفق عليها نحو ثمانية ملايين من الفرنكات فيما يقول الفرنسيون، وخمسة وثمانين ألفًا من الجنيهات فيما يقول الإنجليز. ولست أدري كيف يُعبر عن هذا المقدار بحساب المارك عند الألمان، وبحساب الليرة عند الإيطاليين، وبحساب الدولار عند «الرئيس روزفلت» وأصحابه الأمريكيين.
    وسيكون في هذه القاعة كراسٍ لعامة الناس، وأخرى لأوساطهم، وأخرى لذوي المكانة فيهم. وستزدان بمقصورة لحضرة صاحب الجلالة الملك، وبشرفات لأصحاب السمو الأمراء، وغرفات لأصحاب المعالي الوزراء. وسيكون لها من السعة والارتفاع، وسيكون لها من الزخرف والإبداع ما يجعلها من أفخم، إن لم تكن أفخم، قاعات المحاضرات في العالم كله.
    فإذا سألت بعد ذلك عما سيُلقى فيها من المحاضرات فالجواب أن هؤلاء المحاضرين الأجانب الذين ندعوهم من أوربا والذين يلقون محاضراتهم في الجامعة سيجدون مكاناً يليق بهم، وبما يحملون من علم، وما يمثلون من كرامة. وسيكون لمصر أن تدعو إلى مؤتمر يحل أزمة العلم، كما دعت إنجلترا إلى مؤتمرها الاقتصادي المالي الذي يحل الأزمة، كما دعت إنجلترا إلى مؤتمرها الاقتصادي المالي، وسيعقد ذلك المؤتمر في هذه القاعة التي ستشاد، وقد توفق مصر إلى خير مما وفقت إليه إنجلترا فيحل مؤتمرها أزمة العلم؟
    ثم أشرق الصباح وأضاء بنوره ولاح، وأفاق الذين يدبرون أمر الجامعة، وأفاق الذين يدبرون أمر الخزانة، وسألوا أنفسهم ماذا رأوا؟ وماذا عملوا؟ فأجابتهم الحقائق الواقعة أنهم حلموا فحاولوا تحقيق أحلامهم، ثم استيقظوا فإذا هم لم يزيدوا على العبث والإسراف.
    عزيز علينا أن يكون الخيال أوسع سلطانًا على الجامعة والذين يتولون أمرها من العقل الذي يدعو إلى الأناة والحكمة والاعتدال والاقتصاد.
    كوكب الشرق ١٥ – ٨ – ١٩٣٣