Tag: legal reform

  • تأديب٢

    تأديب …! (١)

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٣١ يوليو ١٩٤٥

    لعل أقوى ما يشعر به المصريون الذين لا يشملهم عطف الحكومة ورضاها في هذه الأيام — وهم بالطبع أكثر المصريين — هو أن الحكومة تقوم على تأديبهم أكثر مما تقوم على رعايتهم؛ فهي — والحمد لله — لا تأخذهم بالرفق ولا تسوسهم باللِّين، وإنما تمضي في سياستها لهم على الحزم والعزم وإظهار البأس الشديد.

    وليس أدل على ذلك من تصوُّر حكومتنا للحرية وضربها على أيدي الذين يريدون أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الله قد خلقهم ليكونوا أحرارًا. فالمصريون مراقبون، لا يجتمعون إلا إذا أذِنت لهم الحكومة في الاجتماع، ولا يخطبون إلا إذا أذنت لهم الحكومة في الخطابة، ولا يأمنون حين يكتُبون إلا إذا رضيت الحكومة عمَّا يكتبون، فإن كتبوا ما يحزنها أو يسوءها، فقد كانت الرقابة قائمة تمنع الإذاعة، فلما أُلغِيَت الرقابة قامت النيابة تُحقِّق وتواصل في التحقيق، وترسل إلى السجن الاحتياطي، وتفرض الكفالات المالية فرضًا متَّصِلًا لا يعرِف الانقطاع. وما أُحِبُّ أن أجادل النيابة فيما تدعو إليه من تحقيق، ولا فيما تُقدِم عليه من حبس احتياطي، ولا فيما تفرض من كفالات مالية؛ فالنيابة سلطة قضائية أمامها قانون تنفذه كما ترى، وهي مسئولة أمام ضميرها وأمام القانون عن هذا التنفيذ، وإنما أريد — ومن حقي أن أريد — لفتَ المصريين إلى أن الله لم يخلُق الحكومات لتأديب المحكومين، وإنما خلقها لرعاية حقوقهم والقيام على مصالحهم. فهي خادم لهم لا أكثر ولا أقل. وليس من حق الخادم أن يؤدِّب المخدوم، وإنما الحق عليه أن يطيعه وينفِّذ أمره وينزل عند إرادته ويتخلى عن عمله حين يريد الشعب، وهو سيد نفسه وسيد حكومته أن يتخلَّى عن هذا الأمر. ومن حقي أيضًا أن ألفت المصريين إلى أن لهم أن يطالبوا بتعديل القوانين القائمة إذا تبينت لهم مصلحة في تعديل هذه القوانين، أو تبيَّن لهم شَرٌّ في بقاء هذه القوانين كما هي. فاحترام القانون القائم شيء طبيعي، ولكن احترام القانون شيء وتقديسه شيء آخر. وقد وضعت القوانين لخدمة الشعوب، ولم تخلق الشعوب لتقديس القوانين، فإذا كان من حق النيابة ومن واجبها أن تنفذ القوانين كما ترى، فمن حَقِّنَا نحن أن نطالب بتعديل هذه القوانين حين تظهر حاجتنا إلى هذا التعديل.

    وقد يكون من الظريف الطريف أن يلاحظ المصريون أننا لا نعرف بلدًا من بلاد الله في هذه الأيام يُحبس فيها الكتاب حبسًا احتياطيًّا في قضايا الرأي إلا مصر، مصر وحدها؛ فمصر التي لم تشارك في الحرب إلا بعد أن وضعت أوزارها، مصر التي احتملت أوزار الحرب، ولم تجنِ من ثمارها إلى الآن إلا هذا التضييق على أبنائها لا في أرزاقهم وحدها، بل حرياتهم أيضًا.

    وقد كان زيد يتحدث إلى أهل البصرة فيسألهم أن يدعو الله لأئمتهم الذين يؤدبونهم ويسوسونهم بسلطان الله الذي أعطاهم، ولكن هذا كان منذ اثني عشر قرنًا، وأصبحنا نحن الذين نعطي الحكومة ما في يدها من سلطان، ونستطيع أن نسترد ما أعطينا.

    فمن حقنا إذن أن نكلف الحكومة ما ترى المصلحة في أن نكلفها إياه.

    ونحن نرى المصلحة الآن في أن نطلب إليها تعديل القوانين بحيث لا يُسمح للنيابة بالحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.

    وقد اتخذت الحكومة قانونًا — أستغفر الله، بل مرسومًا بقانون — منعت فيه المحاكم من أن تسمع للقضايا التي تُرفع بشأن الاستثناءات. وهذا القانون ما زال مشكوكًا في دستوريته، ولكن الحكومة اتخذته على كل حال.

    ونحن نطلب أن تتَّخذ الحكومة الخطوات الدستورية لتعديل القوانين التي نطلب تعديلها؛ فإن لم تفعل فإن البرلمان لم يوجد ليذهب ويجيء ويخطب ويسمع الخطب، وإنما وُجِدَ ليكلف الحكومة ما يريد الشعب، وليفرض على الحكومة ما يريد الشعب، فليَقُم البرلمان بتعديل القوانين إذا لم تستجب الحكومة إلى ما يدعوها إليه. وليعلم الشيوخ والنواب أن ليس مما يشرف مصر أن يتحدَّث الناس عنها في الخارج بأن كُتَّابَهَا ومفكريها يُلقَوْن في أعماق السجون احتياطًا قبل أن تصدر عليهم الأحكام؛ لأنهم كتَبوا ما لا يسر الحكومة أو يرضيها.

    فإذا لم تفعل الحكومة ما ندعوها إليه، وإذا لم يفعل البرلمان ما نطلب إليه؛ فمن حق المصريين أن يعتقدوا أن ديمقراطيتهم كلام، وأن حريتهم لغو، وأنهم يعيشون في ظل حكومة تريد أن تؤدبهم وتحملهم على ما تعتقد هي، لا على ما يعتقدون هم أنه الحق والخير.

    وقد قررت صحف الوفد ألا تَصدُر غدًا لتلفت الحكومة ولتلفت البرلمان ولتلفت الشعب إلى أن في مصر شرًّا يجب أن يُرفَع، وإلى أن هذا الشر واقع على الحرية التي يكفُلُها الدستور، والتي كانت الحرب في سبيل حمايتها وتقريرها، وهي حرية الرأي.

    وقد يقول القائلون كلامًا كثيرًا في احتجاب صحف الوفد غدًا، ولكن المهم هو أن يعلم الشعب أن حرية الرأي فيه تؤذى إيذاءً متصلًا، وقد يكون من المهم أن يمضي يوم لا تحتاج فيه النيابة إلى تحقيق، ولا تقرأ فيه الحكومة ما يسوءها، ويخلو فيه الميدان للذين يطلبون الطعن والنزال إذا خَلَوْا إلى أنفسهم.

    ومن يدري لعل احتجاب الصحف الوفدية غدًا أن يُلهِم الحكومة شيئًا من الجِد، ويحملها على أن تستأنف النظر في سياستها، ويبين لها أن القوة قد تعظُم وتشتد، ولكن الحرية ستظل أقوى منها دائمًا، ولا سيما حين تلجَأ إلى السلب، وحين تؤثر الاحتجاب على الظهور، وحين تؤثِر الصمت على الكلام.

    ولتحذر الحكومة أن يكثر احتجاب الصحف، ولتحذر الحكومة أن يتصل صمت الكُتَّاب.

  • مظلمة القانون

    حديث الوادي
    مظلمة القانون . . .
    رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
    وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
    ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
    فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
    فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
    وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
    وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
    هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
    فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
    طه حسين
    الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.

  • صراع٢

    حديث المساء

    صراع…

    بدأ منذ أسابيع، ولسنا نعرف متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، وإن كنا نعرف حق المعرفة كيف نريد، وكيف ينبغي أن ينتهي. وهو هذا الصراع بين القومية المصرية، والتسلط الأجنبي.

    والحق أن هذا الصراع قائم منذ أمد بعيد، ولكنه لم يأخذ شكله الحاد العنيف إلا في هذه الأيام، كما أنه لم يختر لنفسه ميدانًا معينًا مرسوم الحدود إلا في هذه الأيام أيضًا.

    ففي هذه الأيام ظهر الصراع بين القومية المصرية والتسلط الأجنبي حادًا عنيفًا في المحاكم المختلطة. وهو قد اختار لنفسه إلى الآن ميدانين واضحين كل الوضوح، محددين كل التحديد. فأما أولهما فرئاسة الدوائر، وأما ثانيهما فاصطناع اللغة العربية في كتابة الأحكام.

    أما في الميدان الأول، فكان من حق القومية المصرية أن تنتهي إلى ما تريد في غير جدال ولا حوار، وفي غير أخذ ولا رد طويلين. فليست هناك موانع من نص القانون تحول بين القضاة المصريين وبين رئاسة الدوائر حين تتاح لهم هذه الرئاسة، ولكن القومية المصرية مع ذلك لم تظفر بشيء إلى الآن، والله يعلم متى تظفر بما ينبغي لها من الفوز.

    والغريب أن امتناع الفوز عليها لم يأت من ضعف القضاة المصريين في الاستمساك بها، ولا من ترددهم في الذود عنها، وإنما جاء من أن الوزارة، التي كان يجب أن تحمي ظهر هؤلاء القضاة، قد انكشفت وأسلمت، ولم تستطع أن تثبت في موقفها، ولا أن تحتفظ بحقها، بل لم تستطع أن تنظم انكشافها تنظيمًا ملائمًا للحق والكرامة.

    فقد كان وزير الحقانية يؤيد القضاة كل التأييد، يعلن ذلك في مجلس النواب، ويؤكد ذلك في مجلس الوزراء، ويكتب في ذلك إلى رئيس محكمة الاستئناف، فما هي إلا أن يرد عليه الرئيس رده القاسي المعروف، حتى ينكشف عنه زملاؤه، ثم ينكشف هو عن القضاة. وإذا الناس يشيعون أنه هم بالاستقالة، وإذا رئيس الوزراء يكذب هذه الإشاعة، وإذا هو يهيئ رده على رئيس الاستئناف، ثم ينتظر بهذا الرد أيامًا، ثم يقال إن هذا الرد محص تمحيصًا، ونقح تنقيحًا، وإذا قضية المعاشات تؤجل أشهرًا طوالًا، وتنقل إلى دائرة أخرى، ثم يرسل الوزير رده بعد الأناة والانتظار.

    ثم تتقدم الوزارة إلى مجلس الشيوخ، فيعلن رئيس الوزراء أن المسألة ستحل بالمفاوضات، أي كما رأت الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، ويعلن وزير الحقانية أن الحكومة معنية بالمسألة.

    ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد مؤقتًا، حتى إذا كان مساء الأربعاء الماضي عرض رد وزير الحقانية على الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، فأيده المستشارون المصريون، وأنكره المستشارون الأجانب، وأعلن رئيس الجمعية بعد ذلك أن الأمر قد انتهى بالقياس إلى الجمعية، وأنه أصبح من حق الحكومة المصرية أن تفاوض فيه.

    ومعنى هذا الإعلان أن الوزارة انهزمت على طول الخط، كما يقولون، وأن الجمعية، أو كثرتها الأجنبية، انتصرت على طول الخط، كما يقولون أيضًا، وأن القضاة المصريين قد يرأسون الدوائر إذا أذنت الدول الأجنبية بذلك، بعد مفاوضات قد تقصر وقد تطول، ومناقشات قد تلتوي وقد تستقيم.

    لم تظفر القومية المصرية إذن بشيء في هذا الميدان، لا لأن القضاة قصروا، ولا لأن الأمة قصرت، ولا لأن الصحف قصرت، بل لأن الوزارة آثرت أن تتراجع، وأن تختار أيسر الأمرين، وأقلهما كلفة، وأبعدهما عن الجهد والعناء، وأضمنهما للراحة والسلامة وطول البقاء.

    وأما في الميدان الثاني، فمن حق القومية المصرية أيضًا أن تنتهي إلى ما تريد من غير حوار ولا جدال، ومن غير أخذ ولا رد. وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى ما تريد، لا لأن الوزارة ستثبت في الذود عنها أكثر مما ثبتت في الميدان الأول، بل لأنها ليست في حاجة إلى أن تؤيدها الوزارة، وإنما هي في حاجة إلى أن يؤيدها القضاة المصريون. ولم يعرف أحد عن القضاة المصريين، إلى الآن، أنهم بخلوا على قوميتهم بالنصر والتأييد، مهما تكن الظروف.

    ذلك أن القوانين صريحة في أن لغة القومية المصرية إحدى اللغات الرسمية للمحاكم المختلطة، وقد أراد أحد المستشارين المصريين، الأستاذ عبد السلام ذهني بك، أن ينفذ نص القانون، فكتب أحكامًا باللغة العربية.

    وليست هناك قوة تستطيع أن تحول الأستاذ المستشار وزملاءه عن رأيهم، إلا أن تكون هناك قوة تستطيع أن تلغي القانون، أو أن تغيره، أو أن تحمل القضاة على ألا ينفذوه حملًا.

    وإذن فالقومية المصرية ظافرة، من غير شك، في هذا الميدان، إلا أن تتكشف الأيام والحوادث عن بعض ما تتكشف عنه في هذه الظروف البديعة من الأعاجيب.
    أبى رئيس الدائرة أن يمضي هذه الأحكام لأنه لا يفهمها، وأبى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه البلاد، لأنها لغة القومية المصرية، ولأنها معترف بها في المحاكم المختلطة بحكم القانون.

    ورفع الأمر إلى الجمعية العمومية، ورغب رئيس الجمعية وأعضاؤها الأجانب إلى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه الأحكام، فأبى، وأيده زملاؤه المصريون. ولم تستطع الجمعية أن تتخذ في ذلك قرارًا، لأنها إن قبلت رأي المستشار المصري، كما يقضي الحق والعدل والقانون، وجدت نفسها، فيما يقال، أمام صعاب ومشكلات لا حد لها. وإن رفضت رأي المستشار المصري خرجت على القانون، وهي لا تملك، ولا تريد من غير شك، أن تخرج على القانون.

    وإذن فليس للمسألة حل في حدود القانون إلا أن تنتصر القومية المصرية في هذا الميدان انتصارًا واضحًا قاطعًا، لا شك فيه ولا غبار عليه.

    ونظن أن الخير إنما هو في أن تقف الوزارة من هذه القصة الجديدة موقف الحياد التام، فقد ظهر أن تدخل الوزارة في مثل هذه الأشياء يضر أكثر مما ينفع، ويؤذي أكثر مما يفيد. وآية ذلك أنها دخلت في الأزمة الأولى، فلم تغن شيئًا، ولم تحسن البلاء، ولم تنتفع من إجماع الأمة كلها على تأييد القضاة المصريين، وإنما تركت ذلك كله يذهب مع الريح، ونظرت لما يحيط بها من الظروف، فآثرت العافية، وقبلت المفاوضات.

    ونحن نخشى إن دخلت في هذه القصة، أو همت بتأييد القضاة المصريين فيها، أن تسير سيرتها الأولى، وأن يصدر عن وزير الحقانية كتاب، يرد عليه بكتاب، ثم يهيأ للرد على الرد كتاب، ثم تتخذ الجمعية العمومية فيه قرارًا كالذي اتخذ مساء الأربعاء، ثم تدخل الوزارة في مفاوضات، تقترح عليها من الدول لتأجيل اتخاذ اللغة العربية أداة رسمية للقضاء المختلط، حتى تتهيأ الظروف الملائمة لذلك.

    نود إذن لو وقفت الوزارة موقف الحياد، وبخلت على المستشارين المصريين بالتأييد في هذه المرة، فرب بخل خير من الجود، ورب حياد خير من التأييد.

    والمستشارون المصريون في هذه القصة أقوياء بالقانون، أقوياء بضمائرهم، أقوياء بوطنيتهم، أقوياء بإرادتهم، أن يرعوا حرمة القانون، وأن يرعوا حرمة اللغة العربية، التي هي اللغة الرسمية للقومية وللبلاد.

    فتؤثر الوزارة الراحة في هذه المرة، فإنا نحب لها، ونحب لموقف المستشارين، أن تستريح.
    على أننا نعتقد أن الصراع بين اللغة العربية واللغات الأجنبية في المحاكم المختلطة لا ينبغي أن ينتهي عند هذا الحد، بل ينبغي أن يتسع ميدانه، ويخيل إلينا أن المستشارين ليسوا إلا قادة في هذا الصراع، ولا بد أن يتبعهم غيرهم.

    فيجب أن تكون اللغة العربية أداة عملية، لا لكتابة الأحكام فحسب، بل للمرافعات أيضًا. يجب أن يخاصم المحامون المصريون والشرقيون باللغة العربية، ويجب أن تخاصم النيابة باللغة العربية أيضًا.

    ثم لا ينبغي أن يكون هذا مقصورًا على محكمة الاستئناف، بل أن يتجاوزها إلى المحاكم الابتدائية، فيجب أن تكتب أحكامها، وأن تكون مرافعاتها باللغة العربية فيها.

    وما دام القانون، الذي لا سبيل إلى الخروج عليه، يقر اللغة العربية على ما يراد لها من الحق، فنحن واثقون بأن رجال القضاء، والنيابة، والمحاماة، من المصريين والشرقيين، لن يبخلوا على لغتهم بهذا الحق، ولن يقصروا في الذود عنه حتى تفرض هذه اللغة على المحاكم المختلطة فرضًا.

    وقد قيل وسيقال إن القضاة الأجانب لا يحسنون اللغة العربية أو لا يفهمونها، ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، فالذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يحسنوها.

    وقد قيل وسيقال إن نظام العمل في المحاكم المختلطة لا يجعل اصطناع اللغة العربية سهلًا، لأن الموظفين الذين يحسنون هذه اللغة قليلون في المحاكم المختلطة. ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، وإن الذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يفهموها، وإن الوزارة المصرية تنفق أموالًا كثيرة في ألوان من الترف الذي لا حاجة إليه، فلتنفق بعض الأموال في هذه الضرورة التي تمكن اللغة العربية من أن تكون لغة القضاء في المحاكم المختلطة، ولتعين من الموظفين من تدعو الضرورة إلى تعيينهم، ولتعزل من الموظفين من تدعو الضرورة إلى عزلهم، فإن المحاكم المختلطة لم تنشأ للموظفين، وإنما أنشئت للقضاء.

    وليست اللغة العربية هي التي يجب أن يضحى بها لمصلحة فريق من الكتبة والمحضرين الأجانب، وإنما يجب أن يضحى ببعض الكتبة والمحضرين الأجانب في سبيل اللغة العربية إذا دعت الضرورة إلى ذلك.

    نعم، كان الأستاذ عبد السلام ذهني بك موفقًا حقًا حين أقدم على تنفيذ القانون، وحين رد إلى اللغة العربية بعض حقها، وحين رد إلى الكرامة المصرية بعض ما ينبغي أن يرد إليها من عناية المصريين وغير المصريين.

    وما نظن أن الأستاذ وزملاءه يحتاجون إلى شكر أو يطمعون فيه، فإخلاصهم للوطن، وللقانون، وللقضاء، أرفع من أن يحتاج إلى الشكر.

    وما نظنهم يحتاجون إلى تشجيع أو يطمعون فيه، فهم أشجع وأحرص على الحق، وأداء الواجب، وإرضاء الكرامة، وإراحة الضمير، من أن يحتاجوا إلى تشجيع.

    ومع أنهم لا يحتاجون إلى شكر ولا إلى تشجيع، فسيرون أن الأمة المصرية كلها لن تتردد في أن تقدر لهم موقفهم هذا الكريم، وفي أن تعرف لهم أنهم أبناء أوفياء لأمة شديدة الحاجة جدًا إلى أن تحس من أبنائها أنهم أوفياء.

    طه حسين

    كوكب الشرق، ٢٠ إبريل سنة ١٩٣٤.

  • ابتهاج …

    ابتهاج …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٩ ديسمبر ١٩٣٣
    يجب أن يكون الرجل الطيب سعيدًا مسرورًا، وراضيًا محبورًا بعد أن صدر التشريع الخطير الذي أثبت للمحامين وغير المحامين أن وزارتنا تستطيع أن تنذر فتنفِّذ النذير، وأن تُوعِد فتُحقِّق الوعيد، وأن الذين يَصِفونها بالضعف ويضيفون إليها العجز ويتهمونها بالقصور، لم يكونوا يقدرونها قَدْرها، ولم يكونوا يعرفونها حق معرفتها. وإنما كانت تغريهم بها طيبة الرجل الطيب، ويطمعهم فيها حلم أعضائها الحلماء. فأما الآن فقد قام البرهان على أن الرجال الطيبين يُحْسِنون الغضب ويجيدون العقاب، وعلى أن حلم الحلماء لا ينبغي أن يغري بهم أو يطمع فيهم إلا الأغرار الذين لا يحسنون التفكير في عواقب الأمور.

    فهؤلاء المصريون يرون الآن أن ليس بين الرجل الطيب والرجل الواحد فرق. كلاهما يُحْسِن البطش حين يريد، وكلاهما يجيد إظهار القوة وإرهاب الخصم، وكلاهما يَبْلُغ من إقناع الكثرة البرلمانية ما يريد، كلاهما يستطيع أن يريد فيتم ما يريد، كلاهما يستطيع أن يقول للقوانين كوني فتكون، كلاهما يستطيع أن يُغيِّر ويُبدِّل، وأن يمحو ويثبت، وأن يقضي فيحرم في القضاء.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة؛ لِيثُوبَ الناس إلى رشدهم ويثوب رشد الناس إليهم! فقد صبر عليهم الرجل الطيب حتى استضعفوه، وأملى لهم الرجل الطيب حتى طمعوا فيه، وآن أن يُظْهِر لهم الرجلُ الطيِّبُ أن له حظًّا من القوة والكيد المتين ليس أقل من حظِّ سَلَفِهِ الرجل الواحد صدقي باشا.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة ليعلم صدقي باشا نفسه أنه ليس وحده القادر على تأييد النظام الحاضر وإنفاذ السياسة التي لا بد من أن تنفذ في المصريين، وأن في الكنانة سهامًا ليست أقل منه صلابة ولا حدة، ولا مضاء، وأنه إن كان قد عدَّلَ الدستور، وحلَّ البرلمان وأقصى عن النيابة قومًا، فإن صديقه أمس وخصمه اليوم قد عدَّلَ قوانين المحاماة، وحلَّ نقابة المحاماة — أو كاد — وأقصى عن نقابة المحاماة قومًا كما أقصى هو عن البرلمان قومًا آخرين.

    ولم يكن بد من أن يقوم هذا الدليل وتنهض هذه الحجة لِيُمحَى الشك، ويزول الريب، وينجلي اللبس، ويعلم الإنجليز وغير الإنجليز أنه إنْ ذَهَبَ صدقي باشا ففي مصر عبد الفتاح، وأن مصر والحمد لله ما زالت غنية بالرجال الأقوياء الذين يعرفون كيف يكون الحزم والعزم وكيف يكون البطش والبأس، وكيف تكون الإرادة والتصميم.

    فإذا كان المصريون قد خافوا صدقي باشا فيجب أن يخافوا عبد الفتاح باشا. وإذا كان الإنجليز قد وثقوا بصدقي باشا فيجب أن يثقوا بعبد الفتاح باشا؛ فليس بين الرجلين فرق قليل ولا كثير، كلاهما يعرف كيف يحارب الخصوم، وكلاهما يعرف كيف يهزم الخصوم.

    وإذا كانت وزارة صدقي باشا قد اعتمدت على خوف المصريين وثقة الإنجليز، فأقامت في الحكم أكثر من ثلاثة أعوام، فقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على خوف المصريين لأنهم سيخافونها — نستغفر الله — ما هذه السير؟ من أين جاءت؟ وإلى أين تريد؟ فالمصريون يخافون الوزارة بالفعل، لا ينتظرون بهذا الخوف مستقبلًا قريبًا أو بعيدًا.

    وقد تستطيع وزارة عبد الفتاح باشا أن تعتمد على ثقة الإنجليز لأنهم سيثقون بها — نستغفر الله — بل هم واثقون بها منذ ارتقت إلى مناصب الحكم. وإذن فهي تستطيع أن تعتمد بيمينها على الخوف الذي يهز قلوب المصريين وبشمالها على الثقة التي تملأ قلوب الإنجليز، وأن تمضي في طريقها آمنة مطمئنة، فهذه الطريق طويلة طويلة، ليست أقل طولًا من طريق صدقي باشا، ولعلها أن تكون أكثر طولًا، ولعل الوزارة لا تقطعها قبل عشرة أعوام، فما الذي يمنع الرجل الطيب بعد أن صدر تشريع المحامين من أن يكون سعيدًا مسرورًا وراضيًا محبورًا؟! فهو قد اطمأنَّ منذ أمس — ومنذ أمس ليس غير — على أن وزارته صالحة للبقاء الطويل.

    كان صدقي باشا يداوره ويناوره، فقد عجز صدقي باشا عن المداورة والمناورة وأصبح لا يُقْدِم إلا لِيُحْجِم، ولا يكر إلا ليفر، ولا يسترد استقالته إلا ليطلب إجازة!

    كان صدقي باشا يخاصمه في الكثرة البرلمانية، فقد سلمت له الكثرة البرلمانية، وأي كثرة كان صدقي باشا ينازعه في الحزب؟! فقد سلم له الحزب، وخلصت أمامه الطريق.

    كان صدقي باشا يتهمه بالسذاجة؛ فقد ظهر أنه أقل الناس سذاجة وأبرعهم في السياسة وأقدرهم على حزم الأمور منذ أمس ومنذ أمس ليس غير، أقامت الوزارة لنفسها وللمصريين وللإنجليز أوضح الأدلة على أنها ليست وزارة أيام ولا وزارة أسابيع ولا وزارة أشهر، وإنما هي وزارة أعوام وأعوام.

    ذلك أنها برهنت للمصريين وللإنجليز على أنها كوزارة صدقي باشا حذوك النعل بالنعل، لا تخاف شيئًا ولا ترهب شيئًا، ولا تحجم عن شيء ولا تتردد في شيء، كلها مضاء مهما تكن الظروف، وكلها قوة مهما يكن الخصوم.

    تكره جماعة من المحامين وتريد أن تقصيهم عن نقابة المحامين فلا يمنعها مانع، ولا يدفعها دافع عن أن تشرع للمحامين قانونًا لا عهد للناس بمثله، وتجر أحكامه على الماضي! ثم يجتمع البرلمان فينظر في هذا القانون في سرعة لا تعدلها إلا سرعة الضوء، ويقر هذا القانون في كثرة تشبه الإجماع، ويرجئ من أَجْل هذا القانون أجلَّ المسائل خطرًا، وأعظمها في حياة الناس أثرًا، لا يتعجل التفكير في السياسة، ولا يتعجل التفكير في المال، ولا يتعجل التفكير في الاقتصاد، ولا يتعجل درس خطبة العرش التي هي برنامج الحكومة، ولا يتعجل الرد عليها، وإنما يجتمع لهذا التشريع ويفكر في هذا التشريع وينظره ويتم النظر فيه، ثم يتفرق لينفق الأعضاء أيام راحتهم هادئين، حتى إذا انقضى الأسبوع عادوا هادئين فنظروا فيما عندهم من الأعمال.

    أي قوة تشبه هذه القوة؟! وأي عزم يشبه هذا العزم؟! وأي حرصٍ على المصلحة يشبه هذا الحرص؟! لا تذكر الأزمة المالية فلو كانت موجودة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر مسألة الدين فلو كانت قائمة لفكرت فيها الوزارة ولفكر فيها البرلمان، لا تذكر تلك الفضائح المنكرة التي امتلأ بها الجو المصري منذ أسابيع فقد نسيتها الوزارة ونسيها البرلمان، ونسيها الناس.

    ليس في مصر شيء يستحق تفكير الوزارة والبرلمان إلا نقابة المحامين. كانت خطرًا دائمًا أشد من خطر الحرب، أشد من خطر الجوع المهلك، أشد من خطر الجفاف المحرق، أشد من خطر الأوبئة الجائحة؛ لذلك فرغت لها الوزارة والبرلمان أسبوعين حتى فرغت منها وأنقذت مصر من شرها الداهم وبلائها المبين!

    الغريب أن أئمة المساجد لم يُؤمَروا وأن قسس الكنائس لم يُؤمَروا بإقامة صلاة الشكر لسلامة مصر من هذا الخطر العظيم! والغريب أن رجال الإدارة لم يقبلوا من الأقاليم على رأس الوفود الضخمة يرفعون إلى الرجل الطيب وزملائه الأبطال شكر الشعب وثناءه لأنهم أنقذوا مصر من هذا الخطر العظيم. الغريب أن المدن لم تتزين وأن الحفلات لم تقم وأن الصحف لم تمتلئ بالرسائل البرقية التي تفيض شكرًا لله وللوزراء لنجاة مصر من هذا الشر العظيم.

    إن قلوب المصريين لقاسية، وإن نفوس المصريين لجاحدة، وإن كفر المصريين بالنعمة لشيءٌ يملأ القلوب غيظًا واشمئزازًا. ومع ذلك، فالوزارة تخدم المصريين لوجه الله لا تنتظر منهم شكرًا ولا تبتغي منهم ثناء، بل لا تنتظر منهم رضًا ولا تخاف منهم سخطًا، تخدمهم رغم أنوفهم؛ لأنها أعلم منهم بمصالحهم وأبصر منهم بمنافعهم.

    والغريب بعد هذا كله أن صحف اليوم التي صدرت في الصباح كلها مخزونة آسفة؛ لأن المحامين لن يشتركوا في الحفلة الرسمية التي ستقام في عيد القضاء، ولأن سياسة الوزارة هي التي دعت إلى هذه الفرقة وحالت بين الأسرة القضائية وبين أن تشترك في إحياء عيدها كما تشترك في احتمال الأثقال التي يفرضها عليها العدل.

    أفرأيت أشد عقوقًا وإنكارًا للجميل وميلًا إلى الصغائر وإعراضًا عن عظائم الأمور من هذه الصحف؟! ماذا؟ يصدر أمس قانونٌ ينقذ المحاماة من مكرم وأصحابه، وينقذ البلاد من هذه النقابة الخطرة ويردُّ عن مصر أقبح الكوارث وأشنع الخطوب ويجعلها جزءًا من أوروبا حقًّا ويرفعها إلى مكانة البلاد المتحضرة الراقية، ثم لا تجد هذه الصحف حديثًا تَسُوقه إلى قرائها إلا هذه الفرقة التي أحدثتها الوزارة في أسرة القضاء!

    أين هذه الصحف؟! كيف تفكر؟! أيهما آثر عند مصر وأحب إليها؛ أن تحدث هذه الفرقة في الأسرة القضائية فتكون حفلة في الأوبرا لا يشهدها المحامون، ثم إذا أقبل الليل كانت حفلة في سيمراميس، وأخرى في هليوبوليس أم أن يخطب مكرم في الأوبرا بين يدي جلالة الملك وبمحضرٍ من الرجل الطيب وزملائه الأبطال؟!

    لو فكَّرَتْ هذه الصحف وقدَّرَتْ لما احتاجتْ إلى أن يُلْقَى عليها مثل هذا السؤال ولعرفت أن كل شيء أهون من أن يدخل مكرم الأوبرا وفيها جلالة الملك وفيها الوزراء، فضلًا عن أن يقوم في الأوبرا خطيبًا ناطقًا بلسان المحاماة دون هذا وتستقيل الوزارة. وهل في استقالة الوزارة خير؟! وهل رأيت وزارة تسعى إلى الاستقالة؟! وهل استقالة الوزارة إلا النكبة الكبرى والكارثة العظمى والخطر الذي لا يستطيع أن يثبت له المصريون؟!

    كل شيء بخير! قد سلمت مصر من نقابة المحامين، وسلمت الوزارة من خطبة مكرم، واستقام كل شيء لكل إنسان، فلم يبقَ إلا أن نبتهج ونغتبط، تبتهج مصر كلها بما قُدِّرَ لها من النجاة، وتبتهج أسرة القضاء مفترقة بعيدها السعيد، وتبتهج الوزارة لأنها قد انتهت بالسياسة المصرية إلى أقصى ما يطمع فيه المصريون، وهل يطمع المصريون في شيءٍ كما يطمعون في هذا الوفاق والوئام والاتحاد الذي وصلت بهم الوزارة إليه؟!

  • مضاربة …

    حديث المساء: مضاربة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٤ نوفمبر ١٩٣٣

    يظهر أنها قوام سياستنا الرسمية في هذه الأيام، ليست مقصورة على القطن، وإنما تتجاوزه إلى غيره من المصالح العامة التي تعنى بها الوزارة أو تشتغل بها الأحزاب المؤتلفة حول الحكم. فلم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين أنذر بالاستقالة من الحكم، وحين أقدم عليها. كان يرجو أن يربَح فلم يظفر إلا بالخسران، ولم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين استقال من رياسة الحزب، وحين عدل عن هذه الاستقالة، ولم يكن إلا مضاربًا حين فصل من الحزب من فصل، ثم سحب قراره سحبًا، وارتاح لعودة المفصولين وطلب إلى حزبه أن يرتاح.

    ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين استقال من حزب الشعب، كان يُقدِّر أنه سيضعف حزب الشعب أو سيضعف خَصمه صدقي باشا رئيس حزب الشعب، فلم يبلغ ممَّا كان يقدر شيئًا؛ لأن حزب الشعب لم يكن قويًّا فيضعف، ولأن صدقي باشا لم يستمد قوته في يوم من الأيام من حزب الشعب.

    ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين قبِل رياسة الوزراء؛ كان يقدر أنه سيجد بعد النهوض بأعباء الرياسة نفس القوة التي كان يجدها صدقي باشا قبل أن يستقيل، فلما انتهى إلى مكتب الرياسة لم يجِد قوة، وإنما وجد ضعفًا، ولم يكن الوزيران اللذان خرجا على صدقي باشا، وخالفا عن أمره، ودخلا الوزارة برغمه إلا مضاربَيْن؛ كانا يقدران أن تحديهما لرئيسهما سيضعف الرئيس، فلم يظفرا بشيء لأن رئيسهما لا حَظَّ له من القوة ما دام بعيدًا عن مناصب الحكم.

    كل شيء يأتيه هؤلاء الناس الآن مضاربة تقوم على حب الخطر والمجازفة، وعلى اللعب بما في اليد من الورق، فقد يربح اللاعب وقد يخسر، ما دام الربح ممكنًا، فلا ينبغي التقصير في طلبه والسعي إليه، وليس الشر أن صدقي باشا ضارَبَ بأموال الدولة أو ضارب بأموال الفقراء والأحداث في سوق العقود، وليس الشر أن وزارة المالية ضاربت بأموال الدولة أو تضارب الآن بأموال الدولة، ليس الشر هو هذا وحده، وإنما الشر أبعد جدًّا من هذا مدًى، وأعمق جدًّا من هذا أثرًا، وأشد جدًّا من هذا خطرًا، الشر هو أن رجال هذا العهد يضاربون بالمصالح العامة كلها، لا يبتغون إلا أن يظفروا، ويستعلُوا، وينتصر بعضهم على بعض، ويقهر بعضهم بعضًا، وينتقم بعضهم من بعض، فأما تحقيق المنافع المصرية الخالصة، فأما أداء الواجبات الوطنية الخالصة، فأما خدمة الشعب؛ لأن الأحزاب والوزارات إنما تقوم لخدمة الشعب، فأما كسب الاستقلال، فأما اتِّقاء الإفلاس، فأما رد الجوع، وصد الفقر، وطرد البؤس عن هؤلاء المصريين الذين تقوم على أكتافهم الأحزاب والوزارات؛ فكل هذا شيء قد مضى وقتُ التفكير فيه منذ عهد بعيد، وسيأتي وقت التفكير فيه بعد وقت قريب.

    أما الآن فإلى المضاربة، وإلى المضاربة وحدها، أتثبُت الوزارة في مركزها أم تزول عنه؟ أتظفر الوزارة بتأييد الشعبيين، أم تبوء بخذلانهم؟ أيظفر صدقي باشا بكثرة الحزب، أم تُعرِض عنه هذه الكثرة، أيستطيع كل فرد من أفراد هذا الحزب أن يرضي الرئيسين المختصمين أم هو مضطر إلى أن يضحي بأحدهما ليعيش وبمن يضحي، أبمؤسس النظام الجديد صدقي باشا، أم بحامي النظام الجديد عبد الفتاح يحيى باشا؟

    الوقت الآن وقت مضاربة ليس غير، والحظ قائم غير بعيد ينظر إلى هؤلاء السادة جميعًا بعين ماكرة، وابتسامة ساحرة، ونية ليس إلى العلم بها من سبيل، ومصر قائمة غير بعيد تنظر إلى هؤلاء السادة محزونة القلب كاسفة البال، كئيبة الوجه، مقطبة الجبين، مصممة مع هذا كله على أن تكون كلمتها هي العليا، وكلمة الوصوليين هي السفلى.

    لم نكُن مخطئين حين طلبنا إلى المصريين منذ أيام أن يحتاطوا لأنفسهم، وأن ينتبهوا لأن باب المخزيات سيفتح على مصراعيه، ولأن الفضائح ستخرج من هذا الباب، سود الوجوه، كاشرة عن الأنياب، منكرة الصور، مسممة للجو، مفسدة حولها كل شيء.

    لم نكن مخطئين، فهذه الفضائح يتبع بعضها بعضًا، ويأخذ بعضها برقاب بعض، لا تظهر قصة الكورنيش حتى تتبعها قصة القطن، وإن في حكاية القطن لعجبًا.

    رجلٌ قضى ثلاثة أعوام في الحكم يتهم الوفد بالإسراف في أموال الدولة، والعبث بهذه الأموال، واتخاذ القطن وسيلة إلى إفساد المالية وتبديد الاحتياطي، حتى إذا خرج من الحكم، وقد ملأ الدنيا صياحًا، وخيل إلى الناس وإلى نفسه أنه قد مَحَقَ سمعة الوفد محقًا، وسحق كفايته المالية سحقًا، ظهر أنه كان يقول كلامًا ويأتي من الأمر ما يعجِز عن تصويره الكلام، ظهر أن الوفد لم يتصرف إلا في حدود القانون والدستور، تحت مراقبة البرلمان وبإذن مجلس الوزراء، وبعد استشارة الفنيين، ومنفِّذًا لقرار قيدته به وزارة سابقة ومبتغيًا مصلحة لا شك فيها، ومتقيًا شرًّا لا شك فيه. ظهر هذا كله واضحًا جليًّا. وظهر أن هذا الرجل الذي كان يعيب الوفد بما لا يعاب، كان يأتي من الأمر ما يعاب، وما لا يمكن أن يجِد عنه دفاعًا مُغنيًا، أو تعليلًا مقنعًا، كان يضارب بأموال الدولة، وبأموال الشعب، والبرلمان قائم ولكنه لا يَسأله، ومجلس الوزراء قائم ولكنه لا يستأذنه، والفنيون قائمون ولكنه لا يستشيرهم. كان يضارب في السر ومن وراء ستار صفيق، وكان ينتهي بهذه المضاربة إلى ضياع الألوف الكثيرة من أموال الدولة على حين كانت الدولة في حاجة لا إلى الألوف، بل إلى المئات، بل إلى العشرات، بل إلى الآحاد من الجنيهات.

    ظهر هذا كله فإذا افتضح أمره للناس تقدَّم أعوان هذا الرجل وشركاؤه في التبعة يلومونه، ويُلِحُّون في لومه ويسألون الوزارة أن تفضح من سره ما كان مكتومًا، ويحكم أيها الناس! فما بالكم انتظرتم إلى الآن؟! وما الذي أغراكم بصاحبكم بعد أن أعرض عنه الحكم وجفاه السلطان؟! ثم يهم هذا الرجل أن يدافع عن نفسه فيتحدى ويتصدى ويعتب ويلوم، ويتهم وزير المالية القائم بأنه يصنع مثل ما صنع، ويضارب كما ضارب، ويخسر كما خسر، وإذا وزير المالية محرَج يريد أن يدفع عن نفسه، فيُكذب خصمه تكذيبًا، ويعلن أنه لم يُؤمر بالتدخل في سوق العقود قليلًا ولا كثيرًا، وينهض صدقي باشا فيرد على تكذيبه ردًّا، ويؤكد أنه لم يقُل إلا عن علم، ولم يروِ إلا عن ثقة، وأن لديه تفصيل القصة ودخائلها. ثم يفسر المفسرون، ويُؤَوِّل المؤَوِّلون فيقولون إن الوزير القائم لم يأمر بالتدخل، ولكنه وافق عليه، وفَرْقٌ بين من يقول لك افعل، ومن يقول لك لا بأس عليك. ولِمَ أنشئ الفقه؟ ولم اختُرِع الذكاء؟ ولم وُجِد البيان؟ إلا للتفريق بين الأمر والإقرار، أو بين الأمر والموافقة، لم آمُر، فلست مسئولًا، وإنما وافقت فالمسئول هو الذي طلب إلى هذه الموافقة.

    كذلك تعقدت الأمور أمس واشتد الاضطراب في وزارة المالية، وهَمَّ الوزير بمعاقبة بعض الموظفين، ثم اضْطُرَّ الوزير إلى أن يعدل عن هذا العقاب، والله يعلم كيف اضْطُرَّ الوزير، ومن اضْطَرَّ الوزير، ولماذا حمل الوزير على إلغاء ما هَمَّ به من عقاب، أرأيت إلى حكاية القطن هذه وإلى ما فيها من عجب، رجل يتهم الوفد بسوء التصرف في شئون القطن، فإذا هو يضارب في القطن. وقوم من أنصار الوزارة يتهمون صدقي باشا بأنه يضارب في القطن فإذا الوزارة نفسها تضارب في القطن. ماذا؟! أليس إلى فَهم هذه الألغاز من سبيل؟ أقُضيَ على هذا البلد التعس أن تطبق الظلمات عليه إطباقًا وأن يسمم الجو عليه تسميمًا، وأن تكون حياته ومصالحه كرة تتقاذفها الظروف والمنافع والأهواء؟

    وقصة أخرى ليست أقل من هذه القصة نُكرًا، وزير قائم يقذف وزيرًا سابقًا بما لا يليق بالوزراء، فلا تكاد تمضي الأيام حتى ينهض لهذا الوزير القائم، من يزعم له — أو يزعم عليه — أنه لم يؤدِّ الضرائب منذ ثلاثة أعوام، وأن بعض أمواله كانت قد حُجِزَتْ فرَفع عنها الحجز بأوامر مخالِفة للقانون. ثم ينهض من النواب من يسأل عن حقيقة هذا الأمر، وكما سكت الوزير السابق عمَّا أصابه من القذف، فما يزال الوزير القائم ساكتًا على ما يُوجَّه إليه من اللوم. ماذا؟! أكان جهاد مصر في عصرها الحديث، وما بذلت من ضحايا وما احتملت من أثقال، وما تكلفت من عناء، أكان هذا كله مقدِّمة لتظفر بما تظفر به في هذه الأيام، من هذا الجو الموبوء الذي يتراشق فيه الوزراء القائمون والسابقون بأقبح التهم وأشنعها؟! ومن الذي يستطيع أن يلوم الناس من عامة الشعب إذا فسدت بينهم الأمور، وساءت بينهم الصلات، ما دام وزراء الدولة وزعماء الحكم فيها يعيشون في هذا الجو المنكَر الذي أخذه الفساد من جميع نواحيه؟

    لقد نحب أن نعلم لِمَ أُنشِئَت النيابة إذا لم تحقق مثل هذه التهم، ولِمَ أنشئت المحاكم إذا لم ترفع إليها مثل هذه الخصومات. لقد نحب أن نعلم متى تصلح الوزارات، وتستقيم أمورها، ويصرف الوزراء أعمال الحكم بالنزاهة والإخلاص والصدق في السر والجهر. إذن لِمَ يسأل الوزراء المخطئون عن خطئهم، ولِمَ يؤخذ الموظفون المسيئون بإساءتهم، لقد نحب أن نعلم من الذي جعل الوزراء فوق القانون يخطئون فلا يسألون، ويسيئون فلا يلقَوْن جزاءً على ما أساءوا. ثم لقد نحب أن نعلم كيف تُسمَّى الأيام التي تقع فيها هذه السيئات كلها فتمضي وكأن شيئًا لم يقَع، وتذاع فيها هذه المنكرات كلها، فتمضي وكأن شيئًا لا يذاع أن في المضاربة لذة للمضاربين، هذا شيء يُقال ويَتحدث به الناس، ولكنَّ للمضاربة أحكامًا في القانون يجب أن تُحترم، ويجب أن تُنفذ في كبار الناس كما تنفذ في صغارهم، وما الذي يعنيني أن ينتصر صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، إنما الذي يعنيني ألا يسيء أحد هذين الرجلين، فإن كان منهما السوء فيجب أن يكون القانون كفيلًا بدفع شرِّهما، وردهما إلى ما ينبغي من الإنصاف.

    ما أعرف أن مصر احتاجت في يوم من الأيام إلى أن يَطْهُرَ جوُّها السياسي كما تحتاج إلى ذلك في هذه الأيام.