الجامعة المصرية في عالم الحرية
– في مجلس القضاء
طه حسين
مجلة المصور
٤ مايو ١٩٣٤
أمَّا أنَّ مجلس القضاء مهيب رهيب، فهذا شيء لا شك فيه، وكيف لا يكون كذلك وهو المجلس الذي يتجلى فيه سلطان الأمة قويًّا حازمًا صارمًا، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يرقى إليه ضعف ولا وهن، ولا تسعى إليه هذه الأسباب والظروف التي تسعى إلى غيره من مظاهر السلطان فتسلك إليه طرقًا تستقيم حينًا، وتلتوي أحيانًا، وتبلغه أو لا تبلغه، وتؤثر فيه حين تنتهي إليه أو لا يصيبه من تأثيرها شيء.
فأما مظهر السلطان الذي يتجلى في مجلس القضاء فبعيد عن هذا كله، مبرَّأ من هذا كله؛ لأنه يتجلى في حرم مقدس لا تستطيع أسباب الحياة وظروفها أنْ تبلغه أو تتجاوزه إلا إذا خلصت من كل شائبة، وارتفعت عن كل لائمة، وتنزهت عن كل سوء، وأصبحت من أسباب الحق والعدل والإنصاف. فليس من سبيل إلى شك إذن في أنَّ مجلس القضاء هذا الذي يتجلى فيه هذا المظهر العظيم من مظاهر السلطان الرفيع المنيع، ليس من شك في أنَّ هذا المجلس مهيب رهيب، ولا سيما بالقياس إلى الذين يقفون في هذا المجلس موقف الخصوم؛ لأنهم يواجهون هذا السلطان مواجهة، وينتظرون منه كلمة الحق قاطعة ناصعة، وحكم العدل صارمًا حازمًا، ولا سيما بالقياس إلى الذين يقفون من هذا المجلس موقف المتهمين، ويقومون منه مقام الذين تأخذهم الظنة ويحيط بهم الشك؛ فهؤلاء يطمعون في البراءة ويشفقون من الإدانة، وهؤلاء يترددون بين ما تريده نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم ومنافعهم، وما يريده القانون والمسيطرون على تطبيق القانون؛ فهم إذن بطبيعة موقفهم مضطربون، وهم إذن بطبيعة هذا الموقف نفسه أشدُّ الناس شعورًا بجلال القضاء، وبأن مجلسه مهيب رهيب.
كل هذا شيء لا شك فيه، ولا معنى لتناوله بالبحث أو بالكتابة إلا من الذين يريدون أنْ يدرسوا علم النفس، ويكتبوا فصلًا من هذه الفصول التي إنْ أتيح لي فهمها حينًا فهو شديد العسر عليَّ في أكثر من الأحيان.
ولكنَّ في مجلس القضاء أمورًا أخرى يستطيع مثلك ومثلي من عباد الله الذين لم يفرغوا للقانون والفقه، ولم يقصروا جهدهم على الفلسفة وعلم النفس أنْ يلحظوها ويفكروا فيها، بل أنْ يقفوا عندها فيُطيلوا الوقوف، وأنْ يدرسوها فيستخرجوا من دراستها نتائج تنفع وتفيد، ولعلها لا تخلو من هذه اللذة المريحة الظريفة التي تشبه لذة الأدب والفن من كثير من الوجوه.
ولعل أوضح ما ظهر لي من هذه الأمور، ودفعت إلى التفكير الطويل فيه، حين كنت في مجلس القضاء، هو هذه الصلة الغريبة التي تنشأ في محكمة الجنايات بين عناصر مختلفة، فلا تلبث حتى تجعل الجو المعنوي في مجلس القضاء قيِّمًا خصبًا خليقًا بالعناية والتأمل والتمحيص. وهذه العناصر المختلفة هي عناصر الاتهام والدفاع والنظَّارة. وأنا أعتذر من اصطناع كلمة النظَّارة؛ فهي الكلمة الملائمة حقًّا لهؤلاء الناس الذين يختلفون إلى مجالس القضاء ليشهدوا ما يكون من صراع بين الخصوم عامة، وما يكون من صراع بين الاتهام والدفاع أمام محاكم الجنايات بنوع خاص. فهؤلاء الناس نظَّارة لا بالمعنى اللغوي للكلمة فحسب، بل بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.
هم كهؤلاء الذين يستمعون كل صراع، ويلتمسون في ذلك لذة من اللذات، وهم كهؤلاء الذين يسمعون لكل حوار، سواء منهم من يلتمس ذلك في دور التمثيل، ومن يلتمسه في غير دور التمثيل من مواطن الصراع والنضال المادي والمعنوي. يذهبون إلى مجلس القضاء وفي نفوسهم تلك الأهواء والشهوات، وتلك الغرائز والميول التي يذهبون بها إلى أي موطن من مواطن الصراع والنضال، ولا يكادون يجلسون في مجلس القضاء، ولا تكاد المعركة تبدأ بين المختصمين حتى تكون حال هؤلاء الناس كحالهم حين يشهدون أي صراع أو أي نضال آخر؛ قد اتصلت نفوسهم بالمختصمين، فهم يرضون ويسخطون، وهم يعرفون وينكرون، وهم يحبون ويبغضون، وهم يَعجَبون ويَزْوَرُّون، ثم هم يأملون حتى تنبسط أمامهم آفاق الأمل إلى غير حد، وهم يخافون حتى يأخذ عليهم الخوف كل طريق، ثم هم لا يتبعون أنفسهم وحدها خصام المختصمين، وإنما يتبعونه حواسهم أيضًا؛ فإذا لذة الأمل تدب في أجسامهم كأنها نشوة الراح، وإذا قشعريرة الخوف تعبث بأجسامهم كأنها نذير الكارثة المكروهة، ومنهم من لا يستطيع أنْ يمسك نفاسه وصوته عن الاندفاع بما يجد من أمل أو خوف، ومنهم من لا يستطيع أنْ يمسك عينيه عن إرسال الدموع، ومنهم من لا يستطيع أنْ يمسك شفتيه عن انبساط الراضي المغتبط، أو انقباض المكتئب المحزون.
كل هذا يكون في مجلس القضاء، وفي محاكم الجنايات خاصة؛ فأخلاق الناس الذين يحضرون هذا المجلس وخصالهم، وما يعرض لنفوسهم وأجسامهم من الأعراض هي بالضبط هذه الأخلاق والخصال والأعراض التي تشخص هؤلاء الناس حين يذهبون إلى دور التمثيل وغيرها من مواطن الصراع والنضال، ولكن لهم فضلًا على هؤلاء النظارة الذين يختلفون إلى دور التمثيل؛ فالنظارة يعرفون أنَّ ما يجري في دور التمثيل خيال من الخيال، ولعب من اللعب، على حين يعرف هؤلاء الناس أنَّ ما يجري في مجلس القضاء واقع كله لا حظ فيه للعب أو خيال.
وهذه المعرفة نفسها تجعل ما يثور في نفوسهم من العواطف والأهواء والميول أعنف وأقوى مما يثيره التمثيل في الذين يختلفون إلى دور التمثيل. وربما كان من الطريف أنْ نلاحظ أنَّ النظارة في مجلس القضاء يضاعفون لذاتهم وآلامهم بعنصر جديد لا يوجد في غير مجلس القضاء، وهو عنصر النظر إلى القضاة، والاستماع لما قد يصدر عنهم من لفظ، أو لما قد يدفعون إليه من مناقشة أو حوار. فكل النظارة في مجلس القضاء فطن، وكلهم ذكي لبق، وكلهم قادر قدرة بالغة على أنْ ينفذ إلى نفس القضاة، ويرى فيها آثار ما يقول المختصمون، وكلهم بارع في أنْ يُئَوِّل ما يمر على وجوه القضاة من حركات طوال أو قصار، وكلهم دقيق يلاحظ أنَّ هذا القاضي قد مد شفتيه أو قبضهما، وأنَّ هذا القاضي قد بسط جبينه أو قطبه، وأنَّ هذا القاضي قد هم بالكلام ثم مضى فيه أو كف عنه، وكلهم ماهر في تأويل ذلك واستخلاص ما سينتهي إليه مجلس القضاء من حكم بالإدانة أو البراءة، ومن تشديد في العقوبة أو تخفيف. وواضح جدًّا أنَّ مجلس القضاء ينتهي في أكثر الأحيان وتصدر أحكام القضاة فإذا هي مخالفة كل المخالفة لما كانت النظارة ترجو أو تخاف.
كل هذا يدعو صاحب الأدب — أو صاحب تاريخ الأدب إنْ أردت التدقيق — إلى أنْ يتساءل: ما بال الأدباء في مصر لا يعنون بمجالس القضاء كما يعنون بغيرها من مظاهر الحياة الأدبية القومية الممتعة؟ فمجلس القضاء ميدان من ميادين البراعة الأدبية ما في ذلك شك، ولا إلى الريب في ذلك سبيل؛ فالمختصمون خطباء، وما يتحدثون به خطابة؛ أي مادة أدبية قابلة للبحث والتحليل، خليقة أنْ يُلتَمَس فيها شيئان يُلتَمسان دائمًا في كل نصٍّ أدبي قيِّم؛ أحدهما: نفس الخطيب الذي نطق بهذه الخطبة وحاور في هذه الخصومة، والآخر: حياة الشعب التي تنعكس في خطب الخطباء وحوار المختصمين.
ومن المحقق أنَّ البحث عن هذين الغرضين ينتهي دائمًا إلى نتائج لذيذة ممتعة، فأنت تتبين في خصومة هذا المحامي أو هذا النائب أنه يخاصم بلسانه وعقله، وقد ألقى بين قلبه وبين الخصومة حجابًا صفيقًا، وأنت تتبين في خصومة ذاك المحامي وذاك النائب أنه يخاصم بقلبه وعواطفه قبل أنْ يخاصم بعقله وتفكيره الهادئ المطمئن، وأنت تتبين في خصومة محام آخر أو نائب آخر أنه يؤلف من قلبه وعقله في الخصام مزاجًا رائعًا بديعًا يرضي العقل والشعور معًا، ثم أنت تتبين أثر هذا الاختلاف بين طباع الخصوم وأمزجتهم، لا أقول في نفس القضاة، فقد يظهر أنَّ هذا عسير جدًّا، وقد يظهر أنه إنْ أتيح لك لم يحسن بك أنْ تخوض فيه، وإنما أقول في نفس النظارة، وفيما يظهر عليهم من آيات الهدوء والاستقرار، أو من مظاهر القلق والاضطراب، أو من علامات الإعراض والإعياء الذي قد يدفع بعضهم إلى الانصراف، وقد يدفع بعضهم إلى النوم.
وظاهر جدًّا أنَّ هذا كله حديث في مصر جاءنا مع ما جاءنا من تقليدنا للأوربيين؛ فالخطابة القضائية — كما يسميها أرسطاطاليس — فن لم يزهر في أدبنا العربي القديم بسبب واضح جدًّا، وهو أنَّ نظام القضاء عند العرب لم يعرف تأليف المحكمة من قضاة عدة يتجه إليهم المختصمون بما يتجهون به إلى الجماعات من فنون الخطابة ووسائل الإقناع التي يقصد بها إلى الجماهير، وإنما كان القاضي في المحكمة الإسلامية واحدًا، فلم يكن المختصمون في حاجة إلى أنْ يقنعوه بهذه الطرق الطويلة العريضة الملتوية التي يسلكها المختصمون، إنما هي البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر؛ فإن لم يكن بدٌّ من جدال أو حوار، فمع القصد والإيجاز والاعتدال.
أما عند اليونان والرومان فقد كانت المحاكم تتألف من العشرات للقضاء المدني، ومن المئات للقضاء الجنائي، ولم يكن بُدٌّ إذن للمختصمين من أنْ يخطبوا، أو يندبوا من يخطب لهم أو يهيئ لهم الخطبة، وكذلك نشأت المحاماة وأزهرت وأخرجت للإنسانية دموستين وسهيرون عند اليونان والرومان، ثم احتفظت أوروبا في العصر الحديث بكثير من سنن القضاء القديم؛ فاستبقت نظام المحلفين في بعض أنحاء القضاء، وفي القضاء الجنائي خاصة، واحتفظ المحامون بسنن الخطابة القديمة أيضًا، وأخذنا نحن عن أوروبا نظام القضاء الجديد، وأخذ المحامون في مصر عن أوروبا نظام المحاماة وسنتها، ولَكِنَّا لم نأخذ نظام المحلفين، وأخذ المحامون نظام الخطابة فكان هذا الموقف الطريف الظريف الذي لا أشك في أنَّ قضاتنا يفكرون فيه كثيرًا، ويضيقون به كثيرًا أيضًا، وهو أنَّ القضاة قوم هادئون لا يحتاجون إلى ما تقتضيه الخطابة من هذه الوسائل المختلفة للإقناع، وإنما يحتاجون إلى الحوار الهادئ والجدال المعتدل، والخصام الذي يقوم على الحجة والبرهان القانوني أكثر مما يقوم على إثارة العواطف والتأثير في الشعور.
ومن هنا لا أشك في أنَّ القضاة كثيرًا ما يتبرمون فيما بينهم وبين أنفسهم وضمائرهم بهذه المرافعات الطويلة العريضة الحادة العنيفة، التي تستغرق منهم وقتًا طويلًا، وتُحمِّلهم جهدًا ثقيلًا، ولا تكاد تمس موضوع الخصومة التي يعنون بها إلا مسًّا يسيرًا بعيدًا، لا إقناع فيه ولا غناء، والقضاة مضطرون بحكم مناصبهم إلى الحلم وسعة الصدر، وإلى الهوادة واحتمال كثير من الضيق. وهم يبذلون من ذلك ما يراد منهم، ولكن من المرجح أنهم يؤدون ثمن هذا البذل فيما بينهم وبين أنفسهم، فيشقون به شقاءً ثقيلًا.
ذلك أنَّ المحامين خطباء، والقضاة — كما قلت — ليسوا في حاجة إلى الخطابة، ولكن النظَّارة في حاجة إلى هذه الخطابة، وما أكثر المختصمين الذين ينسون القضاة وجوهر الخصومة، ولا يذكرون إلا النظارة وحرارة الخطابة والبراعة في الفن، فيبلغون من هذا كله ما يريدون. ولو أنَّ هذا الموضوع ظفر بما ينبغي له من عناية الأدباء والنُقَّاد والمفكرين لكان من الممكن، بل ومن المؤكد، أنْ تتقرر هذه الحقيقة التي يخيل إليَّ أنها ليست مقررة — كما ينبغي — في آدابنا القضائية، وهي أنَّ المحامين عند اليونان والرومان كانوا من كبار الأدباء والفلاسفة والمثقفين؛ فكانت حظوظهم من الكفاية أعظم جدًّا من حظوظ القضاة الذين كانوا يختارون من الشعب، وأنَّ المحامين في أوروبا أيضًا من كبار الأدباء والفلاسفة والمثقفين، ولكنهم يخاصمون في بعض فنون الخصام أمام المحلفين الذين يختارون من الشعب، فهم أقل كفاية وثقافة من المختصمين.
أما في مصر فالمحامون من كبار الأدباء والفقهاء والمثقفين، والقضاة أيضًا من كبار الفقهاء والمفكرين والمثقفين؛ فكفايتهم تعدل كفاية المحامين ولا تقل عنها، وإذن فيجب أنْ يتحدث المحامون إلى القضاة حديث الأكفاء إلى الأكفاء. وأريد الكفاية العقلية الثقافية القانونية التي تغني عن كثير جدًّا من فن الخطابة، أو التي تغير كثيرًا جدًّا من فن الخطابة، لا أنْ يتحدث المحامون المصريون إلى القضاة المصريين، كما كان يتحدث المحامون القدماء إلى قضاة يختارون من أوساط الناس، ولا كما يتحدث المحامون الأوروبيون إلى المحلفين. وما دامت النظارة لا تقضي ولا تستشار في القضاء بين الخصوم؛ فالخير كل الخير أنْ تكون عناية المختصمين بها معتدلة مؤثرة للقصد.
ستقول: ومتى فكرت في هذا كله؟ وما أنت وهذا الحديث؟ ولكنك نسيت أني حضرت مجلس القضاء أسبوعًا أو أكثر من أسبوع، وشهدت فيه فنونًا مختلفة من المرافعات في ضروب مختلفة من القضايا؛ فقد كنت أحضره من الساعة التاسعة وانصرف عنه مع الساعة الثالثة، وأسمع ما يجري فيه من خصومة حول السرقة والقتل والاعتداء، وحول النشر أيضًا. وأؤكد لك أني وجدت في هذا الأسبوع لذة ممتعة حقًّا، وأني أسفت أشد الأسف لأني لم أشهد مجلس القضاء إلا حين أُكرهت على أنْ أشهده، وأنا أرجو أنْ يتاح لي الاختلاف إليه كأحد النظارة لا كأحد المتهمين.
Tag: legal rhetoric
-
الجامعة المصرية في عالم الحرية-١