Tag: Liberty

  • وداع

    وداع…
    بقلم الدكتور طه حسين بك
    لعل صدقي باشا يسمح لنا بأن نودع الحق والحرية إلى حين بعد أن تفضل فأعلن إليهما أن مصر لم تعد لهما دار مقام، وأن عليهما أن يرتحلا عنها إلى حيث يحبان حتى إذا تمت المفاوضات بيننا وبين الإنجليز وانتهت إلى ما نحب أو إلى ما نكره وأذن الله لصدقي باشا أن يستريح كان من الممكن أن يحاولا العودة إلى مصر فقد يؤذن لهما بهذه العودة وقد يردان عنها حسب ما تقضي به الظروف حينئذٍ، فأما الآن فالدار بهما نابية والنفوس عنهما منصرفة والمصلحة العامة والخاصة تفضيان بأن يرتحلا وبأن يلتمسا لهما مقامًا في مكان قريب أو بعيد في فلسطين أو في سوريا أو في لبنان. فكل هذه البلاد ترحب بهما ترحيبًا حارًا وتستقبلهما في كثير من الرضى والاستبشار وإن كانت فلسطين مسرحًا لهذا الصراع الهائل بين باطل الصهيونية وحق العرب وبين تسلط الاستعمار والطموح إلى الاستقلال وإن كانت هناك مفاوضات ختامية لا تمهيدية تدور في باريس لاستكمال الاستقلال لسوريا ولبنان وإتمام الجلاء الكامل عن أرض سوريا ولبنان.

    كل ذلك لا يمنع الحق والحرية من أن يعيشا في أي قطر من هذه الأقطار لأن حكومات هذه البلاد لا تضيق بهما ولا تشفق منهما ولا ترى فيهما خطرًا على الأمن ولا عقبة في سبيل المستقبل ولا مانعًا من تحقيق الاستقلال.

    فأما مصر فأمرها عسير أشد العسر معقد أعظم التعقيد، لأن لها في المفاوضات مذهبًا غير مذهب الحكومة ورأيًا يناقض رأي الحكومة وما دامت مصر ليست هي التي ستفاوض الإنجليز وإنما ستفاوضها حكومة صدقي باشا فلا أقل من أن تذعن مصر للحقائق الواقعة وتصبر على ما تكره وأن تذعن لما لا تحب حتى يمضي الله أمرًا كان مفعولًا وليس من سبيل إلى هذا الصبر ولا من أمل في هذا الإذعان إلا إذا ارتحل الحق والحرية عن أرض النيل وأقاما حيث يحبان في الشرق أو في الغرب حتى تنتهي المفاوضات. في أثناء هذا الوقت تستطيع الحكومة أن تقول ما تشاء وأن تعمل ما تشاء وأن تظهر المصريين على ما تحب وأن تخفي عليهم ما تحب وأن تأمرهم بما تريد وأن تنهاهم عما تريد دون أن تخشى منهم إنكارًا لقليل أو كثير مما تقول أو تعمل ودون أن تخاف منهم مخالفة عن قليل أو كثير مما تأمر به أو تنهى عنه. هذا شرط أساسي لتستقيم الأمور ولتستطيع الوزارة أن تتم ما هي مقدمة عليه من هذه المفاوضات الحرة الطليقة التي لا تتأثر بشرط ولا تتقيد بقيد وإنما هي حرة كالنسيم الذي يجري في الجو لا يعترضه معترض ولا يردده راد وواضح جدًا أن حرية المفاوضات تقتضي تقييد الشعب. فليس من الممكن أن يجمع السيفان في غمد وأن تكون الحكومة حرة في مفاوضة الإنجليز ويكون الشعب حرًا في مراقبة الحكومة وما دامت مفاوضة الإنجليز مفروضة لأن الشعب أرادها وطالب بها فطبيعة الأشياء تقضي بأن ينزل الشعب عن حريته لأن الذين يطلبون النتائج يجب أن يوافقوا على المقترحات والنتائج ها هي المفاوضات والمقدمات ها هي تقييد حرية الشعب.

    هذا كلام يضحك منه الناس في أي بلد من بلاد الأرض في الشرق والغرب في فلسطين وسوريا ولبنان مثلًا، ولكن المصريين لا يضحكون منه ولا يهزؤون به وإنما يرونه الجد كل الجد والصواب كل الصواب لأن المصريين أعقل من أهل الأرض جميعًا وأعلم بحقائق الأشياء وفلسفة أرسطاطاليس من أهل الأرض جميعًا وقد أنبأتهم فلسفة أرسطاطاليس منذ عهد بعيد بأن من طلب الغاية أقر الوسيلة وما داموا يطلبون المفاوضات فيجب أن يقروا وسائلها وأيسر هذه الوسائل أن يمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها خارج القطر ليستريح الشعب المصري من البحث والتحقيق أولًا ومن الاحتجاج والإنكار ثانيًا ومن المراقبة والمحاسبة ثالثًا ولتستريح الحكومة من هذا كله وتفرغ للمفاوضات وليستريح الإنجليز من هذا كله أيضًا ويفرغوا للمفاوضات ولو أن الإنجليز عقلوا كما يعقل المصريون وفهموا الأمور كما يفهمها المصريون لتجنبوا كثيرًا من هذا الخطأ الذي يدفعون إليه كل يوم ولتنكبوا كثيرًا من هذا الشر الذي يتورطون فيه كل يوم أيضًا. فالإنجليز يفاوضون مفاوضة مستمرة يفاوضون الروس ويفاوضون الأمريكيين ويفاوضون الفرنسيين، ويفاوضون أممًا أخرى صغيرة وكبيرة ولكنهم لا يبلغون من مفاوضاتهم شيئًا وإنما ينتهون بها أو تنتهي بهم إلى الإخفاق وليس لهذا سبب إلا أن الإنجليز لا يفهمون الأشياء كما ينبغي أن تفهم فهم يفاوضون ويتركون الشعب حرًا أثناء المفاوضة ثم يدهشون بعد ذلك حين يصيبهم الإخفاق ولو أنهم عرفوا ما عرفته مصر من أن المفاوضة والحرية لا تجتمعان ومن أن إحداهما تطرد الأخرى ولو أنهم ساروا كما نسير نحن فتركوا الحرية حين يرغبون في المفاوضات وتركوا المفاوضات حين يرغبون في الحرية لكتب لهم النجاح في كل ما يحاولون. ولكن الإنجليز قوم فطروا على غرابة الأطوار، فهم يؤثرون الحرية على كل شيء، يؤثرونها حتى على نجاح المفاوضات مهما يكن موضوعها ومهما يكن خطرها. يؤثرونها حتى أنهم ليحاربون في سبيلها، ويتعرضون لأعظم الهول: يؤثرونها ولكن لأنفسهم لا لغيرهم من الناس، نستغفر الله، بل هم يؤثرونها لأنفسهم ولكل ما يقيم في أرض الوطن البريطاني ويبخلون بها بعد ذلك على غيرهم من أهل الأوطان الأخرى. ألم أقرأ في إحدى الصحف الفرنسية أن نائبًا بريطانيًا قدم إلى مجلس العموم عريضة وقعها أكثر من خمسين ألفًا يطلبون فيها الرفق بالخيل التي تعمل في المناجم وتحديد ساعات العمل لهذه الخيل بحيث لا تزيد على ثماني ساعات في كل يوم.

    قالت الصحيفة الفرنسية التي نشرت هذا الخبر ما أجدر الهنود بأن يقارنوا ويبتهجوا بنتيجة المقارنة.

    الإنجليز إذن يؤثرون الحرية على نجاح المفاوضات وهم من أجل ذلك لم يمنحوا الحق والحرية إجازة يقضيانها في فرنسا مثلًا أثناء مفاوضتهم المتصلة وهم من أجل ذلك لا يصادرون التايمز ولا الديلي تلغراف ولا الديلي هيرالد ولا غيرها من الصحف.

    وهم من أجل ذلك لا يحاصرون دور الصحف ولا يكلفون النيابة بأن تقوم بأعمال الرقباء وهم من أجل ذلك لا يحرقون الصحف تحريقًا ولا يطمسون حروفها طمسًا، وهم من أجل ذلك لا يصدرون إليها التعليمات بما ينبغي أن تنشر وبما لا ينبغي أن تنشر ولا يكلفون الشرطة والنيابة مراقبة التنفيذ والخضوع لهذه التعليمات. هم لا يصنعون شيئًا من ذلك وهم من أجل ذلك يخفقون في مفاوضاتهم إخفاقًا متصلًا ولكنهم يحبون مصر أكثر مما يحبون أنفسهم ويحرصون على مصلحة مصر أكثر مما يحرصون على مصلحة أنفسهم يريدون أن تنجح مفاوضاتهم مع مصر وإن أخفقت مفاوضاتهم مع الدول الأخرى ولذلك يلحون في أن يكون جو المفاوضات صفوًا صحوًا لا تكدره المعارضة ولا تفضه الحرية ولا يفسده الحق. وقد هموا بأن يقيدوا حرية الشعب البريطاني ويصادروا صحفه ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا لأن الفساد متأصل في النفس البريطانية فهي لا تعدل بالحرية البريطانية شيئًا فاكتفوا مضطرين بأن يقيد صدقي باشا حرية الشعب المصري ويصادر الوفد والمصري والبلاغ حين عجزوا هم عن مصادرة التايمز والديلي تلغراف والديلي هيرالد فشيء خير من لا شيء وإذا لم يمكن إذلال الشعبين المتفاوضين فلا أقل من أن يذل أحدهما وأعقل الشعبين هو الذي يتبين الذل ويذعن للبطش ويستسلم للتحكم ويقبل أن تصادر صحفه وأن يطرد الحق والحرية من أرضه رغبة في نجاح المفاوضات، وأعقل الشعبين بالطبع هو الشعب المصري الذي يفهم حقائق الأشياء ويتعمق منطق أرسطاطاليس ويعلم أن الذين يطلبون الغاية يجب أن يقبلوا الوسيلة ويقروها.

    لهذا كله يرغب الإنجليز إلينا صادقين في أن ننقي جو المفاوضات مما يكدره فنمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها في ربوع لبنان. ولهذا كله نرغب نحن إلى أنفسنا في أن نريح مصر من الحق والحرية حينًا ونريح الحق والحرية من مصر حينًا ونقضي أسابيع أو أشهرًا مطمئنين إلى الذلة مستنيمين إلى الهوان قانعين بما قسم الله لنا من هذه الحياة الفاترة الحلوة التي يحياها أصحاب السذاجة والغفلة من الناس، يقال لهم إن الشمس تطلع من الغرب وتغرب في الشرق فلا ينكرون مما يقال لهم شيئًا. يؤمرون فيطيعون وينهون فيذعنون يساقون إلى ما يراد بهم فينساقون لا لشيء إلا لأنهم يفهمون حقائق الأشياء ويتعمقون منطق أرسطاطاليس ويؤمنون بأن الذين يطلبون الغاية يجب أن يقروا الوسيلة.

    كل هذا حق وكل هذا واقع، وإذا كان هناك شيء غريب يستحق البحث والاستقصاء فهو هذا الاستجواب الذي قدمه زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ يسأل فيه رئيس الوزراء عن مصادرة الصحف كيف كان وكيف خولف به عن أمر الدستور.

    كان زعيم المعارضة لا يعلم أن الدستور وسيلة لا غاية وأن المفاوضات أعظم خطرًا من الدستور وأن الحرية شر لا بد منه. يحتمل حين لا يكون في احتماله ضرر ويرفض كل الرفض حين تخشى منه الضرر. ولو كنت عضوًا في مجلس الشيوخ كزعيم المعارضة لعرفت كيف أرد عليه وكيف أشكر لصدقي باشا حبه لمصر وعنايته بها وحرصه على مصالحها وأخذه إياها بأحسن الأدب وأرقاه وحمايته إياها من الحق والحرية وما يجران إليه من الآثام.

    أنا إذن مؤيد لصدقي باشا كل التأييد يجب أن نصادر الصحف وأن يراقب الناس فيما يقولون ويعملون وأن يرد المصريون إلى ذلك العهد السعيد البعيد الذي كادوا ينسونه منذ ستة عشر عامًا لينعموا بالحياة الهادئة الآمنة الراضية المطمئنة وليظفروا من الإنجليز بالجلاء الصحيح غير المزيف وبوحدة وادي النيل من منبع النيل إلى مصبه. فهذا أهم ألف مرة ومرة من الحق وأهم ألف مرة ومرة من الحرية وأهم ألف مرة ومرة من هذه الصحف التي تصادر، ومن هذه الخسائر اليومية التي يحتملها أصحاب الصحف. ومن هذا الضغط اليومي الذي يجده المصريون حين يلتمسون الصحف فيقال لهم إنها قد صودرت. وما الذي يخسره المصريون إذا لم يجدوا الوفد والمصري والبلاغ وأنهم سيجدون صحفًا أخرى تنشر لهم الأخبار كما تحبها الحكومة، وكما ينبغي أن تنشر الأخبار ليصفو جو المفاوضات ستغتني صحف لأن الناس سيشترونها راضين أو كارهين. وستفتقر صحف أخرى لأن الناس سيصدون عنها صدًا وليس بهذا بأس وليس في هذا غرابة فقد قال أبو العلاء منذ عشرة قرون:

    غنى زيد يكون لفقر عمرو.

    إنا إذن أؤيد صدقي باشا كل التأييد وأوافقه على أن تصادر الصحف التي تخالف عن أمره وتحابي الصحف التي تذعن لأمره، وعلى أن يسير الشعب المصري على هوى صدقي باشا لا على هوى نفسه.

    ولو كنت وزيرًا مع صدقي باشا أو لو أتيح لي أن أشير على صدقي باشا لأشرت عليه بأن يريح نفسه ويريح وطنه ويريح حلفاءنا الإنجليز من هذا الدستور الذي يشهره الخصوم في وجهه كل يوم لا تصادر صحيفة إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتخذ إجراء لحماية الأمن إلا قيل له خالفت الدستور ولا يتحرك الرجل حركة إلا حوسب عليها باسم الدستور أليس من الطبيعي أن يريح نفسه وخصومه وهذا الدستور.

    هو مقبل على المفاوضات وخصومه يشغلونه ويضيعون عليه الوقت بهذه الاستجوابات التي يقدمونها باسم الدستور أيهما أهم أن يشتغل صدقي باشا بالاستعداد للمفاوضات أو أن يضيع وقته في الاستعداد للرد على الاستجوابات.

    والدستور بعد ذلك قائم نائم قائم لأن البرلمان يجتمع، ونائم لأنه يعطل في كل يوم بهذه المخالفات التي تقتضيها المصلحة ويفرضه الحرص على نجاح المفاوضات. الدستور قائم نائم كهذا المريض الذي ينهض أثناء الليل ويسعى لا يحس أنه يسعى ويقدم ويحجم لا يحس أنه يقدم أو يحجم.

    فأي بأس على صدقي باشا وأي بأس على المصريين من أن ينام الدستور نومًا عميقًا متصلًا حتى تنتهي المفاوضات إما إلى جنة وإما إلى نار. وإذا فرضت المصلحة على صدقي باشا أن يمنح الحق والحرية إجازة يقضيانها خارج مصر فلم لا تفرض المصلحة عليه أن يمنح النواب والشيوخ إجازة يقضونها في الأقاليم، وأن يمنح الدستور نفسه إجازة يقضيها في درج من الأدراج.

    ليصدقني رئيس الوزراء أن وقته أنفس من أن يضيع في هذا الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر، ومن أن المصلحة الوطنية أنفس من أن تضيع في سبيل الحق والحرية والدستور. فليرح نفسه وليرح وطنه من كل هذه الألفاظ التي فقدت معانيها وأصبحت لا تدل على شيء. ولست أطلب إليه إلا شيئًا واحدًا، ما أظن أنه يبخل به علينا فهو أكرم من أن يبخل به وأسمح نفسًا من أن يردنا خائبين.

    شيء واحد هو الذي أطلبه لا أطلب معه شيئًا آخر وهو أن يبتسم صدقي باشا ابتسامته الحلوة الراضية ويأذن لنا في أن نودع الحق والحرية والدستور ولو إلى حين.

    طه حسين
    البلاغ، ١٠ مارس سنة ١٩٤٦.

  • إعلان

    إعلان
    إعلان بديع حقا هذا الذي يُذاع في أطراف الأرض وأقطار العالم المتحضر عن حب مصر للحرية ، وعنايتها بها ، وحرصها عليها . وسيؤتي هذا الإعلان ثمره في وقت قريب ، فيحسن رأي الناس في مصر ، وظنهم بنظامها القائم ، وسيفزع إليها المضطهدون ويلوذ بها المظلومون ، ويفر إليها أصحاب الرأي بآرائهم ، ويعتصم بها أصحاب المذاهب من خصومهم وأعدائهم .
    وستصبح مصر في العصر الحديث موئل اللاجئين ، وملاذ الخائفين ، وسيعرف الناس أن الشرق قد نهض بما عجز عنه الغرب من حماية الرأي ورعاية المفكرين . إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس عن حبنا للحرية ، وحمايتنا لها ، فنحن نحميها في بلادنا حتى لا يطمع فيها طامع ، ولا يسمو إليها أحد بسوء ، ونحن لا نكتفي بحمايتها في بلادنا ، بل نتتبعها بالحماية في كل مكان تتعرض فيه للعدوان .
    هؤلاء ساستنا على اختلاف أحزابهم ومذاهبهم يقولون ما يريدون ، ويأتون ما يحبون ، ويتنقلون كما يشاءون ، ولا يُمنعون من قول ، ولا يُصرفون عن عمل ، ولا يُردون عن رحلة ، ولا يُخطفون من سفر ، ولا يتبعهم الجنود حيثما ساروا ، وأينما وجهوا ، ولا يدخلون معهم بيوت الله ليراقبوهم في الصلاة . هم يستمتعون بحرية سياسية لم يعرفها الزعماء في بلد من بلاد الأرض . وهم لذلك راضون مطمئنون ، يثنون على الحكومة ، ويحمدون بلاءها الحسن ، وجهدها الصادق في التوفيق بين هذه الحرية الواسعة وبين حماية النظام .
    وهؤلاء طلابنا يتفرقون في أوربا وأمريكا ، وفي كثير من بلاد الشرق ، يطلبون العلم فنأبى إلا أن نحميهم ونرعى حقهم الواسع في الحرية العريضة . فهم إذا أرادوا أن يقولوا أو يعملوا أو يجتمعوا أو يخطبوا أو يتناولوا بالنقد أعمال الحكومة أو خصوم الحكومة أُبيح لهم ذلك وأنف البلاد التي تضيفهم راغم ، لا تستطيع أن تنكر عليهم أو أن تحد من حريتهم قليلا أو كثيرا . لهذا أنشأنا المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات ، وبثثناها في العواصم والمدن الأجنبية الكبرى ، فإذا همَّ أحد من طلابنا أن يقول أو يعمل ، وهمَّت حكومة أجنبية أن تضيق عليه حدود القول والعمل ، نهضت مفوضية من مفوضياتنا أو قنصلية من قنصلياتنا ، أو مكتب من مكاتب بعثاتنا فأنكرت وشددت النكير ، وأنذرت وهوَّلت في النذير ، واضطرت هذه الحكومة الأجنبية إلى أن ترعى الكرامة المصرية ، وتبيح للمصريين النازلين في بلادها ما لا تبيح لأهل تلك البلاد من حرية التفكير والتعبير ، والحركة والنشاط .
    وكذلك أصبحت مصر في العصر الحديث رمزا للحياة الحرة حقا ، وصورة للاستقلال الصحيح حقا ، وكذلك أصبحت تهوى إلى مصر قلوب الخائفين ، وأصبحت تضيق بمصر نفوس المستبدين ، وأصبحت الدول الأجنبية تشفق أن يزور أرضها المصريون فيكثروا من زيارتها ، ويطيلوا الإقامة فيها ، لأنهم إن فعلوا نقلوا معهم هذه الحرية الخطرة ، وأفسدوا على هذه الدول قلوب أبنائها ، ونشروا في أرجاء الأرض حرية تشبه الفوضى ، وتفسد النظام . ولولا أن هذه الدول تخاف مصر ، وتشفق من غضبها وإعراضها لتقدمت إلى مفوضياتها وقنصلياتها في القاهرة أن لا تمضي جوازات السفر للمصريين ، أو لتقدمت إلى مصر أن تسترد وزراءها وقناصلها ، لأن مفوضياتهم وقنصلياتهم توشك أن تعرض أمنها للخطر ونظامها للفساد ، ولكن مصر بحمد الله مهيبة رهيبة ، تُحَب وتُخاف ، فلن تتعرض لمثل ما تعرضت له روسيا ، ولن تغلق في وجهها الأبواب ، ولن يُحال بين أبنائها وبين الانتقال والإقامة حيث يشاءون .
    إعلان بديع حقا هذا الذي تذيعه مفوضيتنا في باريس حين تفزع إلى الشرطة الباريسية فتطلب إليها أن تنفذ في باريس ما يُنفَّذ في مصر من ضروب الشدة وألوان الاستبداد ، وتطلب إليها أن تمنع الاجتماع في باريس كما يُمنع في القاهرة ، وأن تحظر الخطب في باريس كما تُحظر في القاهرة .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي تذيعه المفوضية المصرية حين تلح في ذلك على شرطة باريس فتأباه عليها ! وحين يسوءها هذا الإباء فتسعى بالطلاب المصريين عند شرطة باريس ، وتزعم لها أن هؤلاء الطلاب إن اجتمعوا زعزعوا الأمن ، وأقلقوا النظام ! بديع جدا هذا الإعلان ، وأبدع منه أن يحسن ظن الشرطة الباريسية بالمفوضية المصرية ، فلا تمنع الاجتماع ، ولا تحظر الخطابة ، ولا تتعرض للمجتمعين إلا بالخير ، حتى إذا كان الاجتماع وشهدته الشرطة تبين لها أن المفوضية لم تقل فيه الحق ، ولم تسع فيه بالصدق .
    بديع جدا هذا الإعلان الذي يضحك الفرنسيين من مصر ، ويسوء ظنهم بمصر ، ويطلق ألسنتهم في مصر بما لا يحب المصريون . وأبدع منه أن يكون هذا كله ورئيس وزرائنا في باريس ، رئيس وزرائنا الذي أقر النظام ، وأثبت الأمر ، ورد إلى الحرية حقوقها المهضومة ، وكرامتها التي كانت مضيعة !
    نعم كل هذا بديع . وهناك ما هو أبدع وأروع . هناك مفوضيتنا تطلب إلى فرنسا إقصاء المصريين عن أرضها ، فتأبى عليها فرنسا ذلك ، ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومة المصرية لا تملك تشريد المصريين ولا طردهم من مصر ، ولكنها تستطيع أن تطلب تشريد المصريين وطردهم من فرنسا ، فما لها لا تحقق في البلاد الأجنبية ما تعجز عن تحقيقه في أرض الوطن ؟ ولم لا ؟ إن مفوضيتنا تعلم حق العلم أن الحكومات الأجنبية تطلب إلى مصر من حين إلى حين نفي الأجانب من أرضها فتجيبها مصر لما تريد ، ضعفا أو إسرافا في المجاملة ، فلم لا تطلب هي إلى فرنسا مثل ما تطلبه فرنسا من مصر ؟ لعل فرنسا أن تكون ضعيفة كمصر ، ولعل فرنسا أن تكون مسرفة في المجاملة كمصر ، ولعل فرنسا أن تحرص على رضى المفوضية المصرية كما تحرص مصر على رضى المفوضية الفرنسية !
    هذا مؤلم حقا . هذا محزن حقا . هذا مهين حقا للكرامة المصرية ، وما كنا نقدر أن مفوضياتنا تنشأ لتكلف مثل هذا السعي ، أو لتنهض بمثل هذه الأعباء ، وما كنا نقدر أن تُجبى أموال الفلاح أو أن تتعرض ظهور الفلاح للسياط التي تلهبها وتمزقها حتى إذا جُمعت منه هذه الأموال أُنفقت على مفوضيات تعيش في البلاد الأجنبية عيشة الترف والنعيم ، لتطلب إلى الحكومات الأجنبية منع المصريين أن يجتمعوا أو يخطبوا أو يتمتعوا بما يُباح للناس من الحرية في بلاد الحرية . إذا لم يكن بد من أن تُؤذى كرامة المصريين في بلادهم ، إذا لم يكن بد من أن يتعرض المصريون للجوع والمرض والحرمان ، ليمدوا حكومتهم بالمال تنفقه عن سعة وفي غير حساب ، فلا أقل من أن يُترك المصريون أحرارا في خارج مصر ، ولا أقل من أن تُنفق أموال المصريين فيما لا يسيء السمعة المصرية ، ويؤذي الكرامة المصرية ، ويعرض مصر للسخرية والاستهزاء . إذا لم يكن بد من أن يُستعدى السلطان على المصريين في مصر إن اجتمعوا أو كتبوا أو تكلموا ، فلا أقل من أن لا يُستعدى السلطان الأجنبي على هؤلاء المصريين إذا أرادوا أن يأتوا في البلاد الأجنبية ما لا يُنكره قانون تلك البلاد . إذا لم يكن بد من أن يُضطهد المصريون الأحرار حتى خارج مصر ، فلا أقل من ألا تضطهدهم مصر نفسها ، ومن أن تكتفي المفوضيات بتسجيل المظالم وإحصائها وإرسالها إلى الوزارة هنا لتأخذ هؤلاء المصريين يوم يعودون ، وإن كان هذا هو الشر كل الشر ، والنكر كل النكر . وإن كان هذا أبعد الأشياء على أعمال المفوضيات والقنصليات ومكاتب البعثات .
    ما أجدر وزير الخارجية أن يكف مفوضياته وقنصلياته عن هذه الأعمال التي لا تليق . وما أجدر وزير المعارف أن يحمي الطلاب من هذا الكيد الذي لا يليق . وما أجدر البرلمان أن يطلب إلى الوزارة أو أن يتمنى عليها ، أو أن يضرع إليها في أن تحفظ كرامة مصر وسمعتها من هذا الشر الذي لا ينبغي أن نُقره أو نسكت عليه ، فضلا عن أن نستصفي أموال الفلاح لتنفق عليها .
    الكوكب في ٧ – ٦ – ١٩٣٣