قضية التعليم
طه حسين
جريدة الأهرام
١١ يوليو ١٩٤٩
يُقال إنَّ السَّاكِتَ عن الحقِّ شيطان أخرس، وفي الأرضِ شياطين كثيرة، منها الناطق ومنها الصامت.
وأنا أعوذ بالله من أولئك وهؤلاء، وأبرأ إلى المصريين من أولئك وهؤلاء. ومن أجل ذلك أريد أن أقول كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن نابية قاسية. وقد عودت المواطنين الأعزاء ألَّا أصانعهم ولا أداريهم، وأن أذيقهم الحق مهما يكن حظه من المرارة. وقد عودني المواطنون الأعزَّاء أن يسمعوا لي دائمًا، يستجيب لي أكثرهم، ويزورُّ عني أقلهم، ولكنهم يلقون سمعهم إليَّ على كل حال. فليسمعوا إذن راشدين مشكورين موفقين.
إذا وقع الظلم على رجل واحد من الناس كان رفعه واجبًا، وإذا وقع الظلم على جماعة كثيرة من الناس كان رفعه أوجب وجوبًا وألزم لزومًا، وإذا وقع الظلم على الشعب كله كان رفعه أوجب الواجبات، وكان التقصير في رفعه إثمًا كبيرًا لا ينساه الشعب ولا يهمله التاريخ.
والظلم الذي أريد أن أتحدث عنه وأدعو مُلِحًّا إلى رفعه، واقع على الشعب كله لا يُستثنى منه قويٌّ ولا ضعيفٌ، ولا غنيٌّ ولا فقير. وهذا الظلم متصل بالتعليم ونشره، وإنصاف الناهضين به ليتمكنوا من إذاعته على أحسن الوجوه وأكملها.
وقد أُتيح لنا وقت قصير جدًّا فَهِمْنا فيه حقَّ الشعب في أن يتعلم كأحسن ما كان يمكن أن نفهمه، وذلك حين وضعنا الدستور وقررنا فيه حق الشعب في أن يأخذ أبناؤه قسطًا من التعليم، لا يكون الإنسان الحديث إنسانًا إلَّا به. وقد فرضنا هذا المقدار اليسير من التعليم على الدولة والشعب جميعًا، فعلى الدولة أن تنشره وتذيعه، وعلى الشعب أن يرسل أبناءه إليه ليأخذوا بحظِّهم منه. فإذا قصرت الحكومة في نشره سُئِلَتْ عن ذلك أمام البرلمان، وإذا قصر أبناء الشعب في تلقيه سُئِلَ المقصرون منهم أمام القضاء.
كذلك قررنا حين وضعنا الدستور، وكنَّا نؤمن بأن نشر التعليم الإلزامي على هذا النحو خطوة أولى لا يمكن الاكتفاء بها، وإنما ينبغي أن تتبعها خطوات إلى نشر التعليم العام والتعليم الفني والعليم العالي، يأخذ الشعب من هذا كله ما يريد وما يطيق.
وقد مضى ربع قرن منذ أُذِيعَ الدستور، ولم يكد الشعب يتقدَّم في أي نوع من أنواع هذا التعليم إلَّا تقدُّمًا يسيرًا ضئيلًا. والتبعة في هذا لا تقع على الشعب، الشعب يلح ويلح ويرفع صوته في كل عام — بل في كل يوم — مطالبًا بنشر التعليم، والحكومات تسمع أحيانًا ولا تصنع شيئًا، أو لا تكاد تصنع شيئًا، تضع أصابعها في آذانها أحيانًا أخرى مخافةَ أن تسمع؛ لأنها مشغولة عن التعليم بما هو أهون شأنًا وأقل خطرًا من التعليم.
ولست أنكر أن مصر قد أنشأت في هذه الفترة جامعتين وطائفة من المدارس الثانوية والابتدائية والفنية والإلزامية. ولكن الشيء المحقق هو أنها أنشأت من هذا كله أقل جدًّا مما كان ينبغي أن تُنشئ. وآية ذلك أن الجامعتين تضيقان بالطلاب على نحو مُروِّع مخيف، وأن الحكومة تريد أن تنشئ جامعة ثالثة فتعترف بعجزها عن ذلك وتتيح لنفسها من الوقت ما يمكنها من التهيؤ وإرسال البعوث. وآية ذلك أيضًا أن الحكومة تواجه في كلِّ عامٍ دراسيٍّ أزمةً عنيفةً سخيفةً؛ لأن المدارس التي أُنشئت إلى الآن أضيق مِنْ أَنْ تَسَع مَنْ يتقدَّم إليها من الطلاب والتلاميذ. وآية ذلك أن مدير جامعة فؤاد الأول أعلن بمحضر من وزير المعارف منذ شهرين أن المدارس الثانوية ستخرج في هذا العام ستة عشر ألفًا من الطلَّاب، وأن الجامعتين لن تستطيعا قبول هذا العدد الضخم.
وآية ذلك أن الفنيين في وزارة المعارف يقدِّرون أن المدارس الابتدائية ستخرِّج في هذا العام نيفًا وأربعين ألفًا من التلاميذ، وأن المدارس الثانوية الحكومية لا تستطيع أن تقبل إلَّا أقلهم. وآية ذلك بعد هذا كله، أن المدارس الحرة تقبل وتعلِّم أكثر مما تقبل مدارس الحكومة وتعلِّم من التلاميذ. وآية ذلك آخر الأمر أن أربعة أخماس الشعب المصري لا يزالون جاهلين لا يقرءون ولا يكتبون، وأن الخمس الذي برئ من الأمية لا يزال أكثره مرتكسًا في جهل لعله أن يكون أشد خطرًا من الأمية؛ لأنه يشيع في نفوس الناس شيئًا من الغرور ويفسد تصورهم للأشياء وحكمهم عليها.
فهناك إذن ظلم عام واقع على الشعب كله، والدولة هي المسئولة عنه وهي المقصرة في رفعه، ولكن هذا التقصير الخطير لا يمكن أن يتصل ولا يمكن أن يدوم إلَّا إذا اتخذنا حياتنا العامة ومستقبلنا هزوًا ولعبًا، وإلَّا إذا ضحكنا على أنفسنا وخيَّلنا إليها أننا ناهضون، وإن لم نكن من النهضة الصحيحة في شيء. وما ينبغي أن نغر أنفسنا ولا أن نكذب عليها، ولا أن نقول لها غير الحق، فنحن لا نخدع أحدًا من الأجانب عن قصورنا وتقصيرنا؛ لأنهم يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم بل أكثر مما نعلم، ولا ينبغي أن تخدعنا الكلمات الحلوة نسمعها منهم هنا أو هناك، فإنها كلمات مصدرها المجاملة والمصانعة والحرص على قضاء المآرب وإرضاء الحاجات.
والعذر الخطير الذي تعتذر به الحكومات إذا سُئلت عن تقصيرها في نشر التعليم، هو أن الميزانية أضيق من أن تتسع للتعليم كما ينبغي، وأضعف من أن تنهض بأعباء التعليم كما ينبغي.
وهنا تأتي كلمة حق ثانية يجب أن تُقال، وهي أن حكوماتنا لم تفهم قط كلمة الميزانية على وجهها، فالميزانية عند الحكومات المصرية هي تعادل الدخل والخرج ليس غير، وهذا هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة عند أصحاب المال. ولكن الميزانية قد تدل على معنى آخر عند الذين يفهمون سياسة الشعوب على وجهها، وهو التعادل بين ما تنفقه الدولة من المال وما يحتاج الشعب إليه من المرافق؛ فليس يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن ترضى وزارة المالية عن نفسها لأنها وازنت بين الدخل والخرج، وأن ترضى الحكومة والبرلمان عنها لأنها حققت هذا التوازن، وإنما الذي يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن تجد الحكومة من المال ما يمكِّنها من إنشاء المرافق التي ترُدُّ عنهم الجوع والعري والجهل والمرض، وأن تنفق هذا المال في وجوهه إنفاقًا دقيقًا سواء عدلًا لا عوج فيه ولا التواء.
فالميزانية سياسة للشعب ورعاية لحقوقه وعناية بمرافقه، لا حساب يتعادل فيه الدخل والخرج ليس غير. وهذا ينتهي بنا إلى المشكلة الخطيرة التي تورطنا فيها أو التي اشتد تورطنا فيها أثناء هذا العام؛ فقد أشعرتنا الضرورات الخارجية المُلِحَّة بحاجتنا إلى تقوية الدفاع عن الوطن وإنشاء الجيش الذي يستطيع أن يكفل هذا الدفاع.
ولو أننا فهمنا الميزانية على أنها سياسة لا حساب؛ لعرفنا حق الدفاع علينا منذ وقت طويل، ولَمَا فوجئنا في هذا العام بهذه الميزانية التي تنفق الملايين المملينة — إن صح هذا التعبير — على حاجات جيش، وتظلم طائفة أخرى خطيرة من مرافق الشعب ومنها التعليم.
ولست أذهب مذاهب صاحب الدولة صدقي باشا في وجوب الاقتصاد في أمور الدفاع والاعتماد على المحالفات الخارجية؛ فإن الشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه طعمة مباحة للشعوب الجائعة، وما أكثر الشعوب الجائعة في هذه الأيام! والشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه لن يجد حليفًا يحترم حقه واستقلاله، وإنما يجد طامعًا فيه مستذلًّا له يتربص به الدوائر ليسومه الضيم ويسخره لما يشاء.
لا أنكر إذن حاجتنا إلى الجيش القوي، وحق هذا الجيش علينا مهما يكن ثقيلًا مبهظًا، وإن كنت أرجو أن يكون في وزارة الدفاع من الخبراء الأكفاء من يكلفون إنفاق هذه الملايين الكثيرة كما ينبغي أن تُنفَق. ولكن هذه قصة أخرى، إنما الذي يعنيني هو ألَّا يطغى الدفاع على غيره من مرافق الشعب، فليست حاجة مصر إلى دفع العدو المغير من الناس بأقل من حاجتها من دفع العدو المقيم من الفقر، والجهل، والمرض. والشعب الفقير الجاهل المريض لا يمكن أن ينشئ جيشًا قويًّا كريمًا يقدِّر الوطن حق قدره، ويدافع عنه كما ينبغي أن يكون الدفاع. وقد تورطت حكومتنا هذا العام في التحامل على المرافق العامة الداخلية لتؤدي إلى الجيش حقه، وهذا هو الخطأ الذي لا ينبغي أن نتورط فيه. ولست أدري ماذا أصاب المرافق العامة من هذا التحامل، ولكني أعلم أن التعليم قد أصابه من هذا التحامل شرٌّ كثيرٌ، شرٌّ يثير الحزن ويثير الضحك معًا، وشر المصائب ما يضحك كما يُقال.
فوزارة المعارف تريد أن تحسِّن حال المعلمين، وهذا التحسين يحتاج إلى نصف مليون من الجنيهات فيما تقول «الأهرام»، ولكن هذا المقدار الضئيل ليس ميسورًا لوزارة المعارف. فينبغي أن تقسمه على خمسة أعوام، ومعنى ذلك أن المعلمين سيحتملون الضر في أنفسهم وأهلهم وأبنائهم وتعليمهم، وسيحملون هذا الضر لتلاميذهم؛ لأن الميزانية لا تجد نصف مليون من الجنيهات تكشف به عنهم وعن أُسَرهم وتلاميذهم هذه الغمة.
ووزارة المعارف تعترف بعجز مدارسها عن استيعاب التلاميذ المتقدمين إليها، وتنصح الأسر بتوجيه أبنائها إلى المدارس الحرة، وتعلم أن المدارس الحرة تعلِّم من التلاميذ أكثر جدًّا ممن تعلِّمهم مدارس الحكومة، وهي تريد أن تسوِّي بين التلاميذ في المدارس الحرة والحكومية وبين المعلمين في هذه المدارس وتلك؛ لأن هذه المساواة حق للمصريين جميعًا، ولأنها تحقق مصلحة الشعب ما في ذلك شك، وسبيل هذه التسوية أن تلحق المدارس الحرة بالوزارة، وأن يؤمم التعليم. ولكن هذا يحتاج إلى شيءٍ من المال لن يزيد على نصف مليون من الجنيهات، ووزارة المعارف لا تجد هذا المقدار من المال؛ لأن حاجة الدفاع تحول بينها وبين الحصول عليه.
مليون واحد من الجنيهات يحسِّن حال المعلمين، ويؤمم التعليم، ويحقق المساواة بين أبناء الشعب، ويكفل المصلحة الثقافية للأمة المصرية، ويفتح لها أبوابًا من الأمل المشرق، ولكن وزارة المعارف لا تجد هذا المليون. أجدٌّ هذا أم مزاح؟! وأي خطر لهذا المليون في ميزانيتنا الضخمة، وفي هذه العشرات من الملايين التي وجدناها فجأة للدفاع؟! يجب أن نقول الحق وإن كان مرًّا، وهو أن الذين يشرفون على الأمر فينا محتاجون إلى أن يؤمنوا بالتعليم كما ينبغي أن يكون الإيمان به، وإلى أن يرعوا حق رجال التعليم كما ينبغي أن تكون الرعاية له.
ليصدقني رئيس الوزراء، وليصدقني وزير المعارف ووزير المالية، إن اجتماعًا قصيرًا يعقده ثلاثتهم كفيل باستكشاف هذا المليون في زاوية من زوايا الخزانة، أو في عطف من أعطاف الاحتياطي، أو في ضريبة تُفرَض لأداء حق التعليم الذي ليس هو أقل خطرًا من حق الدفاع. فليتوكل هؤلاء الوزراء الثلاثة على الله، وليبحثوا في الخزانة ولو بمصباح؛ لعلهم أن يجدوا هذا المليون الذي سيكشف الضر عن ألوف مؤلفة من المعلمين والمتعلمين.
Tag: Literacy
-
قضية التعليم
-
النصح الضائع
النصح الضائع
طه حسين
جريدة البلاغ
٧ يونيو ١٩٤٥
هو الذي ألحَّ في تقديمه إلى وزارة المعارف ألَّا تشق على نفسها ولا على الناس بالغلو في الاستماع للبيداجوجيا، والإغراق في الاستجابة إلى ما تدعو إليه من هذا التحذق الذي لا يغني، والتألق الذي لا يُجدي، والتلكؤ الذي لا يفيد. فليست البيداجوجيا في آخر الأمر إلَّا فنًّا ناشئًا لم يبلغ بعدُ أن يكون علمًا، ولا أن يستكشف القوانين التي يمكن أن تطمئن إليها أجيال الناس على اختلاف البيئات والظروف، وإن كثر الكلام في البيداجوجيا منذ قرون وقرون.
فكرت في هذا حين قرأت حديثًا أذاعته الأهرام يوم الثلاثاء لوزير المعارف، وكنت قد فكرت في هذا منذ أسابيع حين قرأت حديثًا أذاعته الأهرام لموظف مسئول من موظفي وزارة المعارف، ثم عدلت عن ذلك التفكير لأن وزارة المعارف كذبت ذلك الحديث تكذيبًا قاطعًا عنيفًا. وكنت أقدِّر أن وزارة المعارف ستكذِّب الحديث الثاني كما كذبت الحديث الأول، ولكنها لم تفعل مع أن الحديثين يلتقيان التقاءً غريبًا لا يكادان يختلفان إلَّا في تعليم اللغة الأجنبية متى يبدأ وأين يكون.
وأكبر الظن أن الموظف المسئول لو ترك الإشارة إلى اللغات الأجنبية لما تعرض حديثه للتكذيب؛ فتعلم اللغات الأجنبية أمرٌ شائك يحسن ألَّا تتعرض له الوزارة إلَّا بعد البيان المفصل والتمهيد الذي يحسن الاطمئنان إليه. والشيء المهم هو أن وزير المعارف تحدَّث إلى الأهرام عن أمور التعليم، وقسَّم هذه الأمور إلى أمورٍ عاجلة يحسن الفصل فيها في جزم وإسراع، وأمور آجلة يحسن النظر إليها في روية وأناةٍ.
ووزير المعارف ساخطٌ أشد السخط على الأمور العاجلة، مرتاع أشد الارتياع لما تعرض له التعليم من فساد؛ لأن وزارة المعارف — فيما يظهر — قد عالجت أمور التعليم في تسرُّع وارتجال، فأجرت الأمور كما يقتضي التسرُّع لا كما تقتضي المصلحة.
ويكفي أن تعلم أن بعض المدارس قد أنشئ لخمسمائة من التلاميذ، فحشر فيه أكثر من ألف، وأن الفصول التي لا ينبغي أن يزيد التلاميذ فيها على ثلاثين قد نيف التلاميذ فيها على الخمسين، وأن الأدوات المدرسية والكتب لم تقدم إلى التلاميذ في إبانها، وأن الأساتذة كانوا أقل مما ينبغي بالقياس إلى عدد التلاميذ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن التلاميذ لم يكونوا يجلسون على الكراسي ما ينبغي أن يجلسوا عليه من المقاعد النظامية الثابتة، وإنما كانت تُجلب لهم الكراسي من هنا وهناك، وأنهم لم يكونوا يجدون من الشوَك والسكاكين ما يمكنهم من أن يأكلوا كما ينبغي أن يأكل المترفون.
وأظنك توافقني على أن الموظف المسئول الذي كُذِّب حديثه تكذيبًا عنيفًا، والوزير الذي لم يُكذَّب حديثه، وأصحاب النشرات التي كانت تذاع هنا وهناك بين حين وحين، لم يقولوا شيئًا جديدًا؛ فالشكوى من ضيق المدارس، وازدحام الفصول، وقلة المعلمين، وعجز الدولة عن مواجهة الحاجة المتزايدة إلى التعليم؛ كل ذلك شيءٌ قديم، أقدم جدًّا من نهوض وزير المعارف وأعوانه بشئون التعليم. تراه مسطورًا في تقرير صاحب السعادة، حافظ عفيفي باشا، على هامش السياسة الذي نشره بعد ذلك التقرير بوقت قصير، وتراه مسطورًا في مئات من المقالات وعشرات من التقارير نشرت منذ نهضت مصر بشئون التعليم. فالكلام في هذا كله حديث معادٌ، كالكلام في أن قرى الريف لا تشرب الماء النقي، ولا تأكل الطعام الشهي، ولا تلبس الثياب التي تأمن البلى، وتقي الأجسام عادية الحر والبرد.
ومصدر الإعادة والإبداء في هذه الأحاديث التي لا تريد أن تنقضي ولا تعلم الناس جديدًا، هو التناقض بين ما تريد البيداجوجيا وما تريده الحياة المصرية، فالبيداجوجيا تريد أن تكون شئون التعليم مفصلة تفصيلًا دقيقًا على قد هذا النظام الذي وضعه هذا المربي أو ذاك، معتمدًا في وضعه على خياله الخصب، أو على تفكيره الصحيح، أو على تجربته الناقصة، أو على كل أولئك جميعًا، والحياة المصرية تريد أن يتعلم الشعب، وأن يتعلم الشعب كله، وأن يتعلم في أسرع وقت، وأن يخرج من الجهل مهما تكن الوسيلة التي تخرجه من هذا الجهل. فالفرق بيننا وبين وزير المعارف وأعوانه، هو أننا نستجيب للشعب، ونرضي حاجته إلى التعليم ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا، وأنهم يستجيبون للبيداجوجيا، ويرضون حاجتها إلى التأنق والتحذق ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.
ولست أدري ماذا يقول الجائعون من المصريين لو أصدرت إليهم الدولة أمرًا ألَّا يأكلوا حتى يقدَّم إليهم الطعام الملائم، وماذا يقول الظامئون من المصريين إن أصدرت إليهم الدولة أمرًا ألَّا يشربوا حتى يقدم إليهم الماء النقي! أيذعنون لهذا الأمر أم يجدونه شططًا وعبثًا ولغوًا من القول، بل أنا أعلم أن الدولة لن تتقدم إلى الجائعين والظامئين في شيءٍ من ذلك؛ لأن الدولة أعقل من أن تتقدم إليهم في أن يموتوا، ولكن أصحاب البيداجوجيا يخيلون إلى وزير المعارف أن الدولة تستطيع أن تتقدم إلى الناس في ألَّا يُعلِّموا أبناءهم حتى تُهيَّأ لهم المدارس والفصول والمقاعد والشوَك والسكاكين كما تريد البيداجوجيا أن تكون كل هذه الأشياء.
وتعليل ذلك يسير، فالجائعون والظامئون معرضون للموت إن طال عليهم الجوع والظمأ، ولذلك لا يستطيع أحدٌ أن يأمر الجائعين والظامئين بالانتظار، والجاهلون غير معرضين للموت إن طال عليهم الجهل، ولذلك يمكن أن يؤمروا بانتظار التعليم الذي يلائم تأنق البيداجوجيا وتحذقها، وفي هذا الانتظار مزية لا يستهان بها، فهو يؤجل انتشار التعليم، وانتشار التعليم خطرٌ كما تعلم؛ لأنه يعصم الشعب من الاستغلال والاستذلال. وإذا صبر الجائع على الجوع، وصبر الظامئ على الظمأ مات موتًا معنويًّا لا تراه البيداجوجيا ولا تنكره؛ لأن البيداجوجيا لا تُعنى بالإنسان إلَّا حين يذهب إلى المدرسة، وما دام الإنسان بعيدًا عن المدرسة، فالبيداجوجيا مستريحة مطمئنة تداعب الخيال، وتبني القصور في إسبانيا، وترسم المناهج والبرامج والخطط لتعليم ليس من الضروري أن يُنشر الآن، ولكن من الممكن أن يُنشر في يوم من الأيام.
وأغرب ما في هذا الأمر أن الذين يفرغون لهذه البيداجوجيا، ويريدون أن يضطروا الشعب إلى الجهل والغفلة حتى ترضى، ينسون أن أجيالًا كثيرة جدًّا من الناس لم تتعلم على أصول هذه البيداجوجيا؛ لأن هذه الأصول تتغير وتتجدد في كل جيل، ولو انتظر الناس أن تُهيأ لهم البيداجوجيا المغرورة تعليمًا صحيحًا لطال الانتظار، ولسيطر الجهل والغباء على العقول، ولكن الناس لم ينتظروا ولن ينتظروا، وإنما تعلموا وتركوا البيداجوجيا تقول ما تشاء، واستمعوا لها حينًا، وأعرضوا عنها في أكثر الأحيان.
فليصنع وزير المعارف كما صنع الناس، وليستمع للبيداجوجيا قليلًا، وليعرض عنها كثيرًا، فليس كل ما تقوله نافعًا ولا مفيدًا. وقد وعدنا وزير المعارف بأنه قد هيأ للتعليم كل شيء، وأنه واثقٌ بأن أمور التعليم ستجري على خير ما تحب البيداجوجيا منذ السنة المقبلة. ووزير المعارف متفائلٌ جدًّا، وما دام هذا التفاؤل يرضيه فلن نصده عنه. والشيء المحقق أن العام المقبل سيكون كالعام الماضي وكالأعوام الماضية، وسيزدحم التلاميذ على المدارس حتى تضيق، وعلى الفصول حتى تكتظ، وعلى الأساتذة حتى يكلوا. ولسنا نرى بذلك بأسًا، وإنما ننظر إليه كما ننظر إلى إقبال الجائعين على الطعام الذي لا يكفي، وكما ننظر إلى إقبال الظامئين على الماء الذي لم يَصْفُ، ولا نرى لهذه المشكلات كلها حلًّا إلَّا أن تأخذ الدولة أمرها بالحزم، فتفرض الضرائب التي تُمكِّن من محاربة الجهل والفقر والمرض حربًا مجدية.
وأظرف ما في حديث وزير المعارف آراؤه في أمور التعليم الآجلة التي يمكن أن تدرس في روية وأناة؛ فوزير المعارف متفائلٌ جدًّا، يريد أن يرسم للتعليم سياسة تسير عليها مصر ربع قرن، ولم لا تسير عليها نصف قرن، ولم لا تسير عليها قرنًا أو قرنين؟ كل شيءٍ ممكن، ومن الممكن أن يرسم للتعليم سياسة لا تسير عليها مصر يومًا واحدًا، فوزير المعارف قد نسي أن وزيرًا سبقه، فرسم للتعليم سياسةً لم يحدد لها زمنًا طويلًا أو قصيرًا، وعرض هذه السياسة على مجلس البرلمان فناقشها وأقرَّها، وكان المنتظر أن تُجرِّبها مصر ما دامت قد صدرت عن اتفاق الحكومة والبرلمان، ولكن وزير المعارف القائم لم يرضَ عن هذه السياسة، ولم يحفل بإقرار الحكومة والبرلمان لهذه السياسة، فعدل عنها دون أن يجربها، وأخذ يرسم سياسته الجديدة التي ستسير عليها مصر ربع قرن، فهل يأمن وزير المعارف أن يكون مصير سياسته الجديدة كمصير السياسة التي أقرها البرلمان، وأن تأتي حكومة بعد وقت يقصر أو يطول فتعدل عن هذه السياسة التي يرسمها كما عدل هو عن السياسة التي رسمها غيره، وما دامت قرارات البرلمان لا تلزم الحكومات، فالحكومات في حلٍّ من أن تصنع ما تشاء. والشيء الذي أؤكده لوزير المعارف هو أنه حين يرسم سياسته إنما يكتب على الريح، وينقش على الماء، وستغير الحكومة المقبلة كل ما صنع إلَّا أن يأخذ على الأيام عهدًا بأنه سيظل في الحكم ربع قرن.
وبعدُ، فإن السياسة التي يرسمها، والتي تحدث بجملتها إلى الأهرام لا ينبغي أن تعيش ربع قرن، ولا خمس سنين، ولا سنة واحدة، ولا ينبغي أن يبدأ فيها؛ فإصلاح التعليم الإلزامي شيءٌ قد اتفق الناس جميعًا عليه، فليس هو من السياسة الجديدة، ولكن وزير المعارف يريد أن يحوِّل هذا التعليم إلى تعليم ابتدائي، وأن يجعله شعبيًّا واحدًا للناس جميعًا. وما دامت وزارة الوفد قد قررت مجانية التعليم الابتدائي، فليس لذلك معنًى إلَّا أن التعليم الابتدائي قد أصبح تعليمًا شعبيًّا.
والذين أشاروا على وزير المعارف بهذا كله قد جاروا به عن القصد، وانحرفوا به عن سواء السبيل. ولست أدري أنصحوا له في ذلك أم لم ينصحوا، فوزارة الوفد حين قررت المجانية في التعليم الابتدائي إنما أرادت قبل كل شيء إلى تقرير المجانية في التعليم الثانوي، ثم في التعليم العالي؛ لأنها أرادت أن يكون التعليم كله شعبيًّا مهما تختلف فروعه ودرجاته، وأن يكون التحاق الناس بفروع التعليم ودرجاته حرًّا طلقًا لا تقيده إلَّا الكفاية، ولا يحده إلَّا الاستعداد.
فالذين خيلوا لوزير المعارف ما خيلوا إنما أرادوا أن يلغوا المجانية التي قررتها وزارة الوفد، فهم يدعون أنهم سيحوِّلون التعليم الإلزامي إلى تعليم ابتدائي، ومن حيث إن التعليم الإلزامي مجاني بحكم الدستور فما عملته وزارة الوفد لا حاجة إليه.
ولكن هذا التعليم الابتدائي لن يُلغى في حقيقة الأمر، فسينشأ مكانه التعليم المتوسط، وسيكون هذا التعليم بالمصروفات. وسنعود إذن إلى وجود تعليم لا هو بالإلزامي ولا هو بالثانوي، ولكنه شيءٌ بين ذلك. وليس هذا هو المهم، وإنما المهم أنه سيكون بالمصروفات، وستُمحى هذه الخطوة التي خطتها وزارة الوفد.
وأظرف من هذا أن الذين أشاروا على وزير المعارف كانوا يرون منذ زمن بعيد أن يُلغى تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الابتدائية لأسباب تقتضيها البيداجوجيا، وكأنهم همُّوا بذلك فاعترضتهم بعض العقاب فوجدوا الحل، وأي شيءٍ أيسرُ من وجود الحلول؟ سيسمى التعليم الإلزامي تعليمًا ابتدائيًّا، وليس في التعليم الإلزامي لغة أجنبية، فليس في التعليم الابتدائي الجديد لغةٌ أجنبيةٌ. وكذلك ترضى البيداجوجيا بالألفاظ إن لم تستطع أن تظفر بالحقائق، وسينشأ التعليم المتوسط ليقوم مقام التعليم الابتدائي، وستدرس فيه اللغات الأجنبية كما تدرس الآن في التعليم الابتدائي، وسيرضى أنصار هذه اللغات الحقائق الواقعة وما يعنيهم أن تغير بالألفاظ والأسماء.
ليصدقني وزير المعارف أن أمور التعليم في مصر أيسرُ جدًّا مما تخيل إليه البيداجوجيا المعقدة! شعبٌ يشكو الجهل ويريد أن يخلص منه في ظل الديمقراطية الصحيحة، فهو محتاج إلى تعليم إلزامي صالح منوع كما رسمه نجيب الهلالي باشا، وهذا التعليم مجاني بحكم الدستور، ثم هو محتاج إلى تعليم عام صالح يجب أن يمكن منه، وألَّا يُرد عنه لأسباب تتصل بالثروة أو بالطبقة، فليكن مجانيًّا كما أراد الوفد أن يكون، وكما يريد الشعب أن يكون. وهو محتاج إلى تعليم عالٍ يكون له الصفوة التي تدبر أمره، وتنهض بمصالحه، فليكن له هذا التعليم، وليكن مجانيًّا أيضًا؛ لأن هذا هو الاتجاه الديمقراطي الذي تتجه إليه الدنيا كلها.
وهو محتاج إلى تعليم فني منوع كما رسمه نجيب الهلالي باشا، فلينشأ له هذا التعليم، وليكن مجانيًّا كما هو في أقطار الأرض كلها. وإذا لم يكن بدٌّ من أن تتعب وزارة المعارف، فلتتعب في رسم المناهج والبرامج الملائمة للحياة الجديدة، ولتأخذ الأمور من حيث تركها نجيب الهلالي باشا، فهي إن فعلت احترمت قرار البرلمان أولًا، وضمنت لسياسة التعليم الارتفاع عن الحزبية ثانيًا، وضمنت لها الاتصال ثالثًا، وعصمت مصر من ضياع الوقت والجهد، فأمور مصر صائرة دائمًا إلى الشعب، وكلمة الشعب آخر الأمر هي العليا.
فالخير أن نواجه الأمور في صراحة واستقامة وإخلاص، فلا بدَّ مما ليس منه بد، والشيء الذي ليس منه بدٌّ سواء أردنا أو لم نرد هو أن الشعب يريد أن يتعلم، وأن يتعلم في أسرع وقت ممكن، وألَّا يجد في سبيل هذا التعليم صعابًا ولا عقابًا، فإن وجدها سيقتحمها، وسيظهر عليها كما يظهر السيل آخر الأمر على ما يعترضه من الصخور.