Tag: literary expression

  • بين الإفراط والتفريط

    بين الإفراط والتفريط

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٨ أكتوبر ١٩٤٦

    أي الأمرين خير: الإفراط في الحرية أم التفريط فيها؟! تلك هي المسألة التي أحب أن يفكر القراء فيها.

    أريد اليوم أن أدعو القرَّاء إلى التفكير في موضوع خطير، وهو موضوع الحرية الأدبية. وهذا الموضوع يتصل بالسياسة إن شئت، وينفصل عن السياسة إن شئت؛ فهو أوسع منها مدًى وأبعد أثرًا … يتصل بالسياسة من حيث إن الدولة هي التي تُشرِّع القوانين التي تنظِّم حقوق الناس في التفكير والتعبير. فهي تستطيع أن تشرع القوانين سمحة يسيرة مرنة تُتِيحُ للناس أن يفكِّروا كما يشاءون، وأن يعبِّروا عن آرائهم كما يريدون، كما تستطيع أن تشرع هذه القوانين صلبة عابسة ضيقة ترهق الناس من أمرهم عسرًا حين يفكِّرون وحين يعبِّرون!

    وقد قال الفلاسفة — وسيقولون دائمًا — إن حرية التفكير مطلقة للناس جميعًا، لا يستطيع أحد أن يحدَّ منها ولا أن يسيطر عليها، ولا يمكن أن يخضع للقانون؛ لأن سلطان الدولة — مهما يشتد ويمتد — لا يستطيع أن يصل إلى أعماق الضمائر ودخائل النفوس.

    ولكن هذا كلام إن صوَّر الحق من الناحية النظرية الخالصة، فهو لا يصوره من الناحية العملية بحالٍ من الأحوال؛ ذلك أن التفكير الذي لا يتجاوز أعماق الضمائر ودخائل النفوس قد تكون له قيمته الفردية، ولكنه ملغى بالقياس إلى المنفعة الاجتماعية. فيستطيع الفرد أن يفكر كما يشاء، وأن يبني القصور الإسبانية في عمق ضميره ودخيلة نفسه، فلن يكون لتفكيره هذا خطر إلَّا إذا استطاع أن يخرج من عمق الضمير ودخيلة النفس ليبلغ أعماق الضمائر الأخرى ودخائل النفوس الأخرى!

    على أن الأمر لا يَقِفُ عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما هو أعظم منه خطرًا وأبعد منه أثرًا؛ فإن الفرد حين يستيقن أن تفكيره لن يتجاوز ضميره ولن يصبح شيئًا اجتماعيًّا يلقاه الناس بالرفض أو القبول ويتخذونه موضوعًا للجدل والخلاف، يزهد في هذا التفكير الذي لا ينفع أحدًا ولا يضر أحدًا، وينصرف عنه إلى غيره من الأشياء التي يمكن أن يُعْنَى بها نظراؤه. وهذا حق إلى حد أن الفرد قد يَأْلَفُ الحياة الضيقة التي تُحَدُّ فيها حرية التعبير؛ فلا يشعر بحاجته إلى أن يفكر في هذا الموضوع أو ذاك، بل لا يشعر أحيانًا بوجود هذا الموضوع أو ذاك إلَّا حين يقرأ كتابًا نشر في لغة أجنبية، وعرض فيه صاحبه لهذا الموضوع أو ذاك، فيعلم حينئذ أن هذا الموضوع موجود، وأنه يمكن أن يفكر فيه المفكرون، ويعبِّر عنه المعبرون، ويجد فيه القارئون لذةً ومتاعًا، أو يجد فيه القارئون ضيقًا واشمئزازًا.

    وأكبر الظن أن كثيرًا جدًّا من إعجاب القراء الشرقيين ببعض الكتب الأجنبية إنما يأتي من أنهم يجدون في هذه الكتب ألوانًا من التفكير لم يألفوها، ولم يجدوا في أنفسهم الحاجة إليها أو القدرة على التعرض لها. ولكنهم يقفون عند هذا ولا يسألون أنفسهم عن الأسباب التي تحول بينهم وبين التفكير في هذه الموضوعات والتعبير عنها. ولو قد سألوا أنفسهم هذا السؤال وتعمَّقوا الجواب عليه؛ لعرفوا أن أهم الأسباب هو نقصان حظِّهم من الحرية التي تُتِيح لهم أن يفكروا؛ لأنهم لا يملكون الحرية التي تتيح لهم أن يعبِّروا. ولو قد أُتيح للشرقيين من حرية التعبير ما أُتيح للغربيين لكان من الممكن جدًّا — بل من المحقق — أن يطرقوا موضوعات لا يطرقها إلى الآن إلَّا الأدباء والمفكرون من أهل الغرب.

    وربما كان من الخير أن نضرب الأمثال لهذه الظاهرة، فالمثقف المصري — مثلًا — يرى حياتنا الاجتماعية وما فيها من النقائص، فيفكر فيها تفكيرًا محدودًا، ويعبِّر عن تفكيره هذا تعبيرًا محدودًا … يطالب بمحاربة الفقر والجهل والمرض، وقد يقترح الوسائل اليسيرة التي تُتيح إزالة الفقر والجهل والمرض. ولكنه يقف من التفكير والتعبير عند هذا الحد! ثم هو يقرأ ما يكتبه الغربيون في نقد الحياة الاجتماعية؛ فيعجب بما يقرأ وقد يُفْتَنُ به فتونًا، وقد يقع في نفسه الحزن؛ لأن هذه الكتب لم تنشأ في اللغة العربية، أو لم تنقل إلى اللغة العربية، ولكنه يعلم حقَّ العلم أن إنشاءها في اللغة العربية ممنوع بالقانون، وأن نقلها إلى العربية ممنوع بالقانون أيضًا؛ فهو يريح نفسه إذن من تعمق التفكير في حياتنا الاجتماعية وفي آفاتها وفي وسائل التخلص من هذه الآفات، ويكتفي بالقراءة لما يكتبه الغربيون إن كان من أولي العزم … فإن كان من أوساط الناس شغل نفسه بما يشغل به أوساط الناس أنفسهم، فأكل كثيرًا، وشرب كثيرًا، وأُغرق في النوم، وتفكَّه بألوان النكت وفنون الحديث!

    وكذلك الأمر فيما يتصل بالموضوعات التي تمسُّ الفلسفة العليا وتمس الدين من قرب أو بعد … فالقارئ الشرقي يرى عند الغربيين أعاجيب قد تروقه وقد تروعه وقد تفتنه، ولكنه يعلم أنه مصدود عنها صدًّا؛ لأن هناك موضوعات قد يستطيع أن يفكر فيها، ولكنه ممنوع بالقانون من أن يعلن القراءة فيها إلى الناس. فهو إذن ممنوع بالقانون من التفكير، قد فرض القانون على عقله الخمود والجمود والكسل فرضًا.

    فأنت ترى مقدار الاتصال بين حرية الأدب وبين السياسة التي تشرع القوانين، فتوسع على الناس أو تضيق عليهم الحرية. على أن السياسة ليست وحدها هي التي تحدُّ من حرية المثقف والأديب، ولعل السياسة في كثير من الأحيان أن تكون مضطرة إلى هذا التضييق اضطرارًا يدفعها إليه العرف، ويدفعها إليه ما يملأ صدور الناس من الحرج إذا أوذيت بغير تألف من ضروب الفكر وفنون القول!

    فالحب مثلًا موضوع هذه الموضوعات الأدبية التي أفنى الشعراء والكتَّاب أعمارهم وجهودهم في درسها وتقصيها دون أن يبلغوا الغاية من هذا الدرس أو هذا التقصي. والقارئ العربي يستطيع أن يجد الأعاجيب من نتائج هذا الدرس والتقصي في كتب الغربيين: في شعرهم حين ينظمون الشعر، وفي قصصهم حين يكتبون القصص، وفي تمثيلهم حين يحاولون التمثيل، وفي فلسفتهم حين يعالجون الفلسفة … ولكنه ممنوع من أن يحاول أن ينشئ في الحب بلغته العربية مثل ما ينشئ الغربيون. يمنعه من ذلك العرف المألوف الذي يفرض على الأدباء والمثقفين حدودًا معينة من الوقار الصادق قليلًا والكاذب كثيرًا، لا ينبغي لهم أن يتجاوزوها. فإن فعلوا فهم خارجون على العرف، معتدون على الأخلاق، مفسِدون للشباب. وهنا تضطر السياسة إلى أن تتدخل لحماية العرف والأخلاق والشباب! وإذن فما حاجة الأديب إلى أن يدرس، وما حاجته إلى أن يستقصي، وما حاجته إلى أن يفكر أو يقول ما دام هذا كله قد ينتهي به إلى سخط الجمهور وإلى بطش السلطان؟!

    هذا كله يصوِّر لك ما يكون بين حرية الأديب وبين السياسة من اتصال وانفصال … فللحرية إذن خصمان: أحدهما يأتي من الدولة حين تُشرِّع القوانين الضيقة العابسة، والآخر يأتي من العرف حين يكون متزمتًا مسرفًا في التزمُّت، وعابسًا مغرقًا في العبوس. وهذا كله ينتهي بالأديب والمثقف إلى الإعراض عن التفكير ما دام عاجزًا عن أن يُذِيع ما فكَّر فيه؛ فيكون التفريط.

    ولكن الحرية لا تشكو من التفريط وحده، وإنما تشكو من الإفراط أيضًا؛ فقد يتحرَّر العرف من كثيرٍ جدًّا من القيود، ويصبح سمحًا يقبل كل شيء، وينتفع بما فيه النفع، ويهمل ما لا يرى فيه نفعًا. وهناك تحرر السياسة كما تحرر العرف، فتُشرع القوانين سمحة يسيرة، أو تهمل تنفيذ القوانين إن كان فيها شيء من العسر والضيق.

    والعقل الإنساني جامح دائمًا، وحرية التفكير لا تعرف لنفسها حدًّا، إلَّا أن يفرض عليها هذا الحد من خارج. ومن أجل ذلك تنتهي هذه الحرية الجامحة التي لا يحدُّها العرف ولا تقيِّدها السياسة إلَّا قليلًا إلى ألوان من الإسراف المؤذي؛ فهي لا تقف عند شيء، ولا ترجو لشيءٍ وقارًا، وإنما تزدري القيم كلها، وتسخر من الحقائق كلها، وتنتهي بالإنسان إلى شيءٍ من اليأس المهلك. ويكفي أن ينظر الإنسان في بعض ما ينشئه الأمريكيون والفرنسيون من الكتب في هذه الأيام — ومن قبل هذه الأيام — ليعرف ما تصل إليه الحرية حين ترسَل على سجيتها.

    فالمسألة الآن هي هذه: أي الأمرين خير؛ الإفراط في الحرية أم التفريط فيها؟

    هذه هي المسألة التي أحب أن يفكر القرَّاء فيها! وأكبر الظن أنهم سيرون كما يرى كل مفكر معتدل أن القصد خير من الإفراط والتفريط؛ لأن خير الأمور أوساطها … ولكن إذا لم يكن إلى القصد سبيل فأي الأمرين خير: الإفراط أم التفريط؟ هذه هي المشكلة.

  • رمز وتصريح

    رمز وتصريح
    طه حسين
    المجلة الجديدة
    يناير ١٩٣٠

    مسألة أعرض لها اليوم لأتم تلك الملاحظات التي أشرت إليها في الفصل الماضي حين تحدثت عن الذوق؛ فللصلة بين الأدباء وقرائهم وجوه مختلفة كلها تصلح مقياسًا للذوق الذي يُمكِّن الأدباء من أن يُنتجوا، والقُرَّاء من أن يَحكُموا، ويصور إنتاج أولئك وحكم هؤلاء في صور تختلف باختلاف الأفراد والبيئات، والظروف العامة والخاصة.

    وقد رأينا الناس يختلفون في عصور كثيرة في أي الأدبين أرقى، وأحب إلى النفس، وأبلغ في تمثيل عواطفها وأهوائها وميولها، الأدب الذي يعتمد على التصريح الجلي، والبيان الواضح، الذي لا تتكلف النفس مشقة في فهمه والوقوف على أغراضه ومراميه، أم الرمز والإيماء الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، ولا يدرك أغراضه ولا ينتهي إلى غايته إلا الذين لهم من رقي النفس وسموها، ومن دقة الحس ونفاذ البصيرة ما يمكنهم من استكشاف الأسرار، واختراق الحجب، وحل الألغاز؟

    ويشتد الخلاف بين الناس ويعظم خطره، ويبعد أثره في حياة الأدباء والقُرَّاء، حين يتناول طائفة من الموضوعات تقضي الأخلاق وظروف الحياة الاجتماعية المعتدلة ألا تمس إلا برفق، وألا يعرض لها الكُتَّاب والشعراء إلا في شيء من التلطف والحيلة؛ كالغزل، ووصف الصلات الجنسية، ووصف أشياء نكره أن نراها، فلا نحب أن يتحدث عنها الأدباء إلا رمزًا، ولا أن يصفوها إلا إيماء. والناس يذكرون مناظرة كانت منذ حين بين الأستاذين توفيق دياب وسلامة موسى، فيما كانا يُسمِّيانه يومئذ الأدب المستور والأدب المكشوف، وكان لكل من الأديبين مذهبه في الفهم، وطريقته في البحث والاستدلال. وانقسم الناس معهما يومئذٍ؛ فمنهم من آثر الأدب المستور، ومنهم من آثر الأدب المكشوف.

    وكنت أرى يومئذ ما أراه الآن من أن الأديبين إنما كانا يختصمان في غير موضع للخصام، ويسيران في سبيل غير منتجة؛ فأما أحدهما فكان ينظر إلى الأخلاق والعرف وحاجة النشء إلى المُثل العليا، وأما الآخر فكان ينظر إلى الحق والصدق، وحاجة الناس إلى الصراحة، وسوء أثر النفاق في التربية وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية، وكلاهما كان يصدر في تفكيره وحكمه عن فكرة أراها قابلة للبحث، ولعلي لا أغلو إن رأيتها موضعًا للشك، وهي: أن الأديب متعمد حين ينتج آثاره الأدبية أن يمضي إلى الشمال، ولو أراد لمضى إلى الجنوب، مُخيَّر فيما يكتب، مُخيَّر فيما يقول، يصوغ صوره الأديبة صوغًا كما يصوغ الصانع آثاره الصناعية عن روية وتفكير وحرية تامة.

    وربما كان الأديب أشد حرية من الصانع الذي يجب أن يخضع لقوانين الصنعة ولا يجدد فيها إلا بمقدار، على حين نرى الأديب حرًّا مطلق الحرية لا تقيده إلا إرادته وهواه. عن هذه الفكرة كان يصدر المتناظران فيما يظهر، وإذن فكان أحدهما يطلب إلى الأديب أن يراعي الأخلاق والحياء والعرف والمُثل العليا، وكان الآخر يطلب إلى الأديب أن يراعي الحق والصدق والصراحة ويتجنب النفاق.

    ولكن الأمر الذي أهمله الأديبان — ويهمله الناس عادة إذا تحدثوا عن الأدب أو تمادوا فيه — هو أن حرية الأديب في الإنتاج الأدبي، وفي تصوير آثاره في صورة فنية ما، ليست من السعة والإطلاق بحيث يظنون، وإنما ضيقة ضيقًا شديدًا، مقيدة بطائفة من القيود، منها القوي الذي لا سبيل إلى التحلل منه، ومنها الضعيف الذي قد يستطيع الأديب تحطيمه من حين إلى حين.

    فالأديب مقيد بطبعه ومزاجه، فكما أنه لا يستطيع أن يغير لونه، ولا أن يغير خلقه المادي، فهو كذلك لا يستطيع أن يغير مزاجه العام، وإذن من العسير عليه — إن لم يكن من المستحيل — أن يضطر هذا المزاج إلى أن ينتج من الآثار الفنية ما لا يلائم طبعه وفطرته، وهو مقيد بالبيئة التي يعيش فيها، والجمهور الذي يتحدث إليه، والإقليم الذي يخضع لجوه وهوائه ومؤثراته الكثيرة المختلفة، ثم هو بعد هذا أو ذاك مقيد باللغة التي هي مادة فنِّه، ومقيد بقوانين الفن نفسها.

    وهو يستطيع طبعًا أن يحطم بعض هذه القيود من حين إلى حين، فتطغى قدرته الفنية على اللغة أحيانًا، وعلى القوانين الفنية أحيانًا أخرى؛ فيكون مجددًا من بعض الوجوه، وقد يستطيع أن يثور بما قامت عليه البيئة من نظم وأصول فيجدد، ولكن هذا الطغيان وهذه الثورة محدودان، مهما يكن حظ الأديب من القوة والبأس والنبوغ، وإذا لم يكن الأديب حرًّا في إنتاجه الأدبي، ولم يكن الذي يستحق هذا الاسم متأثرًا فيما يكتب برضا الناس وإعجابهم، كما يتأثر بشخصيته وطبعه ومزاجه، فمن الإسراف أن يطلب إليه قُرَّاؤه أن يسلك سبيلًا بعينها، ويعدل عن سبيل أخرى؛ ذلك لأنه لم يسلك السبيل التي اختارها — أو بعبارة أدق التي سلكها — إلا لأنه لم يستطع أن يسلك سبيلًا غيرها.

    فالأديب الواحد لا يستطيع أن يبرع في إنتاج الأدب المستور والأدب المكشوف معًا، وإنما هو في هذا الأدب أو ذاك؛ لأن طبيعته وما يحيط به من الظروف العامة والخاصة يضطرانه إلى هذا الأدب أو ذاك. والواقع أننا نرى في الآداب المختلفة عصورًا يتسلط فيها الأدب المستور على الأدباء، فإذا هم يجيدونه ويبرعون فيه، وأخرى يتسلط فيها الأدب المكشوف عليهم، فإذا هم يتقنونه ويتفوقون فيه.

    وإذا بحثنا عن هذه العصور والتمسنا الأسباب التي تضطر الأدباء إلى هذا النوع من الأدب أو إلى ذاك؛ فسنلاحظ أن هذه الأسباب ترجع في أكثر الأوقات إلى البيئة، وإلى الجماعة المحيطة بالأديب أكثر مما ترجع إلى الأديب نفسه، ونلاحظ أن الأدب المستور — ما دام لا بد من التعبير بهذه الألفاظ — إنما يتسلط على الأدباء والقُرَّاء حين تحيا الجماعات حياة هادئة معتدلة، معتمدة على نظام اجتماعي ثابت، ونظام سياسي مستقر، فإذا اضطرب النظام الاجتماعي، أو تعرض النظام السياسي للقلق والفساد؛ أخذ سلطان الأدب المكشوف يظهر وينبسط شيئًا فشيئًا حتى يكون له الغلب، ولكنه غلب مؤقت لا يستمر إلا ريثما يعود النظام الاجتماعي والسياسي إلى الثبات والاستقرار.

    وأنت ترى ذلك واضحًا جليًّا في حياتنا الأدبية العربية، فقد كان الأدب المستور متسلطًا على العرب في جميع أنحاء الحياة الأدبية إلا الهجاء، حتى كان العصر العباسي، فاضطرب النظام الاجتماعي والسياسي، ورغب غير العرب في التمتع بما كان للعرب من حقوق اجتماعية وسياسية، وتغير النظام السياسي نفسه، فسقطت دولة وقامت مكانها دولة أخرى، وانهار نظام من نظم الحكم، وقام مكانه نظام آخر، ونتج عن هذا كله أن طغى في النفوس ميلها إلى الحرية مع حرصها على النظام والاعتدال.

    وفي هذا العصر نفسه ظهر الأدب المكشوف في العراء ظهورًا فاحشًا؛ لأنه كان يترجم عن حياة مكشوفة، فلما كان القرن الثالث، واستقر النظام الاجتماعي الجديد، وثبت النظام السياسي الجديد، احتشم الناس في حياتهم، واحتشم الأدب نفسه، وقلد الناس أبا نواس وأصحابه في الشكل والأسلوب أكثر مما قلدوه في المعنى والموضوع.

    وكانت حياتنا نحن هادئة مطمئنة متأثرة بنظم اجتماعية وسياسية ثابتة مستقرة، فكان أدبنا مستورًا معتدلًا، ثم اضطربت نظمنا السياسية والاجتماعية، وطمعنا في ضروب من الحرية مختلفة: حرية الرأي، وحرية العمل، وحرية السياسة، وتبع ذلك أن طمعنا في حرية القول، فتحلل أدبنا من قيودها بعض الشيء، وظهر ميلنا إلى الأدب المكشوف.

    فالأديب إذن متأثر بالذوق العام حين ينتج أدبًا مستورًا أو أدبًا مكشوفًا، ومهما تدرس من آداب الأمم الأخرى فسترى نفس هذه الظواهر: تضطربُ النُّظم فيظهر الأدب المكشوف، وتستقرُّ فيتسلَّط الأدب المستور.

    على أن هناك ظاهرة أخرى أحب أن أشير إليها في هذا الفصل إشارة موجزة جدًّا، وأرجو أن أُوفَّق في يوم من الأيام إلى درسها مع شيء من التوسع، وهي أن هناك أدبًا رمزيًّا يظهر في بعض العصور، فيسيطر على الحياة الأدبية كلها، وهو يتخذ الرمز والإيماء طريقة أساسية للتعبير، ويعدل عن المألوف من الأدب الواضح الجلي مهما يكن موضوع هذا الأدب.

    وهذه الظاهرة تتجاوز الأدب إلى غيره من الفنون الجميلة كلها؛ فيصبح فن المصور والمثال والموسيقي والمغني رموزًا وإشارات تسلك بها سبلًا غير السبل المألوفة، يريد بها أصحابها أشياء لم يكونوا يريدونها في العصور المعتدلة الطبيعية، وتختلف حظوظ الناس من فهمها وتذوقها بمقدار ما تختلف حظوظهم من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، ومن الميل إلى الترف المادي والمعنوي.

    وأكثر ما تكون هذه العصور حين تضطرب النظم الاجتماعية والسياسية، فتثور بالدين والأخلاق وغيرها مما تقوم عليه حياة الجماعات، ويكثر الاضطراب ويشتد ويطول زمنه، ثم لا يؤتي ثمره الذي كان منتظرًا، فيستيئس الناس من الثورة ونتائجها، ولكنهم في الوقت نفسه يكرهون أو يستحيون أن ينكروا أنفسهم، ويعودوا إلى النظم القديمة التي هدموها؛ فهم لا يريدون العودة إلى القديم، وهم يكرهون الاضطراب ولا ينتظرون منه خيرًا، وهم يلتمسون حياة جديدة — غير القديم وغير الاضطراب — دون أن يظفروا بهذه الحياة الجديدة التي يلتمسونها.

    هنا يضطر الفن والأدب إلى الرمز والإشارة والإيماء، والألغاز أحيانًا؛ ذلك أن نزعة دينية جديدة غير واضحة ولا جلية تتسلط على الناس، وتأخذ شكلًا إن لم يكن صوفيًّا فهو قريب جدًّا من الصوفية. في هذا الشكل تظهر لأصحاب الفنون الجميلة مطامع يحسونها، وتملأ نفوسهم، ولكنهم لا يفهمونها في وضوح وجلاء، فلا يستطيعون أن يعبروا عنها في وضوح وجلاء، ولا يفهمها الناس عنهم على وجهها؛ لأن أصحابها أنفسهم لا يفهمونها، أو لا يكادون يفهمونها.

    وقد لوحظت هذه الظاهرة قوية جدًّا في فرنسا آخر القرن الماضي حين سئم الفرنسيون الثورة والاضطراب والخصومة، وكرهوا أو لم يستطيعوا أن يعودوا إلى قديمهم الذي كانوا يألفونه قبل الثورة، فظهرت لهم مثل عليا أحسوها وسَمَوا إليها، ولكنهم لم يتبينونها واضحة جلية، فأخذوا يعبرون عنها بالشعر والفن تعبيرات رمزية غامضة نقرؤها الآن فنفهم منها القليل النادر، ويفوتنا منها الشيء الكثير.

    هذه الظاهرة لوحظت قوية في فرنسا، ولعلها تلاحظ في جميع الآداب — مهما تختلف الأمم والبيئات — إذا مرت الجماعات بطور يشبه الطور الفرنسي الذي أشرت إليه آنفًا. وهل الأدب الصوفي إلا لون من ألوان هذه الظاهرة؟ وهل التصوف في حقيقة الأمر إلا إنكار للقديم، وهدم له، وطلب للجديد دون تَبيُّنه والقدرة على الظفر به؟

    هذه الظاهرة أحق عندي بالعناية والبحث من مسألة الأدب المستور والأدب المكشوف، ويمكن أن تدرس من وجوه عدة أحبُّها إليَّ هذه الناحية التي تمثل الصلة بين هؤلاء الأدباء والفنانين من جهة، وهؤلاء الناس الذين يستمتعون بآثارهم الفنية من جهة أخرى، أي الذوق الذي يصل بين المنتج والمستغل في الفن، كما يقول أصحاب الاقتصاد. ولعلي أُوفَّق إلى أن أعود إلى هذا الموضوع.