جو الحب والبغض
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٥ مارس ١٩٤٥
ألم يبلغ غضبُك أمدَه بَعْدُ؟! أيستطيع الناس أن يبغضوا دائمًا وأن يعاقبوا دائمًا؟!
سؤال أجراه الشاعر الفرنسي العظيم راسين في القرن السابع عشر على لسان بيروس بن أخيل إلى أندروماك، تلك التي ملأت قلبه حبًّا بعد أن ملأ قلبها لوعةً وحزنًا. فقد كان أخيل — أبو هذا البطل — قد قتل هكتور زوج هذه البطلة، وكان البطل نفسه قد دمَّر طروادة، وصبَّ على أهلها موتًا وخرابًا، وثكلًا ويتمًا، وترملًا وتأيُّمًا. صوَّرها القصص اليوناني القديم أروع تصوير، واختار الشاعر الفرنسي طرفًا منه فصوَّره تصويرًا بارعًا في قصته الخالدة أندروماك.
وقد زعم لنا راسين أن أندروماك وابنها الصبي كانا أسيرين عند هذا الملك بيروس، وأن اليونان أشفقوا من هذا الصبي إنْ بَلَغَ أشُدَّه أن يطلب ثأر أبيه، وأن يسترِدَّ ملكه، وأن يُقِيلَ قومه من عثارهم، ويُقِيم طروادة على أنقاضها من جديد؛ فأرسلوا سفراءهم إلى بيروس يطلبون إليه أن يقتل هذا الصبي أو أن يدفعه إليهم ليقتلوه، وكان الملك حريًّا أن يفعل لولا أنه يحب أسيرته ويريد أن يتخذها له زوجًا، وأن يلغي خطبته لبنت هيلانة تلك التي ثارت من أجلها حرب طروادة.
فالقصة صراع بين حب الملك لأسيرته وبغض الأسيرة لهذا الملك الذي صبَّ على قومها ووطنها ما صبَّ من الوبال والنكال.
وما أريد أن أتخذ هذه القصة الرائعة الخالدة موضوعًا للحديث، وإنما أتخذ هذا السؤال الذي اقتطفته منها في أول هذا الفصل مقدمة لطائفة من الأسئلة لا يستطيع إنسان مفكر له حظٌّ من ثقافة ونصيبٌ من تدبر وتأمل إلَّا أن يلقيها على نفسه كلما قرأ أو سمع الأخبار التي تُذاع علينا منذ أعوام عما يكون في أنحاء العالم من الانهزام والانتصار في كل يوم.
فقد كانت طروادة مدينة صغيرة، وكانت الأمة اليونانية التي دمرتها أمة صغيرة، وكان تدميرها مع ذلك مصدرًا لآثار أدبية خالدة في أكثر اللغات والآداب الكبرى على اختلاف العصور، ما زالت الإنسانية تعيش عليها، ويظهر أنها ستعيش عليها إلى آخر الدهر.
وليس من شك في أن الحروب الحديثة تدمر مدنًا أعظم من طروادة خطرًا، وأجل منها شأنًا، وأعمق منها أثرًا في الحضارة؛ فهل بين هذه المدن الكبرى التي تدمر العشرات منها في الأسبوع الواحد مدينة تستطيع أن تلهم الشعراء والكتَّاب بعض ما ألهمت طروادة شعراء اليونان والرومان والأوروبيين المحدثين من الآثار؟!
لقد عرفنا في هذا الأسبوع وحده أن خمسة ملايين من الفرنسيين لا مأوى لهم، وأن ثلاثة ملايين أو نحو ذلك من الفرنسيين يذوقون عذاب الهون في ألمانيا، سواء منهم أسرى الحرب والذين حُمِلوا كرهًا للعمل في ألمانيا، والذين نُفُوا من وطنهم لأنهم كانوا يشتغلون بالسياسة على غير ما يحب المنتصرون، وأن الذين أهلكتهم الحرب وأهلكهم الانتقام وأهلكتهم غارات العدو والصديق من الفرنسيين لا يُحصَون بعشرات الألوف، وإنما يُحصَون بمئاتها، وأن المدن التي دُمِّرت والمرافق التي أُفْسِدَتْ والمصانع التي مُحِيَتْ؛ كل ذلك لا يُقدَّر بمئات الملايين، وإنما يُقدَّر بألوف المليارات من الفرنكات.
وعرفنا في نفس هذا الأسبوع أن البولنديين قد فقدوا ما يقرب من ثلث السكان في وطنهم؛ أي ما يقرب من عشرة ملايين ذهبت بهم الحرب، وذهب بهم الانتقام، وذهب بهم الجوع والبؤس والمرض والحرمان، وعرفنا شيئًا مثل ذلك بالقياس إلى الأمم الأوروبية الأخرى التي قهرها الألمانيون ثم رُدُّوا عنها، وعرفنا أن اليونانيين كانوا يموتون مئات في كل يوم من البؤس والجوع، يسقط بهم الإعياء في شوارع أثينا وغيرها من المدن، وعرفنا ما قدَّم الإنجليز والأمريكيون والروسيون لإله الحرب من الضحايا والقرابين في الأنفس والأموال والمدن والمرافق.
ثم ها نحن أولاء نرى الدائرة تدور على الذين كانوا ينتصرون أمس فأصبحوا ينهزمون اليوم؛ فالشقاء الذي لا سبيل إلى وصفه يلح على ألمانيا لا نقول في كل يوم ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة؛ فالمدن الألمانية تُمحَى من الأرض محوًا، وعشرات الألوف بل مئات الألوف من الألمانيين يُصَبُّ عليها الموت من السماء، وينجم لها من الأرض، ويأخذها من جميع أقطارها.
ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى إيطاليا، ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى اليابان. والنتيجة الطبيعية لهذا كله هو أن هذا الهول الذي يعجز العقل الإنساني عن تصوره وعن تحقيقه قد شمل الأرض كلها، وشمل أجيال الناس جميعًا على اختلاف حظوظهم منه باختلاف قربهم من الحرب أو بُعدهم عنها، وباختلاف اشتراكهم في الحرب أو اجتنابهم لها.
وإذن؛ فليس بين قلوب الناس قلب لم تمسسه الحرب بأثر من آثارها، ضئيل أو عظيم. وكل هذه الآثار ليس من شأنها أن تبعث في القلوب حبًّا ومودةً، ولا أن تُشيع فيها عطفًا وحنانًا، وإنما هي تبعث في القلوب البغض والنكر كل النكر والعداء كل العداء.
وقد سمعنا في إذاعات الراديو أن الإنجليز اعتذروا أمس إلى الهولنديين، وقدموا إليهم أسف الحكومة والشعب والجيش؛ لأن الطائرات الإنجليزية أخطأت أهداف الحرب فصبَّت على الأصدقاء من الهولنديين عذابًا أليمًا وهولًا عظيمًا. ثم سمعنا في إذاعات الراديو أيضًا أن المستر تشرشل ينبئ العالم في تشاؤمه المعروف بأن أوروبا معرَّضة بعد الحرب إلى مجاعات يُخشى أن تكون ساحقة ماحقة. وأكبر الظن أن هذه المجاعات لن تحدث في أوروبا وحدها، ولكنها قد تحدث في ميادين الحرب الأخرى في الشرق الأقصى حيث شبَّت نار الحرب منذ أكثر من ثماني سنين.
ثم جاءتنا الأنباء بأن المنتصرين أنفسهم من الإنجليز والأمريكيين يقاسون أو بدأوا يقاسون ما تقتضيه هذه الحرب الطويلة العنيفة من البؤس والحرمان. فأمَّا ما يقاسيه الروسيون من ذلك فأمره أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى وصف أو تفصيل.
وستجتمع المؤتمرات لإقرار السلم وتنظيمه وإصلاح ما أفسدته الحرب من شئون السياسة والاقتصاد، وستبذل الجهود الهائلة لتعمير ما خُرِّب وتشييد ما دُمِّر، واستثمار ما أدركه البوار، وستبلغ الإنسانية من ذلك ما تريد أو لا تبلغه. ولكن الشيء الذي لن تجتمع له المؤتمرات ولن تبلغه إن اجتمعت له، هو علاجُ هذا البغض الذي استقر في القلوب، ومحو هذا العداء الذي شاع في النفوس، وإزالة هذا الحقد الذي جرى في العروق مع الدماء.
ويكفي أن نسمع ما يُذاع في الراديو من أي أمة من الأمم المحاربة، وأن نقرأ ما يُكتَب في الصحف لنستيقن أن العالم الآن لا يعيش على الحب، وإنما يعيش على البغض، ولا يصدر عن التعاطف والتراحم، وإنما يصدر عن التدابر والتناحر، وعن التحاسد وتبادل هذا الخوف المهلك. حتى الذين يتعاونون فيما بينهم على بلوغ النصر المؤزر أو اجتناب الهزيمة الماحقة، لا يقيمون تعاونهم على المودة الخالصة والمحبة الصادقة، وإنما يقيمونه على المنافع العاجلة، وعلى الاحتياط للمستقبل، وعلى الاعتبار بالماضي، والانتفاع بما أظهر من تجارب وما ألقى من دروس تدعو إلى الحذر والاحتياط، وإلى أن تعلن الألسنة أشياءَ وتسرَّ القلوب أشياءَ أخرى.
فما من شك في أن ألمانيا لم تُخلص لحلفائها يومًا ما، وما من شك في أن المنتصرين اليوم يُشفق بعضهم من بعض، ويحسب بعضهم لبعض حسابًا أي حساب، وما من شك في أن الحب والأمن ليسا هما اللذين يديران شئون العالم في هذه الأيام، وإنما البغض والخوف هما اللذان يسيطران على كل ما تدبره الدول بينها من تدبير.
والأمر ليس مقصورًا على ما يكون بين الدول والشعوب من الصلات، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى ما يكون بين الجماعات في الأمة الواحدة وبين الأفراد في الجماعة الواحدة؛ فالأمم المنتصرة والأمم المنهزمة ستفرغ يومًا ما لإصلاح شئونها وإقامة ما انقض من بنيانها.
وستختلف الأحزاب وتصطرع الجماعات حول إقامة هذا البنيان المنقض وتنظيم هذه الشئون المختلطة. فأمَّا مكر بعض الأفراد ببعض، وكيد بعضهم لبعض، وإيثار كل واحد منهم لنفسه بالخير، وحرص كل واحد منهم على أن يوفر لنفسه أعظم حظ ممكن من النعيم والرغد والعافية؛ فشيءٌ نشهده في كل يوم، ونلحظه في كل مكان. ولعل الأسواق السود أن تكون أظهر الدلائل عليه.
هذه الصور القاتمة المظلمة تترك في نفوس الناس حين تعرض آثارًا مثلها قاتمة مظلمة، وتُصوِّر لهم الحياة الحاضرة والحياة المستقبلة بشعة منكرة، تضيق بها القلوب، وتزوَرُّ عنها النفوس، ويقول القائلون حين يشهدونها إن عارض هذه الصور لمتشائم محب للتشاؤم مسرف فيه، فما له لا يؤثر نفسه بهذه الآراء السيئة في الحياة والأحياء؟! وما له يشقُّ علينا بهذا التشاؤم البغيض، ولا يرفِّه علينا بما ينسينا بعض هذه الآلام، ويلهينا عن بعض هذه الخطوب؟! أليس ما نجد من آلام الحياة وأثقالها يكفي لشقائنا وضيق أنفسنا حتى يحتاج الكتَّاب إلى أن يعرضوا علينا فيما يذيعون فينا من الفصول. وهذا بالضبط هو الذي أردت أن أصل إليه حين عرضت كل هذه الصور المظلمة وهذه الخواطر المنكرة. أردت أن أصل إلى هذا السؤال: ما عسى أن تنتج هذه الحياة التي يحياها الناس الآن — والتي سيحيونها غدًا وبعد غدٍ — من الآثار فيما ينشئ الأدباء من الشعر والنثر؟ أتنتج أدبًا قاتمًا مظلمًا كأدب أبي العلاء، أم تنتج أدبًا مشرقًا باسمًا كهذا الأدب الذي نقرؤه في أكثر العصور الأدبية حظًّا من الهدوء والاستقرار، أم تنتج أدبًا ماجنًا متهالكًا كأدب أبي نواس وأشباه أبي نواس من الشعراء، أم تنتج هذه الآداب كلها في وقت واحد وتعرضها على الناس ليختار كل واحد منهم من بينها ما يلائم طبعه ومزاجه وحاجته إلى اللهو أو إلى الجد؟
وبعبارة موجزة: ما عسى أن يكون أثر هذه الحياة القاتمة في آداب الغد؟ أصائرون نحن إلى آداب التفاؤل والدعة، أم صائرون نحن إلى آداب التشاؤم والانقباض؟!
أمَّا منطق العقل، فيخيِّل إلينا أنَّا صائرون إلى مزاج من الأدب فيه تشاؤم كثير، مصدره هذا الهول الذي خضعنا له، وهذه الآثار المنكرة التي تركها بيننا. وفيه جهد كثير مصدره أن حياة الناس لا تخلو من الأمل، وأن عيشهم ضيق لولا أن أملهم واسع كما يقول الشاعر القديم.
وإذن؛ فسيقبل الناس على استئناف حياتهم الجديدة محزونين على ما كان، غير يائسين من الإصلاح ولا قانطين من القدرة على استدراك ما فات، وستكون آداب الغد صورة لحياة الغد فيها تشاؤم قاتم، وفيها جدٌّ حازم. كذلك يخيِّل إلينا منطق العقل.
ولكن منطق الدنيا — كما يقول صديقنا أحمد أمين — يعرض علينا صورًا أخرى تناقض هذه الصور أشد المناقضة، ولعلها أن تجد عند العقل مساغًا وتأويلًا. فمن الطبيعة أن نحزن ونجزع ونتشاءم لكل هذا الهول، ولكن ذاكرة الإنسان قصيرة، وأمانيه أطول من ذاكرته، وأثرته أشد سيطرة على حياته من عقله؛ فسيحزن الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتسلوا عن هذا الحزن، وسيتشاءم الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتخلصوا من هذا التشاؤم، وستكون شهواتهم أقوى من عقولهم، وستكون آمالهم أبعد مدًى من أعمالهم، وستكون أهواؤهم أشد جموحًا من طاقتهم، وسيطلبون إلى السلم أن تنسيهم الحرب وأهوالها بما تقدم إليهم من اللذات التي تعوضهم بعض ما فقدوا في أيام البؤس والحرمان، والتي تسليهم عما يشهدون من مظاهر البؤس والشقاء، والتي تعينهم على ما يأخذون فيه من أسباب الإصلاح والتجديد.
ولم تعبث فرنسا قط كما عبثت أيام الثورة، دفعها إلى ذلك اليأسُ واستنفاذُ ما يمكن استنفاذه من لذات الحياة في بعض البيئات، ودفعها إلى ذلك الأملُ والرغبةُ في التسلي عما يفل العزم ويثبط الهمم من المصائب والأهوال. ولم تعبث أوروبا كما عبثت بعد الحرب الماضية، دفعها إلى ذلك ما دفع فرنسا إلى العبث في أيام الثورة.
ولقد كان من أغرب الأشياء في ظاهر الأمر وأشدها ملاءمةً لطبائع الناس في الحقيقة الواقعة؛ ما كنَّا نعلم بعد الحرب الماضية من الكوارث التي ألمت بأوروبا، وما كنَّا نشهد فيها من مظاهر اللهو والعبث، ومشاهد المجون والفتنة.
وقد أنتجت أوروبا بعد الحرب الماضية أدبًا فيه تشاؤم وحزن، ولكنه لا يكاد يُذكَر إذا قيس إلى الأدب الباسم العابث الذي أنتجته أوروبا بين الحربين.
ولعل الذين شهدوا أعقاب الحرب الماضية في مصر وشهدوا نشأة الثورة الوطنية وما تكشفت عنه من شر كثير، يذكرون أن المصريين لم يضحكوا قط كما ضحكوا في تلك الأيام العابسة، وأن الأدب الجاد الحازم لم يكن له من الرواج والنفاق مثل ما كان لأدب الدعابة والفكاهة في تمثيل كشكش بك، وفي الأغاني الشعبية، وفي الصحف الأسبوعية الهازلة، وأن مصر لم تستأنف الأدب الحازم إلَّا بعد أن هدأت الثورة بعض الشيء.
وأكبر الظن أن الأمور ستجري بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية، فسيلهو الناس وسيسرفون في اللهو. وقد أخذوا يفعلون قبل أن تضع الحرب أوزارها، وسينتج الأدباء لهم أدبًا يلائم حاجتهم إلى اللهو والاستراحة من الجد. ولكن ما مقدار الوقت الذي سيحتاج الناس فيه إلى الراحة، وما تقتضيه من لهو وتسلية؟ ومتى يستأنفون حياة الجد والحزم لينتج الأدب لهم أدبًا جادًّا حازمًا؟!
أمَّا بعد الحرب الماضية، فقد طالت الراحة واشتد الإسراف فيها حتى كادت تصبح طبيعة أوروبية، وحتى استطاعت ألمانيا أن تستعد وتتأهب وتنهض للثأر، وتفاجئ المنتصرين بهذه الحرب الثانية. وإذن فقد استراحت أوروبا ولهت عشرين سنة بعد الحرب الماضية، وأمَّا بعد هذه الحرب فلا يستطيع أحد أن يتنبأ بأن حاجة العالم إلى الراحة وما تقتضيه من لهو وتسلية ستقصر أو تطول، وإنما يستطيع الكاتب أن يتنبأ بأن الأدب الذي ستنتجه حياة العالم في الأعوام القليلة المقبلة سيكون أدب لهو وتسلية، حظُّه من الإشراق السطحي والابتسام العارض أعظم من حظِّه من الأناة والروية ومن التعمق الذي يمكِّن من التجديد والبناء.
وما أحسب أن الأمر في البلاد العربية سيختلف اختلافًا شديدًا عنه في أوروبا وأمريكا؛ فأجيال الكهول والشيوخ متعبةٌ مكدودةٌ، وأجيال الشباب حائرةٌ مرتبكةٌ تبحث عن نفسها ولم تتبين أهدافها بعد، ولا بدَّ لها من وقت لتتبين هذه الأهداف. فإذا لم أخطئ فسينفق العالم عشر سنين أو أقل أو أكثر يستمتع بأدب حائر متردد بين ماضٍ قد زهد فيه ومستقبل غير واضح الأعلام وقرَّاء قد أنهكت أعصابهم أهوال الحرب وأثقالها؛ فهم لا يريدون إلَّا أن يتسلوا وأن ينسوا وأن يجدوا فيما يقرءون ما ينسيهم أنفسهم ويتيح لهم شيئًا من عزاء. وليست الآداب التي تُنتَج في مثل هذه الظروف هي التي تستطيع أن تبقى أو تُقيم الأحداث أو تُعين على إنشاء العالم الجديد.
وليت شعري! ما الآثار الأدبية التي تستحق البقاء من كل ما أُنْتِجَ بين الحربين؟! وليت شعري! ما الذي حال بين الصلح الماضي وبين تحقيق الأغراض التي وُضِع من أجلها؟! ألا يمكن أن يكون مصدر ذلك أن الصلح الماضي قد وضعه الشيوخ على أساس واهٍ من آداب كان عصرها قد آذن بالانقضاء.
وإذن؛ فالصلح المقبل سيُوضَع على مثل هذا الأساس، سيضعه الشيوخ على أساس واهٍ من هذه الآداب التي عاش الناس عليها مضطربين مرتبكين مختلفين، حتى شبَّت هذه الحرب.
أقُضِيَ على هذا الجيل من الناس ألَّا يعرف طمأنينة ولا أمنًا ولا استقرارًا؟!
Tag: Literary Trends
-
جو الحب والبغض
-
بعض وجهات التفكير الحديث
بعض وجهات التفكير الحديث
طه حسين
مجلة الهلال
فبراير ١٩٣٧
… أوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف … ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تَسْتَمْتِعُ بالحرية الديمقراطية.
وإنَّما أُرِيدُ التفكير الذي يمس الأدب من قريبٍ، أو التفكير الذي يصدر عنه الأدب، وتستمد منه أقلام الأدباء ما تُذيع في الناس من آثار، وواضح أنَّ فصلًا في مجلة لا يستطيع أن يُلم بوجوه التفكير الأدبي الحديث في بلد بِعَيْنه، فضلًا عن أنْ يُلِمَّ بها في أوروبا كلها، فضلًا عن أن يُلم بوجوه التفكير على اختلاف أنواعه في بيئة من البيئات، أو عصر من العُصور؛ فألوانُ التَّفكير تَخْتَلِفُ أَشَدَّ الاختلاف بالقياس إلى البيئات المُفكرة، وبالقياس إلى الأفراد المفكرين أيضًا.
وألوانُ التَّفْكِير هذه إنَّما تَخْتَلِفُ لأنَّ طَبَائِعَ المُفَكِّرين، أفرادًا أو جماعات، شديدة الاختلاف والتنوع فيما بينها، والأصلُ أن تختلف ألوان التفكير باختلاف الأفراد الذين يُفكرون، ما دام لكل فرد طبيعته ومِزَاجه وظروفه المُحيطة به، ودائرته التي يدور فيها.
ولكن طبيعة الحياة أرادت أنْ يجتمع الناس أحزابًا وشيعًا في الرأي، كما يجتمعون أحزابًا وشيعًا في السيرة العملية، فمهما تختلف طبائعُ الأَفْرَاد وأَمْزِجَتُهُم، ومَهْمَا يكن لذلك من أثر في تفكيرهم وفيما يُنْتِجُون من أدب، ومهما يكن لذلك من قيمة في دراسة الأديب، والتماس شخصيته الفَرْدِيَّة، وتمييزه من غيره؛ فإنَّ من اليسير ومن المألوف أنْ نبحث عن ألوان مُشتركة للرأي يمتاز بها فريق من النَّاس بالقياس إلى فريق آخر، بحيث تتكون لهذا الفَريق أو ذاك شخصيته العَقْلية الأدبية التي تشيع في أفراده جميعًا، ثم يتمايز هؤلاء الأفراد بعد ذلك — أو قبل ذلك، لا أدري — بأمزجتهم وطبائعهم الخاصة.
فأصحاب مذهب شِعْرِيٍّ بِعَيْنِهِ يَشْتَرِكُون في خصائص نعرفها فيما ينتجون لنَا مِنْ الشِّعر، ونحنُ بحكم هذه الخصائص نستطيعُ أن نُميزهم في سهولة من أصحاب مذهب آخر من مذاهب الشعر، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون في إنتاجهم تفاوتًا مَصدره شخصياتهم وما يُؤلفها من طبيعة ومزاج، وما يُحِيطُ بها من أحداث وظروف. وما أظنُّ أنَّ هذه القضية مُحتاجة إلى استدلال وتفسير؛ فالنَّاس قد ألفوها منذ العصور البعيدة جدًّا، وهم يُقَسِّمون الشعراء والكُتَّاب إلى فرق مُتمايزة، ومدارس مُتباينة، وهم يبينون ما لهذه الفِرَق من الخَصَائص، وما بين أفرادها من التمايز، ثم ما بينها هي من أسباب القُرْبِ والبُعد من مَظَاهِر الائتلاف والاختلاف.
ولكن الشيء الذي قَلَّمَا نُفَكِّرُ فيه، ونُطِيلُ الوُقوف عنده، هو أنَّ الحياة الجَدِيدَة قربت بين الناسِ أَشَدَّ التقريب، وباعدت بينهم أشد المُباعدة، وأحدثت هاتين الظاهرتين المُتناقضتين في وقت واحد. فوسائل النشر والإذاعة وأسباب المُواصلات قد ألغت المسافة الزَّمانية والمَكانية إلغاء، وأتاحت للنَّاس أنْ يَظْهَر بعضهم على آراء بعض في غير مشقة ولا جهد ولا انتظار.
كما أنَّ ظروف الحياة نفسها قد قوَّت الشخصية الفردية تقوية غريبة حقًّا، وجعلت لكل فرد مُفكر وجودًا داخليًّا يُشبه أن يكون مُستقلًّا، ويُشبه أن يكون عَالمًا مُمتازًا له حدوده التي لا يستطيع أحد أن يتجاوزها أو أن يقتحمها.
وعلى ذلك جعلنا نُفَكِّر مُسْتقلين، ونُفَكِّر مُجْتَمِعِينَ، وجعل تفكيرنا المُستقل ينتج آراء لا تُحصى، وينتج آراء شديدة الاختلاف والتمايز فيما بينها، بحيث يكادُ أمرُها ينتهي إلى الفوضى، ويعجز بحث الباحثين واستقصاء الذين يقفون جهودهم على الاستقصاء، وجعل تفكيرنا الاجتماعي يُقارب بيننا أشدَّ المُقاربة؛ حتى يكادُ يكون هنا وحدة مُلْتَئِمَة لا يكاد يظهر فيها اختلاف، على بُعد ما بيننا من الآماد التي تُفرق بين الأمم والشعوب، وبين الفِرَق والأحزاب، وبين الأفراد أنفسهم.
فلم يبق بدٌّ لدارس الأدب من أن يتجه هذين الاتجاهين، ويَلْتَمِسَ فيما يقرؤه منَ الآثارِ الأَدَبِيَّة مَظَاهِرَ الاستقلالِ الفَرْدِيِّ مِنْ جهة، ومَظَاهِرَ التضامن الاجتماعي والإنساني من جهة أخرى.
ولستُ أعرف عصرًا اشتد فيه الصراع بين الفرد والجماعة كهذا العصر الحديث، ولعلك ترى معي أنَّ هذا الصِّراع قد مَرَّ بأطوار ثلاثة ظاهرة مُنذُ تحضَّر الإنسان وأخذ في التفكير والإنتاج:
فالطور الأول: تطغى فيه الجماعة على الفرد طُغيانًا كاملًا شاملًا؛ فتفنيه في نفسها، وتنطقه بلسانها، وتُثير في نفسه عواطفها وأهواءها، فإذا أظهر الفرد شخصية مُستقلة؛ ففكر على غير ما تُفكر الجماعة، وأعلن غيرَ ما تُحِبُّ الجماعة من الرأي قاومته الجماعة أشد المُقَاومة، وبطشت به أفظع البطش، وعرضته أحيانًا إلى الموت.
والطور الثاني: يَطْغَى فيه الفَرْدُ طُغيانًا شديدًا، فيَثُور بالنِّظام القَائِم ويَقلبه رأسًا على عقب، ويستخلص لنفسه حقوقًا ما كان ليحلم بها، وينتهي هذا الطُّغيان إلى كثيرٍ من الاضطراب والاختلاط؛ ثم تَسْتَقِرُّ الأمور وقد كسب الفرد حقوقًا لم تكن له، واستبقت الجماعة بعض ما كان لها من سلطان.
وهذا هو الطور الأخير الذي يتحقق فيه التوازن بين حقوق الجماعة وحقوق الفرد. وواضح جدًّا أنَّ هذا التوازن لا يتصل، وإنَّما يستقرُّ حينًا ريثما يستريحُ المُختصمان كأنَّه هُدنة موقُوتة، ثمَّ تستأنف الخصومة بينهما كأشد ما كانت قوة وعنفًا.
ومن المُحقق أننا في هذه الأيام لا نستمتع بالتوازن بين استقلال الفرد وسلطان الجماعة، وإنَّما نحنُ نعيشُ في عصر قد اختلَّ فيه هذا التوازن اختلالًا شديدًا؛ كما يقولُ أصحاب السياسة، فالأفرادُ قد كسبوا حقوقًا تُبيح لهم حرية واسعة في القول والعمل والتفكير؛ ولكن الجماعات قد أنكرت إسرافَ الأفرادِ في الاستمتاع بما كسبوا من حقوق، فهي تُرِيدُ أنْ تردهم إلى القصد، وأنْ تُخضعهم لنِظَامِها، وتفرض عليهم سلطانها من جديد.
وأنت ترى هذا الصراع قد انتهى في هذه الأيام إلى عُنف لم يكن يَعْرِفُه من قبل، فهو الذي يقسم أوروبا هذه الأقسام الثلاثة التي يثور بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويبطش بعضها ببعض، والتي تتهيأ كلها لمَوْقِعة نظنها حاسمة، ولا ندري أتخرج الحضارة منها سالمة ظافرة قادرة على البقاء والنمو، أم تصبح الحضارة بعدها حديثًا من أحاديث التاريخ!
هذه النظم السياسية الثَّلاثة التي تختصم في أوروبا ليست في حقيقة الأمر إلا مظاهر للخصومة بين الفرد والجماعة، نظامٌ يُريد أنْ يَحْتَفِظَ بالتَّوازن بينَ الشَّخصية الفَرْدِيَّة والشخصية الاجتماعية إلى حد ما، وهو النظام الديمقراطي، ونظام يُريد أن يخضع الجماعة لسلطان قوي عنيف يستأثر به وبحمايته وتنفيذه أفراد ممتازون، وهو نظام الفاشزم، ونظام ثالثٌ يريد أن يرد الأمر إلى الجماعة وإلى طبقات بعينها من الجماعة هي التي تُؤلف الكثرة الكثيرة، ويريد أن يمحو الفرد محوًا — إن جاز هذا التعبير — وأن يفنيه في الجماعة إفناء، وهو النظام الشيوعي.
ومنَ المُحَقَّق أنَّ التفكير في هذه البيئات المُختلفة مُخْتَلِفٌ أيضًا، وأنَّ الإنتاج الأدبي فيها مُختلف باختلاف التفكير؛ فالمُفَكِّرون والمُنتجون في البيئات الديمقراطية يُفكرون وينتجون على أنهم أفراد لهم شخصياتهم المُستقلة المُتمايزة، التي كسبت ما كسبت من حقوق، والتي هي حريصةٌ أشد الحرص على ألا تضيع مما كسبت شيئًا، بل على أنْ تُضيف إليه كسبًا جديدًا مُتصلًا.
وأصحاب النظام الفاشي يفكرون وينتجون على أنَّ الجماعة خليقة أن تَسْعَد وتَرْقَى وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال، ولكن وسيلتها إلى ذلك إنَّما هي قوةُ الفرد المُمْتَاز وسُلْطَانُهُ وبَرَاعَتُهُ، وقُدْرَتُهُ على التنفيذ والمُقاومة والإقناع والإرْهَاب، فالجَمَاعة يجبُ أنْ تَرْقَى، ولكنْ على أن يرقيها قائدها العظيم الفذ.
والمفكرون المنتجون في النظام الشيوعي يفكرون على نحو قريب من هذا النحو جدًّا، لولا أنَّهم لا يُغلون في تقدير القادة وإكبارهم، وإنما يجعلونهم خدامًا للجماعة، ومَظاهر لسُلطانها، وأدواتٍ لتَحْقِيقِ مَا تُريد وما تَسْمُو إليه من أمل.
ومع ذلك، فهُم يَنْتَهُون في آخر الأمر إلى مِثل ما ينتهي إليه الفَاشِيُّون؛ لأنَّ الجَمَاعة لا تستطيع وهي جَمَاعة أنْ تُدَبِّر الأمر وتُحْكِمه وتنفذه، ولا بد لها من أن تنتهي إلى أفراد بأعينهم تطمئن إليهم، وتثق بهم، وتعتمد عليهم في التدبير والإحكام والتنفيذ.
وما أسرع ما يسيطر هؤلاء الأفراد على الأمر كله! وما أسرع ما ينزلقون إلى الطغيان! وما أسرع ما ينجم منهم الفرد القوي الذي يستأثر بكل شيء، ويفرض نفسه ورأيه وإرادته على الجماعة فرضًا! وما أدري أيوجدُ آخر الأمر فرق بين السُّلطان الذي يستمتع به هؤلاء الأشخاص الثلاثة في أوروبا اليوم: مُوسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا، وستالين في الروسيا!
تُوجد فروق في الأساليب وألوان السيرة العَملية الظَّاهرة، ولكن النتيجة الأخيرة واحدة، وهي أنَّ هؤلاء الأشخاص هم كل شيء في أوطانهم، قد استأثروا بالسلطان كله؛ وفَرَضُوا على شُعوبهم إرادات لا مَرَدَّ لها، ولا سبيل إلى الخلاف عن أمرها؛ إلا أن يتعرض المُخالفون للموت.
وأنا أعلم أن تصور الأمور الأدبية والاقتصادية والسياسية يختلف في هذه البلاد اختلافًا شديدًا، فنظام الطبقات هو أساس السياسة والاجتماع والاقتصاد في بعضها، ونظام رأس المال هو أساس هذه الأشياء في بعضها الآخر، والأدبُ يُعنى بالشعب وطبقاته الدنيا في بعض هذه البلاد، وهو يعني بالطبقات الوُسطى وبالطبقات المُمْتازة في بعضها الآخر، ويكادُ يُهمل الطبقات الدنيا إهمالًا.
أعلم هذا حق العلم، ولكنِّي أُريد أنْ نَتَجَاوز المَظاهر إلى الحقائق، وأنْ نَصِلَ إلى أحبِّ شيء إلى الفرد، وآثر شيء عنده، وهو الحُرِّية الفردية؛ حرية التفكير والقول والعمل. أُريد أنْ نَصِلَ إلى هذه الحُرِّية، وأنْ نَلتمسها عند الفاشيين والشيوعيين، فسنجد أمرها مُتشابهًا أشد التشابه عند أولئك وهؤلاء، بل سنجد أمْرَها مُتفقًا أشد الاتفاق عند أولئك وهؤلاء، متفقة في أنها مُهدرة لا تُوجد أو لا تكاد تُوجد، فليس للفرد أنْ يظهر من الرأي في قوله وسيرته إلا ما يُلائم النِّظام القائم ولا يُخالف عنه.
وأقل شُبهة توهم الانحراف عن النظام في قول أو عمل أو إرادة أو رأي تُعَرِّض صاحبها لخطر شديد، والأحداث التي تقع في روسيا وألمانيا وإيطاليا أكثر من أن تُحصى، وأوضح دلالة من أن تحتاج إلى شرح أو تفسير.
على أنَّ مُؤرخ الآداب قد يجدُ راحة ثَقِيلَةً مُمضة إذا أرادَ البحث عن الآداب في هذه البلاد التي تخضع للسلطان القوي، فهو لنْ يجدَ لهذه الآداب إلا اتجاهًا واحدًا هو الذي يَفْرِضُه النِّظام القَائِمُ، ويأخذ به النَّاس أخذًا عنيفًا، ويُعَاقِبُ الذين يخرجون عليه بالموت غيلة، أو الموت بعد مُحاكمة شكلية، أو النفي إلى مكان بعيد.
فالاتجاه الأدبي في إيطاليا وألمانيا فاشي، وهو في روسيا شيوعي. ومعنى ذلك أنَّ الناس يفكرون وينتجون في ألمانيا وإيطاليا كما يُريد لهم هتلر وموسوليني أنْ يفكروا وأنْ ينتجوا، فمن أحس منهم عجزه عن هذا الإذعان الذي لا يلائم طبيعة العقل الحُر؛ فليس له بد من أنْ ينفي نفسه من الأرض، وأنْ يَلْتَمِس لنفسه مهاجرًا يُفكر فيه، ويُنتج كما يُريد لا كما يُرَاد له.
إنما يشق البحث الأدبي ويتعقد ويختلف حيث يستمتع الأفراد بحرية التفكير والقول والعمل، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تزهر وتتفتح كما تريد لها طبائعها وأمزجتها، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تستملي الأدب والفن من ضمائرها، ومن الصلة بين ضمائرها وبين الحياة، لا من السلطان الجاثم في هذا القصر أو ذاك، والذي يهيئ لها من حين إلى حين ما ينبغي أن تتلقى من وحي، وما ينبغي أن تجيل من رأي، وما ينبغي أن تجد من شعور.
اذهب إلى إيطاليا؛ فلن تجدَ إلا الأدب الفاشي، واذهب إلى روسيا؛ فلن تجد إلا الأدب الشيوعي. فإذا أراد كاتب إيطالي أو روسي أن يُفكر كما يُريد هو لا كما يريد موسوليني أو ستالين؛ فلا بد له من الهجرة إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى ما يُشبه هاتين المدينتين، ولكن اذهب إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى بروكسل، أو إلى لاهاي، أو إلى أمريكا؛ فستجد ألوانَ الأدب كلها تلتقي وتفترق، تأتلف وتختصم، ويكون بينها هذا الصِّراع الخَصْبُ الذي يتيح للأفراد والجماعات حياة تُلائم ما فرض الإنسان لنفسه من المُثل العُليا منذ أخذ يُفكر ويُسيطر بعقله على الأشياء.
أنت في باريس تجد الأدب الشيوعي مُصورًا أقوى تصوير وأبرعه، وتجد الأدب الاشتراكي، وتجد الأدب الفاشي، ثم تجد الأدب الديمقراطي على اختلاف ألوانه، ثم تجد الأدب الملكي، وقد تجد الأدب الإمبراطوري الذي لم ينس، ولا يريد أن ينسى، مَجْدَ نابليون. ولا تظن أن هذا كله لغو يتصل بالسياسة وحدها؛ فإن لكل لون من هذه الألوان السياسية المُتباينة أثره في الفن والنظام الاجتماعي والشعور الديني.
إذا قرأت الشيوعيين قرأتَ الاندفاع الشديد إلى العِناية بالطَّبقات الدُّنيا، والإصلاح من أمر البائسين، فوجدتَ الرَّحمة والرِّفق واللين، ووجدتَ إلى جانبها العُنف والغِلظة والقسوة بالقياس إلى الأغنياء المُترفين الذين يستأثرون بالنعمة دون غيرهم من سائر الناس، ووجدت الإلحاد في الدين والثورة بالكنيسة، والسخط على كل نظام قائم.
ووجدت الآثار الفنية لهذا كله في ألوان التفكير والتعبير، بل في ألوان الفن المُختلفة التي لا تترجم عن نفسها بالكلام، وأنتَ واجِدٌ في الأدبِ الاشْتِرَاكي ما يُلائم الاشتراكية من هذا كله أشَدَّ اعتدالًا مِمَّا تجدُه عند الشيوعيين، وأنتَ واجدٌ في الأدب الديمقراطي ما يلائم الديمقراطية من هذا كله أشد اعتدالًا واتزانًا مما تجد عند الاشتراكيين والشيوعيين.
ثم أنت واجد عند الملكيين غلوًّا شديدًا في نقائض ما تجد عند الشيوعيين. ومن هذا التناقض الشديد، ومن هذا الخِصَام العَنيف المُتَّصل بين المُتناقضات في جميع ساعات الليل والنهار تَأْتَلِفُ في البلاد الحُرَّة حياة موسيقية رائعة حقًّا، يجدُ فيها العقل ما يشتهي من ألوان اللذة العقلية المختلفة، ويُتيح له بذلك براءة من السأم والملل والضيق.
وأغرب من هذا أنكَ تَجِدُ في البلاد الدِّيمُقراطية من تصوير الشيوعية والفاشية أروعَ مما تجد في إيطاليا ورُوسيا نفسهما؛ لأنَّ الشيوعيين الفرنسيين والفاشيين الفرنسيين يستمتعون في تصوير آرائهم، والذود عنها بحُرِّية، لا يَسْتَمْتِعُ بها نَظائرهم في إيطاليا ورُوسيا، ولهم خُصومُهم يُصَارِعُونهم في الصحف، ويُصارعونهم في الكتب، ويصارعونهم في البرلمان، ويصارعونهم في المظاهرات، فيمنحهم هذا الصراع المُتصل المُختلف حياة لا يجدها نظائرهم في البلاد التي لا يرتفع فيها للمُعارضة صوت، ولا يُسمح فيها بنقد النظام أو الإنكار على القائمين بالسلطان.
وجملة القول أنك إذا أردتَ أنْ تَبْحثَ عن اتجاهات التفكير الأدبي؛ فلن تجد مَيدانًا لهذا البحث أخصب ولا أجدى ولا أعود بالفائدة إلا في البلاد الديمقراطية التي يتحقق فيها التوازن على نحو ما بين الفرد والجماعة. ومع ذلك، فقد حدثت في الأيام الأخيرة الماضية حادثة لا تدعُ سبيلًا إلى الشك في شيء من هذا، وهي حادِثة التَّاج البِرِيطاني.
أرأيتَ إلى هذا الصراع العنيف بين شخص الملك وجماعة الإمبراطورية البريطانية كلها، كيف بدأ؟ وكيف اتَّصل؟ وكيفَ انْتَهى؟ وكيف خرجت مِنْهَا الجماعَةُ ظَافِرَةً؟ وكيف خرجَ الفَرْدُ مِنْهَا ظافرًا؟ وقد حفظت الديمقراطية للإمبراطورية نظامها وتقاليدها؟ وقد حفظت للملك حريته وخلَّت بينه وبين ما يريد من الاستجابة لعواطفه، والانقياد لقلبه، ورضي الملك ورضي الشعب ولم يُكْلم أحد منهم كَلْمًا، ثم اجتهد في أن تتصور حادثًا كهذا في بلد شيوعي أو فاشي، واجتهد في أن تتصوره مُبتدئًا ومُتصلًا، ثم أن تتصور غايته التي ينتهي إليها، ثم قارنْ بين الصورتين.
أمَّا أنا فلا أكاد أَسْتَطِيعُ تصَوُّر حَادِثَةٍ كَهَذِهِ في بَلَدٍ لا يَسْتَمْتِعُ بالدِّيمُقراطية؛ إذن لفرض الفرد إرادته على الجماعة فرضًا، فأذعنت إذعانًا مُطلقًا لتحكم الأهواء، أو لفرضت الجماعة إرادتها على الفرد فأذلته وأخضعته لما لا يريد.
ولا تظن أنَّ هذه الحادثة سياسية فحسب، بل هي أدبية عقلية أيضًا، فقد أُتيح للكتاب أن يكتبوا، وللخطباء أن يخطبوا، ولرجال الشارع أنْ يتظاهروا، وسيتيح للشعراء أنْ يقْرِضوا الشعر، ولأصحاب الفن أنْ يُصَوِّروا شُعورهم بالحادثة وآراءهم فيها كما يُريدون دونَ أنْ يُؤذى أحدٌ منهم في شيء من ذلك قليلًا أو كثيرًا. ومن الذي يستطيعُ أن يقول: إنَّ هذه الحادثة العظيمة حادثة تتصل بالسياسة وحدها، ولا تتصل الفنِّ، وبالأدبِ خاصةً، أمتن اتصال وأقواه؟ لقدْ حَدَثَتْ في التاريخ القديم حادثة تُقاربها، فتركت في الأدب آثارًا خالدة، وما أرى إلَّا أنَّ هذه الحادثة الأخيرة ستنتج في الأدب الحديث آثارًا خالدة أيضًا.
وإذن فأوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا، مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف، تتحد حتى تكاد تجعل الناسَ كلهم فردًا واحدًا، وتفرضُ عليهم حياة الحَيوانِ الاجْتِمَاعي، وسيرة النمل والنحل.
ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تستمتع بالحُرِّية الدِّيمُقراطية، أو أنتَ تستطيع أنْ تقول: إنَّ التفكير الأدبي يتجه في ظلِّ السلطان العنيف اتجاهًا واحدًا لا يلبث أن يفيض السأم والملل، ويتجه في البلاد الحُرَّة اتجاهات لا تُحْصَى، ولكنَّها لا تفيض مللًا ولا سأمًا، ولا ينقضي منها عجب الباحث ولا حاجته القوية إلى البحث والاستقصاء. فأمَّا تشخيص بعض هذه الاتجاهات وردُّه إلى مصادره الأولى، ثم الانتهاء به إلى بعض نتائجه المُمْكنة، فشيء لا يكتب فيه فصل، وقد لا يُتاح استقصاؤه في فصول.