Tag: Lord Cromer

  • نصيحة

    حديث الوادي
    نصيحة . . .
    قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها، لأنه عندنا، وعند غيرنا من الناس، أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أن يحتاج إلى الأوليات. ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إن كان قرب عهده بمصر لم يمكنه من فهم حقائق الأشياء فيها، كما فهم حقائق الأشياء في الصين. ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أن يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سبباً للجاه وطريقاً إلى السلطان، وأسلوباً من أساليب الدعاية، لغاية من هذه الغايات التي تظهر حيناً وتستخفي أحياناً. وهي أن حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان وحملها على الهتاف والتصفيق ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان. كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يكون لوناً من الوان الهزل، وفناً من فنون السخرية، بعد أن يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضرباً من ضروب العنف، وأسلوباً من أساليب السخرة والإكراه.
    وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أن يلائم الرجل الكريم وما ينبغي له من الشعور بكرامته والرضا باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة او مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئاً من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به، عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه. وهو في آخر الأمر لهو، وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئاً، وإنما يزيدهم حقداً إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظاً إلى غيظ.
    يضيق الناس أشد الضيق بالعمد، وبرجال الإدارة، وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع، لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين، لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أن يفروا منه فراراً، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلاً من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون. فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين ويصفقون محزونين ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضا، والسخط يأكل قلوبهم أكلاً. حتى إذا
    انتهت هذه المأساة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين، مما رأوا ومما سمعوا، ومما اتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح. فلا تبقى له باقية وإنما هو كلام يقال، ثم لا يلبث أن ينسى.
    وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أن تظفر بالتأييد الخالص. وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم أن تخدع نفسها أولاً فتخيل إلى نفسها أن الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضا الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلاً لأن تحكم الناس وتقضي في أمر الجمهور. وهي قد تصل أحياناً إلى أن تخدع نفسها حقاً، وهذا نادر جداً، حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم. وقد تعجز عن أن تخدع نفسها فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأوليائها من الإنجليز. حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفاً، وسخرة، وإكراهاً، وأنه قد كان لهواً، ولعباً وفكاهة ومزاحاً.
    ولعل أصدق الأمثلة لهذه المأساة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين. ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أن الناس راضون عنه محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار. حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئاً، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء. والإنجليز يظهرون تصديقه ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضا المصريين عنه ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه. حتى إذا دارت الدائرة، وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن. أنه لم يكن ظافراً برضا ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمناً بأن أحداً يرضى عنه، أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أن الإنجليز أنفسهم، أبوا أن يفاوضوه. لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب لا يؤيده. ولا يميل إليه.
    هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعاً، ويتحدث بها الناس جميعاً، ونحن نحرص أشد الحرص على أن يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين الساميين أيضاً. فقد كان لورد كرومر يظن، وكان الإنجليز يظنون معه، أن أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه، ويثقون به، ويطمئنون إليه. فلما هوى ظهر له وللإنجليز أن أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.
    وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر. وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه. فإذا حياة الفلاحين، والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحداً من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة، من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أن يجمع له المصريين وأن يسمعه هتافهم، وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم، وثقتهم. فالخير للمندوب السامي أن يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين. فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف حتى يحل ما بين مصر وإنجلترا من خلاف. ولن يثق الشعب المصري لوزير ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن ومهما تكن الظروف حتى يطمئن الشعب المصري إلى أن هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب. وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أن يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع. والخير كل الخير، والراحة كل الراحة والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي، وكرامة بريطانيا العظمى، ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحراراً في بلادهم حقاً، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين لا خائفين ولا عابثين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣ يوليه ١٩٣٤.

  • عيسويات٢

    حديث الوادي
    عيسويات…
    – ٢ –
    ولابد من اتصال الحديث عن هذه الآية العيسوية الخالدة، فإن الحديث عنها لا ينقطع، ولا ينبغي أن ينقطع، لأن فيها من العبر والعظات، ما ينبغي للمصريين أن يقفوا عنده فيطيلوا الوقوف، وأن ينتفعوا منه فيحسنوا الانتفاع. هذا رجل مصري، من خلاصة المصريين، درس في المدارس المصرية، نشيطًا للدرس، مقبلًا عليه، يملأ نفسه حب العلم، وحب الوطن، والأمل في أن ينفع نفسه، وأن ينفع وطنه، بما يقبل عليه من درس وتحصيل. حتى إذا أتم درسه في مصر موفقًا، نابه الشأن، رحل عن مصر، موفور النشاط، جذع البصيرة قارح الأقدام.. كما يقول الشاعر القديم، مضاعف الثقة بنفسه وأمته، مضاعف الحب لفنه ووطنه، مضاعف الأمل في يومه وغده، فدرس في أوروبا كما يدرس أشد الأوروبيين نشاطًا، وظفر في أوروبا بما يظفر به أعظم الأوروبيين حظًّا من العمل والجد والتوفيق. ثم عاد إلى وطنه مؤمنًا به، مخلصًا له، تضطرب في نفسه خواطر لا تُحصى، كلها يتصل بهذا الوطن العزيز، الذي ينبغي أن يستقل بأمره، وأن يستقل أبناؤه بحاجاته وأن يحتمل أبناؤه كل التبعات التي يحتملها الرجال الناهضون في بلد ناهض. فلم يكد يبلغ وطنه ويستقر فيه، ويتصل بالمشرفين على أمره، والمدبرين لحياته، حتى أخذت آماله الباسمة تعبس، وحتى أخذ نشاطه الشديد يفتر، وحتى أخذت ثقته المطمئنة تضعف، وحتى نظر، فإذا الحكومة المصرية ترمقه في شيء من الاستهانة والإشفاق، وتتحدث إليه بأنه لم يبلغ بعد أن ينهض بثقال الأشياء، وجلائل الأعمال، فليقنع بما ينبغي أن يقنع به الشاب المصري، من أن يكون في وطنه لاحقًا لا سابقًا، وتابعًا لا متبوعًا، وليرضَ بما يجب أن يرضى به الشاب المصري، من أن يكون طالبًا مهما يتم الدرس، ومتأثرًا مهما ينبغِ فيه، ومن أن ينظر إلى الأجنبي نظر التلميذ إلى الأستاذ، ونظر الضعيف إلى القوي، ونظر الرجل العادي إلى الرجل الممتاز، وأن يقنع بما يجب أن يقنع به المصري من المرتب المعتدل، على حين يظفر الأجانب بالأجور الضخمة الفخمة. ومع هذا كله لم يفتر نشاطه، ولم ينثنِ همُّه، ولم تفل عزيمته، وإنما جد في العمل وأخلص في خدمة فنه ووطنه، حتى أرضى الأجانب عنه، وما أقل ما يرضون، وحملهم على أن يشهدوا له، وما أقل ما يشهدون. وخيل إليه أنه بعد طول
    العهد واختلاف الأحداث سيتاح له ما كان يريد، وسينهض بالتبعة التي كان يجب أن ينهض بها منذ زمن بعيد. وما له لا ينتظر هذا، وقد طلب الأجانب أنفسهم له أن يشغل منصب الأستاذ. ولكن ماذا؟ سكرتير الوزارة العام يطلب أن يعرض أمر منصبه عرضًا مستقلًا، ووكيل الوزارة يوافق، والوزير يوافق ويطلب أن يكتب الرد إلى مدرسة الهندسة – حسب التفهيم – ثم يكتب الرد – حسب التفهيم – فإذا التفهيم توافقَ بين ثلاثة من المصريين، منهم وزير، ومنهم وكيل للوزارة، ومنهم سكرتير عام، كلهم مصري، لا شك في أنه ولد في مصر، ونشأ فيها، واضطرب قلبه بآمالها، وكلهم مثقف، لا شك في أنه يفرق بين الخير والشر، وبين العزة والذلة، وبين الاستقلال والاستعباد، وكلهم مع ذلك مؤمن بالتفهيم الذي يأبى على المصري أن ينهض بالتبعة في بلده، والذي يأبى على المصري أن يكون أستاذًا في مدرسة مصرية، وإن كان كفؤًا ليس في كفايته شك. والذي يريد أن يكون هذا المنصب المصري لرجل بريطاني. توافق يقوم به مصريون ليردوا مصريًّا عن حقه، وليسلطوا إنجليزيًّا على هذا الحق. وأكبر الظن أنهم يتطوعون بهذا التوافق من عند أنفسهم، لم يأمرهم به الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يأمروا به، ولم يطلبه إليهم الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يطلبوه، ولكن القوم مع ذلك لم يتحرجوا منه، ولم يشفقوا من شره، وإنما أقبلوا عليه مطمئنين، لأن ظروف السياسة الحرجة تُريد المصريين على ألا يظلموا المصريين، وتُريد المصريين على أن يهضموا المصريين حقهم، ويقدموا هذا الحق هدية إلى الإنجليز.
    لم يطلب الإنجليز هذا إلى الوزير والوكيل والسكرتير، ولكنهم مع ذلك طلبوه، وليس في هذا الكلام تناقض ولا غرابة. فالإنجليز لم يتقدموا إلى هؤلاء السادة بظلم المصريين، وإصغار شأنهم، والغض من قدرهم، ولكن الإنجليز فرضوا على مصر سياسة تعليمية، وإدارية، نتيجتهما الطبيعية أن يصغر المصري أمام المصري، وأن يصغر المصري أمام نفسه. تلك الرسالة البرقية التي وصلت إلى مصر في أول عهد الاحتلال تأمر بأن يكون الموظف المصري، مهما يعظم أمره، مطيعًا للموظف الإنجليزي، مهما يهن أمره، والتي ظلت قاعدة للحياة السياسية في مصر ما يقرب من نصف قرنٍ، لم تُمحَ آثارها يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء بالتخويف والإغراء.
    ذلك التعليم الذي فرضه الإنجليز على مصر عشرات السنين، والذي لا يُحْيي في نفس المصري عزةً، ولا كرامةً، ولا شعورًا بالعزة والكرامة، لم تُمحَ آثاره يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء، بالتخويف والإغراء.
    فلا تعجب إذًا حين ترى مصريين يتفقون فيما بينهم على أن يقصوا مصريًّا عن منصب مصري ليضعوا مكانه أستاذًا بريطانيًّا.
    ولا تظن أن هذه القصة فذةً، أو مقصورة على الأستاذ مصطفى نظيف ومدرسة الهندسة، وإنما هي قصة شائعة مألوفة، تقع للشبان المصريين جميعًا. سل من شئتَ من هؤلاء المصريين، الذين درسوا فأحسنوا الدرس، وحصلوا فأتقنوا التحصيل، ثم أقبلوا وفي قلوبهم جذوة النار المقدسة التي تدفعهم إلى حب الوطن وخدمته. سلهم عن هذه الجذوة المقدسة، ما خطبها؟ وماذا أصابها؟ فسيجيبونك جميعًا بأنها قد أُخمِدت، أو كادت تخمد. صب عليها الوزراء، وكبار الموظفين ماءً باردًا، لا يتكون من الأوكسجين والهيدروجين، وإنما يتكون من الحرص على إرضاء الإنجليز، والشك في قيمة المصريين.
    هذه حالنا بعد هذا العهد الكرومري السعيد الذي يحن إليه الإنجليز، ويتمدحون بمحاسنه. أنكرنا أنفسنا إلى أقصى حدود الإنكار، وعرفنا الإنجليز وخفناهم إلى أقصى حدود المعرفة والخوف. فأي غرابة في أن يحن الإنجليز إلى هذا العهد ليكون لهم من أجيالنا المقبلة كما كَوَّنَ لهم من أجيال الاحتلال رجالًا ينكرون المصريين، ولا يحفلون بهم، ويعرفون الإنجليز ويكبرونهم كل الإكبار.
    إلى أي حد ينبغي أن يُلام وزير التقاليد وأعوانه على هذه الآية العيسوية؟ أليس لهم مما أقدموا عليه بعض العذر، فهم أبناء ذلك الجيل الذي كان الموظف المصري مهما يكبر ملزمًا فيه أن يطيع الموظف الإنجليزي مهما يصغر، والذي كانت المدارس المصرية فيه تكون التلاميذ لا كما تريد مصر، ولكن كما يريد دنلوب…
    طه حسين
    الوادي، ١٦ يونيو ١٩٣٤.

  • عيسويات١

    حديث الوادي
    عيسويات …
    ولم يكن بد من أن تكون لوزير التقاليد عظائم تنسب إليه، وتوسم بسمته، وتضاف إلى اسمه الكريم، كما أن لوزير المالية أعمالا جساما، وأمورا عظاما، تبقى على الدهر وتنبت في ذاكرة الزمان مضافة إلى اسمه العظيم. فما ينبغي لوزير التقاليد أن يكون أيسر خطراً، ولا أهون شأنا، ولا أقل شجاعة وجرأة من وزير المالية. وقد يجوز لوزير المالية أن يسبق زملاءه جميعاً ويتفوق عليهم جميعاً، إلا وزير التقاليد، فما ينبغي لأحد أن يسبقه أو يتفوق عليه. هو مبرز دائما، مهما تكن الظروف، ومهما تكن الأحداث. ولعل وزير المالية وزملاءه جميعاً، وعلى رأسهم صاحب الدولة الرجل الطيب، يعترفون في غير تردد ولا تحفظ، بأن زميلهم وزير التقاليد قد سبقهم وبرز عليهم في هذه المرة، وقد استحق رضى الإنجليز، وتقدير المندوب السامي، وأصبح خليقا أن يظفر من التأييد الكامل الشامل المطلق، بما لا بد منه، ليكون رئيسا للوزراء في يوم قريب أو بعيد، فما أظن أن لوزير المالية، أو لواحد من زملائه، آية كهذه الآية الخالدة التي سجلها وزير التقاليد لنفسه، في كتابه التاريخي العظيم، الذي أرسله إلى مدرسة الهندسة، ونشرناه في الوادي منذ يومين. ما نظن أن واحداً من هؤلاء الوزراء، يستطيع أن يزعم أنه سجل لنفسه آية كهذه الآية، أو اصطنع عند الإنجليز يدا كهذه اليد، أو أقام للمندوب السامي دليلا على أنه يعرف كيف يسبق الإنجليز إلى إجابة مطالبهم، قبل أن يطلبوها، بل دون أن يطلبوها، إلا أن تكون هناك أسرار خطيرة تخفى علينا ولا تظهر لنا كما ظهر لنا هذا السر الخطير من أسرار وزير التقاليد. ومهما يكن من شيء فنحن مضطرون إلى أن نسجل السبق إلى رضى الإنجليز، وغضب المصريين لوزير التقاليد حتى تتكشف الأيام، وما نظنها تتكشف عما يثبت أن له من زملائه شبيها أو نظيرا.

    وقد يكون من الخير، أو من الشر لا أدري، أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الفذة، فهي قد تغضب عليه المصريين، ولكن المصريين ليسوا شيئا، وغضبهم لا ينبغي أن يحفل به كبار الناس، وعظماء الرجال، وهي ترضي الإنجليز من غير شك، والإنجليز كل شيء، ورضاهم خير ما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، ويعمل له العاملون، ويفوز به الفائزون. والدليل على ذلك أن صدقي باشا قد أغضب المصريين، وأذاقهم من العذاب أشكالا وألوانا، ومن الحرمان ضروباً وفنوناً، ومن الإذلال ما لم يذوقوا أمثلة في هذا العصر الحديث، فلم يمنعه ذلك من أن يحتفظ برياسة الوزارة وسلطانها أكثر من ثلاثة أعوام، ولم يمنعه ذلك بعد أن هوى عن منصبه، أن يظل فوق القانون، وفوق الدستور، لا يسأل عما عمل، ولا يسأل عما قال، وإنما يستمتع بالحرية والنعيم، على حين لم يفق المصريون من آثار ما سلط عليهم من الذلة والشقاء. والدليل على ذلك أيضا أن صدقي باشا أرضى الإنجليز، فظفر بتأييدهم له في الحكم ومعونتهم له على إذلال الشعب، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم ما يزال ظافرا بحبهم له وعطفهم عليه، وقيامهم دونه أن يصيبه مكروه، أو يمسه سوء، وإن كانوا زاهدين في حكمه، راغبين عن نهوضه بتصريف الأمور.

    فغضب المصريين لا يخيف مهما يعظم، ورضى الإنجليز لا يزهد فيه مهما يهن، فنستطيع إذن أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الخالدة التي ستسجل له عند الإنجليز، وستجعل له من نفوسهم مكانا محمودا، وستسوق إليه الوسام، أو ما هو خير من الوسام، في يوم من الأيام. وأظنك توافقني على أن الإنجليز ليسوا حمقا ولا بلها، ولا أغمارا ولا أغرارا، وإنما هم قوم يعرفون أين يضعون ثقتهم، وكيف يحبون أنصارهم، وما لهم لا يثقون الثقة كلها بهذا الوزير الخطير الذي يعرض عليه مجلس مدرسة الهندسة تعيين مصري كفء مكان إنجليزي، فيأبى كل الإباء، ويرفض كل الرفض، ويصدر من مكتبه كتابا يمضيه بيده، ويأمر فيه بأن يعين مكان الأستاذ المصري أستاذ بريطاني.

    والأستاذ المصري كفء من غير شك، ظفر بأعلى الشهادات من مصر، ثم ظفر بأعلى الشهادات من أوروبا، ولو لم يكن كفؤا حقا لما اختاره مجلس المدرسة لهذا المنصب، وفي هذا المجلس الفنيون من الأجانب، وفيه كبار الدولة من المصريين. ولكن ذنب هذا المصري الكفء أنه ليس إنجليزيا، أو قل إنه ليس بريطانيا كما يقول وزير التقاليد. أو قل إن ذنبه أنه مصري كفء يزاحم البريطانيين، وأنت تعرف ظروف السياسة، وحاجة الذين يحبون السلطان إلى رضى الإنجليز في هذه الأيام. فليبعد المصري إذن عن هذا المنصب، وليصبر المصري إذن على الضيم، وليرض المصري بما قضي عليه من الذل، وليسجل الأجانب علينا أننا قوم تراد بنا الكرامة فنأبى إلا الهوان، ويؤدى إلينا الحق فندفعه بأيدينا دفعا، ليظفر وزير من وزرائنا برضى الإنجليز وليحظى وزير من وزرائنا بابتسامة من ابتسامات المندوب السامي.

    ثم يتحدث الإنجليز بعد ذلك، بأنهم قد أحسنوا إلينا ورقونا، ووصلوا الأسباب بيننا وبين الحضارة الحديثة. ومن ذا الذي يستطيع أن يشك في ذلك؟ أليس الإنجليز يتحدثون باللورد كرومر، وأيام اللورد كرومر وما أسبغ من نعمة على المصريين؟ أليس الإنجليز يتمنون أن تعود إلى مصر وإليهم تلك الأيام الغر التي كان كرومر يفيض فيها الخير والبركة على مصر، ويحفظ فيها للدولة البريطانية كرامة الآمر المسيطر الذي لا يرد له أمر، ولا يخرج عن طاعته خارج؟ أليس الإنجليز يمنون علينا بأن اللورد كرومر قد رد إلى أرضنا الخصب بعد الجدب، وأصلح إدارتنا بعد الفساد، ونظم ماليتنا بعد الاضطراب؟ بلى. ولكن الإنجليز ينسون، نستغفر الله، بل يتناسون أن عهد كرومر قد محا القومية المصرية محوا، وأفنى الشخصية المصرية إفناء، وأخرج لنا وزراء وموظفين يعرض عليهم تعيين المصري الكفء، مكان الإنجليزي في مدرسة مصرية، وفي عهد نهضة واستقلال فيأبون، ويرفضون، ثم يداورون، ويناورون، ثم يطلبون بعد التفهيم أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني. يطلبون ذلك إلى مدرسة الهندسة، وعلى رأسها رجل أجنبي كان يظننا أباة، فإذا نحن نفضل رضى الإنجليز على الإباء، كان يظننا حراصا على الحق فإذا نحن نحرص على رضى الإنجليز، أكثر مما نحرص على الحق. يطلبون ذلك إلى هذا الأستاذ الأجنبي مدير مدرسة الهندسة، لا يخشون انتقادا منه، ولا من زملائه الأجانب، ولا يخشون اعتراضا من أنفسهم، ولا من مواطنيهم، لأن رضى الإنجليز آثر عندهم من رضى أولئك جميعا. هذه هي الآثار الباقية في نفوسنا من عهد اللورد كرومر. ينساها الإنجليز، ويتناسونها، أما نحن فلن ننساها، ولن نتناساها، ولكننا سنضعها دائما بإزاء هذا الإحسان المادي الذي أهداه إلينا اللورد كرومر، وسنوازن بين قوميتنا التي قتلها، وعزتنا التي أفناها، وشخصيتنا التي محاها، وبين أرضنا التي أخصبها، وإدارتنا التي نظمها، وماليتنا التي أصلحها، وستمتلئ قلوبنا حزناً وحسرة وأسى بأننا نؤثر ألف مرة ومرة، قوميتنا وعزتنا وشخصيتنا على الأرض والإدارة والمالية، ولأننا نود ألف مرة ومرة أن نعيش رجالا لهم حظهم من القومية والعزة على أرض جدبة وفي ظل إدارة مضطربة ومالية فاسدة، نؤثر هذا، ونفضله على أن نعيش كالأنعام في أرض خصبة كثيرة العشب، وتحت سلطان راع يعرف كيف يخضعنا للسوط والعصي.

    إن الذين يثنون على عهد كرومر ويودون لو يعود، خليقون أن ينظروا في هذه الآية العيسوية الخالدة، ليروا آثار هذا العهد، وليسألوا أنفسهم بعد ذلك: ماذا يريدون؟ أما الإنجليز فهم يعرفون ماذا يريدون. هم يريدون في مصر أرضاً خصبة، وأنعاما يستغلون بها هذه الأرض، فهم لذلك يحبون عهد كرومر، ويحنون إليه. وأما نحن فنريد في مصر رجالا كراما مستقلين يعيشون في وطن حر عزيز، ونحن لذلك نكره عهد كرومر، ولن نرضى أن يعود.

    طه حسين
    الوادي، ١٥ يونية ١٩٣٤.