Tag: majority rule

  • مساواة

    حديث الوادي
    مساواة . . .
    أجمل ما تشتمل عليه الرسالة البرقية التي أرسلها مكاتب التيمس إلى صحيفته، يتحدث فيها عن رحلة رئيس الوفد الأخيرة، نقده للرئيس لأنه لا يريد أن يتعاون مع أحزاب المعارضة الأخرى على قاعدة المساواة.
    هذا النقد جميل حقاً وهو خليق بالإكبار والإعجاب وخليق بالتفكير فيه، والتفسير له، بنوع خاص، فرئيس الوفد رجل ظالم حقاً، يعترف له الإنجليز ويعترف له خصومه من المصريين بأنه زعيم الكثرة من الشعب وبأن التصريف المعقول لأمور الشعب من دونه أمر لا سبيل إليه، ثم يقول له الإنجليز ويقول له خصومه من المصريين ما بالك تظلم وتطغى، وتأبى أن تعمل مع غيرك، من الساسة على قاعدة المساواة؟ يؤمن الإنجليز والمصريون بأن الوفد صورة ديمقراطية صحيحة، للشعب المصري، وبأن الأحزاب الأخرى صور لأنواع من القلة، منها الصحيح، ومنها المتكلف المصنوع ثم يقول الإنجليز، ويقول بعض المصريين للوفد، ما بالك لا تتعاون مع هذه الأنواع من القلة الصحيحة أو المصنوعة، على قاعدة المساواة؟
    ومعنى هذا بالضبط أن هؤلاء الإنجليز والمصريين يسلمون بأن الألف أكثر من العشرة، ولكنهم يتساءلون في الوقت نفسه ما بال الألف لا تساوي العشرة؟ يسلمون بأن هناك كثرة واضحة، بينة، وبأن إرادة هذه الكثرة واضحة بينة، ثم يتساءلون ما بال الكثرة لا تساوي القلة، وما بال إرادة الكثرة لا تتضاءل ولا تنزل عند إرادة القلة؟ يسلمون بأن هناك أوضاعاً طبيعية قد وجدت لأن الله أراد أن توجد، ثم يتساءلون ما بال هذه الأوضاع لا تقلب ولا تتغير، فيصبح الواحد مساوياً للاثنين، وتصبح العشرة مساوية للألف، وتصبح الكثرة مساوية للقلة؟ والغريب أن هؤلاء الإنجليز، والمصريين، حين يلقون على أنفسهم وعلى غيرهم هذه الأسئلة، لا يخطر لهم أن يجيبوا بأن هذه الأوضاع لا تتغير، لأن الله قد خلقها كذلك، وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له، وبأن الواحد لا يستطيع أن يساوي الاثنين، لأن طبيعة الأشياء أرادت وستزيد دائماً أن يكون الواحد نصف الاثنين، وبأن الكثرة لا تستطيع أن تساوي القلة، لأن الله قد فطر العقل الإنساني على أن يتصور التفاوت الطبيعي بين الكثير والقليل. لا يخطر لهم أن يجيبوا بهذه الأجوبة على تلك الأسئلة، مع أنها من بسائط الأشياء وأولياتها، ومع أنها لو ألقيت عليهم في حياتهم العادية الخاصة، أو في غير السياسة المصرية، من الأمور العامة، لما ترددوا في أن يهزوا الرؤوس، ويرفعوا الأكتاف ويسخروا من الذين يريدون أن يقلبوا أوضاع الطبيعة ويغيروا حقائق الأشياء ذلك أن هؤلاء الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن الأمور لا ينبغي أن تجرى على طبائعها في مصر، كما تجرى على طبائعها في غير مصر من البلاد، أما لأن اطراد الأمور على طبيعتها في مصر يقتضي أن يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تصبح الديمقراطية في مصر جداً لا لعباً، والحياة الدستورية في مصر حقاً لا خيالاً، وهذا شيء يكرهه الإنجليز، فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يسيغوه أو يطمئنوا إليه وأما لأن الأمور إن جرت على طبيعتها في مصر أصبحت أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته وآلت شؤون الحكم إلى رئيس الوفد وأصحابه دون الذين يناظرونهم ويناضلونهم من المصريين. وهؤلاء المصريون لا يستطيعون أن يطمئنوا في قرارة نفوسهم إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن يرضوا فيما بينهم وبين ضمائرهم بما قسم الله لهم من مكان القلة المعارضة، أمام الكثرة الحاكمة. فهم يرون أنفسهم أصحاب الذكاء، وهم يرون أنفسهم أصحاب الكفاية وهم يرون أنفسهم أقدر على الحكم، وأبرع في تصريف الأمور، وأجدر أن تلقى إليهم أزمة مصر.
    وهم إذن يؤثرون أنفسهم على الحق، ويقدمون أنفسهم على الديمقراطية ويبغون طريقهم إلى الحكم عوجاً، يخيلون إلى الناس أنهم ديمقراطيون، وأنهم دعاة إلى الحياة الدستورية الصحيحة وهم في حقيقة الأمر أرستقراطيون، لا يدعون إلى حياة دستورية، وإنما يدعون إلى تحكم القلة في الكثرة.
    هذا هو التعليل الصحيح فيما يظهر لهذا النقد الظريف الذي يسوقه الإنجليز وبعض المصريين إلى رئيس الوفد، وإلى أصحابه شيعته الوفديين، وظاهر أن هذا النقد إن فهم من الإنجليز لا يمكن أن يفهم من المصريين فالإنجليز مستعمرون، وهم بحكم موقفهم هذا لا يستطيعون أن يطمئنوا إلى حرية مصر، ولا أن يأمنوا استمتاعها بالحكم الديمقراطي الصحيح، ولا أن تطيب نفوسهم عن سيطرة الشعب على شؤونه واعتداد الشعب بنفسه، وإيمان الشعب بحقوقه، فكل هذا خطر على الاستعمار مضيق لسلطان الإنجليز، دافع بمصر إلى ما تريده صادق من الاستقلال الصحيح. فلا يستغرب من الإنجليز أن يضيقوا بالوفد ورئيس الوفد ولا أن يطلبوا من الكثرة أن تتضاءل حتى تساوي القلة، ولا أن يلجأوا إلى العنف والكيد، يبعدون بهما الكثرة عن الحكم إبعاداً إذا أبت أن تذعن لما يريدون.
    كل هذا يفهم من الإنجليز، والمصريون يفهمونه حق الفهم، ويقاومونه حق المقاومة، ولكنه لا يفهم من المصريين لأنهم إن كانوا يريدون الاستقلال لبلادهم حقاً، ويحرصون على أن تكون بلادهم حرة حقاً، ويخلصون فيما يعلنون من أنهم دعاة الحرية وحماة الدستور، فهم يعلمون حق العلم أن طريق الاستقلال والحرية والدستور، إنما هي أن تكون أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته، وأن يكون الألف من المصريين أكثر من العشرة وأن يكون حق الألف أكثر من حق العشرة وهم يعلمون هذا حق العلم، لأنهم أصحاب الذكاء، وأصحاب الكفاية، والذين يجتمع لهم الذكاء والكفاية لا يجهلون البسائط، ولا يغفلون عن الأوليات. وإذن فما مطالبتهم للكثرة بأن تكون متساوية للقلة؟ وما إلحاحهم على زعيم الكثرة في أن ينزل عن حقوق هذه الكثرة لا لشيء إلا ليمكنهم من هذا الحكم الذي يريدونه ويلحون فيه ولا يستطيعون أن يتعزوا عنه، ولا يستطيعون أن ينهضوا وحدهم بأثقاله؟ خير من هذا، وأقرب إلى المعقول وأشد ملاءمة للذكاء أن يعلنوا أنهم لا يحبون الديمقراطية ولا يرضونها ولا يقبلونها نظاماً للحكم، وأنهم يفضلون حكم القلة على حكم الكثرة. فهم إن فعلوا لاءموا بين آرائهم وبين سيرتهم، ووافقوا بين أقوالهم وأعمالهم، وكانوا صادقين فيما يسرون وما يعلنون، وعرف المصريون كيف يخاصمونهم في الرأي، أو كيف يؤيدونهم فيه.
    وأغرب من هذا كله أن يعترف الإنجليز بأن رئيس الوفد رجل شجاع، وبأن رئيس الوفد رجل نزيه، وبأن رئيس الوفد رجل ثابت على الرأي، لا يضطرب ولا ينهزم، ثم يطلبون إليه بعد ذلك أموراً لا تلائم الشجاعة ولا النزاهة ولا الثبات، فليس من الشجاعة أن يكون مصطفى النحاس زعيم الكثرة ثم يضحي بحقوق هذه الكثرة ليرضي الإنجليز أو ليرضي قلة من المصريين وليس من النزاهة أن يكون مصطفى النحاس أميناً على حقوق الشعب ثم يساوم في هذه الحقوق ليرضي الإنجليز وقلة من المصريين، وليس من الثبات على الرأي أن يكون مصطفى النحاس مقتنعاً بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى كثرة الشعب، ثم يعلم بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى قلة ضئيلة من أبناء الشعب ليرضي الإنجليز وفريقاً من المصريين.
    هذا غريب قوامه التناقض والاضطراب وإيثار المنافع والاندفاع مع الأهواء، على أن المسألة ليست رضى الإنجليز ولا غضبهم، وليست رضى القلة أو غضبها، وإنما هي رضى الحق من جهة وتربية الخلق السياسي في الشعب من جهة أخرى، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم من جهة ثالثة بأن نهضة المصريين ليست لعباً ولا مزاحاً، فالحق يريد أن تكون أمور الشعب إلى كثرة في كل بلد ديمقراطي، وهذا رأي الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة رئيس الوفد التي لن يساوم فيها. وتربية الخلق السياسي تريد من الوفد ورئيسه إصراراً على حق الشعب وثباتاً فيه. وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يجادل فيها، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم بأن مصر لم تنهض لتلهو، وإنما نهضت لتجد حتى تظفر بالاستقلال، يريد من الوفد ورئيسه ألا توضع حقوق الشعب وآماله موضع الأخذ والرد ولا موضع البيع والشراء، وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه وخطة الرئيس التي لن يقبل فيها نزاعاً ولا حواراً، فإذا لم يكن بد من أخذ ورد، وإذا لم يكن بد من جدال ونزاع، فلترد إلى الشعب حقوقه قبل كل شيء ولنقم الديمقراطية في مصر على أساسها الصحيح المتين، ثم يمكن بعد ذلك أن يكون الأخذ والرد والنزاع والحوار بين الأحزاب في المسائل التفصيلية الثانوية التي تمس الحياة اليومية للناس، فأما الحقوق العليا للأمم فهي فوق المناقشة وفوق الجدال.
    طه حسين
    الوادي، ٥ أغسطس ١٩٣٤.

  • إرادة

    إرادة
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٦ ديسمبر ١٩٣٣

    كانت حازمة صارمة هذه الإرادة التي أظهرتها الوزارة أمس، حين قدمت إلى مجلس النواب تشريعها البديع في أمر المحامين.

    وإذا كانت الإرادة حازمة فلا بد من أن تنفذ، وقد نفذت إرادة الوزارة، وإذا كانت الإرادة صارمة فلا بد أن تقطع، وقد قطعت إرادة الوزارة خطابة الخطباء، وكلام المتكلمين … ونفذت إرادة الوزارة إلى ما كانت تحب، فأعلن بعض النواب أنهم موافقون على استعجال النظر في هذا التشريع قبل أن تتم الوزارة كلمتها.

    ولولا أن للتقاليد وزيرًا يحميها، أو وزراء يذودون عنها، ولولا أن للمعارضة وزيرًا كان يمثلها في مجلس الشيوخ، فأصبح يمثلها في الوزارة؛ لما استطاع المخالفون للوزارة أن يقولوا شيئًا، نستغفر اللَّه، وهل استطاعوا أن يقولوا شيئًا؟ إذا لم يكن بد من التحقيق والتدقيق، فقل لولا أن للتقاليد في الوزارة حماة، ولولا أن للمعارضة في الوزارة صديقًا؛ لما استطاع المخالفون للوزارة أن يصلوا إلى المنبر، ويقفوا موقف الخطباء.

    ولكن وزير التقاليد قد حمى التقاليد، ووزير المعارضة قد ذاد عن المعارضة، فاستطاع بعض المخالفين أن يقفوا على أقدامهم، وأن يحركوا سيقانهم، وأن يرقوا درجات المنبر، وأن يحركوا شفاههم، وأن يحركوا ألسنتهم من وراء الشفاه، وأن يفتحوا أفواههم، وأن يخرجوا من هذه الأفواه أصواتًا تتموج في الهواء، وليس ذنب الوزراء أن هذه الأصوات لم تصل إلى الآذان؛ لأن الكثرة كانت تضج وتعج.

    وليس ذنب الوزراء أن هذه الأصوات لم تحمل إلى النفوس كلامًا يستقر فيها؛ لأن الكثرة لم تكن تريد أن تسمع، ولا أن تفهم، ولا أن تجادل، وإنما كانت تريد أن توافق وخلاص. وما دامت التقاليد قد حُميت في ظاهر الأمر، وما دامت المعارضة قد صِينت في الشكل والصورة؛ فمصر بخير، والحرية بخير، والدستور بخير، وأمور التشريع تجري على خير ما تجري عليه أمور التشريع. درس هادئ للقوانين، وفهم دقيق لأغراض الشارع، وفهم دقيق للظروف التي تحيط بهذه الأغراض، وفهم دقيق لنتائج ما تشرع الوزارة والبرلمان من قوانين.

    كل هذا محقق لا شك فيه ولا ريب، ما دامت الأشكال تذهب وتجيء، وزراء يعرضون القوانين، ومعارضون يصعدون إلى المنبر ثم يهبطون وإن لم يقولوا شيئًا، وكثرة توافق — وكان اللَّه يحب المحسنين. ولِمَ تريدُ أن تجري الأمور في البرلمان على غير ما تجري عليه خارج البرلمان؟

    إن التقاليد محمية مرعية، مضمونة مصونة؛ لأن وزير المالية يحرم شرب القهوة والدخان في رمضان، فأما أن يشهد الوزراء رقص الليل بعد صوم النهار، فأما أن يصطحب الموظفون زجاجات الترموس تملؤها القهوة الحارة ليقيموا بها أعصابهم رغم حظر الوزير؛ فذلك شيء لا بأس به ولا جناح على أحد فيه.

    والتقاليد محمية مرعية، مضمونة مصونة، ما دام وزير الداخلية قد منع تمثيل بعض القصص الماجنة في بعض الملاعب، فأما أن يكون تمثيل قصص أخرى ماجنة، فأما أن يكون رقص وغناء، فأما أن يكون لهو ومجون في الأوبرا بأعين الحكومة وبأموال الدولة، وبعقود يمضيها وزير التقاليد نفسه، وبمال يأذن بإنفاقه البرلمان — وفيه رجال الدين قد مثلوا أحسن تمثيل — فذلك شيء لا ضير فيه ولا بأس به.

    فأما أن يشهد الموظفون وغير الموظفين بعد الإفطار أو قبل الإفطار في دور السينما ما لا يلائم التقاليد ولا الآداب ولا الحياء؛ فذلك شيء لا بأس به ولا جناح على أحد فيه، ما دامت التقاليد مرعية في ظاهر الأمر، وما دامت الأشكال تذهب وتجيء، وما دامت الصور تروح وتغدو، وما دامت الصحف تذيع في كل يوم أن الوزارة حريصة على حماية التقاليد.

    كانت التقاليد إذن محمية أمس في مجلس النواب حين صعد المعارضون على المنبر، ثم نزلوا عن المنبر، ولم تبلغ أصواتهم الآذان، ولم تصل آراؤهم إلى العقول؛ لأن خصومهم، وهم الكثرة الكثيرة الساحقة الماحقة، كانوا قد أقبلوا مؤيدين للوزارة لا يريدون أن يجادلوا، ولا أن يناضلوا، ولا أن يسمحوا لأحد بالجدال والنضال.

    وما دامت التقاليد قد حميت فمصر بخير، وليس على المصريين إلا أن يناموا ملء جفونهم؛ لأن تقاليدهم آمنة لا تتعرض لمكروه. لهم وزراء يهيئون التشريع ويعرضونه على البرلمان، ولهم نواب يؤيدون وآخرون يعارضون، ولهم بعد هذا كله، وقبل هذا كله، وفوق هذا كله، سادة يأمرون فيطاعون، ويريدون فتنفذ إرادتهم، سواء أرضي الخصوم أم كانوا كارهين.

    لم يكن مشكوكًا فيه هذا الفوز الذي ظفرت به الوزارة أمس، وكيف يتعرض هذا الفوز للشك وقد طلب رئيس الوزراء إلى الشعبيين أن يؤيدوا الحكومة فيما ستعرض من تشريع، وطلب وزير التقاليد إلى الاتحاديين أن يؤيدوا الحكومة أيضًا، والتقاليد هي التي حملت رئيس الوزراء على أن يطلب ما طلب، وهي التي حملت وزير التقاليد على أن يطلب ما طلب.

    فلعلك تعلم أو تجهل أن لرئيس الوزراء حزبًا يُسمَّى حزب الشعب، وأن لوزير التقاليد حزبًا يُسمَّى حزب الاتحاد، وأن تقاليد الأحزاب تقضي بأن تجتمع الأحزاب إلى رؤسائها وتنظم أمورها قبل أن تدخل مجلس البرلمان.

    وقد جرت هذه التقاليد، فقرر حزب الشعب وحزب الاتحاد تأييد الوزراء مساء الأحد، وأنفذ حزب الشعب وحزب الاتحاد قرار التأييد يوم الاثنين، وسلمت بذلك التقاليد كلها، فلم يمسسها ضرٌّ ولم ينلها مكروه، ونفذت مع ذلك — أو نفذت لذلك — تلك الإرادة الحازمة الصارمة أمس، كما أنها ستنفذ مساء اليوم، وستنفذ غدًا وبعد غد حتى يأتي اليوم الذي تمنع فيه الوزارة من أن تريد شيئًا؛ لأنها تنزل فيه عن مناصب الحكم.

    فأما قبل هذا اليوم فستريد الوزارة أو يراد لها، فينفذ ما تريد أو ما يُراد لها، فإذا سألتني عن مصدر هذا وعن تعليله؛ ففي الأمر قولان: أحدهما قولي أنا وقولك أنت وقولنا جميعًا: وهو أن إرادة الوزارة معصومة لا تتجه إلا إلى الحق والعدل والإنصاف، والكثرة البرلمانية تعلم ذلك وتؤمن به؛ فللوزارة أن تريد، وللكثرة البرلمانية أن توافق، وعلينا نحن أن نذعن ونطيع.

    والقول الثاني: قول الإنجليز أو قول الديلي تلغراف بنوع خاص، وهو أن الوزارة قابضة على أعنة الأمور؛ لأنها تعلق سيف الحل على النواب. فللوزارة أن تريد، وعلى النواب أن يوافقوا، وعلينا نحن دائمًا أن نسمع ونطيع، وأنا بريء من هذا القول، بريء منه كل البراءة، بريء منه وممن يقول به أو يصدقه أو يميل إلى تصديقه، لا لأني لا أريد أن أُدعى إلى النيابة، أو أقف بين يدي القضاء، أو أخضع لتشريع ذي أثر رجعي ينسحب على الماضي.

    كلا، كلا، بل لأني مؤمن صادق الإيمان، ولأنك أنت أيضًا مؤمن صادق الإيمان بأن وزارتنا معصومة لا تخطئ، موفقة لا تنحرف عن الصواب، والنواب مؤمنون لها بذلك بالنيابة عنا فيوافقون، ونحن نسمع دائمًا ونطيع، لا عن رهبة، بل عن رغبة، ولا عن إكراه، بل عن رضًى، ولا عن خوف، بل عن ثقة.

    وأي المصريين لا يثق بالوزارة؟ وأي المصريين لا يطمئن إلى النواب؟ وأي المصريين يستطيع أن يشك أو أن يسمح لنفسه بالشك في وزارة تحمي التقاليد، فتُحرِّم القهوة والدخان في رمضان، وفي نواب يحمون التقاليد فيسمحون للمعارضين بأن يصعدوا إلى المنبر ويقفوا في هيئة الخطباء؟

    وكيف نشك في عصمة الوزارة وهي دقيقة الحس قوية الشعور، ولم تكد تشعر بأن المحامين الذين حكم عليهم قد رشحوا لعضوية النقابة حتى علمت أن ذلك يؤذي القضاء، وإن لم يشك إليها القضاء، فهبت لحمايته وإن لم يطلب حمايتها، فأنذرت وحذرت، ثم هيَّأت التشريع، ثم عرضته على البرلمان؟

    وكيف نستطيع أن نشك في النواب وهم شركاء الوزارة في دقة الحس، ورقة الشعور، والعلم بما سيكون، بل بما هو كائن قبل أن يكون؟

    كلا، كلا، ليشهد الوزراء أني أؤمن لهم بالعصمة، وليشهد النواب أني أؤمن لهم بالإصابة، وليشهد سادة هذا العصر أن المصريين جميعًا مثلي، وفيهم مكرم وأصحاب مكرم، وأننا نعارض لنداعب لا أكثر ولا أقل، فإذا خلونا إلى أنفسنا، وتفرقنا في أنديتنا، وتحدث بعضنا إلى بعض، فنحن لا نذكر الوزارة والنواب إلا بالخير، ونحن لا نهدي إلى الوزارة وإلى النواب إلا الشكر والثناء.

    نحن نعارض حمايةً للتقاليد، كما تحكم الوزارة حمايةً للتقاليد، وكما يجتمع البرلمان حماية للتقاليد. نحن نحافظ على الصور والأشكال كما تحافظ الوزارة على الصور والأشكال، وكما يحافظ البرلمان على الصور والأشكال؛ فمصر جزءٌ من أوروبا، وإذن فيجب أن تكون لها وزارة تحكم، وبرلمان يشرع ويراقب الوزارة، ويجب أن يكون في هذا البرلمان كثرة وقلة؛ هذه تعارض، وتلك تؤيد، ويجب أن يكون خارج البرلمان قوم يعارضون.

    يجب أن تتم هذه الأشكال كلها لتكون مصر جزءًا من أوروبا، وليقول الأجانب إذا زارونا أنَّا متحضرون غير متوحشين. فأما ما وراء هذه الأشكال والصور فشيء يعنينا نحن ولا يعني أحدًا غيرنا، ونحن — والحمد لله — مطمئنون راضون واثقون ناعمون. يكفي أن تريد الوزارة المعصومة ليوافق النواب المؤمنون بهذه العصمة، ثم لنسمع نحن ونطيع.