Tag: Mediterranean civilization

  • الإسلام والغرب

    الإسلام والغرب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٤ أكتوبر ١٩٥٥

    كان اجتماعًا قيِّمًا حقًّا ذلك الذي التقى فيه فريق من المفكرين المسلمين بفريق من المفكرين الإيطاليين في مدينة البندقية؛ ليتحدثوا في حرية صريحة، أو في صراحة حرة عن الخصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، وعن الأسباب التي أثارتها النتائج التي نشأت عنها، وعن الوسائل التي يمكن أنْ تؤدي إلى حسم هذه الخصومة، واستئناف حياة جديدة يقوم فيها الوفاق والتعاون مقام الخلاف والتدابر بين المسلمين في أقطار الأرض، وبين الذين اتخذوا الحضارة الغربية لهم قوامًا.

    وكانت المزية الأولى لهذا الاجتماع أنه لم يأتلف من عدد ضخم يكثر فيه الكلام، وتتفرق فيه الآراء، وتضيع فيه الوسائل والغايات، وإنما ائتلف من أشخاص قليلين مسلمين وإيطاليين، ولم يشهده أحد من البلاد الغربية الأخرى في أوروبا وأمريكا، وإنما شهده الإيطاليون وحدهم عن الحضارة الغربية، وشهده من المسلمين نفر لا يبلغون العشرة، كان فيهم إيرانيان وعراقي ولبناني وتركي ومصري وتونسي، وكانوا جميعًا من الجامعيين الذين أخلصوا أنفسهم، أو كادوا يخلصونها للثقافة والعلم، وتخلف من دعي من سوريا لعذر طارئ، ولم يحضر الأستاذ العقَّاد، وليته استطاع الحضور، وكان الذين شاركوا في هذا الاجتماع من الإيطاليين قليلين أيضًا كلهم من الجامعيين، ولكنهم على ذلك يختلفون فيما يفرغون له من العلم، فمنهم الفقيه، ومنهم الاقتصادي، ومنهم أستاذ الرياضة، ومنهم بعض المستشرقين، وكانت المزية الثانية لهذا الاجتماع أنه لم يكن رسميًّا؛ فلم تُدعَ إليه الحكومات، ولم تشارك فيه من قرب أو بُعد، ولم تُدع إليه الهيئات، وإنما دُعي إليه أفراد عُرفوا بمكانهم من الثقافة والعلم، وبمكانهم المرموق في أوطانهم، فلم تدخل السياسة إذن في هذا الاجتماع، وإنْ لم يخلُ من حديث السياسة، وكيف التحدث في شئون الشرق والغرب، وما بينهما من خصومة دون الإلمام بحديث السياسة وخطوبها، وقد يسأل القارئ عن مصدر هذا الاجتماع وعن الذي دعا إليه، وهنا حديث أحب أنْ يتدبره المصريون والأغنياء منهم خاصة؛ لأنه جدير أنْ يثير العبرة ويدعو إلى إطالة التفكير والتدبير.

    رجل من أغنياء إيطاليا، ومن أغنياء مدينة البندقية خاصة منحه الله بسطة واسعة في المال، وما أكثر الذين أتاح الله لهم الثراء العريض، وقد فُجع هذا الرجل في ابنه منذ خمس سنين، فاحتمل خطبه كريمًا، ثم جعله مصدر خير لأسر كثيرة من الإيطاليين. أنشأ في جزيرة من جزائر البندقية لها خطر في التاريخ معهدين، خصص أحدهما لليتامى من أبناء الذين يعملون في البحر ينشئون فيه، ويتعلمون فيه أعمال البحر، ويدربون عليها حتى إذا أتموا تعليمهم عملوا فيما كان يعمل فيه آباؤهم. وأنشأ معهدًا آخر للحرف والصناعات اليسيرة، وآوى في كل واحد من هذين المعهدين خمسمائة من التلاميذ، وضمن لهم النمو في حياته والبقاء بعد وفاته، فهو يقوم إذن على تربية ألف من الأطفال الإيطاليين وتعليمهم، وتمكينهم من أنْ يعيشوا بعد تخرجهم كرامًا ينفعون أنفسهم وينفعون الناس. ثم لم يكتفِ بذلك، وإنما جدد ما في تلك الجزيرة من معالم تاريخية خطيرة، وأنشأ فيها دارًا للكتب يختلف إليها طلاب الثقافة والمعرفة، ثم أنشأ فيها مركزًا ثقافيًّا، يلتقي فيه بين حين وحين أعلام الثقافة والعلم والأدب؛ ليتحدثوا فيما يعنيهم من شئون الثقافة والعلم والأدب.

    ***

    وكان اجتماعنا هذا واحدًا من هذه الاجتماعات، التي يراد لها أنْ تتصل وأنْ تكثر، وألا تتقيد بموضوع ولا تخضع لنظام إلا نظام التفكير الحر الصريح.

    وقد التقينا ستة أيام مصبحين وممسين، فقلنا وقالوا، ولم تنقصنا الصراحة في القول، ولم تنقصهم الشجاعة على الاعتراف بالحق حين تبين لهم الحق، ولم يكن بُد من أنْ نتفق قبل كل شيء على الحضارة الغربية ما هي، وما يمكن أنْ تكون! فلست أعرف أنَّ هناك حضارة غربية تختلف في جوهرها عن الحضارة الإسلامية، وإنما أعرف أنَّ هناك حضارة واحدة ازدهرت حول البحر الأبيض المتوسط سبقت مصر إلى أصولها، ومنحها اليونان قوة وأيدًا وخصبًا، وأخذها اليونان عن الرومان، ثم انتشرت بعد ذلك في غرب البحر الأبيض وشرقه، وفي شماله وجنوبه، ثم تنصرت حين عرفت المسيحية، وأسلمت حين عرفت الإسلام، نقلت إليها ثقافة الأمم القديمة وما يلائمها من تراث هذه الأمم وأساغته وتمثلته وجعلته جزءًا منها، وأحيت أممًا خضعت لسلطان الإسلام، ثم نقلها المسلمون أنفسهم إلى غرب أوروبا، فأحدثوا فيه نهضة خصبة ما كانت لتحدث لو لم تترجَم كتب المسلمين في الفلسفة والفنون والعلوم إلى اللغة اللاتينية، التي كانت لغة الثقافة في غرب أوروبا.

    ***

    وهذه الحضارة نفسها هي التي اشتد اتصال الأوروبيين بها في نهضتهم الحديثة، فأخذوها من أصولها اليونانية واللاتينية، وأذكوا جذوتها، وأتاحوا لها كما أتاحت لهم ما وصلت إليه، وما وصلوا إليه من الرقي والازدهار.

    فالحضارة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة إذن في أصولها وجوهرها وطبيعتها، ولكن ظروف التاريخ قضت على المسلمين أنْ يخمدوا، وأتاحت للغربيين أنْ ينشطوا، فتقدم الغرب الأوروبي وتأخر الشرق الإسلامي، فلا يصح أنْ يقال إذن: إنَّ هناك حضارتين إحداهما إسلامية، والأخرى غربية أوروبية.

    والقول بأن هناك خصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية يحتاج إلى كثير من الدقة. فالإسلام لا يخاصم الحضارة الغربية في نفسها؛ لأنها حضارته، وإنما يخاصم فريقًا من الغربيين خرجوا على أصول حضارتهم، وخالفوا عما تأمرهم به وتحثهم عليه، فملئوا الأرض شرًّا ونكرًا، وفرقوا بين الناس، وكان من الحق أنْ يتفقوا، واستعلوا في الأرض والحضارة الصحيحة شرقية كانت أو غربية لا تحب الاستعلاء، بل تمقته أشد المقت، وتقرر المساواة بين الناس في كل ما تمكن فيه المساواة لا لشيء إلا لأنهم يشتركون في الإنسانية، ويدخلون في الحياة على نمط واحد، ويخرجون منها على نمط واحد، ويجب أنْ يعيشوا فيما بين ذلك متقاربين متضامنين يستعلي بعضهم على بعض، ولا يسوم بعضهم بعضًا ظلمًا ولا خسفًا ولا هوانًا.

    ولا يصح أنْ توصف الحضارة الغربية بأنها حضارة تمتاز في جوهرها من حضارة الشرق الإسلامي؛ فجوهر الحضارتين واحد، واختلاف الدين بين المسلمين والمسيحيين لا يغير من طبيعة الحضارة شيئًا؛ لأن المُثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وتدعو إليها المسيحية واحدة في جوهرها، كلا الدينين يدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، وكلاهما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وكلاهما يفرض العدل والمساواة بين الناس.

    ***

    ولا يصح كذلك أنْ يقال: إنَّ الحضارة الغربية تمتاز بما شاع فيها من المادية بعد تقدم العلم، فالمادية ليست مقصورة على الحضارة الغربية، وقد وجدت في العالم الإسلامي وأنكرها المسلمون، كما ينكرها المسيحيون، وتجرد للرد عليها، ونصب الحرب لها فريق من علماء المسيحيين الغربيين وفلاسفتهم.

    وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق لا شك فيه — فالخصومة القائمة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي ليست خصومة بين حضارة وحضارة، وليست خصومة بين دين ودين، وإنما هي خصومة بين حب العدل والإغراق في الجور، وبين حب المساواة والغلو في التفريق وإيثار الاستعلاء والامتياز، وليس أدل على ذلك من أنَّ اختلاف الدين لم يمنع المسيحيين وغير المسيحيين من أنْ يعيشوا بين المسلمين كرامًا، ويشاركوا في الحضارة الإسلامية مشاركة عاملة موجبة لا مشاركة الخاضعين السلبيين، وهم ينكرون من طغيان الغرب ما ينكر المسلمون، وهم يطمحون إلى الحرية والعدل والكرامة، كما يطمح إليها المسلمون، وهم يجاهدون في سبيل هذه الحقوق كما يجاهد في سبيلها المسلمون.

    وليس أدل على ذلك أيضًا من أنَّ المخلصين للمسيحية الصادقين في الإيمان بها من أهل الغرب ينكرون ما يتورط فيه ساستهم وقادتهم من الاستعمار، وما ينشأ عنه من الجور والبغي والعدوان، وما يشيع بين الناس من البُغض والحقد والعداء.

    ***

    وليس أدل على ذلك آخر الأمر من أنَّ المسلمين يجدُّون في استدراك ما فاتهم، ويسعون إلى الحضارة الغربية مكتسبين لها، مشاركين فيها، آخذين بأسبابها، يوطنونها في بلادهم، ويحرصون على أنْ يكون نصيبهم منها كنصيب الغربيين؛ فليست الحضارة كلامًا يقال، وإنما هي علم وفن وفلسفة وعمل. والمسلمون يدرسون علوم الغرب وفنونه وفلسفته، ويضيفون إليها حين يتاح لهم ذلك ويلائمون بينها وبين أمزجتهم وطبائعهم وأخلاقهم وعاداتهم وسننهم الموروثة، لا يجدون بذلك بأسًا، ولا يلومهم في ذلك اللائمون وهم يصنعون ذلك كله الآن، كما صنع الغربيون ذلك كله بحضارة المسلمين في القرون الوسطى.

    ولم يستطع زملاؤنا الإيطاليون أنْ ينكروا ذلك أو يجادلوا فيه، وإنما عرفوه وابتهجوا له، وجرى الحوار بعد ذلك على أساس متين، فجعلنا نلتمس معهم أسباب الخصومة بين الإسلام والغرب، ولم نجد مشقة، ولم نتكلف جهدًا في تحديد هذه الأسباب؛ لأنها أوضح من أنْ تحتاج إلى البحث أو تكلف الجهد، فهي تنتهي كلها آخر الأمر إلى علة واحدة، هي الاستعمار الذي ورط الغربيين في كثير من الآثام، ورطهم في الظلم فاستغلوا أوطان الناس دون أنْ يكون لهم حق في استغلالها، واستأثروا بما تنتج هذه الأوطان من الثمرات من دون أهلها، واستذلوا أهل هذه الأوطان بالقوة الغاشمة لتخلص لهم ثمراتها، وإنْ حُرم أهل هذه الأوطان الاستمتاع بها، وتورطوا في القتل وسفك الدماء بغير حساب لا لشيء إلا لأنهم يريدون أنْ يستكرهوا الإصرار على أنْ يكونوا عبيدًا يجدُّون ويكدون لينعم الغربيون ويترفوا.

    ***

    وقال قائل الزملاء الإيطاليين: إنكم تسرفون على الغرب حين تذكرون له السيئات، وتنسون ما أهدى إليكم من الخير، فهو قد أَهْدَى إليكم علمه وفنونه وآدابه وفلسفته وإنتاجه المادي على اختلافه، وهو قد غيَّر حياتكم تغييرًا؛ يسرها بعد أنْ كانت عسيرة، وألانها بعد أنْ كانت قاسية خشنة. ولم أملك إنْ رددت على هذا الزميل في شيء من العنف بكلمة لم تلبث أنْ استقرت في نفوس أصحابه، فكانوا يلقونني بها كلما ضمنا مجلس يجدون حينًا ويمزحون أحيانًا … قلت: إنكم لا تهدون إلينا نتائج حضارتكم، وإنما نأخذها منكم أخذًا، ونأخذها منكم على رغمكم؛ لأننا نشتريها بالمال، ونؤدي إليكم أثمانها غالية، ولن تستطيعوا أنْ تستأثروا بها من دوننا؛ لأنكم لا تستطيعون أنْ تصدونا عن قراءة كتبكم وصحفكم والاختلاف إلى جامعاتكم ومعاهدكم، بل أنتم تتنافسون في بيع حضارتكم لنا، كنتم تظنون أنَّ ذلك يخضعنا لسلطانكم، ثم تبينتم أنَّ ذلك يغرينا بالتمرد عليكم والتخلص من بغيكم وطغيانكم، وانظروا — إنْ شئتم — إلى ما حدث في مصر، وما يحدث في شمال إفريقيا، وما يحدث في الأوطان الإسلامية كلها، بل في كل بلد حاولتم أنْ تستعمروه.

    ومضى الحوار بيننا على هذا النحو ستة أيام بعنف حينًا، حتى يبلغ من العنف أقصاه، ويرق حينًا حتى ينتهي إلى مودة وصفاء، ثم انقضى في اليوم الأخير على خير ما ينقضي عليه الحوار، انقضى على أنَّ الناس أخوة ما أقاموا حياتهم على الحب والعدل والتعاون على البر والتقوى، وأعداء إنْ أقاموا حياتهم على الأثرة والطغيان والبغي، وعلى أنَّ الخير كل الخير في أنْ يتجدد هذا اللقاء بين المسلمين وبين الغربيين؛ ليحاولوا بالبحث والدرس أنْ يصلوا إلى كلمة سواء. ولست أنسى حين أقبل ذلك الأستاذ الشيخ الذي كان يرأس جلساتنا، وهو من كبار الفقهاء الإيطاليين، لست أنسى حين أقبل يودعني على ظهر السفينة، ويذكرني متضاحكًا بهذه الكلمة التي قلتها، فاستقرت في نفسه: إنكم لا تعطوننا حضارتكم، ولكننا نأخذها منكم أخذًا.

    ولست أدري! لِم تكون مثل هذه الاجتماعات في أوروبا، ولا يكون شيء منها في الشرق العربي وفي مصر خاصة، ولكن هذا حديث يطول.

  • اليوم الموعود

    اليوم الموعود
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٦ أغسطس ١٩٥٤

    هو ذلك اليوم القريب البعيد الذي تتعلق به النفوس وتتصل به الآمال، والذي تصبو إليه القلوب وتسمو إليه الأماني، والذي يجلو فيه آخر فوج من الجنود البريطانيين عن أرض الوطن بعد عشرين شهرًا.

    هو قريب لأن عشرين شهرًا ليست شيئًا ذا خطر في حياة الشعوب، وهو بعيد لأن آمالًا كثيرة وآجالًا كثيرة تتقاصر من دونه، ولا يعرف أصحابها أيدركونه فيما قُدر لهم أن يدركوا من الأيام، أم يفوتهم فيما قدر أن يفوتهم من الأيام. في ذلك اليوم الموعود يستدير الزمن كهيئته منذ ستة وعشرين قرنًا، حين كانت مصر حرة بأوسع معاني الحرية، كريمة بأدق معاني الكرامة وأصدقها، مستقلة بأصح معاني الاستقلال وأعمقها، أمرها إليها وسلطانها خالص لأبنائها، لا يشاركهم فيه أجنبي مشاركة قريبة أو بعيدة، حين كانت مصر تقضي وحدها في كل أمورها، لا ترجع إلى عاصمة بعيدة في أعماق بلاد الفرس أو في أعماق بلاد اليونان والرومان، أو في أعماق بلاد العرب أو في دمشق أو بغداد.

    ويقضي أبناء مصر وحدهم في أمورها لا يشاركهم فيها ملوك وخلفاء، قد استقروا في أرضها، وألصقوا أنفسهم بها أو ألصقتهم هي بنفسها. نعم في ذلك اليوم الموعود بعد عشرين شهرًا تشرق الشمس على مصر، فتراها كما عرفتها منذ ستة وعشرين قرنًا، حرة كريمة خالصة لأبنائها، لا ترجع في أمرها إلى سلطان أجنبي بعيد مسيطر عليها، ولا إلى سلطان أجنبي قريب مستقر فيها، وإنما يدبر أمورها أبناؤها الذين خرجوا من أعماقها وتأثروا بطبيعتها الخالصة من كل شائبة، البريئة من كل زيف. في ذلك اليوم تعرف مصر نفسها، بعد أن أنكرتها وجدَّت في طلبها، واحتملت في سبيل هذا الطلب خطوبًا في إثر خطوب، وكوارث في إثر كوارث. فقد ينبغي أن يذكر المصريون أن وطنهم لم ينسَ نفسه في يوم من الأيام، ولم يقبل الضيم من أي مصدر من مصادر الضيم، وإنما جاهد في سبيل استقلاله منذ فقدَ هذا الاستقلال، وأرهق الغزاة والغاصبين والمحتلين من أمرهم عسرًا.

    يجب أن يذكر المصريون حين يظلهم ذلك اليوم الموعود أن وطنهم لم يسترح ولم يرح قط، منذ فقدَ الاستقلال في القرن السادس قبل المسيح، إلى أن استرده في القرن العشرين بعد المسيح. وإنما أنفق هذه القرون الطوال صابرًا مصابرًا ومجاهدًا معاندًا وثائرًا يشقى ويشقى مستذليه ومستغليه، حتى أتيح له أن يبلغ الغاية التي جدَّ في سبيلها، واحتمل ألوان العناء، وحمل غيره ألوان العناء ليبلغها وفي الاستقلال الحر الكريم.

    إن في تاريخ مصر أثناء هذه القرون الطوال لعبرًا لمن يريد أن يعتبر، وعظات لمن يريد أن يتعظ، وعلمًا لمن يريد أن يتعلم، وحكمة لمن يريد أن يبلغ أعماق الحكمة. مصر هي الوطن الوحيد في أقطار الأرض كلها، الوطن الوحيد الذي جاهد هذه القرون الطوال، شاعرًا بالجهاد أحيانًا وغافلًا عن الجهاد أحيانًا. ولكنه مجاهد دائمًا، محتفظ بشخصيته دائمًا، مشارك في تنمية الحضارة دائمًا، مؤدٍّ حق الإنسانية عليه دائمًا، مناهض للمستذلين والمستغلين، حتى أُتيح له أن يجني ثمر جهاده الطويل الثقيل الذي ملأ التاريخ علمًا وحكمة، وملأ الأرض حضارة وثقافة.

    وما أحب أن يظن القارئ أني أتمدح أو أتكثر أو أستجيب لهذه العاطفة الكريمة؛ عاطفة الحب للوطن، وإنما أنا أحقق ما أقوله كل التحقيق. وأيسر النظر إلى تاريخ مصر الطويل أثناء هذه القرون الستة والعشرين يثبت في غير شك، ولا لبس أن مصر لم تخضع قط لمستعمر إلا كارهة ثائرة حين استطاعت أن تثور، مناوئة حين لم تتح لها وسائل الثورة، وهي في أثناء ذلك مشاركة في تنمية الحضارة، ناهضة بأعظم حظ في حفظ الثقافة ونشرها وإذاعتها، منتهزة كل فرصة لتؤدي واجبها للإنسانية المتحضرة كاملًا غير منقوص.

    من حق المصريين أن يحبوا وطنهم أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن يفاخروا بتاريخه حين كان حرًّا مستقلًّا، وبتاريخه حين كان خاضعًا مستذلًّا؛ لأنه كان في هذين الطورين نافعًا للإنسانية دائمًا، ناهضًا بعبئه في غير كلل ولا ملل، وفي غير يأس ولا قنوط.

    وكأن مصر قد أبت أن تبلغ الغاية التي رسمتها لنفسها، إلا على أيدي أبنائها الخالصين من كل شائبة الخارجين من أعماقها، فقد أُتيح لمصر أن تجاهد وتقارب الفوز بما كانت تريد من هذا الاستقلال الكامل الموفور، ولكنها كانت تخفق حين تقارب الغاية، كأنها كانت تشعر بأن أوان الفوز لم يؤن بعد؛ لأن أمرها لم يكن إلى أبنائها.

    ما أكثر ما جاهَدَتِ الترك وقهرتهم أو كادت، وما أكثر ما جاهدت الإنجليز واستخلصت، وأرهقتهم من أمرهم عسرًا، ولكنها كانت دائمًا تقف قبل أن تبلغ الغاية، حتى إذا أزالت الملك الأجنبي عن وطنها، وثلت عرش محمد علي وبنيه، واستخلصت سلطانها لأبنائها، وردت هذا السلطان إلى الشعب كله، وعرفت أنها إن تدرك النجح يكن خالصًا لها من دون الأجنبي القريب أو البعيد؛ سعت إلى غايتها متمهلة وأدركتها مترفقة، وأصبح أبناؤها ذات يوم فإذا هم قد ظفروا في أقصر وقت ممكن بما لم تظفر به الأجيال الكثيرة في القرون الطوال.

    منذ عامين شبت الثورة فأنزلت عن عرش مصر آخر ملك أجنبي، ومنذ عام واحد أعلنت الثورة أن مصر ليست في حاجة إلى العرش؛ لأنه يغري بها الطامعين ويعلق بها آمال المغامرين، وإن الخير كل الخير في أن ترد أمر الشعب إلى الشعب، فألغت النظام الملكي وأعلنت النظام الجمهوري. وفي هذا العام بلغت الثورة الناشئة التي لم يتجاوز عمرها عامين اثنين ما أرادته مصر منذ أطول الأزمان من هذا الاستقلال الخالص الكريم، وحررت أرض مصر من الاحتلال الأجنبي الذي طالما تمنينا أن يزول وطالما جاهدنا في إزالته، فلم نبلغ مما تمنينا شيئًا، حتى ظن المستيئسون أن الذل قد سُجل على مصر تسجيلًا، وحتى زعم الزاعمون أن خصال الخير والشر قد قُسمت بين أقطار الأرض، على أن تختار كل خصلة من خصال الخير القطر الذي يلائمها، فتسعى إليه وتتبعها خصلة من خصال الشر، فاختار الغنى مصر وأعلن الذل أنه سيتبعه.

    فكيف بهؤلاء الزاعمين وأولئك المستيئسين لو رأوا مصر وقد احتفظت بالغنى وجددت السعي في إنمائه وإذكائه، ورفضت الذل وأقامت مكانه الإباء الأبي والعز العزيز.

    في عامين اثنين حققت ثورة الجيش في مصر أمورًا جسامًا، وأحدثت أحداثًا عظامًا؛ نفت عن نفسها النظام الملكي الذي خضعت له عشرات القرون، والذي جرَّ عليها كثيرًا من الضيم وفرض على أهلها الذل والهوان في عصور مختلفة من تاريخها في القرون الوسطى. وما بالك بأمة كانت تشتري ملوكها بالمال، ثم تُجلسهم على عرشها بعد أن تُهيئهم لذلك، وتعلمهم كيف يملكون وكيف يظلمون وكيف يُرهقون سادتهم من أمرهم عسرًا، وكيف يجزونهم من الخير شرًّا ومن العرف نكرًا ومن الإحسان إساءة وبغيًا وطغيانًا.

    نفت مصر عن نفسها هذا النظام في العام الأول من عامي هذه الثورة، فاستخلصت سلطانها الداخلي لأبنائها لا يشاركهم فيه أحد، ثم فرغت لمشكلاتها الخارجية فحلتها في يُسر ورفق قلَّما يعرف التاريخ لهما نظيرًا.

    حلَّت أول ما حلت مشكلة السودان، فلم تستأثر به لنفسها؛ لأنها لم تُرد ذلك في يوم من الأيام، ولم تتركه للطامعين فيه يستغلونه ويستذلون أبناءه، وإنما حرصت أشد الحرص على أن تظفر له بحريته قبل أن تظفر لنفسها بحريتها، ونجحت في تحقيق ما حرصت عليه. فأنشأت في شهور قليلة حكومة وطنية في السودان؛ قوامها أبناء السودان أنفسهم يدبرون أمورهم ويقررون مصيرهم، كما يحبون هم لا كما يحب غيرهم من الطامعين والمستعمرين. ثم التفتت إلى المشكلة الخاصة بينها وبين الإنجليز، فاشتدت حين كانت الشدة واجبة، ورفقت حين كان الرفق نافعًا، ورفضت كل ما لا يلائم الكرامة ولا يحقق العزة، وأبت إباء المستيئس، وقبلت قبول الآمل، وانتهت آخر الأمر إلى النهج الكريم في هذه الأيام الأخيرة، فضمنت الجلاء في غير مغامرة، ولا مقامرة بالمستقبل ولا إنكار للماضي ولا جحود لسنتها التاريخية المجيدة في الاتصال الأكيد بحضارة البحر الأبيض المتوسط؛ تلك الحضارة التي أنشأتها ثم أذاعتها ثم شاركت في تنميتها وتذكيتها، حتى أصبحت حضارة الإنسان كله في هذا العصر الحديث.

    وفي أثناء هذا كله عنيت بالإصلاح الاجتماعي، فجدَّت فيه غير وانية ولا متلكئة، فشرعت الإصلاح الزراعي لتلغي الفروق بين الطبقات، وتقر في نفوس المواطنين جميعًا أنهم إخوة ليس فيهم سيد ولا مسود، وأن ثروة مصر لم تُخلق ليستأثر بها فريق دون فريق، وإنما خُلقت لينعم بها المواطنون جميعًا كلٌّ على قدر بلائه وكفايته وجدِّه في العمل دون أن يكون في ذلك بغي أو سرف أو طغيان.

    في عامين اثنين حلت ثورة الجيش ما أحاط مصر من المشكلات الخارجية المستعصية؛ فاستخلصت السودان لأهل السودان، واستخلصت مصر لأهل مصر، ووضعت أسس الإصلاح الاجتماعي الداخلي.

    حققت هذا كله في أقصر وقت ممكن، بعد أن عجزت عن تحقيقه أجيال كثيرة في أزمنة متطاولة، وحققت هذا كله في رفق أي رفق وفي يسر أي يسر. لم تسفك في سبيله دمًا، ولم تزهق في سبيله نفسًا، ولم تعرِّض في سبيله مصلحة عامة أو خاصة لخطر قريب أو بعيد. فكان هذا كله مثلًا رائعًا سينتفع به العالم المعاصر من غير شك.

    ولقد قلت حين شبت ثورتنا هذه إنها لن تنفع مصر وحدها، ولكنها ستنفع أقطارًا كثيرة من حولها. وإني لسعيد الآن حين ألاحظ أني لم أكن مخطئًا ولا مغاليًا؛ فقد نفعت ثورتنا السودان فردته إلى أهله بعد أن كان طعمة سائغة للمستعمر، ولم تكد تمضي اتفاق الإنجليز منذ أيام حتى اضطرت فرنسا إلى أن ترد إلى تونس جزءًا عظيمًا من حقها، فردت إليها الاستقلال الداخلي، وسترد إليها الاستقلال الكامل في يوم قريب ما في ذلك شك.

    ولست أنا الذي يخترع هذه المقاربة بين ما حدث في مصر وما حدث في تونس، فقد اعترفت به الصحف الفرنسية نفسها، وكتبت جريدة الموند في تعليقها على الاتفاق الإنجليزي المصري تقول: إن هذا الاتفاق سيؤثر في المشكلة التونسية من غير شك، ثم لم نلبث إلا يومين اثنين وإذا رئيس وزراء فرنسا يطير إلى تونس ليعلن إليها أن فرنسا ترد إليها استقلالها الداخلي في صراحة لا تَحفُّظ فيها.

    وسجلت الصحف الإيطالية ذلك اليوم في تعليقها على القرار الفرنسي، فقالت الكويري دلاسيرا: إن من الملاحظ أن هذا القرار جاء في إثر الاتفاق المصري البريطاني.

    وأنا واثق كل الثقة بأن أثر هذا الاتفاق سيتجاوز تونس إلى مراكش، وعسى أن يكون ذلك قبل أن تنشر الجمهورية هذا الحديث.

    فمصر قلب العالم العربي ما في ذلك شك، وحرية مصر أساس لحرية العالم العربي كله ما في ذلك شك أيضًا، وأنا مطمئن بعد هذا كله إلى أن حرية مصر الكاملة لن تنفع المصريين والعرب وحدهم، ولكنها ستنفع الإنسانية المتحضرة كلها.

    فمركز مصر بين الشرق والغرب جدير بأن يجعلها مصدر خير كثير للشرق والغرب حين تطمئن وترضى، ومصدر شر كثير في الشرق والغرب حين تضطرب وتسخط، بشرط أن يُحسن المصريون تدبير أمورهم في حزم وعزم ورفق ومضاء. وأشهد لقد دبرت الثورة أمور مصر في حزم ورفق ومضاء، فلننتظر هذا اليوم الموعود فرحين مستبشرين ليسعد به الذين يدركونه وليرضى عنه الذين لا يُتاح لهم إدراكه، ويعلموا أن قد أتيح لهم أن يعيشوا حتى يروا وطنهم قد بلغ ما أراد وأصبح وطنًا عزيزًا كريمًا.