ذلة
طه حسين
جريدة صوت الأمة
١٠ أغسطس ١٩٤٦
…
هذه هي التي يعرضها علينا السادة البريطانيون، ويقال إن من المصريين من يريد أن يقبلها؛ لأنه يرى فيها العزة كلَّ العزة والإباء كل الإباء. فسيصبح من حق البريطانيين — إن أُمضيت المعاهدة المرتقبة — أن يسفكوا دماء المصريين في غير مشاورة ولا مراجعة، إن تعرض بلد من البلاد المتاخمة لمصر لخطر ما.
والأخطار كثيرةٌ جدًّا، مختلفةٌ جدًّا، متباينةٌ فيما بينها أشدَّ التباين، قد تأتي من منافسة بين الإنجليز وبين حلفائهم المنتصرين معهم الآن حول المستعمرات الإيطالية السابقة، فيكون الحق على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحوا بالجهود والأموال والمرافق ليؤبِّدوا تسلط الإنجليز على برقة، وبقاءهم جاثمين على حدود مصر الغربية. وقد تأتي من إصرار البريطانيين على سياسة منكرة في فلسطين لا يرضاها العرب؛ لأنها لا تلائم حقوقهم ولا منافعهم. وقد يكون بين أمم الأرض وشعوبها من تدفعهم المروءة والنجدة إلى معونة هؤلاء العرب البائسين.
وليس من الضروري أن تكون هذه الأمة هي روسيا التي لا يذكر اسمها إلَّا مقرونًا بالشك مثيرًا للخوف؛ ففي الأرض أمم أخرى قد تعطف على العرب وقد تفكر في معونتهم إن أصرَّ الإنجليز على سياسة اللعب بالحقوق والدماء والعقول في فلسطين، وقد تكون هذه الأمم عربية لا أوروبية؛ هنالك تتعرض فلسطين للخطر في رأي البريطانيين، وهنالك يجب على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحُّوا بما يملكون من جهد وقوة ليؤيدوا حلفاءهم البريطانيين، وليدافعوا عن سياستهم المناقضة لآمال العرب الهادمة لحقوقهم.
كل شيء يمكن في السياسة الدولية؛ فممكن أن تتعرض القوة البريطانية لخطر في برقة، وممكن أن تتعرض لخطر في فلسطين على النحو الذي أشرت إليه أو على غيره من الأنحاء. وواجب يومئذ أن تتحرك الجيوش المصرية المظفرة لتدافع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية هنا وهناك، لا لشيء إلَّا لأن جماعة من المصريين يريدون فيما يقال أن يُمْضُوا هذه المحالفة الرائعة البارعة مع الإنجليز. وليس المصريون خيرًا من الهنود، وليست الدماء المصرية أذكى من الدماء الهندية، وقد سفك الهنود دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في جميع أقطار الأرض في الحربين العالميتين. فما الذي يمنع المصريين من أن يسفكوا دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في ليبيا وفي فلسطين؟ أليس من الحق على المصريين أن ينظموا الكواكب عقود مدح لحلفائهم الإنجليز؛ لأنهم لا يريدون منا أن نسفك دماءنا دفاعًا عن مصالحهم إن اعتُدِيَ عليها في بلد بعيد عن مصر؟! إنهم يؤثروننا على الهند، ويمنحوننا مزايا لم يمنحوها للهند. فهم يعلمون أننا لا نحب الغربة ولا نحب الموت في أرض الغربة، وهم من أجل ذلك يقبلون أن يموت أبناؤنا دفاعًا عنهم قريبًا من أرض الوطن. ألست توافقني على أنهم يمنحوننا من الفضل ما يستحقون من أجله أن نُمْضِي المعاهدة شاكرين؟
أمَّا المعاهدة التي أمضيناها منذ عشر سنين، فقد بعد بها العهد حقًّا، وأصبحت غير ملائمة للظروف لا بالقياس إلى مصر، فظروف مصر لا تعني البريطانيين من حيث إن مصر مركز من مراكز الدفاع الإمبراطوري ومورد من موارد هذا الدفاع.
فأمَّا حب المصريين للجلاء وطموحهم إلى الاستقلال بشئون أنفسهم، فآمال حلوة وأماني خلابة للمصريين أن يحلموا بها نيامًا وأيقاظًا، وأن يتحدثوا بها حين يسبغ الله عليهم الصحة فرحين لمحنتهم بالمرض، فللصحيح أن يهذي كما يهذي المحموم.
المعاهدة القديمة إذن لا تلائم ظروف الإنجليز؛ فقد أثبتت التجربة أن الإنجليز لم يرسلوا جنودًا مصريين لطرد الإيطاليين والألمان من ليبيا ومن أفريقيا الشمالية؛ فيجب أن تُتِيح لهم المعاهدة الجديدة هذه المزية، وأن يستبقوا مزايا المعاهدة القديمة للانتفاع بها حين تتعرض مصالحهم للخطر في بلد آخر من بلاد الشرق الأوسط أو القريب، إذا تعرضت مصالحهم للخطر في تركيا أو في إيران مثلًا؛ وجب على مصر أن تضع مرافقها كلها تحت أمرهم المطاع، وشيء خير من لا شيء.
والاستعمار البريطاني يجب أن يسعى في هذه الأيام سعيًا هادئًا، وأن يخطو خطوات معتدلة. ظفر من مصر في المعاهدة القديمة بالمعونة التي لا تستتبع إعلان الحرب حين تعلن بريطانيا العظمى الحرب أو حين تُعْلَن عليها الحرب، وسيظفر من مصر في المعاهدة الجديدة — إذا أراد صدقي باشا — بإكراه مصر على الاشتراك فورًا في الحرب في بعض الظروف، وعلى المعونة المسالمة أو المحاربة في بعضها الآخر.
ثم يقال بعد ذلك إن السياسة البريطانية فقدت ما كانت تمتاز به من اللباقة والدهاء. كلا لم تفقد السياسة البريطانية شيئًا من لباقتها ودهائها، وإنما الذي أخشاه كل الخشية أن تكون الوطنية المصرية قد فقدت شيئًا من استئثارها بكل القلوب، ومن ثقتها بالحق الكامل في الاستقلال الكامل، ومن إيمانها بالقدرة على اكتساب هذا الحق. وليس أدلَّ على ذلك من أن بعض المصريين — فيما يقال — يريد أن يُمْضِي هذه المعاهدة، وأن يتيح للإنجليز هذا الفوز، ويسجِّل على المصريين هذا الذلَّ، ويحتِّم عليهم بحكم المعاهدة أن يَنْفِرُوا إلى الحرب خفافًا وثقالًا حين يريدهم الإنجليز على أن ينفروا إليها خفافًا وثقالًا.
وكان المصريون يؤمنون بأن السيادة على السودان كالسيادة على مصر لأهل وادي النيل ممثلة في العرش المصري الذي هو عرش وادي النيل. وكان الإنجليز أنفسهم يزعمون أنهم شركاؤنا في الإدارة لا في السيادة! فقد تغيرت الحال وتقدَّم الإنجليز خطوة أخرى، وقبلها منهم بعض المصريين فيما يقال، فهم لا يقرون السيادة الواحدة في الوادي الواحد تحت التاج الواحد، وإنما يريدون أن يقسِّموها سيادتين: إحداهما لمصر ينتقصونها هم بمشاركتهم في الدفاع، والأخرى تظل أمانة لا أدري في أيديهم وحدهم أم في أيديهم وأيدي قوم غيرهم من الناس أو من الشياطين.
والمهم هو أنهم ينكرون على وادي النيل وحدة السيادة على نفسه، ويأبون إلَّا أن يجزِّئُوها ويشاركوا فيها مشاركة استئثار في السودان ومشاركة النِّدِّ للنِّدِّ في مصر. ويوجد بين المصريين من يقبل منهم هذا، ويريد أن يسجِّله لهم تسجيلًا، وأن يوقعه لهم بخطه الكريم. والغريب أن الإنجليز يحتملون الهول كلَّ الهول للدفاع عن سيادة الإمبراطورية المصطنعة، ويأبون كلَّ الإباء أن يدافع وادي النيل عن سيادته الطبعية في أرضه وعلى شاطئ نهره الذي كان كريمًا على نفسه وعلى الناس، فَهَانَ أمره الآن على نفسه وعلى الناس.
أمَّا قصة الدفاع المشترك فعجب من العجب، وما ينبغي لنا أن نعجب من شيء ما دام بيننا من يستطيع أن يقبل المعاهدة، وأن يمضيها، وأن يسجل علينا الذل والهوان أعوامًا طوالًا. والناس يقرءون في كل يوم من غير شك أن روسيا تطلب إلى تركيا تنظيم دفاع مشترك بينهما عن المضايق، فيأبى الترك كلَّ الإباء أن يذعنوا لهذا الطلب، أو يناقشوا فيه، ويؤيدهم الإنجليز في هذا الموقف الكريم، ويُظْهِرون استعدادهم لإعلان الحرب تأييدًا للاستقلال التركي وحماية له من هذا الدفاع المشترك البغيض.
وليست قناة السويس بأقلَّ خطرًا من المضايق، وليست مصالح الإنجليز فيما وراء القناة بأعظم قدسية من مصالح الروس فيما وراء المضايق. ولكن الدفاع المشترك إثم وإجرام وانتهاك للحرمات إذا طلبته روسيا من تركيا، وهو حق وعدل وتثبيت للاستقلال إذا طلبته بريطانيا العظمى من مصر. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فروسيا تحتل تركيا وبريطانيا تحتل مصر. وليس في تركيا وزراء ولا مفاوضون يحبون إجابة روسيا إلى ما تريد، وفي مصر وزراء ومفاوضون قليلون أو كثيرون — لا أدري — يحرصون على إجابة بريطانيا العظمى إلى ما تحب.
وفي تركيا شعب يستأثر بالسيادة في أرضه لا يشاركه فيها أحد ولا يغلبه عليها أحد، وفي مصر شعب قد وضعت كثرته على الرفِّ واستأثرت بالأمر من دونه قلة ضئيلة يبلغها الإحصاء في غير عناء. فهي تأمر وتنهى وهي تُبْرِم وتَنْقُض، وهي تفاوض البريطانيين في مصير الشعب، بعد أن حرمت هذا الشعب حقه الطبيعي اليسير في أن يكون حرًّا يُعْرِب عما يريد وعما لا يريد.
فأي غرابة إذن في أن يكون الدفاع المشترك جريمة إن طلبه الروس وحقًّا وخيرًا وعدلًا إن طلبه الإنجليز؟!
كذلك أراد الله، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له؛ فليس على المصريين إلَّا أن يبتهلوا إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الذل الذي تُنذِرهم به المفاوضات، كما يبتهلون إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الدمار الذي ينذرهم به طغيان النيل. والغريب أن المصريين لا يملكون حتى هذا الابتهال إلى الله؛ فوزراؤهم متضامنون مع رئيس الوزراء في قبول المعاهدة، ولن يؤذن للمصريين بأن يبتهلوا إلى الله في المساجد والكنائس والمعابد لشيء يكرهه رئيس الوزراء.
وإذن فليبتهل المصريون إلى الله فيما بينهم وبينه في دخائل نفوسهم وأعماق ضمائرهم، وليسرعوا، فمن يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يبتكر وسيلة يتسلَّط بها على أعماق الضمائر ودخائل النفوس.
Tag: military alliance
-
ذلة
-
شركة
شركة
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٥ نوفمبر ١٩٤٥
لن تتدخل بريطانيا العظمى في شئون الشرق الأوسط، ولكنها ستنشئ له مكتبًا خاصًّا يُعنى بأمره؛ ليتحقق التعاون بين أجزاء هذا الشرق من جهة، وبينه وبين بريطانيا العظمى من جهة أخرى. وسيكون هذا التعاوُن شاملًا كاملًا مرنًا يتناول بنوع خاص شئون الاقتصاد التي تحقق الرخاء للشرق، وتصلح حياة الرجل العادي وترفع مستوى هذه الحياة إلى الدرجة التي تلائم كرامة الإنسان.
وبريطانيا العظمى لا تريد سيطرةً ولا استعلاءً، وهي من أجل ذلك لن تتدخل في شئون هذا الشرق، ولن تُقحِم نفسها في مشكلاته، ولن تعرض لشئون الحكم فيه؛ لأن هذه الشئون مقصورة على الشعوب نفسها لا ينبغي للأجنبي أن يعرض لها أو يدخل فيها. إنما تريد بريطانيا العظمى أن يقوم الأمر بينها وبين الشرق الأوسط على أساس من المشاركة التي تعتمد على المساواة لا على التفوُّق، وبهذا كله يتحقق الإنصاف الكامل الشامل وينعم الشرق بالحياة الكريمة القائمة على الحرية والاستقلال.
بهذا كله تحدَّث مستر بيفن إلى مجلس العموم حين نوقشت السياسة الخارجية البريطانية في هذا المجلس أول أمس. وهذا كلام كله مرن لا يشبهه في المرونة إلَّا الاستقلال الذي يُراد أن يُعترف به للشرق الأوسط. ومن قبل ذلك تحدث مستر بيفن عن هذه الشركة التي لا تقوم على السيطرة والاستعلاء، وإنما تقوم على العدل والمساواة، وعلى توفير الرخاء وإصلاح الاقتصاد ورفع مستوى الحياة بالقياس إلى الأفراد. تحدث بهذا كله في غير خُطبة من خُطَبِهِ التي ألقاها هنا وهناك، ولا أكاد أعرف أحدًا منَّا وقف عند هذا الحديث إلَّا الأستاذ محمود عزمي الذي تساءَل ذات يوم عن هذه الشركة: أتشمل شئون مصر وحدها أم تشمل معها شئون بريطانيا العظمى؟
فأمَّا غير الأستاذ محمود عزمي من الكُتَّاب فأهملوا شأن هذه الشركة إهمالًا، ولم يُعنَوْا إلَّا بما قاله مستر بيفن من أن بريطانيا العظمى لا تريد أن تتدخل في شئون الشرق ولا أن تعرض لأمور الحكم فيه، ومع ذلك فلهذا الحديث خطر أي خطر؛ لأنه صريح على مرونته واضح على ما يحاول فيه مستر بيفن من الالتواء، وهو يلقي ويكرِّر حتى يوشك أن يجري مجرى الأمثال السائرة والكلمات الشائعة.
وهو يلقي ويكرر في نفس الوقت الذي يتحدث فيه المصريون عن استكمال الاستقلال، والذي يطمح فيه الشرقيون جميعًا إلى تحقيق هذا الاستقلال. فهذا الحديث رسم للسياسة البريطانية بإزاء هذا الاستقلال في المستقبل من الأيام، رسم للسياسة البريطانية التي لا يريد مستر بيفن أن يخرج عنها مهما تكُن الظروف ومهما يكُن من إلحاح المفاوضين المصريين والشرقيين على السواء.
فوزير الخارجية البريطانية إنما يقول بهذا الحديث للمصريين وغيرهم من أهل الشرق: قد نفاوضكم إذا أردتم المفاوضة، وقد نُتِمُّ لكم الاستقلال إذا أردتم أن نتمه لكم، ولكن هذا كله سيكون في هذه الحدود التي ترونها، لن نتدخل في شئونكم، ولكنا لن نخلي بينكم وبين أموركم تقضون فيها كما تشاءون، ولكنا سنقيم الأمر بيننا وبينكم شركة حرة قوامها العدل والمساواة. فإذا سألنا عن هذه الشركة ما موضوعها، فموضوعها واضح جدًّا: الاقتصاد والمال من جهة والدفاع العسكري من جهة أخرى، الاقتصاد والمال لأن بريطانيا العظمى رفيقة جدًّا بأهل الشرق، لا تريد أن يجوعوا ولا أن يظمَئوا ولا أن يَعْرَوْا، وإنما هي كوزارتنا القائمة تريد أن تكفل لهم الغذاء والكساء وتجنبهم الفقر والضُّر، وإن لم تكفل لهم شيئًا وتجنبهم شيئًا، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تترك لنا شئون المال والاقتصاد نستقل بها كما نشاء، ونصرفها كما نحب؛ لأن ذلك قد يعرضنا للبؤس والشقاء، ونحن أحب إليها وآثر عندها من أن تتركنا نتعرض للبؤس والشقاء. وهي في الوقت نفسه حريصة على أن تروج تجارتها ويستقر سلطانها المالي والاقتصادي، ولا بد لها من أن تنتفع كما ننتفع نحن أيضًا. فرواج تجارتها واستقرار سلطانها المالي ينفعها من غير شك، وينفعنا من غير شك أيضًا، وكذلك تتحقق الشركة التي تقوم على العدل والمساواة لا على السيطرة والاستعلاء. فإن خطر لنا أن نذهب في التجارة والاقتصاد مذهبًا غير مذهبها، أو أن نلجأ في التصدير والاستيراد إلى غير أسواقها ومصانعها، فنحن ظالمون معتدون، وليس ينبغي لها أن تقرنا على هذا الظلم أو أن تقبل منَّا هذا الاعتداء. وكذلك تتحقق الشركة التي يريدها مستر بيفن بيننا وبين حلفائنا البريطانيين على أساس من العدل والمساواة لا من السيطرة والاستعلاء، ليس لنا أن نتَّجر مع أمريكا مثلًا إلَّا بالمقدار الذي تسمح لنا به شريكتنا وحليفتنا العظمى، ولها هي أن تتَّجِر مع أمريكا وغير أمريكا كما تشاء بالطبع؛ لأنها شريكة لنا في شئوننا نحن لا في شئونها هي. وقد يسمي الناس هذا النوع من الشركة تحكمًا واحتكارًا، ولكنها هي تسميه عدلًا ومساواةً واستقلالًا، وهذا يكفي. ثم هي بالطبع ستُشرِف على ما يكون من تعاوُن اقتصادي ومالي بيننا وبين جيراننا الشرقيين لتنسقه تنسيقًا عادلًا؛ فهي كريمةٌ جدًّا لا تُعنَى برضائنا وحدنا بل تُعنَى برضاء الشرقيين جميعًا. وهي إذن ستُمسِك بيدها ميزان العدل بيننا وبين جيراننا وإخواننا الشرقيين، وستكون هي الحكم إن شجر بيننا خلاف قليل أو كثير، وكذلك يتحقق الاستقلال الجديد في شئون المال والاقتصاد.
وواضح جدًّا أن هذا الاستقلال يجب أن يُحمى، ويجب أن يُصان، ويُردَّ عنه العدوان. فنحن سنظفر بشيءٍ كثيرٍ من الرخاء، وقد يطمع الطامعون في هذا الرخاء ليشاركونا فيه أو ليزاحموا حليفتنا عليه، ولا ينبغي أن يُتاح للطامعين من تحقيق المآرب وإرضاء المنافع؛ لأن ذلك يؤذي الشريكين أحدهما أو كليهما، وكما أننا سنشترك في هذا الرجاء فسنشترك في الدفاع عنه أيضًا، فإذا أضفت إلى ذلك أننا لحسن الحظ نقع في طريق الإمبراطورية ونكوِّن جزءًا خطيرًا من طرق المواصلات بين حليفتنا ومستعمراتها؛ أصبح واضحًا كل الوضوح أن الشركة العسكرية بيننا وبين الحليفة العظيمة ليست أقل لزومًا من الشركة في شئون المال والاقتصاد.
هذا هو كل ما تريده بريطانيا العظمى من مصر ومن الشرق، لا تريد أن تتدخل ولا أن تسيطر، وإنما تريد أن تشارك في ترقية الحياة المادية اليومية، وفي حماية هذه الحياة من عدوان المعتدين. فأمَّا السياسة وشئون الحكم فهي زاهدة فيها كل الزهد، مُعرِضَة عنها كل الإعراض. وما أعرف جوابًا معقولًا لهذا الذي يعرضه علينا وزير الخارجية البريطانية إلَّا أن يغرق الشعب المصري في ضحكٍ عريض لا يكاد ينقضي، فأقل ما يوصف به هذا الكلام هو أنه ساذج لا يقنع أحدًا ولا يخدع أحدًا إلَّا من يريد أن يتعمد الغفلة ويتكلف الاقتناع والانخداع؛ فهذه الشركة التي يريدها مستر بيفن قد نريدها نحن وقد لا نريدها، فإذا رفضناها فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا الرفض، أيرضاه أم يأباه، وإذا قبلناها فقد يكون لنا رأي في تنفيذها تنفيذًا شاملًا أو تنفيذًا منقوصًا، وقد يكون لنا رأي في توقيتها بأجل طويل أو قصير، وقد يكون لنا رأي في موضوعها، فقد نحب أن نشارك البريطانيين في بعض الأمر والأمريكيين أو غيرهم مثلًا في بعضه الآخر. فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا كله، أيرضاه أم يأباه؟ وحماية هذه الشركة أنستقل بها نحن فلا يكون لحلفائنا أي تدخل عسكري في هذه الحماية من قُرب أو من بُعد أن نشترك في هذه الحماية؟ وإذن فأي فرق بين ما سنصل إليه في المستقبل وما نحن مضطرون إليه الآن؟ أيبقى في مصر أو في الشرق جيش بريطاني قليل أو كثير لحماية هذه الشركة أو للمعونة على هذه الحماية؟ وإذن فأين الجلاء؟
وبعد، فهل من الحق أن هذه الشركة إن وجدت تكفل الاستقلال السياسي وتمنع من التدخل في شئون الحكم؟ وكيف السبيل إلى الاستقلال السياسي إذا شارك حلفاؤنا في الحياة الاقتصادية وفي حماية هذه الحياة؟ أليس هذا كله كلامًا إن دل على شيء فإنما يدل على أن وزير الخارجية البريطانية ما زال ينظر إلى الشرقيين على أنهم أطفال يمكن أن يُخدعوا بهذه الألفاظ الحُلوة التي لا تغني شيئًا. فهل يريد الشرقيون وهل يريد المصريون خاصةً أن يكونوا أطفالًا، وأن يُخدعوا بهذه الألفاظ؟ أم هل يريدون أن يكونوا رجالًا وأن يقولوا لوزير الخارجية البريطانية إنهم لا يحبون شيئًا كما يحبون التعاوُن الذي يقوم على الاستقلال الصحيح في شئون المال والاقتصاد وفي شئون السياسة والحرب، وإنهم لا يبغضون شيئًا كما يبغضون هذه الشركات التي يعرفون كيف تبتدئ ولا يعرفون كيف تنتهي.