Tag: Minister of Public Works

  • موقفان

    موقفان
    الناس يقولون، ويسرفون في القول، ويؤكدون ويلحون في التأكيد أن صاحب المعالي وزير الأشغال لا يحب خزان جبل الأولياء، ولا يطمئن إليه، ولا يرى — على أقل تقدير — العجلة في إقامته وتشييده، وتكلف ما سيتكلفه من النفقات في تلك الإقامة وهذا التشييد، وفي هذه الأيام التي تشتد فيها الحاجة، لا أقول إلى الاقتصاد والتدبير، بل إلى البخل والتقتير.
    والناس يذكرون لانصراف وزير الأشغال عن هذا الخزان وتنكره له أسبابًا فنية، أفهم بعضها في مشقة وعسر، ولا أفهم من بعضها الآخر شيئًا. والناس يزعمون أن وزير الأشغال يرى — كما يرى غيره من الفنيين — أن في إقامة هذا الخزان خطرًا غير قليل، وعبثًا لا حد له إذا لم تتخذ ضروب من الاحتياط في مهم أمره، فتقوى قناطر وجسور، وتعمق ترع، وتوسع أقنية، إلى غير هذا الكلام الذي هو أشبه بالعبرية أو السريانية أو لغات الواق واق، ولكنه يرضي خصوم الخزان ويدفعهم إلى المضي في المطالبة بالعدول عن الخزان، أو اصطناع الريث والأناة في إقامته.
    على أن وزير الأشغال تفضل فأراح أنصار الخزان وخصومه من الجدال والنضال حول رأيه في إقامة الخزان اليوم أو غدًا، وبعد أعوام، أو العدول عنه جملة.
    أراح الوزير خصوم الخزان، لأنه كذب تكذيبًا صريحًا كل ما ذاع وشاع، وملأ الأسماع من تردد الحكومة ومن رأيه هو في خزان جبل الأولياء: أيقام أم ينام؟
    فلن يتناقش الناس منذ اليوم في موقف وزير الأشغال من الخزان، ولن يحتج به الخصوم والأنصار، ولن يتكلف الأنصار الحيل والأعذار للوزير الذي يعمل في وزارة لا يتفق معها في الرأي، وفي أشد المسائل اتصالًا به، بل في مسألة يجب أن يكون أمرها إليه قبل كل إنسان.
    فرغ الناس من هذا كله بهذا البلاغ اللبق الظريف المرن الذي أصدره وزير الأشغال، وإن كان الذين يريدون أن يفهموا — ليفهموا ليس غير، لا ليخاصموا ولا ليؤيدوا — لم يتبينوا في جلاء رأي الوزير فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين فنه، وفيما بينه وبين تقديره لحاجة مصر وطاقتها ومنفعتها.
    لم يفهم هؤلاء الناس رأي الوزير: أهو من أنصار الخزان أم من خصومه؟ وإنما فهموا — وهذا يكفي — من الجهة العملية أن الوزير لا يعارض ولا يمانع في إقامة الخزان، وأنه لم يحل ولن يحول دون الحكومة وما تريد من ذلك. وهذا معقول، فقد اتخذت الحكومة قرارها، ووزير الأشغال بعيد عن الحكم، فهو إذن لا يحتمل تبعة هذا القرار. وقد لا يكون من الظرف ولا من حسن المجاملة أن يأتي فيعطل شيئًا أو يحاول تعطيل شيء مضت فيه الوزارة قبل أن يشترك فيها.
    هذا إذن شيء مفروغ منه. أظهر وزير الأشغال موقفه من حيث إنه وزير، واحتفظ برأيه الخاص لما بينه وبين اللّٰه. ولعله ذكر وهو يصدر هذا البلاغ قول الشاعر القديم:
    وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد؟
    ولكن الناس لم يكونوا يتحدثون عن وزير الأشغال وحده، ولا عن مجلس الوزراء وحده، وإنما كانوا يتحدثون عن المستشار المالي الإنجليزي أيضًا.
    كانوا وما زالوا يقولون ويؤكدون ويلحون في القول والتأكيد إن المستشار المالي يرى أن طاقتنا المالية لا تسمح بإقامة هذا الخزان الآن. والمستشار المالي — كوزير الأشغال — له بالطبع موقفان قد يتفقان فيصبحان موقفًا واحدًا، وقد يختلفان فيشتد بينهما الاختلاف: أحدهما موقفه فيما بينه وبين نفسه، والآخر موقفه فيما بينه وبين الحكومة التي يعمل فيها ويشير عليها.
    وقد يكون المستشار المالي ميالًا جدًا إلى إقامة الخزان لأنه إنجليزي لا يستطيع أن يهمل منافع الإنجليز، ولا أن يمحو العاطفة الإنجليزية من نفسه. والناس يقولون إن للإنجليز في إقامة هذا الخزان منفعة واضحة لا تحتمل الشك. ولكن المستشار المالي رجل يقدر فيما يظهر موقفه الفني وما يقتضيه هذا الموقف من النصح والأمانة، وهو يعلم أن المستشار مأمون، فيظهر أنه لم يتردد — رغم إنجليزيته — في أن يشير على مصر بالتأني في إقامة هذا الخزان، لأن طاقتنا المالية لا تسمح بمثل هذه المغامرة الآن.
    يعجبني جدًا هذا النحو من الشجاعة الذي يتيح للرجل أن يحب الشيء ويتمناه، ويحرص عليه، ولا يتردد مع هذا — بل رغم هذا — في أن ينصح بالعدول عنه، لأن الأمانة الفنية تأمره بذلك، فهو يؤثر أمانته الفنية على إرضاء ميوله الخاصة وعواطفه القومية. والناس يؤكدون ويلحون في التأكيد أن المستشار المالي قد وقف من خزان جبل الأولياء موقفًا أقل ما يوصف به أن فيه نصحًا للحكومة المصرية بالتريث والأناة.
    وليس يعنيني أن يكون المستشار المالي قد قدم هذه النصيحة وهو يتمنى أن تقبل لتتحقق منفعة مصر، أو ترفض لتتحقق منفعة الإنجليز، وإنما الذي يعنيني أنه قدم هذه النصيحة بالفعل، وأنه أظهر للحكومة المصرية منذ قدم نصيحته هذه واجبًا واضحًا جليًا.
    وقد يكون من الحق على الحكومة — لنفسها أولًا، ولمصر ثانيًا، وللإنجليز ثالثًا — أن تصدر بلاغًا تريح الناس فيه من الكلام حول موقف المستشار المالي في هذه المسألة، كما أراحهم من الكلام حول موقف وزير الأشغال.
    فهل نصح المستشار المالي بالتأني في إقامة الخزان؟ فإن كان الجواب: نعم، فيجب أن يعلمه الناس، ويجب أن تبين الحكومة حججها أو معاذيرها في الإعراض عن هذه النصيحة. وإن كان الجواب: لا، فيجب أن يعلمها الناس حتى لا يوصف المستشار المالي بغير ما فيه، وحتى لا تتهم الحكومة بأنها تعرض عن نصيحة قد يكون فيها الخير، وبأنها تميل إلى إرضاء الإنجليز أكثر مما يميل الإنجليز إلى إرضاء أنفسهم.
    لقد أزعج الحزبان المؤتلفان رئيس الوزراء — على حاجته الشديدة إلى الراحة والهدوء — حين ثارت الخصومة في مجلس النواب بين الاتحاديين والشعبيين حول إعانة الأوبرا، ونستطيع أن نؤكد للحكومة أن موقف المستشار المالي من خزان جبل الأولياء له خطره، وهو خليق بأن يتحدث فيه إلى رئيس الوزراء — على شدة حاجته إلى الراحة والهدوء — وهو خليق أن يسأل رئيس الوزراء عن الطريقة المثلى المعقولة التي ينبغي أن تسلك لتجليته وتوضيحه أمام الرأي العام.
    لقد كان وزير الأشغال لبقًا ظريفًا في بيان موقفه هو، ولكن بيان موقف المستشار المالي يحتاج فيما يظهر إلى لباقة رئيس الوزراء نفسه. فلعلنا نقرأ اليوم أو غدًا بلاغًا يكشف للناس عن وجه الحق في هذه المسألة: أقال فيها المستشار شيئًا أم لم يقل؟ فإن تكن الأولى، فماذا قال؟
    كوكب الشرق في ١١ – ٣ – ١٩٣٣