هفوة …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٣٠ أكتوبر ١٩٤٦
لم يكن ليتورط فيها صدقي باشا لولا أنه رجل قد تقدَّمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، وطال انتظاره لهذا اليوم العظيم الذي يُحدِث فيه حدثًا خطيرًا في السياسة المصرية، ويلعب فيه دورًا ذا بال كما يقول أصحاب التمثيل. فصدقي باشا يداعب الأمل منذ أكثر من ربع قرن بأن يكون له في السياسة المصرية موقف يشبه موقف جماعة من أصدقائه وأترابه ومعاصريه.
وهو يبذل في سبيل هذا جهودًا لا تعرف كللًا ولا مللًا ولا فتورًا، ويتجشم في سبيل هذا أهوالًا ثقالًا عرَّضته لكثير من المحن.
والمصريون جميعًا يذكرون مواقفه في باريس حين كان الوفد المصري يحاول الاتصال بمؤتمر الصلح، ومواقفه في لندرا حين كان عدلي باشا يفاوض في لندرا، ومواقفه في القاهرة حين كان ثروت باشا يعمل لتصريح ٢٨ فبراير.
والمصريون يذكرون هذه المحاولات اليائسة التي حاولها حين كان رئيسًا للوزارة؛ ليتصل بوزير الخارجية البريطانية، فلما لم يستطع أن يلقاه في لندرا احتال حتى لقيه في جنيف، ثم لم يظفر منه بشيء.
هي إذن شهوة في نفسه وشهوة طبيعية، فما ينبغي أن يكون حظه أقلَّ من حظ المصريين الذين فاوضوا في القاهرة، أو في غير القاهرة من مدن الأرض.
وربما كانت هذه الشهوة الحادة الملحة هي التي دفعت صدقي باشا إلى أن يسرع إلى الحكم، حتى إذا تراءى له الحكم لم يتردد رعاية لصحته، ولم يتردد رعاية لتاريخه القديم، ولم يتردد رعاية لرأي الناس فيه، ولم يتردد لإشفاق الناس منه، وشكهم في كل ما يعمل أو يقول، لم يتردد لشيء من هذا كله؛ لأن الفرصة التي انتظرها وسعى إليها — بل جد في السعي إليها أكثر من ربع قرن — قد سنحت، فقال لنفسه: ما ينبغي أن تفلت الفرصة، فقد أُتيح لصدقي باشا كما أُتيح لعدلي، وثروت، وسعد، ومحمد، ومحمود، والنحاس أن يكون رئيسًا لهيئة تفاوض الإنجليز.
وكان صدقي باشا خليقًا أن يكتفي من الفوز الشخصي بهذا القدر، وأن يفاوض الإنجليز في القاهرة والإسكندرية، كما فاوضهم غيره من المصريين. فإن أُتيح له أن يكسب للمصريين حقوقهم، فقد أُتيح له الفوز كله، وإن حيل بينه وبين هذه الحقوق قطع المفاوضات، واكتفى بأنه لم يتخلَّف عن غيره من السياسيين المعاصرين.
وكان صدقي باشا خليقًا أن يقول لنفسه: إن أقطع المفاوضات فقد قطعها من هو خير مني، قطعها عدلي وسعد وثروت، وإن أنجح في المفاوضات فقد نجح فيها من هو خير مني، نجح فيها النحاس بعد أن قطعها مرة، ثم استأنفها مرة أخرى فأُتيح له النجاح.
ولكن صدقي باشا لا يعرف القصد ولا يحب القناعة، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، ولا أن يرد إرادته إلى شيء من المهل والأناة، وإنما هو جامح مندفع يستجيب لشهوته، ويركب رأسه في كل ما يحاول من الأمر؛ يعنف ويسمي العنف حزمًا، ويندفع ويسمي الاندفاع شجاعة، ويمكر ويسمِّي المكر مهارة ودهاءً.
وهو من أجل ذلك لم يكد يرأس هيئة المفاوضات، حتى خُيِّل إليه أن كل شيء قد يُسِّر له، وأن الفوز قد كُتب له. وإذا هو يصبح المفاوض الأول (ولنلاحظ مسرعين أن أحدًا من الذين سبقوه إلى رئاسة المفاوضات لم يخلع على نفسه هذا الوصف)، ثم إذا هو يستأثر من دون أصحابه بهذه المفاوضات؛ حتى أحرج صدورهم وأرهقهم من أمرهم عسرًا. ثم إذا هو يشكو بأصحابه المصريين بمفاوضة الإنجليز؛ حتى يضطر فريقًا من المفاوضين إلى أن يشكُّوا فيه كل الشك، ويرتابوا به كل الريب، ويضطره إلى مواقف يملؤها الحرج، ويخرجوا بالمفاوضات من السر إلى الجهر، ومن الخفاء إلى الإعلان، يستعينون عليه بالرأي العام بعد أن أعيتهم فيه الحيل، وبعد أن حجزوا عن مسايرته في طرقه الملتوية التي كان يؤثر أن يسير فيها.
وإذا مفاوضوه الإنجليز أنفسهم يعلنون هذا الشك وهذه الريبة في البيان الذي أصدروه قبل أن يعودوا إلى وطنهم، فيقول قائلهم: إننا علمنا من أمر المفاوضات ومن آراء المفاوضين شيئًا أو أشياء غير ما سجلته لنا المذكرات المكتوبة التي قدمت إلينا. ومعنى هذا باللفظ الصريح — وهو المعنى الذي ردده مكرم باشا وغير مكرم باشا — أن صدقي باشا كان يقول للمصريين من زملائه شيئًا وللإنجليز من مفاوضيه شيئًا آخر. كان يصطنع ما يسميه مهارة ودهاءً فيمكر بأولئك وهؤلاء.
ثم لم يكتفِ بهذا كله، وإنما أبى إلا أن يبلغ بالبطولة أقصى غاياتها وأبعد آمادها، ويُبيِّن للمصريين أن زملاءه هؤلاء المفاوضين هم الذين قد حالوا بينه وبين التوفيق لكثرة ما كانوا يجادلون ويمارون، وأن المفاوضين الإنجليز أنفسهم هم الذين حالوا بين المفاوضات وبين النجاح؛ لأنهم لم يكونوا يملكون السلطان الكافي، وأنه هو صدقي باشا يستطيع أن يطير إلى لندرا، وأن يلقى المستر بيفن، وما هي إلا أن يقضي معه ساعة أو ساعات حتى يطويه طيًّا، ويلويه ليًّا، ويضعه في جيبه في غير جهد ولا مشقة، ثم يحتفظ به سجينًا في جيبه لا يخلي بينه وبين الهواء الطلق إلا أن يسلم له بكل ما تريد مصر. هنالك وهنالك ليس غير يرد إليه حريته، ويخلِّي بينه وبين الذهاب إلى نيويورك.
ولم يحفل صدقي باشا بالنذير ولا بالتحذير، ولم يسمع صدقي باشا للنصح ولا للإرشاد، وإنما طار إلى لندرا ولقي المستر بيفن، وعاد إلى مصر متحديًا خصومه، مُبشِّرًا أصدقائه بأنه قد أنجز الوعد، ووفَّى بالعهد، وأتى بالسودان حلالًا سائغًا، لا أقول لمصر كما قال، وإنما أقول لأهل وادي النيل كما ينبغي أن يقول المصريون والسودانيون جميعًا.
ولعل القارئ يذكر أني قلت منذ يومين اثنين إني أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يأتِ من لندرا بشيء ذي غَنَاء. ولم يراهني أحد؛ لأن المصريين جميعًا فيما يظهر يعرفون من صدقي باشا مثل ما أعرف، وينتظرون منه مثل ما كنت أنتظر، ويصدقونه بمقدار ما أصدق. قال لهم إنه جاء بالسودان حلالًا سائغًا، فلم يؤمن له أحد؛ لأنهم تعوَّدوا منذ أعوام وأعوام ألا يؤمنوا له إذا قال.
وما هو إلا أن ينقضي يوم الأحد، ويأتي يوم الاثنين حتى يقف رئيس الوزارة البريطانية في مجلس العموم البريطاني يهدئ من روع الإنجليز الذين خافوا فيما يظهر أن يكون صدقي باشا قد قال الحق، وأن يكون السودان قد أفلت منهم، ويهدئ المصريين الذين ظن بهم السذاجة والغفلة، وخُيِّل إلى نفسه أنهم قد اطمأنوا إلى تصريح صدقي باشا، فأراد أن يجنِّبهم خيبة الأمل، وأن يحول بينهم وبين النكسة التي تعقب الثقة حين يظهر أنها كانت ثقة غير ذات موضوع كما يقول أستاذنا الجليل لطفي باشا السيد.
وقف رئيس الوزارة البريطانية، فكذَّب ما أذاع صدقي باشا من تصريح، ورد إلى الإنجليز أمنهم، وثبَّت في قلوب المصريين خوفهم، وعرف أولئك وهؤلاء أن صدقي باشا قد طار وطار وعاد صفر اليدين. لم يكسب شيئًا لوطنه، وإنما عرَّض صحته لشر عظيم، نرجو أن يكشف الله عنه غمرته؛ ليعود صدقي باشا قويًّا نشيطًا معافًى قادرًا على أن يداعب بمهارته ودهائه المصريين والإنجليز جميعًا.
كل هذه أشياء قد أَلِفَها المصريون من صدقي باشا. فهم لا ينكرون منها شيئًا، ولعلهم أن ينكروا ما يناقضها إن استطاع صدقي باشا أن يأتي بما يناقضها.
ولكن الشيء الذي يخجل له المصريون حقًّا هو أن صدقي باشا في هذه المرة قد أسرف على نفسه وعلى مواطنيه حين أسرع إلى إذاعة تصريحه قبل أن يحين الوقت لإذاعة هذا التصريح. فليس من شك في أن الإنجليز قد قالوا له: سنقبل أن تذكر سيادة التاج المصري على السودان. ولكنهم قد قالوا له من غير شك أشياء أخرى، فكان صدقي باشا خليقًا أن يضبط نفسه ويحزم أمره، ويستعين على قضاء حاجته بالكتمان، ويلتزم الصمت حتى يواجه زملاءه المفاوضين بما حمل إليهم من بلاد الإنجليز، فإن أقرُّوه أعلنه إلى الناس، وإن رفضوه رأى رأيه فقطع المفاوضات أو ألغى هذه الهيئة المشاكسة، وفرضها دكتاتورية تُمْضِي الأمر كما يريد هو لا كما يريد المفاوضون.
كان الحق على صدقي باشا أن يسلك هذه الطريق إيثارًا للعافية أولًا، ورعاية لكرامة زملائه المفاوضين ثانيًا، واحتفاظًا بالتقاليد السياسية بعد كل شيء. ولكن شهوة الفوز ملكت على الرجل أمره، فلم يحفل بزملائه الوزراء، ولم يحفل بزملائه من المفاوضين المصريين، ولم يحفل بالتقاليد السياسية، بل لم يحفل بالحق نفسه، وإنما قال شيئًا وطوى أشياء، وكان أمره كأمر الذي يتلو: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ) … ثم يقف ولا يمضي بالآية الكريمة إلى آخرها، فيوهم الناس أن الله ينهاهم عن الصلاة، فقد قال الإنجليز لصدقي باشا فيما يظهر أنهم لم يروا بأسًا بأن تذكر سيادة التاج المصري على السودان، ولكن بشرط أن تبقى أمور السودان كلها كما هي الآن، لا ينالها تغيير قليل أو كثير، وأن يسجل المصريون على أنفسهم الاعتراف بحق السودانيين في أن يعلنوا استقلالهم متى أرادوا.
وواضح جدًّا أن صدقي باشا لم يكن يستطيع أن يذيع هذا كله؛ لأن هذا كله لا يسجل فوزًا، وإنما يسجل إخفاقًا، وإخفاقًا بشعًا شنيعًا.
وشر ما في هذا كله هو أن صدقي باشا لم يَسِرْ سيرة الرجل السياسي حين يفاوض دولة أجنبية، وحين يتَّفِق مع هذه الدولة على الاحتفاظ بسرية المفاوضات. ولذلك اضطر رئيس الوزارة البريطانية إلى أن يكذِّبه من جهة، ويلومه من جهة أخرى في مجلس العموم البريطاني، فعرَّض نفسه لهذه الإهانة القاسية، وعرَّض حكومته لنفس هذه الإهانة، ولم يُعرِّض مصر لشيء؛ لأن مصر ليست منه في شيء، ولأن الإنجليز يعلمون حقَّ العلم أنه لم يتحدث إليهم بلسان مصر، ولم يفاوضهم باسم مصر، وأن مصر تبرأ إليهم وإلى العالم كله من كل ما قال لهم ومن كل ما سمع منهم.
فهذه الهفوة التي تورَّط فيها صدقي باشا تثير في نفوسنا الاستحياء لصدقي باشا نفسه، كما تثير في قلوبنا الإشفاق على صدقي باشا. فصدقي باشا أبرع وأشد لباقة من أن يتورط في هذه الهفوة لولا أنه كما قلت في أول هذا الحديث رجل قد تقدمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، واستأثرت به شهوة الفوز.
ولكن ما عسى أن يكون الموقف بعد أن انتهت الظروف بصدقي باشا إلى هذا الحرج. أمن الممكن، أمن المعقول، أمن المباح أن نلقي أعنَّة الحكم لمن لا يستطيع أن يملك أعنَّة نفسه؟ وأن تسند مصائر مصر إلى رجل قد تقدمت به السن، وألحت عليه العلة، وأثقلته الهموم؟
وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على نفسه من تجشم الهول واحتمال الألم والتعرض للخطر، وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على وطنه من سياسة العجز هذه التي تدفعه إليها سنه وعلته وهمومه الثقال، فقد يجب أن نشفق نحن على مصالحنا، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة أن يولِّي أمور الحكم في مصر رجلًا لم تتقدَّم به السن ولم تلحَّ عليه العلة ولم تثقله الهموم، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة الملك في أن يُعفِيَ صدقي باشا من الحكم رحمةً له، وإشفاقًا عليه، وضنًّا به على الخطر.
وقد يكون من الحق علينا أن نطلب إلى زملاء صدقي باشا من المفاوضين المصريين أن يُجنِّبوا مصر سياسة العجز والهفوات، وأن يريحوا صدقي باشا من هذا العناء الثقيل الخطر، وسبيلهم إلى ذلك واضحة ميسرة، فسيجمعهم صدقي باشا يوم السبت في بعض الروايات، ويوم الخميس في بعضها الآخر، وسيعرض عليهم ما حمله من بلاد الإنجليز، وهذا الذي حمله من بلاد الإنجليز مخالف للحد الأدنى الذي قررت كثرتهم أنها تستطيع قبوله، وهو مخالف أشدَّ المخالفة لما تستطيع مصر أن تقبله.
وإذن فالنصح للوطن، والنصح لصدقي باشا يقضي برفض ما جاء به صدقي باشا من بلاد الإنجليز، هنالك تقطع المفاوضات، وهنالك تستأنف مصر جهادها، ويفرغ صدقي باشا لصحته، ويُجنَّب المصريون هذا العناء العظيم البغيض.
وما أشك في أن المفاوضين المصريين سيستمعون لهذا الدعاء، فينقذون وطنهم من هذا الخطر، وينقذون صدقي باشا من نفسه أيضًا …
Tag: ministerial accountability
-
هفوة …
-
خطوب
خطوب
طه حسين
جريدة البلاغ
١٧ مارس ١٩٤٦
خطوب يجب أن يضحك لها المصريون؛ لأنها لن تدوم مهما يبذل في سبيل استمرارها من الجهود. وهي لن تدوم؛ لأنها تخالف طبيعة الأشياء، وتخالف منطق الحياة، وتخالف الحقائق الواقعة. وتدل على أن الذين يفرضونها على الناس ما زالوا أغرارًا قد تثقفوا وتعمقوا الثقافة الحديثة، ولكن ذلك لم يغنِ عنهم شيئًا؛ لأنهم يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الناس، ولأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على المنافع الآجلة، ولأنهم يريدون أن يعيشوا وأن ينعموا وإن جاء من بعدهم الطوفان، وأنهم ينسون الماضي فلا يفكرون في المستقبل، وإنما يقتطعون الحاضر مما قبله ومما بعده، فيعيشون كما يقول الشاعر القديم:
فات ما فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
وقد يكون هذا الحمق جائزًا بالقياس إلى الفرد حين لا يفكر إلَّا في نفسه، ولا يعمل إلَّا لنفسه؛ فهو يقتطع حياة مما قبلها ومما بعدها، ويختطف من لذات العيش ما يتيح له هذه السعادة السخيفة فيما يتاح له من الأيام، ثم يموت وقد نعم ما وجد إلى النعيم سبيلًا، وترك أمر المستقبل إلى الله الذي يعلم الغيب وحده ولا يشاركه أحد في العلم به. هذا الحمق ممكن بالقياس إلى الفرد الذي يعيش لنفسه ويعمل لنفسه، فأمَّا الذين ينهضون بأعباء الحكم ويدبرون شئون الأمم ويقومون على مصالح الشعوب، فإن عليهم لهذه الشعوب حقوقًا تقتضيهم أن يفكروا في أمس، ويعتبروا بتجاربه ودروسه القاسية، وأن يفكروا في غد، ويعدوا له عدته؛ لأن حياة الأمم أطول جدًّا من حياة الأفراد، ولأن انقراض جيل من الأجيال ليس معناه انقراض الشعب، وإنما معناه انتهاء طور ضئيل جدًّا من أطوار الحياة العامة وإقبال طور آخر، يليه أطوار. فالذين ينهضون بأعباء الحكم يجب عليهم أن يفكروا في هذا كله ويقدِّروه، وأن يعملوا للشعب؛ لأن الشعب يعيش أبدًا وإن اعتقدوا هم أنهم سيموتون غدًا.
كل هذه أوليات لم يكن من الحق علينا ولا على غيرنا أن نعرض لها أو نتحدث فيها، ولكن سوء الحظ أراد، وما أكثر ما يريد سوء الحظ أن يضطر الناس إلى أن يبدءوا ويعيدوا في عرض الأوليات.
لقد قرأ المصريون أن وزير الخارجية البريطانية تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الخميس، فأعلن أن الحكومة البريطانية يسوءها أن يتم بين روسيا وبين إيران اتفاق متأثر بالضغط الذي ينشأ عن استمرار الاحتلال الروسي للوطن الإيراني. ولو أن صدقي باشا وزملاءه الذين ينهضون معه بأعباء الحكم وزملاءه الآخرين الذين يريدون أن ينهضوا معه بأعباء المفاوضة، لو أن هؤلاء السادة جميعًا يقدِّرون طبيعة الأشياء ومنطق الحياة والحقائق الواقعة، ويفكرون في مصر أكثر مما يفكرون في أنفسهم؛ لكان لهم بالقياس إلى هذا التصريح الذي ألقاه المستر بيفن في مجلس العموم البريطاني موقف خطير جدًّا تخفق له قلوب الشعب وتحيا له آمال الشعب ويعظم له نشاط الشعب.
الحكومة البريطانية تشفق من أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران في ظل الاحتلال الروسي للأرض الإيرانية. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه تستعد للمفاوضة مع الحكومة المصرية؛ لتعدِّل المعاهدة التي أُمضيت منذ عشر سنين إن صدقنا المذكرات الرسمية ورئيس الوزراء، ولتعقد معاهدة جديدة إن جارينا وزير الخارجية فيما صرح به أمام مجلس النواب من أن المعاهدة قد أصبحت ملغاة؛ لأنها غير ذات موضوع.
الحكومة البريطانية تستعد لهذه المفاوضة والاحتلال البريطاني قائم في مصر، يكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، ويرى المصريون مظاهره المنكرة في المدن والقرى وفي الشوارع والأندية وفي الملاعب والقهوات، لا يجتمعون في مدينة من مدنهم؛ ليعلنوا رأيًا من آرائهم ويطالبوا بحق من حقوقهم إلَّا رأوا مظاهر هذا الاحتلال وحقائقه المرة المؤلمة المهينة للنفوس، المخزية لكل كرامة وطنية والتي لا تتحرج أحيانًا من سفك الدماء المصرية والمطالبة بعد ذلك بالتعويض.
الحكومة البريطانية تستعد لمفاوضة مصر في تعديل المعاهدة أو في عقد معاهدة جديدة، والاحتلال البريطاني قائم يفرض على مصر أن تكون مؤدبة مهذبة مطيعة، لا تقول إلَّا بمقدار، ولا تعمل إلَّا بمقدار، ولا تتحرك إلَّا لتطلب الطعام والشراب وتنعم بما يقدم لها من اللهو واللعب. والحكومة البريطانية في الوقت نفسه يسوءها أن يعقد اتفاق بين روسيا وإيران يتأثر بالضغط الذي ينشأ عن الاحتلال الروسي لأرض إيران.
والحكومة المصرية تقرأ هذا الكلام، وتمر به مرًّا سريعًا، والمفاوضون المصريون يقرءون هذا الكلام ويمرون به مرًّا سريعًا؛ لأنهم قرروا أن يكونوا أحرارًا حين يقدمون على المفاوضات، كأنما يكفي أن يقرر الإنسان أنه حر ليكون حرًّا بالفعل! ولأن الحكومة البريطانية أو وزيرًا من الوزراء البريطانيين قد صرح في بعض حديثه بأن المفاوضات ستكون حرة. كأنما الإنجليز لم يصرحوا نيفًا وستين مرة بأنهم سيجلون عن مصر! ولكن الوزراء المصريين والسادة المفاوضين يمرون بهذا التصريح مرًّا سريعًا كأنهم لا يرون الجيش البريطاني في المدن والقرى، وكأنهم لم يعلموا بما كان في شهر فبراير في القاهرة، وبما كان في شهر مارس في الإسكندرية. وماذا يعنيهم؟ لقد قرروا أنهم أحرار وسيكونون أحرارًا بإذن الله، فمن الحماقة أن يطلب إليهم أن تكون مصر حرة بالفعل قبل البدء في المفاوضات، وأن تسير بريطانيا العظمى مع مصر نفس السيرة التي تطلبها إلى روسيا بالقياس إلى إيران.
لا ينبغي أن نطلب ذلك إلى وزرائنا ولا إلى السادة الذين سيشاركونهم في المفاوضات؛ لأننا نكلفهم بهذا المطلب ما لا يطيقون، فليس من الممكن أن يجلو الإنجليز عن مصر قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ الجلاء نفسه موضوعًا لها. وليس من الممكن أن تكون مصر حرة قبل المفاوضات؛ لأن المفاوضات ستتخذ حرية مصر نفسها موضوعًا للأخذ والرد، ويجب أن تظل القاهرة والإسكندرية ووادي النيل كله رهنًا في يد الإنجليز إلى أن تتم المفاوضات. فإن عرف المفاوضون المصريون كيف يكونون مؤدبين مهذبين مطيعين مذعنين؛ كان من الممكن أن ينزل لهم الإنجليز عن بعض ما في أيديهم، وإلَّا فالرهن قائم والجيوش البريطانية تكتنف الوادي من الشرق والغرب ومن الشمال والجنوب، وتحتل مدنه وقراه، وتستطيع أن تعمل البنادق والمتراليوز، بل المدافع والطائرات إن احتاجت إلى شيءٍ من ذلك.
ورغم ذلك كله أحب أن يضحك المصريون، فهذا كله خطب إن شق علينا احتماله اليوم فليس من سبيل إلى أن يدوم. يجب أن يكون الشعب المصري أذكى من سادته وقادته، ويجب أن يعتبر الشعب المصري بما كان ليفهم ما هو كائن وليستعد لما سيكون. لقد خدع الشعب المصري مرتين في الحربين العالميتين بالأماني والآمال وبالعهود والوعود، فيجب أن يأخذ حذره وألَّا يخدع في المرة الثالثة، والمرة الثالثة واقعة من غير شك.
أمَّا غدًا زعموا أو لا فبعد غدٍ
وخطبٌ آخر يجب أن يضحك له المصريون، فقد صرح رئيس وزرائنا صدقي باشا في مجلس الشيوخ بأنه لم يصدر إلى الصحف تلك التعليمات التي ذكرها زعيم المعارضة، ولم يصدرها إلى أحدٍ من رجال الأمن. كان هذا يوم الإثنين، فلما كان يوم الأربعاء دُعيَ الصحفيون إلى وزارة الداخلية، وتُليت عليهم فيها رسالة من صدقي باشا حيَّاهم فيها أحسن تحية، ثم رجا منهم أن يعاونوه فينتهوا عن كيت وكيت وعن كذا وكذا، وعدد لهم كل التعليمات التي أنكر في مجلس الشيوخ أنه أصدرها إلى الصحف أو إلى رجال الأمن. فصدقي باشا ينكر في مجلس الشيوخ ويعترف في وزارة الداخلية، يعطي باليمين ويسترد باليسرى. ويظن أن الصحفيين أغرار لا يفهمونه ولا يفطنون لما أراد، وأن الشعب المصري ساذج لا يفقه خطته هذه التي كانت لبقة قبل ستة عشر عامًا، فأصبحت مكشوفة في هذه الأيام لا تخدع أحدًا.
وخطبٌ ثالثٌ يجب أن يضحك منه المصريون؛ لأنه عبث من العبث لا يغني عن أصحابه شيئًا، ولا يغيِّر من حقائق الحياة شيئًا، فصدقي باشا يريد أن يُعلِّم المصريين بعد جهل، وأن يُطعمهم بعد جوع، وأن يكسوهم بعد عري، وأن يردَّ عليهم الصحة كاملة والعافية موفورة. وقديمًا وعد صدقي باشا بمثال ذلك فلم يصنع شيئًا، وقديمًا وعد غير صدقي باشا بمثل ذلك فلم يصنعوا شيئًا. ولكن صدقي باشا في هذه المرة يجب أن يخيِّل إلينا أنه سيصنع شيئًا، فقد يقال: إن صدقي باشا يريد أن يعقد قرضًا عامًّا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات يحارب به الفقر والجهل والمرض. ومعنى ذلك أن صدقي باشا يريد أن ينشئ شركة لمحاربة الآفات، وما يمنعه من ذلك والشركات تنشأ في مصر كل يوم لاستغلال هذا المرفق أو ذاك من مرافق الحياة، فلتنشأ شركة جديدة لاستغلال الفقر والمرض والجهل، ولتكن الحكومة هي المشرفة على هذه الشركة، ولتمتلئ جيوب أصحاب الأموال على حساب الجائع الذي قد يشبع، والمريض الذي قد يصح، والجاهل الذي قد يتعلم.
كل شيء يجب أن يُستغل. ألم يذكر بعض الماليين بل بعض الوزراء السابقين أن القمامة يجب أن تُستغل فتحول إلى سماد؛ لتزداد الأرض خصبًا وإنتاجًا؟ فلم لا تستغل هذه القمامة الإنسانية الأخرى فتتضاعف ثروة الأغنياء؟! لم لا يدفع هذا الباشا أو ذاك آلافًا من الجنيهات أو عشرات ألوف من الجنيهات يشتري بها هذه الأسهم في تلك الشركة التي ستستغل القمامة الإنسانية، فإذا حال الحول عادت إليه أسهمه بربح يرتفع وينخفض كما ترتفع أسهم المجلة وتنخفض؟ كل شيء يجب أن يُستغل، وكل شيء يجب أن يزيد ثروة الأغنياء، حتى إنقاذ الفقير من الفقر والمريض من المرض والجاهل من الجهل. من الطبيعي جدًّا أن تُبتكر شركة لإنشاء المراعي وتربية الحيوان والماشية، فما ينبغي أن يموت البقر والجاموس جوعًا، ولا أن تتعرض الغنم والدجاج للأمراض، فلنستغل فقر الفقراء ومرض المرضى وجهل الجاهلين لتتحقق الفكرة الخطيرة التي يجاهد في سبيلها صدقي باشا وأمثاله؛ وهي أن يشبع الناس ويصحو ليكونوا أقدر على الحرث والزرع وخدمة سادتهم الأغنياء.
أليس كذلك يا دولة الرئيس؟ بلى هو ذاك، هو الذي تدعو إليه وتدعو إليه، وتجادل فيه وتجادل فيه، ولكنك كغيرك من الأغنياء وكغيرك من الناهضين بأعباء الحكم في البلاد المحافظة، تقتطع اليوم من أمس، وتقتطعه من غد، ولا تعتبر بالماضي ولا تستعد للمستقبل. ما زلت محافظًا تجهل أن عصر استغلال الإنسان قد انقضى، وأن إزالة الفقر والمرض والجهل واجب من واجبات الدولة، ومصرف من مصاريف الميزانية، وغرض من الأغراض التي تُجبى لها الضرائب من الموظفين.
ففكر وقدِّر واعتمد على الله وأعرض عن قرضك هذا الذي لن يغني شيئًا، وأصلح الميزانية وارفع الضرائب، وإن كلفك ذلك — فضلًا عن ذلك — الكثير، وواجه الأمور كما ينبغي أن تواجه. أو تعد بأنك لن تصنع شيئًا في وزارتك الثانية كما أنك لم تصنع شيئًا في وزارتك الأولى.
أمَّا أنتم أيها المصريون، فاضحكوا من هذه الخطوب فإنها لن تدوم، واضحكوا من هؤلاء الذين يعيشون ليومهم ولا يفكرون في أمسهم ولا في غيرهم.
اضحكوا، وليكن ضحككم خصبًا يشحذ العزائم ويحيي الآمال ويدفع إلى النشاط، فإن من الضحك ما يميت القلوب. -
تفصيلات
تفصيلات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٦ يونيو ١٩٤٥
يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:
إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم
وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.
فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.
وقديمًا قال الشاعر العربي:
والشيء تحقره وقد ينمي
فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.
والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.
وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.
وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.
فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.
وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.
فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.
وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.
كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.
قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.
فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!
فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.
هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.
فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!
ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.
فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.
وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!
وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.
وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.
ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.
فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.
ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!
وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!
وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين. -
في الأزمة
حديث الوادي
في الأزمة…
ما يزال رئيس الوزراء معتصماً بالصمت، مغرقاً فيه، ملحاً في الإنكار يظن ذلك سياسة أقل ما توصف به أنها سياسة الرجل اللبق، الفطن الرشيق الذي يؤثر الأناة، ويكره أن يتعجل الحوادث، ويسبق الخطوب والكارثات.
فنحب أن يعلم رئيس الوزراء ما يعلمه الناس جميعاً على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وحظوظهم من الذكاء والفطنة، إن الصمت قد يكون من ذهب أحياناً ولكنه قد يسفل أحياناً أخرى حتى يبلغ أخس المعادن وأقلها استحقاقاً للعناية والالتفات، وإن الصمت قد يحسن بالرجل السياسي في بعض الأحيان ولكنه قد يسوء ويسرف في السوء حتى يصبح إثماً أو شيئاً يشبه الإثم، ونحب أن يعلم رئيس الوزراء وأن يقول له الذين يحيطون به ويشيرون عليه، إن صمته قد كان محتملاً منذ أسابيع، وقد كان يمكن أن يكون سياسة وفطنة وذكاء، ولكنه الآن لا يمكن أن يحتمل ولا أن يقبل ولا أن يفسر إلا بإحدى اثنتين، فإما أن يكون عجزاً ليس بعده عجز، وأول واجب على العاجز أن يستقيل، وإما أن يكون استبداداً ليس بعده استبداد وأول واجب على الشعب أن لا يقبل الاستبداد، فضلاً عن أن يظاهر المستبدين، أو يختصهم بالعطف والتأييد.
فليس من الذكاء ولا من القوة في شيء، وليس من البراعة ولا المهارة في شيء، أن يسكت رئيس الوزراء والحوادث تتكلم، وأن ينكر رئيس الوزراء والخطوب تعلن نفسها في صراحة بشعة إلى الناس. إنما السياسة أن يتكلم رئيس الوزراء، حتى لا يظن الناس به الظنون، وإنما الشجاعة أن يعلن رئيس الوزراء إلى الناس أن أمورهم متحرجة، وأنه قادر على إزالة الحرج فهو باق في الحكم لذلك، أو عاجز عن إزالة الحرج فهو نازل عن الحكم من أجل ذلك. وما زلنا نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء أكرم على نفسه، وأن حقوق الوطن أكرم على رئيس الوزراء من أن يؤثر الصمت إيثاراً للعافية، واستبقاءً للمنصب، وما يستتبعه من الأجر والجاه. وما زلنا نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء أذكى قلباً أو أنفذ بصيرة من أن يعتقد أن أمور مصر لا تعني مصر، وإنما تعنيه هو والذين يوحون إليه ويشيرون عليه فهو وأصحابه لا يزيدون على أنهم أفراد من الناس، لهم مثل ما لغيرهم من الحقوق، وعليهم بحكم مناصبهم أكثر مما على غيرهم من الواجبات. فما ينبغي لهم، وما ينبغي لأحد أن يرضى منهم الاستمتاع بالحق كاملاً والتقصير في أداء الواجب. وماذا ينفع رئيس الوزراء وأصحابه أن ينكروا طلوع الشمس ونورها يبهر الأبصار وحرها يصهر الأبدان؟ وماذا ينفع رئيس الوزراء وأصحابه أن ينكروا الأزمة وصورها تظهر للناس بشعة سمجة مؤذنة بأعظم الشر وأشنع الخطر؟ الناس يتحدثون في مصر وفي إنجلترا، وفي أوروبا، بأن في مصر أزمة حادة وبأن للإنجليز عند الوزارة المصرية مطالب معينة يذكرونها ويجادلون فيها، ورئيس الوزراء صامت أو منكر، لا يخرج عن الصمت إلا ليمعن في الإنكار، ولا يخرج عن الإنكار إلا ليعود إلى الصمت، حتى أصبح الأمر مضحكاً، أو آن للناس أن يضحكوا في مثل هذه الأيام.
الناس جميعاً يتحدثون بأن للإنجليز مطالب تمس الوصاية على العرش كما تمس الأوصياء، وبأن للإنجليز مطالب تمس دخول الإبراشي باشا في شؤون الحكم، وبأن للإنجليز مطالب تمس تعيين رئيس للديوان الملكي، وبأن للإنجليز مطالب تمس نزول وزيرين أو أكثر من وزيرين عن مناصب الحكم.
يقول الناس هذا كله بألسنتهم ويكتبونه بأقلامهم، ويذيعونه في صحفهم، ويجادلون فيه ما وسعهم الجدال، فنحب أن نعلم أي معنى قريب أو بعيد لهذا الصمت الذي يغرق فيه رئيس الوزراء وما الذي يظن رئيس الوزراء أنه يخفيه بهذا الصمت وكل شيء ظاهر جلي؟ وما الذي يظن رئيس الوزراء أنه سيجنيه من هذا الصمت وكل حل للأزمة ميئوس منه، ما دام رئيس الوزراء وأصحابه باقين في مناصبهم ماضين في سياستهم، مغرقين في هذا الصمت العميق؟
وأغرب من هذا أن تلح صحف رئيس الوزراء على الناس في أن ينصروه ويؤيدوه ويجمعوا كلمتهم من حوله. ولكن في ماذا ورئيس الوزراء لا يعترف بشيء. وعلى من؟ ورئيس الوزراء لا يتحدث بأن له خصوماً أو مهاجمين.
هذه الصحف الإنجليزية تخوض في نظام الحكم القائم وتتحدث عن الإبراشي باشا أحاديث أقل ما توصف به أنها تحيطه بكثير من الريب والشكوك وتتحدث عن بعض الوزراء أحاديث أقل ما توصف به أنها تصب الشبهات عليهم صباً، وتجعل بقاءهم في الحكم مهيناً للكرامة الإنجليزية غير ملائم لما تحتمله إنجلترا من التبعات، فهل قرأ رئيس الوزراء هذا الكلام؟ نعم قرأه، وسئل فيه فلم يقل شيئاً أو قال إنه يترك هذه الصحف تقول ما تريد. فهل يعلم رئيس الوزراء أنه لم يتول منصبه ليترك الصحف تقول ما تريد حتى حين تمس نزاهة الحكم وأخلاق الوزراء ودقائق النظام القائم، والصلة بين الوزراء والعرش، والصلة بين العرش والشعب، وأن الرئيس الذي يرى هذا كله ويقرأه ويسكت عليه لا ينبغي أن يحتفظ بالرياسة ولا أن ينتظر من الناس ثقة فضلاً عن أن ينتظر منهم عطفاً وتأييداً؟
أحق أن الإنجليز يلحون في خروج بعض الوزراء من الوزارة؟ نعم هذا حق لا شك فيه، تنشره الصحف كلها في مصر، وتجهر به الصحف الكبرى في إنجلترا ولكن الذي يريد المصريون أن يعلموه هو موقف رئيس الوزراء من هذا الطلب ليقبله؟ وإذن فأين كرامته وأين تضامنه مع زملائه الذين عمل معهم عاماً كاملاً؟ وأيهما آثر عنده وأحب إليه المنصب أم الكرامة؟ أيرفضه؟ وإذا فما له لا يعلن رفضه هذا إلى الناس وما له لا يظهر وزارته وقد وقفت هذا الموقف الذي يملؤه الشمم والإباء؟ أم هو متردد بين القبول والرفض، يقدم ثم يحجم، ويمضي ثم يعود؟ وإذن فمتى حلت الأزمات السياسية بالتردد والاضطراب؟ أليس رئيس الوزراء يوافقنا على أن موقف وزارته من هذه الأزمة الحادة العنيفة قد أغرق في السخف حتى أصبح شيئاً لا يمكن أن يطاق؟ ليقر رئيس الوزراء أن بعض زملائه مغموزون في نزاهتهم، متهمون في أخلاقهم، كما قالت بعض الصحف الإنجليزية؟ وإذن فكيف قبل العمل معهم عاماً كاملاً؟ وما له كلف النيابة أن تخاصم الصحف المصرية أمام القضاء لأنها خاضت في مثل ما تخوض فيه الصحف الإنجليزية الآن؟ أم ينكره رئيس الوزراء؟ وإذن فما سكوته عليه وما إعراضه عن مخاصمة هؤلاء المكاتبين من الإنجليز؟ أم يعترف رئيس الوزراء آخر الأمر بأن البطش والمخاصمة والبأس أمور خلقت للمصريين دون غيرهم من الناس؟
ليصدقنا رئيس الوزراء أن موقفه في هذه الأيام أبعد المواقف عن أن يترك في نفوس الناس هيبة لسلطان الوزارة، أو اعترافاً بما ينبغي أن يكون لها من المنزلة في النفوس. وكل ما قيل حول هذا المطلب من مطالب الإنجليز يقال حول غيره من المطالب، بل هناك مطلب من المطالب الإنجليزية لا نستطيع أن نفهم، ولا يستطيع أحد أن يفهم كيف يستأثر به وبمعالجته رئيس الوزراء والذين يشيرون عليه. وهو ما يمس الوصاية على العرش، فالعرش عرش المصريين جميعاً، وكل ما يمسه من الأمر يمس المصريين جميعاً. فكيف يستأثر رئيس الوزراء بما يمسه دون غيره من المصريين؟ وهل يقدر رئيس الوزراء أن كتفيه أضعف مما يريد تحميلهما من التبعات؟ أم هل يظن رئيس الوزراء أن الناس ملزمون بأن يمضوا وراءه لا لشيء إلا لأنه يريد منهم ذلك، وبأن يؤيدوه لا لشيء إلا أنه ينتظر منهم التأييد؟ كلا إن الشعب المصري لم يفقد مروءته بعد، وما نظن أنه سيفقدها قريباً وأن مروءة الشعب المصري تأبى عليه أن يكون قطيعاً يسوسه زكي الإبراشي باشا وعبد الفتاح يحيى باشا كما يريدان. إنما هو شعب عاقل رشيد لا يقدم إلا على بصيرة، ولا يعمل إلا عن علم، فمن أراد نصره وتأييده فلينبئه في صراحة وصدق وإخلاص على من يطلب منه النصر، وفيم يطلب منه التأييد. كلا لم يفقد الشعب المصري بعد مروءته ولن يفقدها، ومروءته تأبى له وتأبى عليه أن يعز قوماً أذلوه وأن يؤيد قوماً خذلوه، وأن يحب قوماً أذاقوه العذاب إن دماء الشهداء الذين ذهبوا في سبيل هذا العهد قد جفت على الأرض ولكن حمرتها ما زالت ماثلة أمام العيون مصورة في القلوب وإن نفوس الشهداء الذين ذهبوا في سبيل هذا العهد، ما زالت مشرقة تسمع وترى، وإن قبور الشهداء الذين ذهبوا في سبيل هذا العهد ما زالت قائمة. وإذن فمروءة الشعب المصري لا تسمح له أن ينسى هذا كله ولا أن يؤيد هذا العهد الذي لم يقمه ولم يستشر في إقامته ولم ير فيه إلا ذلاً وهواناً، ولم يذق فيه إلا عذاباً وخسفاً، فإذا كان هذا العهد يريد تأييداً فليلتمس التأييد عند صدقي باشا، وعند الإبراشي باشا وعند الذين ناصروا هذين الرجلين فأما الشعب فإنه مستعد لأداء واجبه يوم ترد أموره إليه، لا قبل ذلك.
طه حسين
الوادي، ٢٣ أكتوبر ١٩٣٤. -
أزمة٤
حديث الوادي
أزمة . . .
لا ينكرها الآن أحد، وإنما يجمع الناس بدقة على أنها قائمة، وعلى أنها حادة، وعلى أنها قد أخذت من الحدة طورًا عنيفًا حاسمًا منذ أمس حين زار نائب المندوب السامي رئيس الوزراء مع الظهر. الناس كلهم يجمعون على هذا إلا رئيس الوزراء فيما يظهر، فهو وحده خارج على هذا الإجماع، يقول للناس إن الأمر طبيعي مألوف، وإن نائب المندوب السامي تحدث إليه في مسألة الدين العام. فلندع رئيس الوزراء يمنح الحياة ابتسامة شفتيه ويعبس لها فيما بينه وبين نفسه حتى تأتي الساعة التي لا يستطيع فيها رئيس الوزراء إلا أن يوفق بين قلبه وبين شفتيه، وأن يؤمن مع الناس جميعًا بأن الأمر ليس طبيعيًا، ولا مألوفًا، وبأن الموقف السياسي قد انتهى من الحرج إلى أقصاه.
ولنلاحظ أن الصحف الوزارية الرسمية قد أخذها وجوم مؤلم وذهول عميق منذ اليوم، فأما الليبرتيه فقد آثرت الصمت ولجأت إليه، فلم تقل في السياسة اليوم شيئًا بعد أن كانت تقول فتطيل، وأما الشعب، فقد آثرت الصمت أيضًا، فلم تقل في السياسة شيئًا، وإن شتمت المعارضة بعض الشتم. وواضح جدًا أن ألسنة الوزارة لم تفقد نفسها وإنما عقدتها الحوادث، ولم تسكت مختارة وإنما أكرهتها الظروف على السكوت. ولكن ما عسى أن تكون حقائق هذه الأزمة التي لم يبق في وجودها وحدتها شك. الناس كلهم يصفون أن الإنجليز يطلبون إلى الوزارة أشياء، ولكنهم لا يعلمون علمًا قاطعًا واضحًا، بحقيقة هذه الأشياء، والذين يعلمون بحقيقتها لا يستطيعون أن يذكروها أو أن يذكروها في صراحة وجلاء، فهم يؤثرون الصمت كالوزراء وأشباه الوزراء، أو هم يذهبون مذهب التلميح والتعريض، فيثيرون من الريب والشكوك، أكثر مما يثيره الصمت، وأكثر مما يثيره الكلام الصريح.
وواضح جدًا أن هذا الموقف الغريب لا يتفق بوجه من الوجوه مع ما يقال من أن هذا البلد حر مستقل يخضع للنظام الدستوري الديمقراطي، فليس من الحرية، ولا من الاستقلال، ولا من الديمقراطية، ولا من الدستور أن يستأثر أشخاص لا يكادون يتجاوزون العشرة بأمور شعب يتجاوز الأربعة عشرة من الملايين، وأن يترك هذا الشعب حائرًا يسأل فلا يجاب، ويبحث فلا ينتهي إلى شيء. وأغرب من هذا كله وأدعى إلى العجب، أن يطلب الوزراء وأنصارهم إلى هذا الشعب، أن يمنحهم المعونة والنصر ويختصهم بالحب والتأييد دون أن ينبئوه علام يريد أن يعينهم، وعلى من يريدون أن ينصرهم، وفيم يريدون أن ينصرهم؟ كأنهم يؤمنون بأن الشعب مطمئن كل الاطمئنان إلى أنهم معصومون من كل خطأ، مبرأون من كل عيب، موفقون إلى كل صواب، فطاعتهم واجبة وتأييدهم فرض، والتردد في منحهم ما يريدون من الطاعة والتأييد إثم في حق مصر، وتقصير في ذات الوطن!! . فإن كانوا يؤمنون بكل ذلك أو بعضه، فقد آن لهم أن يفيقوا وأن يتنبهوا وأن يستيقنوا أن الشعب لا يرى فيهم هذا الرأي كله، ولا بعضه، ولعله يرى فيهم عكس هذا الرأي، ولعله من أجل ذلك يأبى أشد الإباء، أن يمنحهم معونة ويختصهم بتأييد، دون أن يعلم علام يريدون منه المعونة وفيم يريدون منه التأييد؟
إنهم يذكرون التدخل الأجنبي ويدعون المصريين إلى مقاومته، ولكنهم يعلمون أن التدخل الأجنبي قائم متغلغل في الشؤون المصرية كلها منذ نهضت وزارتهم بأعباء الحكم، يقدم عليه الإنجليز فلا يجدون من الوزارة مقاومة، وقد لا يقدمون عليه فتدعوهم الوزارة إليه دعاء، وتحرضهم عليه تحريضًا. هم يدخلون في أعمال الوزارات، فلا ينكر الوزراء عليهم ذلك، وهم قد يبطئون في العناية ببعض الأمر فتستعين بهم الوزارة على ذلك كما استعانت بهم في مسألة الدين، وفي مسألة المحاكم المختلطة.
وإذن فما بال التدخل الأجنبي يحب ويرضى عنه، ويسكت عليه وقد يرغب فيه، حينما يمس مصالح الناس، وحياتهم، وأموال الدولة وكرامتها، فإذا مس هذا التدخل زكي الإبراشي باشا أو فلانًا غيره من الوزراء، والموظفين الذين يؤثرهم الوزراء، أصبح بغيضًا، ممقوتًا، يجب أن ينكره الشعب، ويؤيد الوزارة لأنها تنكره وتأباه.
إن التدخل الأجنبي بغيض كله ممقوت كله، ينكره الشعب مهما يكن ويجب أن ينكره الوزراء مهما يكن، ولن يبخل الشعب بتأييده على وزارة ترى في ذلك رأيه وتذهب في ذلك مذهبه، فأما الوزارة التي تؤمن ببعض التدخل وتكفر ببعضه الآخر فلا ينبغي أن يكون لها من الشعب عون ولا تأييد.
الشعب المصري أكرم من أن يرضى تدخل الإنجليز حتى لإنقاذه من الذين يظلمونه، ويذيقونه ألوان العذاب، ولكن الشعب المصري أكرم على نفسه من أن يرضى من الوزراء وأشباه الوزراء أن يتخذوه هزؤًا ولعبًا، وأن يسوموه الخسف، ويسلطوا عليه العذاب، ويعملوا في أجسامه السياط وفي رؤوسه العصي، ويصوبوا إلى صدره الرصاص، حتى إذا تعرض أحدهم لفقدان منصبه، قيل لهذا الشعب أسرع إلى حماية الاستقلال، فإن الاستقلال في خطر، وإلى الذود عن الحق فإن الحق يوشك أن يضيع!
كلا. إذا كان الاستقلال في خطر فالوزارة هي التي عرضته للخطر، لأنها قبلت تدخل الإنجليز منذ ارتقى إلى مناصبها. وإذا كان الحق يوشك أن يضيع فالوزارة هي التي عرضته للضياع لأنها أطمعت فيه الإنجليز، وما كان الشعب المصري ليحب قومًا كانوا وما زالوا، يعاملونه معاملة القطعان، يستأثرون من دونه بكل شيء، ولا يمنحونه إلا الذلة والهوان.
إذا كان الاستقلال في خطر حقًا، فيجب أن يتنحى هؤلاء السادة عن ميدان الجهاد لأنهم لا يصلحون لميدان الجهاد. وإذا كان الحق معرضًا للضياع فيجب أن يترك هؤلاء السادة موقف الدفاع عن الحق، لأنهم لا يقدرون على الدفاع عن الحق.
إنك لا تجني من الشوك العنب، وما ينبغي للشعب المصري أن ينتظر الخير من قوم لم يلق منهم إلا شرًا. وما ينبغي للشعب المصري أن يمنح نصره قومًا لم يمنحوه إلا الخذلان، فليقم هؤلاء السادة في مكانهم حتى تجتاحهم العاصفة إن شاؤوا، وليؤثروا أنفسهم بالعافية إن أشفقوا من الروع، فإن في مصر والحمد لله قومًا آخرين يستطيعون أن يحملوا راية الجهاد مظفرة وأن يدافعوا عن الحق موفورين منصورين.
طه حسين
الوادي، ٢١ أكتوبر ١٩٣٤. -
موقف٢
حديث الوادي
موقف…
وما يزال موقفنا غريباً أشد الغرابة، شاذاً أعظم الشذوذ، نابياً أشنع النبو، عن كل ما ألفته البلاد التي تحكم حكماً دستورياً ديمقراطياً منظماً في القرن العشرين.
لم يجد فيه شيئاً يزيل غرابته، أو يخففها، أو يدنيه من أن يكون معقولاً بعض الشيء، ولعل الذي جد فيه منذ أمس يزيده غرابة وشذوذاً، كما يزيده عسراً وتعقيداً، فأما الإنجليز فنشاطهم لا ينقطع ولا يفتر، ولكنه متصل يشتد من حين إلى حين، فأما يوم الخميس فنائب المندوب السامي يفتش على الشرطة في الثكنات والأقسام، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات السابقين فيقضي معه وقتاً غير قصير، وفيما بين ذلك يزور المطافئ، ويزور قيادة الجيش المحتل، وهذه الحركات كلها تنبئ بأمرين خطيرين: أحدهما أنه يجاهر المصريين بالدخول في أمورهم الخاصة، في غير تحفظ ولا احتياط، والثاني أنه تهيأ لأمر لا يعرفه، ويريد أن يستيقن أنه إن أقدم فستواتيه الظروف، وسيكون قابضاً على ناصية الحال كما يقولون، فإذا كان يوم الجمعة رد له رئيس الوزارة السابق زيارته في الإسكندرية، بين قطارين كما يقول الفرنسيون، فإذا كان يوم السبت، وصلت الأنباء إلى رئاسة مجلس الوزراء بأن نائب المندوب السامي سيزور الرئيس، ثم أجلت الزيارة في غير تحديد، ثم كانت الزيارة مساءً في دار الرئيس، والناس يتحدثون في أثناء هذا كله بأن الرسائل البرقية الرمزية، متصلة بين دار المندوب السامي، وبين وزارة الخارجية البريطانية والسير مايلز لمبسون.
هذا إلى ألوان أخرى من النشاط منها المعروف الذي يتحدث به الناس ومنها المجهول، الذي لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، وأما الوزراء فيجتمعون ويفترقون ويقيم بعضهم في القاهرة أياماً فإذا دعي إلى الإسكندرية أبطأ في الاستجابة لهذا الدعاء، حتى يكون الإلحاح.
والوزراء يلتقون أفراداً وجماعات في مكاتبهم وفي دورهم، وناظر الخاصة الملكية، والسكرتير الخاص لجلالة الملك، يلقيان رئيس الوزراء في الصباح والمساء، كما يلقيان غيره من زملائه، وأما النواب فبعضهم يسأل عن تفتيش المندوب السامي على الشرطة، وبعضهم يسأل عن صمت الحكومة وإغراقها فيه، والوزارة لا ترد على هذا ولا على ذاك، فيجتمع فريق من النواب والشيوخ، ويتدابروا ليتشاوروا ويتخذوا قراراً، ولكن مدير الأمن العام يقظان، غير نائم، فهو لا يمنح طرفه الجامعة وكلية الحقوق ودار بعض الطلاب وحدها، وإنما يمنح طرفه أيضاً دار البرلمان، ليرى من يذهب إليها، ومن يخرج منها، ومن يجتمع فيها. ثم يمنح طرفه الصحف، ليرى من يزورها، ومن ينصرف عنها، ثم يتحدث إلى أصحاب الصحف ليطلب إليهم ألا ينشروا ما قد يرسله إليهم النواب من عرائض تنير الخواطر، وفي أثناء ذلك تراقب المحطات في الإسكندرية وفي سيدي جابر، لتعرف الوزارة من يقدم على الثغر، ومن يخرج من الثغر، ثم تشتد المراقبة حول دار رئيس الوفد، وحول الكازينو، وحول الدور التي ينزل فيها أعضاء الوفد المقيمون في الإسكندرية.
هذا هو موقف مصر الرسمية بالضبط، فأما موقف الشعب فهو كما صورناه أمس، موقف قلق واضطراب، بل موقف إمعان في القلق والاضطراب، ما يزال الناس يتساءلون إذا لقي بعضهم بعضاً عما كان أمس، وعما هو كائن اليوم، وعما سيكون غداً، بل عما كان في الصباح، وعما هو كائن في المساء، وعما سيكون إذا جن الليل – والخيال يذهب إلى أبعد الآماد، والألسنة تنطق بأغرب الأحاديث، وفي أثناء هذا كله يجتمع مجلس الوزراء فجأة، ثم يتفرق الوزراء المجتمعون، ثم يسأل بعض الصحفيين رئيس الوزراء عن هذا الاجتماع، فيجيب أنه اجتماع عادي ليس فيه شيء غير مألوف.
وتنشر بعض الصحف مساء أمس أن الوزارة لا ترى بأساً من إصدار بلاغ تبعث به الطمأنينة في نفوس الناس على صحة جلالة الملك. وإذا كان الصباح لم يصدر البلاغ، وإنما قالت الصحف إنه قد يصدر وأن أولياء الأمر يترددون في أمره، أيصدره مجلس الوزراء أم يصدره الأطباء الذين يعنون بالمليك؟ فإلحاح الناس إذن على الوزارة في إصدار نشرات طبية لم ينته إلى إصدار هذه النشرات بل إلى الوعد بإصدارها.
نظن أننا قد صورنا موقف المصريين الرسميين، وموقف الشعب وموقف الإنجليز أدق تصوير ممكن في هذه الأيام، ونحب أن نعلم بعد ذلك كيف تستقيم هذه المواقف كلها وكيف تتفق مع النظام، الذي تحكم به مصر، وهو النظام الديمقراطي. ومن الذي جعل أمور الشعب المصري الحر المستقل بأموره الخاصة على أقل تقدير وقفاً على الوزارة وعلى دار المندوب السامي وعلى رجل أو رجلين، من كبار الموظفين في القصر الملكي؟ وكيف يفهم أن تصبح حياة أربعة عشر مليوناً من الناس سراً مكتوماً على كل هذه الملايين، على خاصتها وعامتها، على ساستها ومثقفيها، على قادتها وزعمائها، سراً لا يعرفه إلا اثنا عشر رجلاً يستأثرون به، ويدبرون أمره، ويتصرفون فيه دون أن يقولوا لهذه الملايين شيئاً، أو يشركوا قادتها وزعماءها في شيء.
ثم كيف يفهم أن تكون مصر فيما يقال دولة مستقلة ذات سيادة تحكم حكماً دستورياً ديمقراطياً، وأن يكون أشد الأشياء مساساً بحياتها شركة بين الإنجليز وبين اثني عشر رجلاً من المصريين دون أن يكون لهذا الشعب كلمة تسمع أو رأي يلتفت إليه.
هذا كثير وأكثر منه أن يمضي الوزراء فيه، وأكثر منه أن يلح الناس على الوزراء في الخروج من هذا الصمت، فإذا الوزراء لا يزيدون إلا إغراقاً في الصمت، نظن أن الوقت قد آن ليخرج الوزراء من صمتهم وليعرف المصريون إلى أين يدفعون، ونظن أنه لا ينبغي للمصريين أن يريحوا الوزارة من الإلحاح والمطالبة في كل لحظة ومن كل هيئة، حتى تخرج الوزارة من هذا الصمت الثقيل، ومن هذا النوم العميق، أو تقيل إذا كانت عاجزة عن أن تعمل أو عن أن تقول.
طه حسين
(٢) الوادي، ٧ أكتوبر ١٩٣٤. -
موقف
حديث الوادي
موقف . . .
موقف من أغرب المواقف، وأشدها إمعاناً في الشذوذ، هذا الموقف الذي دفعت إليه مصر دفعاً في هذه الأيام بفضل الوزارة القائمة، وما تبين من عجزها الواضح عن النهوض بالأعمال الثقال والثبات للخطوب الملمة وحسن اللقاء للطوارئ والمفاجآت.
موقف غريب أشد الغرابة، شاذ أعظم الشذوذ لا يحتاج مصري مهما تكن ثقافته ومهما تكن منزلته الاجتماعية إلى أن يدله عليه أحد، أو ينبهه إليه إنسان. فأنت تستطيع أن تتنقل في الأندية، وتلم بمجالسهم في القهوات والدور، وأنت تستطيع أن تستمع إلى عامة الناس، وهم يتحدثون فيما بينهم أثناء مزاولتهم لأعمالهم اليومية، وأنت تستطيع أن تصعد إلى الترام، والأتوبيس التي تنقل الناس في القاهرة أو إلى القطارات التي تنقل الناس بين القاهرة والضواحي، أو بين القاهرة والأقاليم فسترى شيئاً لم تكن تراه منذ شهر أو شهرين، سترى قلقاً بادياً، واضطراباً واضحاً، وخيالاً أرسلت أعنته، فانطلق لا يلوي على شيء، ولا يقف عند شيء، وإنما هو يتلقف الأنباء، ثم يستغلها إلى أقصى غايات الاستغلال، فيخلق الحوادث، ويبتكر الأخبار، وينشئ الفروض، ويحكي ما كان، ويصور ما هو كائن، وينبئ بما سيكون. وتنطلق الألسنة بما يوحي به هذا الخيال الذي أدركه شيء يشبه الحمى، فهو لا يهدأ، ولا يطمئن، ولا يكف عن الحركة والإنتاج. ولا تكاد الأحاديث تلقى في مكان حتى تطير منه إلى أماكن أخرى، ثم تطير من هذه الأماكن إلى أماكن أخرى، وهي كلما وقعت في مكان أثارت القلق، وبعثت الاضطراب، وأنشطت الخيال، وأطلقت الألسنة، حتى أصبح المصريون لا يشكون في أن حياتهم العامة معرضة لحدث جديد خطير، وهم يبحثون عن هذا الحدث، وهم يريدون أن يعرفوه، بالتحقيق أو بالتقريب وهم يستدلون عليه بما يقع من الأحداث، وما ينشر من الأنباء، وما يأتي الكبراء والوزراء من الحركات، يقضون في ذلك نهارهم حين يعملون، ويقضون في ذلك ليلهم حين يسمرون، ولعل منهم من يحلم به إذا أدركه النوم، ولكنه على كل حال أول ما يخطر لهم. وأول ما يفكرون فيه، حين يستقبلون النهار ويستقبلون معه صحف الصباح. هذه هي حياة المصريين في هذه الأيام، قلق متصل يزيد من حين إلى حين إشفاق مستمر يشتد من وقت إلى وقت وحديث لا ينقطع في السياسة وأسرار السياسة وما قد تنكشف عنه هذه الأسرار.
وأكبر الظن أن الوزارة ليست أقل اضطراباً ولا قلقاً من الشعب، فلعلها تعلم من أمر السياسة أكثر قليلاً مما يعلم الشعب، والشعب لا يعلم شيئاً أو لا يكاد يعلم شيئاً والوزراء يأتون من الحركات ما لا يمكن أن يفهم منه هدوء البال، واطمئنان القلب وراحة الضمير. فهم يلتقون، وهم يفترقون وهم يتبادلون الزيارات التي لا تخلو من معنى، وهم يتلقون زيارات أخرى ليست أقل معنى من هذه الزيارات التي يتبادلونها فيما بينهم. وهم يتحدثون إلى بعض المتصلين بهم، وهم يسألون أحياناً عن الأخبار، شعب قلق، ووزارة قلقة، فأما الإنجليز فيظهرون نشاطاً غريباً لم يظهروه من قبل، يدخلون فيما لم يتعودوا أن يدخلوا فيه ويقبلون على ما لم يتعودوا أن يقبلوا عليه ويفعلون ما لا ينبغي لهم أن يفعلوا ويكفي أن نلاحظ نشاط نائب المندوب السامي وحده في هذه الأيام القليلة الماضية، فهو يفتش على الشرطة في الإسكندرية وهو يطير إلى القاهرة فيفتش على الثكنات، ثم على بعض الأقسام، ثم على المطافئ، ثم يتغذى مع قائد جيش الاحتلال، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات المصرية السابقين، ثم يزور بعض الإنجليز ثم يطير إلى الإسكندرية، ولا يكاد يستقر أربعاً وعشرين ساعة حتى يرد له ذلك المصري من رؤساء الوزارات السابقين زيارته. يسافر لهذه الزيارة مع الظهر ويعود من هذه الزيارة مع المساء، وتقول الصحف إن هذه الزيارة لها ما بعدها، وقد تتبعها زيارة أخرى والناس يقرأون هذه الأنباء في الصحف، ويسمعونها في الأندية، ويقال لهم إن الوزارة حائرة ويقال لهم إن الوزارة قد تستقيل، وهم يريدون أن يفهموا، ولكن كيف يفهمون؟ وهم يريدون أن يتبينوا ولكن كيف يتبينون؟ وزارة مغرقة في الصمت وقد كان يجب عليها أن تتكلم، مغرقة في السكون وقد كان يجب عليها أن تعمل، مغرقة في الألغاز وقد كان يجب عليها أن تكون واضحة، مصرة على البقاء في الحكم، وقد كان يجب عليها أن تتخلى عنه، بعد أن ظهر لها وظهر للناس أنها لا تصلح له، ولا تقدر عليه، ولا سيما في هذه الظروف التي لم يبق إلى الشك في دقتها وخطرها وحرجها من سبيل.
والصحف تجمع الآن على مطالبة الوزارة بإصدار نشرات منظمة عن صحة جلالة الملك، فلم يبق عند أحد شك في أن صحة جلالته قد انحرفت بعد أن جاءت الأنباء بذلك من أوروبا، وكان ينبغي أن يعرف الناس ذلك في مصر قبل أن يعرفوه في أوروبا.
وبعد أن أجلت الرحلة الملكية وبعد أن أعلن أن حضرة صاحب الجلالة لا يستقبل في عيد الجلوس هذا العام، وبعد أن دعي طبيب من القاهرة ثم دعي طبيب أو أكثر من طبيب من الخارج.
فالناس يعلمون أن صحة جلالة الملك ليست على ما يتمنون من العافية، وهم يريدون أن يعلموا، ومن حقهم أن يعلموا. ومن الواجب على الحكومة أن تعلمهم بحال ملكهم من يوم إلى يوم، بل من صباح إلى مساء.
ولكن الوزارة لا تقول في هذا شيئاً كما أنها لا تقول في غيره من الأمر شيئاً. فقد نحب أن نعلم ماذا يصنع الوزراء، وما بقاؤهم في مناصبهم إذا كانوا يقصرون حتى في أقدس الواجبات فلا يطمئنون الشعب على صحة ملكه ولا ينبئون الشعب بمعنى هذا النشاط الغريب الذي يظهره الإنجليز.
إحدى اثنتين فإما أن يكون الوزراء ناهضين بواجباتهم حقاً، وإذن فقد كان يجب أن ترى آثار هذا النهوض، والوزراء يعلمون حق العلم أنهم ليسوا أوصياء على شعب قاصر، وإنما هم موظفون لشعب رشيد، فليس لهم أن يخفوا عليه شيئاً، وليس لهم أن يستأثروا من دونه بما يمس حياته من قريب. وأما أن يكون الوزراء باقين في مناصبهم ليختلفوا إلى الدواوين، ويستمتعوا بجاه الوزارة وظاهر من سلطانها، فيجب أن يعلموا أن الوزراء لا يختارون لهذا، وإنما يختارون لشيء آخر.
وبعد فإنا نريد أن نعتقد أن الوزراء يرجعون إلى ضمائرهم. ويعلمون حق العلم أن الشعوب قد تتعرض لأوقات من حياتها لا يجوز فيها الهزل، ولا يباح فيها الإهمال، ولا يغفر فيها التقصير، وأن الوزراء يقدرون هذا كله، ويلائمون بينه وبين سيرتهم في هذه الأيام، فإما أن يعملوا ويقولوا ويقنعوا المصريين بأنهم وزراء حقاً، خليقون بملاقاة الطوارئ، والثبات للحوادث والنفاذ من الخطوب، وإما أن يردوا أمر الشعب إلى الشعب، ويدعوا الحكم لينهض به قوم هم أصلح له، وأقدر عليه، ولاسيما في هذه الظروف.
طه حسين
(★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤. -
صبريات٤
حديث الوادي
صبريات…
يعجبني من وزير ماليتنا العظيم، أنه حازم جداً، حازم لا نظير له في الحزم، لا يُقرن إليه فيه وزير الداخلية ولا وزير التقاليد، فضلاً عن رئيس وزرائنا الرجل الطيب، حازم قد انفرد بالحزم، عازم قد استبد بالعزم، قوي قد استأثر بالقوة.
ولكن هذا كله مقصور على القول، وعلى القول وحده، فوزير المالية إذا قال، زلزلت الأرض بمن عليها، واضطربت القلوب في الصدور أشد اضطراب، وامتلأت النفوس هلعاً وفزعاً وجزعاً، ولكنه إذا هم بالعمل لم يعمل شيئاً، فحزمه كلام في كلام، وعزمه ألفاظ في ألفاظ، وقوته محصورة في هذا الصوت، الذي يحسن رفعه، وإشاعة الرهبة فيه، وإسباغ البأس عليه. وهذا الصوت قد يخيف سامعه، وقد يشيع الخوف منه في كلام الوزير إذا كتب على القرطاس، ونشر في الصحف، فيخاف منه بعض القراء. ولكن هيبة وزير المالية لا تستطيع أن تتجاوز هذا الحد، بل تقف عنده وقوفاً مؤسفاً حقاً، فما أسرع ما يأمن الخائف، وما أسرع ما يطمئن القلق، وما أسرع ما يبسم هذا وذاك، وما أسرع ما يقول هذا وذاك: كلام سمعناه من قبل، كما نسمعه اليوم، وكما سنسمعه ما دام صبري بك مسيطراً على وزارة المال.
منذ عام صرح وزير المالية، بأنه ما دام وزيراً فلن يدفع الدين العام وفوائده إلا ورقاً، ولن يفاوض في ذلك، ولن يسمح بالمفاوضة، وقد مضى العام، واتصلت المفاوضات في مصر أولاً، ثم انتقل لها مندوب مصر إلى باريس، ثم ترك أمرها إلى المندوب السامي يعالجه كما يشاء، وصبري بك وزير المالية، لم يستقل، ولم يكره الدول على أن تنزل عند رأيه، بل لم يحمل زملاءه الوزراء على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه.
ومنذ عام قال وزير المالية صبري بك أنه ما دام وزيراً فلن يسمح ببقاء الأزمة العقارية، ولن يرضى من المصارف، أن تشتط على المدينين، أو تتحكم فيهم، ولن يسمح للوزارة أن تقدم على الحلول النصفية التي لا تحل شيئاً أو التي تحل نصف الأزمة، وتدع نصفها الآخر معقداً غير محلول، وقد مضى العام، والأزمة العقارية قائمة، والمصارف تشتد على المدينين، والوزارة لا تقدم على الحلول النصفية، بل على الحلول الجزئية، التي لا يمكن أن تنسب إلى الربع، أو إلى الثلث، وصبري بك ما زال وزيراً للمالية، لم يستقل ولم يكره المصارف على شيء، ولم يحمل زملاءه على أن يروا رأيه أو يشاركوه فيه، بل صرح هو أو رضي أن يصرح عنه رئيس الوزراء في مجلس النواب بأن الوزارة قد فعلت ما تستطيع.
ومنذ عام أثار وزير المالية أزمة حادة، عنيفة، في وزارته بينه وبين الموظفين، كباراً وصغاراً، وصرح لبعض الصحف بأنه ما دام وزيراً، فلن يسمح للموظفين في وزارة المالية كباراً وصغاراً بأن ينسوا أن لهم وزيراً يجب أن يرجعوا إليه في كل شيء.
ولم يكن الموظفون في وزارة المالية قد نسوا أن لهم وزيراً، ولكن صبري بك خُيّل إليه ذلك، وقد مضى العام، والأمر في وزارة المالية كما كان، قبل أن يشرف عليها صبري بك، لم يزد علم الموظفين، ولم ينقص، بأن لهم وزيراً يرجعون إليه، وما زال صاحب السعادة عبد الوهاب باشا وكيلاً للمالية، وما زال صاحب العزة الفلكي بك وكيلاً آخر، وما زال كبار الموظفين وصغارهم حيث كانوا يصرفون الأمور، كما كانوا يصرفونها من قبل، وسلطان صبري بك عليهم كسلطان غيره من الوزراء. ولم يستقل صبري بك، ولم يفكر في الاستقالة، مع أنه لم يغير شيئاً، أو لم يحاول أن يغير شيئاً على كثرة ما أعلن رغبته في التغيير.
ومنذ عام، صرح صبري بك بأنه ما دام وزيراً فلن يسمح بمثل ما كان يقع في الوزارة السابقة من المحاباة في مصلحة الأملاك، في بيع الأرض وشرائها، ولكن الأمر اتصل كما كان من قبل، فاشترى فلان واستبدل فلان، وأجاز صبري بك شراء فلان واستبدال فلان دون أن يستقيل أو يفكر في أن يستقيل.
وأمس قال وزير المالية صبري بك لمندوب الأهرام:
«إني أرجو أن تنقل عني هذا التصريح الحاسم.
إنني ما دمت وزيراً للمالية – فلن أسمح مطلقاً بأن تقعد وزارة المالية عن تحصيل الأموال في مواعيدها. ولن أسمح بأن تفقد وزارة المالية مليماً واحداً من الأموال الأميرية. ولن أعير استصراخ الذين يلتمسون الإعفاء من جزء منها أي التفات، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية».
أسمعت إلى هذا التصريح الحاسم الحازم، العازم، الحازم المخيف، أنه مع ذلك لا يزيد على أن يكون تصريحاً كغيره من التصريحات التي ملأ بها صبري بك، جو مصر منذ عام، فهو ما دام وزيراً لن يسمح، ولكنه مع ذلك سيسمح وسيظل وزيراً. وهو ما دام وزيراً لن يرضى، ولكنه مع ذلك سيرضى وسيظل وزيراً، لأنه سمح بأشياء، ولم يكن يريد أن يسمح بها، ورضي عن أشياء، ولم يكن يريد أن يرضى عنها، ومع ذلك فإن الأدب والمجاملة وحسن الذوق تقضي عليهما بأن نظهر لوزير المالية أن تصريحه قد أخافنا، فليعلم إذن أننا خفنا، وليعلم إذن أننا أشفقنا، وليظهر له كبار الزراع أنهم خائفون، وأنهم مشفقون، ولكن ليظهر له كبار الزراع أيضاً أنهم طامعون، في عفوه وحلمه، وكرمه، فعفوه آت لا شك فيه، وحلمه واقع لا جدال فيه، وكرمه محتوم لا نزاع فيه.
وكبار الزراع سيستمتعون إن شاء الله بكل ما كانوا يستمتعون به من قبل من الرحمة والرأفة ولين الجانب، لا يشترط عليهم إلا أن يكونوا أولياء للوزارة يظهرون الميل إلى سياستها، وسيظل صبري بك مع ذلك وزيراً.
لندع إذن هذا الحزم الذي لا حزم فيه، وهذا الوعيد الذي لا وعيد فيه، ولنقف مع وزير المالية موقف جد، عند أمر واحد لا ثاني له، فوزير المالية يصرح بأن خير ما كسبته مصر في هذا العصر الحديث، هو سمعتها المالية. وبأنه سيحافظ على هذه السمعة، وبأن المحافظة على هذه السمعة، تضطره أن يتقاضى الضرائب ممن يجب عليهم أداء الضرائب.
وهذا كله صحيح. ولكن ما رأي وزير المالية في أن هناك شيئاً آخر صحيحاً، لا ينبغي لمثله أن يجهله، فحسن السمعة ليس رهيناً بجمع المال فحسب، ولكنه رهين قبل كل شيء، بحسن القيام على هذا المال، وبحسن الاقتصاد في إنفاقه، فإذا كان وزير المالية حريصاً حقاً على جمع المال احتفاظاً بالسمعة المالية لمصر، فقد يجب عليه أن يكون حريصاً حقاً، على حماية هذا المال من التبذير، ومن إنفاقه في غير مواضع الإنفاق، احتفاظاً بهذه السمعة المالية، وإذا كان وزير المالية لا يسمح بالتقصير في جمع المال، ولا بالتقصير في أداء الضرائب، فقد يجب على وزير المالية أن لا يسمح لزملائه، بالإسراف في إنفاق المال، ولا بالغلو في إنشاء المناصب والمصالح، وإرسال الوفود والبعثات، وإقامة المباني، والعمارات ومنح الإعانات وما يعرفه وزير المالية من ضروب الإسراف الذي تقدم عليه الوزارات في غير تحرج ولا احتياط.
من الخير جداً يا سيدي أن تجمع المال من دافعي الضرائب، ولكن من الخير جداً كذلك أن تذكر أن هذا المال الذي تجمعه ليس لك ولا لزملائك، وإنما هو أمانة في يدك وفي أيدي زملائك تجمعه من المصريين كافة لتنفقه على المصريين كافة، في غير إسراف ولا تبذير، وفي غير إيثار ولا محاباة. فهل تستطيع أن تقول لمندوب الأهرام إنك ما دمت وزيراً للمالية فلن تسمح بأن ينفق المال في غير موضعه.
نعم أنت تستطيع أن تقول ذلك ولعلك قلته، ولكنه كلام كغيره من الكلام يخيف من يسمعه أو يقرؤه ثم يقف الخوف منه عند هذا الحد، فلا يمنع إسرافاً، ولا يكف عن تبذير، ولا يحول دون إيثار ولا محاباة.
قل ما شئت يا سيدي الوزير فقد عرف الناس أقصى ما ينتهي إليه الكلام.
طه حسين
الوادي، ١٩٣٤/٩/١٣. -
عطاش
حديث الوادي
عطاش
هم هؤلاء الإنجليز الذين يعملون في خدمة الإدارة المصرية مع رجال الشرطة المصريين. فقد يظهر أن القيظ اشتد عليهم في بلاد القيظ، وأن أكبادهم تتحرق عطشاً، وأن أفواههم قد جفت من الظمأ، وأنهم في حاجة إلى أن يبلوا هذا الظمأ، ويروو هذا الصدى، وينسوا هذا الغليل الذي لا يستطيعون الصبر عليه، ويظهر أن ماء النيل يستطيع أن يبل ظمأ المصريين لا ظمأ الإنجليز، وأن يشفي غلة المصريين لا غلة الإنجليز. ويظهر أن في مصر شيئاً واحداً هو النافع الناجح، في بل الظمأ، وشفاء الغليل إذا تحرقت لهما أو بهما أفئدة الكونستبلات الإنجليز، وهو دم المصريين.
فقد سمعنا أمس، وقرأنا اليوم نبأً لا نستطيع أن نشك فيه، لأن الذي حدثنا به أصدق من أن يرقى إلى كلامه الشك، وأنزه عندنا وعند الإنجليز أنفسهم من أن يسعى إلى إخباره الريب.
سمعنا أن هؤلاء الكونستبلات من الإنجليز كانوا قساة أمس إلى أقصى حدود القسوة، حين انصرف رئيس الوفد من صلاة الجمعة. وكانوا مترفين في قسوتهم يفتنون فيها افتناناً، ويصطنعون فيها أناةً لا تصدر إلا عن المترفين، الذين يفكرون قبل أن يقدموا، ويقدرون قبل أن يعملوا، ويستبقون اللذة ما وسعهم استبقاؤها. كانوا لا يفرقون الناس حين يستقبلون رئيس الوفد، وإنما يفرقونهم بعد أن يمر رئيس الوفد. وكانوا لا يفرقونهم بالقول، ولا بالإشارة، وإنما يفرقونهم بالمقارع والعصي، يهوون بها إلى الرؤوس، ويصبونها على الأبدان، ولو أنهم صبروا عليهم بعض الوقت لتفرقوا بعد أن رأوا زعيمهم وحيوه.
ولكنهم فيما يظهر لم يكونوا يريدون تفريقاً ولا محافظة على الأمن، ولا حماية للنظام، وإنما كانوا يريدون صب العذاب، وإنزال العقاب، وشفاء الغليل الذي تتأجج ناره في الصدور.
لقد حدثنا محدثنا الذي لا نشك في صدقه، أنه رأى رجلاً من هؤلاء الإنجليز يصب عصاه الغليظة صباً على رجل من الناس بعد أن مضت سيارة رئيس الوفد فيسقط هذا الرجل على الأرض، وقد شق رأسه شقاً، وتفجرت منه الدماء، كما يتفجر الماء من الينبوع. والإنجليزي لا يعنيه ولا يشفق عليه، وإنما يمضي في ضربه وإيذائه، كأنما يريد المزيد من هذا الدم الذي يتفجر فيصبغ الأرض ويتطاير بعض رشاشه إلى الثياب. وحدثنا هذا المحدث الذي لا نرتاب في صدقه أنه التفت مرة ينظر إلى هذه المعركة الآثمة فرأى رجلاً من هؤلاء الإنجليز وقد اصطبغت مواضع من ثيابه، بهذا الدم المصري البريء. وكانت "الأجيبشيان جازيت" قد أنبأت قراءها صباح أمس بأن تدبيراً خاصاً سيدبر لصلاة الرئيس فقد رأينا إذن هذا التدبير وهو مضاعفة القوة المحشودة والإكثار من الإنجليز القساة لأن المصريين لا يحسنون القسوة على المصريين، وإعمال العصي والسياط في الناس، لا صرفاً لهم عن استقبال الرئيس، بل عقاباً لهم على هذا الاستقبال بعد أن تم، وفرغ الناس منه.
فلنسجل أن "الأجيبشيان جازيت" قد أصبحت فيما يظهر لساناً من ألسنة الإدارة تنطق باسمها، وتعرب عما أرادت أو تريد. أو فلنسجل أن العناية برئيس الوفد، وتفريق الناس عنه وعقاب الناس إذا أحاطوا به والتفوا حوله قد خرجت من أيدي الإدارة المصرية، إلى أيدٍ إنجليزية خاصة تستطيع "الأجيبشيان جازيت" أن تعلم علمها وتتلقى عنها الوحي، وتذيع أعمالها في الناس قبل أن تتم هذه الأعمال. ثم لنهنئ "الأجيبشيان جازيت" بهذه المكانة الجديدة التي ظفرت بها عند الإدارة المصرية، أو عند هذه الإدارة الإنجليزية الخاصة ثم لنسجل بعد ذلك على الإنجليز غير شاكين – فالمصريون بحمد الله أكبر من الشكوى – لنسجل على الإنجليز أنهم يظهرون في هذه الأيام كما أظهروا في بعض الأيام الماضية ميلاً إلى القسوة والعنف، وظمأ إلى الدم المصري، ورغبة جديدة في صبغ الأرض المصرية، بدماء أبنائها المصريين على حين لا يثور المصريون بالإنجليز ولا يتحدونهم ولا يخاصمونهم إلا في حدود السلم، ولا يجادلونهم إلا بالحق، وبالتي هي أحسن.
ثم لنسأل بعد ذلك وزير الداخلية القيسي باشا رأيه في هذا؟ أراضٍ هو عنه أم ساخط هو عليه، أهو الذي أمر به، وتقدم فيه، وإذن فهو يسلط عصي الأجانب وسياطهم وقسوتهم وعنفهم على مواطنيه؟ أم لم يأمر به، وإذن فماذا يصنع بسلطان الوزير، وما بقاؤه في الوزارة إذا كانت الأمور تجري على غير ما يريد، وإذا كانت الأحداث تحدث والدماء تراق، وهو لم يأمر بذلك ولم ينه عنه؟
ثم لنسأل النائب العام ما رأيه في هذا، وما موقفه بإزائه؟ أيرى النائب العام أن الشرطة إن كانت تملك تفريق الناس محافظة على النظام فهي لا تملك عقاب الناس، إذا خالفوا النظام، وإنما عقاب الناس إذا تجاوزوا الحدود رهين بتحقيق النيابة وحكم القضاء؟ وإذا كان النائب العام يرى هذا وما نظنه يرى غيره، فهل يرى النائب العام أن من الحق على النيابة أن تسأل عن هذا الدم المصري كيف أريق؟ وعن هذا العقاب كيف صبه على الناس، من لا يملك صب العقاب؟
أيرى النائب العام أن إراقة الدم المصري في هذه القسوة وبهذا العنف خليقة أن تكون موضوعاً للتحقيق؟
أيوافقنا النائب العام على أن إراقة الدم المصري على هذا النحو ليست أقل استحقاقاً للعناية واستلزاماً للتحقيق من سرقة تقترف، أو صدام يقع، أو خطبة تلقى، أو فصل يكتب، أو كلمة تقال؟ وإذن فهل نستطيع أن نرجو من النائب العام سؤالاً عما كان أمس، وتحقيقاً فيما كان أمس، فقد يكون لهذا السؤال إن صدر عن النائب العام، وقد يكون لهذا التحقيق إن أمر به النائب العام، أثر من الآثار، يمنع قساة الإنجليز من ضرب المصريين، ويمنع عصي الإنجليز من تفليق هامات المصريين، ويمنع أيدي الإنجليز من إراقة دماء المصريين؟
لقد سمعنا أن النيابة تسأل عن تحطيم الإنجليز للعلم المصري، فأرضتنا عناية النيابة بكرامة العلم المصري. فهل نسمع أن النائب العام يسأل عن إراقة الإنجليز للدم المصري؟ لننتظر، فمن يدري؟ لعل النائب العام يجيبنا إلى ما نريد.
طه حسين
الوادي،١٢\٨\١٩٣٤.