Tag: Ministerial Change

  • آمال

    آمال
    بدا لرئيس الوزراء فاستبدل سفينة بسفينة، وقدم عودته يومين بعد أن قدمها نصف شهر. ولعل رئيس الوزراء أن يبدو له مرة أخرى فيستبدل سفينة بسفينة، ويقدم عودته ساعات أو يقدمها يوما أو يقدمها يومين أو أياما. فقد يظهر أن الحاجة إلى الإسراع ملحة، وقد يظهر أن الضرورة إليه ماسة، وقد يظهر أن صحة الرئيس لو سمحت له أن يطير بجناح أو جناحين أو أجنحة لما تردد في العودة على متن الهواء مكان العودة على متن الماء.
    والناس لا ينتظرون من هذا الإسراع والرغبة فيه والإلحاح في هذه الرغبة خيرا، ولا يلقون هذا النحو من التعجل بما ينبغي من التفاؤل والاستبشار. فهم كانوا يعلمون أن وزيرهم الأكبر مستريح إلى الجو الأوروبي، محب للاستمتاع بما فيه من هواء وماء، ومن اعتدال يبعث النشاط ويدعو الشفاء. فلما علموا أنه قد كره هذا الجو فجأة وزهد فيه على غير انتظار، لمسوا لذلك العلل، وبحثوا عن الأسباب فلم يجدوا شيئا في حياة مصر، ولا في حياة الوزارة يدعو إليه أو يبعث عليه.
    وقد قال قائلهم إن الرئيس كان شديد الرغبة في العودة إلى مصر منذ وقت طويل لأسباب منها ما يمس الحياة المصرية، ومنها ما يمس الحياة الدولية. فقد راعته قصص التبشير والمبشرين، وكأن سياسة الوزارة في هذه القصة لم تبلغ من نفسه كل الرضا، فهو حريص على أن يشرف عليها بنفسه من كثب، لتنبت الملاجئ في الأرض كما ينبت الزرع، ولكن في غير ريث ولا إبطاء، ولتغلق بعض المعاهد التي لم تستطع الوزارة إغلاقها إلى الآن.
    وقد عرف رئيس الوزراء أن اضطراب الأمن قد ازداد حتى أصبح مقلقا مزعجا، وأن سياسة الوزارة في إقراره وتهدئة نفوس الناس هؤلاء لم تبلغ من نفسه كل الرضا، فأراد أن يشرف على هذه السياسة بنفسه من كثب، لتستقر قلوب الناس في صدورهم، وعقول الناس في رؤوسهم، ولتجري دماء الناس في عروقهم دون أن تخاف أن تنشق عنها هذه العروق.
    وعرف رئيس الوزراء فيما يظهر قصة هذه السحابة التي خرجت من بلاد اليمن فأظلت بلاد العرب كلها، وأخذت بروقها ورعودها تنذر بالويل في النهار والليل، وتنبئ الناس بأن حربا ضروسا قد تشب بين الملكين العربيين، فتذيق المسلمين من آثارها شرا عظيما، ونكرا شديدا ونكدا مقيما. فأثر رئيس الوزراء أن يسرع في العودة إلى مصر، لتسعى الوزارة المصرية بين الملكين بالصلح كما سعى هرم بن سنان بين عبس وذبيان، أو لتدبر الوزارة المصرية لمصر حيادا حازما صارما شريفا بين الملكين المختصمين إن لم توفق إلى فرض التحكيم والسلام.
    ورأى رئيس الوزراء فتنة الآشوريين في العراق وما نجم عنها من الخلاف بين العراق وفرنسا، فأزمع العودة السريعة إلى مصر ليدخل بين الخصمين مدخلا حسنًا ينتهي بهما إلى الوفاق، ويريحهما من مشقة الاحتكام إلى عصبة الأمم في جنيف.
    قال قائل من الناس هذا الكلام وأشباهًا لهذا الكلام ليرد عن الناس هذا الخوف الذي غشيهم من تعجل الرئيس في الرجوع إلى مصر، وليلقي في روع الناس أن الرئيس مقبل عليهم بالخير كل الخير، والأمن كل الأمن، والبقاء في منصب الحكم إلى أن تمحى المعارضة محوًا، ويصبح الوفد حديثًا من حديث التاريخ. ولكن الناس كانوا يسمعون هذا الكلام بأذن ويخرجونه من أذن أخرى، ويقولون إن قصة التبشير قد طال عليها العهد، وبعد بها الأمد، وإن فساد الأمن قد طال عليه العهد وبعد عليه الأمد، فلو قد شاء الرئيس أن يعود لهذين الأمرين أحدهما أو كليهما لعاد منذ أمد بعيد.
    وما علمنا أن لمصر في جزيرة العرب ناقة ولا جملا، وما علمنا أن الوزارة المصرية تدخل بين المختصمين وغير المختصمين من المسلمين أو غير المسلمين. إنما مصر مقصورة على نفسها، مشغولة بهمومها الطارئة والمقيمة. فلن يعود رئيس الوزراء ليسعى بالصلح بين نجد واليمن، أو ليحمل الوفاق بين فرنسا والعراق. إنما يعود رئيس الوزراء ويسرع في العودة لأن حادثًا حدث لا ينبئ بخير.
    وهذا الحادث لم يأت من قبل الشرق ولا من قبل الجنوب، وإنما جاء من بلاد الإنجليز. وأي حادث جاء من بلاد الإنجليز إلا نقل المندوب السامي من القاهرة إلى أنقرة؟ فالناس إذن ملحّون في أن عودة رئيس الوزراء موصولة بنقل المندوب السامي، لا يريدون أن يغيروا رأيهم في ذلك، ولا أن يقبلوا فيه نصحًا ولا مشورة. ويظهر أن الوزارة، أو البيئات الوزارية على أقل تقدير، قد أحست خوف الناس هذا وأشفقت منه عليهم وعليها، فهي آمنة مطمئنة، لا تتعرض لخوف ولا تستهدف لمكروه.
    أحست خوف الناس وأشفقت عليهم منه، فأرسلت طيرًا تحمل إليهم الهدوء وتظلهم بأجنحة فيها الأمن والدعة، وفيها الطمأنينة والرضا. وقد أخذت هذه الطير تظهر في جو مصر منذ أمس، فتحدثت صحيفة من صحف المساء بأن المندوب السامي قد نقل، ولكن نقله ليس تامًا ولا كاملًا، وأنه سيذهب إلى أنقرة ولكن بعد أن يمر بمصر ويقيم فيها شهورًا ينهض في أثنائها بأعماله كلها كأن لم يكن نقل ولا ما يشبه النقل.
    فالمندوب السامي منقول ولكنه ثابت، مرتحل ولكنه مقيم، مفوض عند الترك، ولكنه مسلط على مصر. ومعنى هذا أن أمام الوزارة التي يحبها الناس ويفتدونها بالأنفس والأموال فسحة من الوقت وسعة من الحياة، فهي لن تدع الناس فجأة، ولن تخطف من بينهم كما خطف رئيس الوفد من بين أهل الصعيد في قطار سريع، ولكنها ستودعهم فتطيل الوداع، وستقدم إليهم وتقبل منهم من الهدايا ما تدوم به الذكرى ويتصل به الود.
    ومن يدري؟ لعل هذه الأشهر التي سيقيمها المندوب الثابت المنقول بيننا أن تكون فيها المفاوضة التي لا ريب فيها، وتمضي فيها المعاهدة التي لا بد منها. ثم يفترق الصديقان، رئيس الوزراء ومندوب الإنجليز، وقد أتما في آخر عهدهما بحياة أخرى ما لم يستطيعا أن يتمّاه حين كان السعد مقبلًا، والنشاط موفورًا، وأسباب القوة والبأس والسلطان ممدودة إلى أقصى غاية وأبعد مدى.
    وتحدثت صحيفة أخرى من صحف الصباح اليوم، نظنها «الأهرام»، وهل يصدر مثل هذا الحديث إلا عن «الأهرام»؟ تحدثت بأن رئيس الوزراء لا بأس عليه من مرض، ولا بأس عليه من استقالة، وبأنه قد اتصل دائمًا بالوزارة في مصر، وصرف دائمًا أمورها من بعيد، وأنه قد اشتاق إلى أن يدنو منها حتى يصبح قاب قوسين أو قاب إصبعين، ولهذا تعجل العودة، وهو مصمم على أن يمضي في طريقه بعد عودته، لا ينحرف عنها إلى اليمين ليستريح، ولا ينحرف عنها إلى الشمال ليستقيل، ولا يعنيه أن يذهب مندوب ويجيء مندوب، فالمندوبون كلهم عنده سواء.
    نشرت صحيفة أخرى من صحف الصباح، نظنها صحيفة «الشعب»، شيئًا آخر أجلَّ خطرًا، وأبعد أثرًا، وأدلَّ على ثبات القلوب واستقرار النفوس من هذا الذي أشرنا إليه ونشرته «المقطم» أمس و«الأهرام» اليوم. فقد زعمت «الشعب» أنها تحدثت إلى وزير، نعم إلى وزير، وإلى وزير مختص لا ينبغي التحدث إلى غيره في مثل هذا الموضوع، وهو وزير الخارجية الجديد. تحدثت إليه «الشعب» وتحدثت إليه «الاتحاد». فرأت «الشعب» ورأت «الاتحاد» أن وزير الخارجية لا يعلم من أمر المندوب السامي ونقله شيئًا أكثر مما تعلم «الشعب» وتعلم «الاتحاد» ويعلم مثلك ومثلي من قراء الصحف.
    وكان هذا الحديث من أشد الأحاديث نشرًا للاطمئنان السياسي في الجو المصري. وكيف لا نطمئن على بقاء الوزارة وثباتها، وعلى أن نقل المندوب السامي أمر عادي هين يسير ضئيل لا خطر له؟ وقد ظهر أن علم الوزراء به كعلم قراء الصحف، لا ينقص ولا يزيد. ولو قد كان له خطر ولو يسير لاستشيرت فيه الوزارة قبل أن يحدث، وهل رأيت دولة تغير ممثلها في بلد من البلاد دون أن تتفق مع الوزارة القائمة في هذا البلد؟ ولو قد كان له خطر ولو ضئيل لأنبئت به الوزارة بعد حدوثه. وما دامت الوزارة لم تُسأل فيه ولم تُنبَأ به فهو أمر لا خطر له ولا شأن.
    وأحمد من هذا في نشر الاطمئنان وتأمين الناس على بقاء الوزارة المحبوبة أن «الشعب» سألت وزير الخارجية، وسألته معها «الاتحاد»: هل صحيح ما تقوله بعض الصحف الإنجليزية من أن نقل المندوب السامي لا يدل على تغيير السياسة الإنجليزية في مصر؟ فأجاب الوزير بهذا الجواب الطريف الذي لا يصدر إلا عن وزراء الخارجية، والذي يصور الثقة كل الثقة، والأمن كل الأمن، والاطمئنان كل الاطمئنان. أجاب: ولم لا يكون صحيحًا؟
    وكان جواب الوزير سؤالًا، وكان من الحق أن تجيب عليه «الشعب» وأن تجيب عليه «الاتحاد»، ولكنهما لم تفعلا، لأن علم هذا السؤال وجواب هذا السؤال ليس عندهما ولا عند وزير الخارجية، ولا عند الصحف الإنجليزية، وإنما هو عند قوم آخرين لم يفصحوا عنه بعد، ولعلهم يفصحون عنه بعد أن يعود رئيس الوزراء.
    ومهما يكن من شيء فقد مضت هذه الطير التي أخذت تُرسل في الجو منذ أمس لتطمئن الناس على بقاء الوزارة وتملأ قلوبهم هدوءًا واستقرارًا. وأكبر الظن أن طيرًا أخرى سترسل في أثر هذه الطير. وأنك لن تسمع بعد أيام إلا صيحة تملأ الجو المصري وتصم الآذان المصرية، وهي أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها في هذه الأيام. وكذلك يصدق الشاعر القديم حين يقول:
    وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
    وتصدق الشاعرة القديمة حين تقول:
    ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
    وكل ما نرجو هو أن يخلص الجو المصري، ولو أيامًا، لطير الأمل هذه، وألا تظهر فيه طير أخرى ترسلها صحف الإنجليز أو وزارة الخارجية الإنجليزية، منذرة باليأس، وداعية إلى القنوط، ومهيبة ببعض الأنصار والأولياء لينجو من استطاع النجاة.
    كوكب الشرق في ١٦-٨-١٩٣٣.