Tag: ministerial incompetence

  • قصور

    حديث المساء: قصور

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ أبريل ١٩٣٤

    قصور لا يستطيع المصري أن يعترف به، ولا أن يرفع معه رأسه أمام نفسه، ولا أمام غيره من الأجانب، هذا الذي تتورط فيه الوزارة إن صح ما تتحدث به الصحف منذ أيام عن موقفها بإزاء هذه المسألة التي تشغلها وتشغل المصريين منذ حين؛ وهي مسألة القضاة المصريين في المحاكم المختلطة.

    فقد كانت الوزارة نفسها حائرة في الأسبوع الماضي، ثم انتقلت الحيرة منها إلى الناس في هذا الأسبوع. فهل حُلَّت هذه المسألة أم هل ما تزال حيث كانت؟ وإذا كانت قد حُلَّت، فعلى أي وجه؟ أعلى الوجه الذي يرضي المصريين؛ لأنه يرد إلى القضاة حقوقهم، ويحفظ عليهم كرامتهم، ويكفل لوزير الحقانية ما ينبغي أن يستمتع به من الحرية في إبداء الرأي، والاستقلال في الإقدام على عمل من الأعمال دون أن يتلقى دروسًا قاسية لاذعة، أم على وجه آخر لا يرضي المصريين ولا يرد على قضاتهم حقًّا، ولا يكفل للوزير حرية ولا استقلالًا؟

    أسئلة يلقيها الناس ولا يجدون عليها جوابًا، أو هم يجدون عليها أجوبة مختلطة متناقضة؛ فبعض الصحف الوزارية كان يزعم مساء الأحد أن كل شيء قد انتهى، وكان انتهاء كل شيء إلى ما لا يحب المصريون، ولا يشهد للوزارة بشيء من البراعة أو بشيء من القوة والحزم في تصريف الأمور، فقد كان يُقال إن الأمر انتهى إلى تأجيل القضية، على أن تأخذ الحكومة في المفاوضات بعد ذلك، لعلها تظفر بما يريد القضاة المصريون من الاعتراف لهم بالحق في رياسة الدوائر.

    وظاهر أن رئيس محكمة الاستئناف المختلطة لم يطلب في كتابه المشهور غير هذا؛ فانتهاء الأمر إلى هذه النتيجة ليس معناه إلا إذعان الحكومة وتسليمها بما كان يراه الرئيس.

    وكنا نعلم أن الوزارة تنكر ذلك أشد الإنكار، أو أن وزير الحقانية يأباه أعنف الإباء، وكنا نعلم أن الأزمة إنما تعقدت لأن وزارتنا كانت ترى أن الأمر لا يحتاج إلى مفاوضات على حين كان يرى رئيس محكمة الاستئناف أن ليس من الأمر مخرج إلا بالمفاوضات؛ فقبول الوزارة لفكرة المفاوضات إن صح ما نشرته بعض صحفها المسائية لا يمكن أن يُسمَّى إلا إذعانًا وتسليمًا.

    وقد نحب أن نعلم إذن فِيمَ كان التشدد والإباء، وتعقيد الأشياء؟! وفِيمَ كان الغضب والإنكار، والإلحاح والإصرار، وإضاعة الليل والنهار ما دام الأمر سينتهي إلى الإذعان والإقرار؟! وفِيمَ كان التلويح بالاستقالة ما دام الأمر سينتهي إلى العدول عن الاستقالة في غير فوز ولا انتصار؟! وما الذي حمل وزير الحقانية على أن يكتب إلى رئيس محكمة الاستئناف أنه لا يوافق ما دام سينتهي آخر الأمر إلى أن يوافق؟!

    مسائل كنا نحب أن نفهمها، ولكن متى وُفِّق المصريون في هذه الأيام إلى أن يفهموا شيئًا من أمر الوزارة إذا أرادوا أن يفهموه، إنما أمور الوزارة ألغاز وأحاجٍ لا يقدر على فهمها إلا الراسخون في العلم، والواقفون على دخائل الأمور، كما يقولون.

    ثم أصبح الناس يوم الاثنين فإذا ما كان يُقال مساء الأحد يُعدَل عنه بعض الشيء، وإذا الصحف تتحدث بأنه لا يُصوَّر الأمر على حقيقته.

    ولكن هناك شيئًا حدث اليوم وهو يصور الأمر على حقيقته من غير شك؛ فقد أُجِّلَتْ قضية المعاشات إلى يوم ٢٧ أكتوبر المقبل. ومعنى هذا التأجيل أن الأزمة قد حُلَّتْ حلًّا مؤقتًا اليوم، فلن يعدل القضاة المصريون في هذا العام القضائي عن الجلوس في الدائرة الأولى، ما دامت هذه القضية قد أُجِّلَتْ.

    وإذن؛ فهل تأخذ الحكومة في مفاوضات سياسية كما يريد رئيس محكمة الاستئناف لتحل هذه المسألة قبل أن ينتهي الصيف، وإذن فقد انهزمت الوزارة من غير شك، أم هل تأبى الحكومة أن تدخل في مفاوضات سياسية وتصر على أن تحل المسألة فورًا بحيث تضمن منذ الآن الاعتراف للقضاة المصريين بحقهم في رياسة الدوائر على أن يُعمَل بذلك منذ يبدأ العام القضائي المقبل؟

    سؤال ليس من اليسير أن نجيب عليه الآن وإن كان كل شيء يدل على أن الظاهر أن الوزارة ستسلك الطريق الأولى، فتدخل في مفاوضات سياسية بعد أن كانت تأبى الدخول فيها، وتقبل ما يريده رئيس محكمة الاستئناف بعد أن كانت تأباه أشد الإباء.

    ومما يدل على هذا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر هذا التأجيل نفسه، فقد كان يُقال إن بعض الجهات الأجنبية لم تكن تحب التأجيل الطويل ولكن الوزارة ألحت فيه حتى ظفرت به، فهل يدل هذا إلا على أن الوزارة تريد أن يتسع أمامها الوقت لعل المفاوضات أن تطول، ولعلها أن لا تنقضي في أسابيع؟!

    ومما يدل على ذلك أيضا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر الرد على رئيس محكمة الاستئناف، فقد كان يُقال إن وزير الحقانية فرغ من هذا الرد، وأفرغه في صيغة حازمة وهَمَّ أن يرسله، ثم قيل له في ذلك: انتظر. فانتظر، ثم قامت اعتراضات من بعض الجهات الأجنبية على بعض ما في هذا الكتاب من العبارات وأُرِيدَ من الوزير تغييرها فأبى الوزير هذا التغيير.

    وأظنك توافقني على أن الوزير الذي يهم بإرسال كتاب ثم يؤخر إرساله، وعلى أن الوزير الذي يتم رده ثم لا يستطيع أن يبلغه؛ لأن بعض الجهات الأجنبية تعترض على بعض ما جاء فيه، أظنك توافقني على أن الوزير الذي يتورط في هذا كله ليس هو الذي يستطيع أن يحل هذه الأزمة حلًّا حازمًا حاسمًا سريعًا كما يريد المصريون.

    ومعنى هذا أن الوزارة قد تخففت من هذا العبء الثقيل بما انتهت إليه من تأجيل طويل؛ فكسبت الوقت واستطاعت التنفس، وستترك المسألة في أكبر الظن للمفاوضات السياسية التي قد يُبدَأ بها الآن، وقد يُبدَأ بها بعد حين، والتي تدع المسألة كلها خاضعة لما تضمره الأقدار، ومعنى ذلك أن الوزارة — إن صح هذا كله — قد غيرت موقفها تغييرًا تامًّا، فقبلت ما لم تكن تقبل، وأذعنت لما لم تكن تذعن له، ورضيت أن تجادل فيما لم تكن ترضى الجدال فيه، وأصبح من الجائز أن تدخل في مفاوضات لا يُقدَّر لها النجاح، ويومئذ يعود القضاة المصريون إلى حيث كانوا أمس، ويبقى القضاة المصريون حيث هم الآن، ويصبح موقف الوزارة المصرية من الضعف والاضطراب بحيث لا تحب وزارة أن تقف.

    وإذن؛ ففِيمَ كان هذا الضجيج والعجيج؟! وفيم اتخذت الوزارة لغة الحزم، ولبست ثوب الصرامة ما دامت تنتهي آخر الأمر إلى هذا التسليم والإذعان؟!

    لن تستطيع الوزارة أن تزعم أنها لم تجد من المصريين نصرًا ولا تأييدًا، وقد منحها المصريون من النصر والتأييد ما لم تظفر به من قبل، وما كان يكفي لتقف موقفًا أدنى إلى الحزم والمحافظة على الكرامة والحق، ولكن الوزارة لم تنتفع بهذا النصر، ولم تستفد من هذا التأييد، ولعلها كانت تضيق بهما أشد الضيق، ولعلها كانت تكرههما أشد الكره، ولعلها كانت تؤثر ألا يمنحها المصريون منهما شيئًا.

    فالمصريون يحرجونها حين يحسنون بها الظن وينتظرون منها الخير، ويُقدِّرون أنها تستطيع أن تحفظ الحق أو تؤيد الاستقلال.

    والمصريون يحرجونها حين ينتظرون منها المعجزات، وقد أعلن رئيسها أنه لم يأتِ لإحداث المعجزات، ومتى وُفِّقَتْ هذه الوزارة إلى تحقيق مطلب من مطالب المصريين، أو رد حق من حقوق المصريين، أو حفظ كرامة من كرامات المصريين؟!

    سَلْها ماذا صنعت في مسألة الدين العام، وسل رئيسها ماذا صنع في هذه الأزمة التي أثارها بينه وبين المندوب السامي حول التقاليد، وسلها ماذا صنعت في قصة السماسرة، وسلها ماذا صنعت فيما كان بين وزير الداخلية ومدير شركة النور. سلها ماذا صنعت في أي مشكلة من المشكلات الداخلية أو الخارجية؛ فسترى أنها لم تصنع شيئًا، وإن زعم أنصارها أنها صنعت كل شيء.

    هي وزارة قاصرة لا تستطيع أن تنهض بهذه الأعباء الثقال التي يجب أن تنهض بها الوزارات، لا تستطيع أن تتحمل تبعات الحكم، إما لأنها لا تظفر بتأييد الشعب، وإما لأنها لا تستطيع احتمال هذا التأييد حين تتيحه لها الظروف والمصادفات. هي وزارة قاصرة لا تستطيع إلا أن تختلف إلى الدواوين، وأن يضطرب أعضاؤها في أقطار الأرض، ومن حولهم الأنصار والأعوان؛ ليقول الناس إنهم وزراء ليس غير.

    ومن يدري؟! لعل الظروف السيئة التي تحيط بمصر منذ أعوام تريد أن تجعل أمور هذا البلد البائس إلى وزارات من هذا الطراز لتفسد هذه الأمور وتضطرب، ثم نقرأ بعد ذلك في التيمس والديلي تلغراف والمورننج بوست ما نقرؤه من أن المصريين لا يصلحون للاستقلال، ولا يستطيعون أن يستغنوا عن معونة الإنجليز.

  • آراء …

    آراء …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٣١ مارس ١٩٣٣

    هي هذه التي أُثِيرَتْ في مجلس الشيوخ يوم الاثنين الماضي حول التعليم، وأظن أن لا بأس بأن ندع رئيس الوزراء يفكر في المفاوضات ويحلم بالمعاهدة، وأن ندع وزير الأشغال أصالةً والمالية نيابةً يُصفِّي قطرة الليمون التي ظفر بها العاصرون؛ لِيُقَدِّمَها إلى الشركة الأمريكية تستعين بها على الدرس التمهيدي بإنشاء الخزَّان في بلاد الحبشة بعد أن يتم خزان السودان أو قبل أن يتم، وندع وزير التقاليد يطوف بتقاليده في إقليم المنوفية في مظاهر من الفخامة والضخامة أقل ما تُوصَف به أنها لا توافق التقاليد، وندع وزير الداخلية يستعذب ما يجد من لذة الظفر بعد أن خُطِف الرئيس وصاحبه ويتهيأ لخطف آخر إن كان الرئيس يتهيأ لرحلة أخرى.

    لا بأس بأن ندع الوزراء وما هم فيه من أعمال وآمال، ونقف عند هذه الآراء التي أُثِيرَتْ في مجلس الشيوخ منذ أيام حول التعليم. وأحب أن تثق بأن تَحَدُّثي إليك في هذه الآراء لا يُراد به إلا الملاحظة الخالصة الظاهرة لها خطرها كما سترى. فأنا لا أريد أن أُغيِّر شيئًا مما كان، فليس إلى هذا التغيير سبيل ما دام رئيس الوزراء قابضًا بيده الضعيفة على أزمة الحكم كما يقولون، حين يشبهون الحكم بالإبل، وعلى أعنة الحكم كما يقولون حين يشبهون الحكم بالخيل.

    لا أريد أن أغير شيئًا لأني لا أستطيع أن أغير شيئًا، وقد عجز مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ عن أن يغير شيئًا. فترك الجمَّال وجماله، والفارس وخيله، ومضت سياسة التعليم هذا العام كما مَضَتْ مِنْ قَبْلُ على ما يشتهي رئيس الوزراء ووزير التقاليد، إنما أريد أن الفتك إلى ملاحظة ذات خطر، وهي أن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء — أو رُسِمَتْ له — تحقق بالقياس إلى الأمة التي تعارضه وتخاصمه وحدها، بل أخفقت بالقياس إلى أنصاره وأعوانه الذي يؤلفون المجلسين.

    فسياسة رئيس الوزراء تقوم على إكراه الأمة المصرية على مقدار محدود من الأمل في الرقي، يجب أن لا تتجاوزه حين تؤمل في الرقي؛ لأن رئيس الوزراء أو الذين يوحون إليه سيئو الظن بكفاية هذه الأمة المسكينة القاصرة، وقدرتها على أن تطمح إلى الرقي الواسع البعيد المدى.

    رأوا أن دستورنا القديم قد دفع بنا في ديمقراطية واسعة، فضيقوها في الدستور الجديد، ورأوا أن نهضتنا العقلية قد اندفعت بنا إلى توسيع في التعليم فضيقوا هذا التعليم، وذهبوا مذهب التضييق هذا في كل شيء، وكانوا — وما زالوا — يريدون أن تقتنع الأمة بما فيها من عجز ونقص، فتحدد آمالها وتنزل بمثلها العليا إلى متناول الأيدي. وقد أبت عليهم الأمة هذا، فما زالت طامحة إلى الديمقراطية الواسعة، والتعليم الواسع، والحرية الواسعة، والاستقلال التام، وما زالت تقيم لهم الأدلة كل يوم على أن جهودهم قد ذهبت بغير طائل ولا غناء.

    أمَّا الأنصار والأعوان، فهم الذين يظهرون متابعة السياسة الجديدة والاستعداد للذود عنها بما يملكون وما لا يملكون من حول وطول، ومن قوة وجهد، ومن سعة الحيلة وحسن البلاء.

    والواقع أن جلسة مجلس الشيوخ مساء الاثنين الماضي تعطي صورة لا تخلو من جمال لهذا الاستعداد الذي يظهره أنصار الوزارة لتأييد سياستها بالممكن والمستحيل.

    جميلة هذه الصورة، ومضحكة أيضًا، فقد تناول الأعضاء شئون التعليم على اختلافها، ولم يكن لهم بدٌّ من أن يتناولوا شئون التعليم ما داموا يسألون عن ميزانية الدولة، ويُطلَب إليهم أن يقروها، ومنهم من يحسن الفهم لشئون التعليم، ومنهم من يحسن الفهم لكل شيء إلا شئون التعليم. فأما الذين يفهمون التعليم على وجهه فقد تكلموا فإذا هم كغيرهم من الناس، لم تجد آمالهم ولم تهبط مثلهم العليا، وإنما اضطرتهم ظروف إلى أن يجاروا أصحاب الآمال المحدودة والمثل العليا القريبة. وأما الذين يفهمون كل شيء إلا التعليم، ومنهم فيما يظهر وزير التقاليد، فقد قالوا فأكثروا القول، ولكنك لن تجد وراء ما قالوه شيئًا.

    ومن الغريب أن أولئك وهؤلاء يتفقون على لون من الفكاهة لا بأس به، فهم يذكرون النبوغ الذي يعفى من المصروفات في المدارس الابتدائية، ولم يخطر لأحد منهم أن يسأل نفسه أو غيره عن هذا اللفظ كيف يمكن إطلاقه على الطفل الذي يتقدم على المدرسة وليس له عهد بالتعليم. هم يختلفون اختلافًا ظريفًا في اللغة، فهل يحسن أن يُقال إن مستوى التعليم قد انحط، أم هل يحسن أن يُقال إن مستوى التعليم قد هبط؟! وما عسى أن يكون الفرق بين الهبوط والانحطاط؟!

    ولكن هذه أشياء إن أضحكت أو دَعَتْ إلى الابتسام فليس لها خطر، وما ينبغي أن تطلب إلى مجلس الشيوخ الدقة في التعبير إذا عجزت وزارة المعارف نفسها عن هذه الدقة. إنما الذي يحتاج إلى التفكير هو آراء المجلس في توجيه سياسة التعليم.

    فقد رأينا بعض الأعضاء يتطرف حتى يطالب بتعميم المجانية في جميع فروع التعليم، فيصل بهذا التطرف إلى ما لم تصل إليه الديمقراطية المتطرفة في أوروبا، بل إلى ما تسعى إليه الاشتراكية دون أن تظفر به، وحججه في ذلك تستحق العناية؛ فهي حجج اشتراكية أو ديموقراطية متطرفة على أقل تقدير.

    فالمصريون جميعًا سواء عنده في حاجتهم إلى التعليم وحقهم فيه؛ فلا ينبغي أن يُميَّز فيهم بين الأغنياء والفقراء، وإنما يجب أن تنفق الدولة على فقرائهم وأن تأخذ من أغنيائهم ما تستطيع أخذه أجرًا للتعليم.

    وتستطيع أن تصدقني إن قلت أن ليون بلوم زعيم الاشتراكية في مجلس النوَّاب الفرنسي لا يستطيع أن يقول أكثر من هذا. وأنا لا أخالف ذلك الشيخ؛ فالعدل يقتضي أن يُسوَّى بين الفقير والغني في التعليم، وفي الدين ما يدعو إلى هذه التسوية ما دام من الحق على الحكومة الإسلامية أن تأخذ من الأغنياء لترد على الفقراء. وكم كنت أودُّ لو سمع المجلس رأي الشيخ الأكبر في هذه المسألة، ولكنه كما تعلم لم يكن حاضرًا، كان مشغولًا بخطبته بين يدي صاحب الجلالة الملك.

    وإلى جانب هذا التطرف في الديمقراطية تجد متطرفًا آخر في الأرستوقراطية، لا يكفيه أن تظل الحال في التعليم على ما هي عليه، بل يريد ألا تنفق الحكومة شيئًا ما على التعليم العالي بحيث يدفع كل طالب ما يتكلفه بالضبط. وهو يتكلف في الطب مثلًا مائتي جنيه، فيجب أن يدفعها أو ينصرف عن الطب. وحجته في ذلك أن الأطباء أكثر من الحاجة، وإن كان بعض النوَّاب طلب منذ يومين أن تنشأ مدرسة الحلاقين الذين يُعنَون بالصحة في القرى؛ لأن الأطباء أقل مما ينبغي. وهذا التطرف في الأرستقراطية معذور؛ لأنه يخشى الثورة من انتشار العلم. وأنت تعلم أن النظام القائم إنما قام ليصد مصر عن طريق الثورة.

    وشيخٌ آخر لا يخاف الثورة من التعليم العالي، وإنما يخافها من التعليم الإلزامي، وهو ينذر مصر بخطر داهم إذا لم تعدل عن هذا التعليم الإلزامي، فهو وسيلة إلى الاشتراكية والشيوعية، وإذن فالأمية خيرٌ منه. وهذا الشيخ ينظر إلى المصريين نظرة لا بأس بها، ولعلها تستحق أن يفكر فيها المصريون. فهو يريد أن يُعنَى بأجسامهم لا بعقولهم، يريد أن يرد عنهم البلهرسيا والأنكلستوما، ويسوق إليهم الماء صافيًا نقيًّا، هو يريد أن يُعنَى بهم كما يُعنَى صاحب الماشية بما عنده من الحيوان. وما رأيك في رجل يُعنَى بالحيوان فيعلِّمه الكتابة، والحساب، وقراءة المصحف، وما يتصل بذلك؟! أليس خيرًا من هذا للحكام أن يظل الشعب جاهلًا، قوي البنية، ينتج ولا يستفيد، كما أن الخير لصاحب الماشية أن يظل الحيوان حيوانًا، ولكنه على ذلك قوي صحيح الجسم ينتج ولا يستفيد؟!

    وتكثر المناقشات ويتصل الكلام في هذه الآراء التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن في مجلس الشيوخ آراء متطرفة من هذه الآراء التي قام النظام الحاضر لرد تيارها عن مصر وعن المصريين. فكيف لا تريد أن تفخر مصر بمجلس الشيوخ، وفيه أشد الآراء السياسية تطرفًا في سياسة التعليم؟! وكيف لا تريد أن يبتهج صدقي باشا بهذه النتيجة الباهرة التي انتهى إليها؛ فقد أراد أن يكون لمصر برلمان معتدل معقول، فإذا هو يصل إلى برلمان تُبسَّط فيه المذاهب الاشتراكية في غير تحفظ ولا احتياط؟!

    ولكنك تستطيع أن تقول: وأي أثر لهذه الآراء الاشتراكية ما دام أحدٌ لم يحفل بها ولم يلتفت إليها، وما دامت الحكومة قد أمضت سياسة التعليم كما تريد؟!

    هذا حق، ولكن الآراء السياسية المتطرفة لم يُعمَل بها منذ ظهرت، وإنما احتاجت إلى وقت طويل لتكون أصلًا من أصول الحكم؛ فلنسجل ظهور الاشتراكية في مجلس الشيوخ، ولنهنئ رئيس الوزراء بهذا الفوز العظيم. وأيُّ فوز أعظم من أن تحارب الديمقراطية فتخلق الاشتراكية؟!

    ثم تُختَم هذه المناقشة القيمة بخطبة وزير التقاليد، وما أدراك ما خطبة وزير التقاليد؟! إبداع في إبداع، وإقناع في إقناع، وخصام أي خصام بالأعداد والأرقام. فوزير التقاليد يتحدَّى ويسأل: من الذي يستطيع أن يُثبِت له بالأرقام أن طلاب الجامعات في أوروبا يساوون طلاب المدارس الثانوية؟!

    ولا ينسى وزير التقاليد إلا شيئًا واحدًا؛ وهو أن أحدًا من الناس لم يَدَّعِ هذه المساواة، وإنما الذي قِيلَ وسيُقال، وأتحدى أنا فيه وزير التقاليد، هو أنه لا توجد جامعة تنفق عليها الدولة إلا وهي مضطرة إلى أن تقبل كل من يتقدم إليها ومعه الشهادة التي تبيح له الانتساب فيها، وإذا لم يكن بدٌّ من الأرقام.

    فهل يعلم وزير التقاليد أن طلاب جامعة باريس؛ وهي واحدة من ثماني عشرة جامعة، يعدلون طلاب جامعتنا أكثر من عشر مرات؟!

    وهل يعلم وزير التقاليد أن جامعة من جامعات القارة الأوروبية لا تتقاضى من طالب من طلابها ربع ما تتقاضاه جامعتنا من طلابها؟! وهل يعلم وزير التقاليد أن الطالب المصري الذي يدفع ثلاثين جنيهًا في كلية الآداب أو العلوم لن يدفع في فرنسا إلا جنيهين اثنين؟! وهل يُحْسِن وزير التقاليد الحساب فيوازن بين جنيهين وثلاثين جنيهًا؟! وهل يحسن وزير التقاليد الاستنتاج فينبئنا بعد ذلك أتعمل حكومتنا على تكوين الطبقات في مصر أم على تحقيق المساواة؟! أتذهب بالتعليم نحو الديمقراطية أم نحو الأرستقراطية؟!

    ولكن وزير التقاليد لن يجيب؛ لأنه لن يستطيع الجواب. وحسبه أن يذكر له وكيله أن الأماكن والمعامل لا تسمح بقبول الطلاب إلى غير حد، وأن الطالب يتكلف أضعاف ما تتقاضاه الدولة من المصروفات. وإذا قال الوكيل هذا الكلام للوزير؛ فقد ظفر الوزير بكل شيء، ويجب على مصر أن تذعن، وأن يدفع أبناؤها ثلاثين جنيهًا حين يدفع غيرهم جنيهين.

    لِيَصْدُقْني وزير التقاليد، لقد تكلم في مجلس الشيوخ يوم الاثنين، فكان أقل المتكلمين درايةً بشئون التعليم.