حديث الوادي
أدب . . .
يظهر أن الخطبة التي ألقاها وزير التقاليد في الإسكندرية أثناء الشهر الماضي قد أثمرت وآتت أكلها طيباً لذيذاً، وتعلم منها بعض الناس ما يجب أن يتعلموا من وزير التعليم، فعفت ألسنتهم وأقلامهم عن الإثم، وبرئت نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم من العيب والأذى، فأصبحوا ملائكة كراماً يذودون عن ملائكة كرام.
وما كان ينبغي أن يخرج وزير التقاليد في خطبته عن طوره ويتجاوز ما لا ينبغي أن يتجاوزه الرجل المثقف العادي فضلاً عن وزير التعليم من أدب الحوار، ومن نزاهة اللفظ حين يتحدث عن الخصوم وإليهم. ما كان ينبغي أن يتجاوز وزير التقاليد هذا كله وأن يلزمه المتصلون به، واللاجئون إليه، والناطقون بلسانه ولسان حزبه من الكتاب والصحفيين. فقد تعلم وزير التقاليد أن يصف خصومه بالجبن والخيانة والاضطراب والتردد وما إلى ذلك من تلك الألفاظ البشعة التي نريد أن نعف حتى عن نقلها في هذا الحديث، تعلم وزير التقاليد أن يصف خصومه بهذه الصفات وأن يعلن هذا الوصف في خطبة يسمعها الوزراء وتذيعها الصحف، ويعجب لها الأجانب حين تُترجم لهم بعضها، فلم يبق بد من أن يكون الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد نافعاً مفيداً، ومن أن يكون أسرع الناس إلى الانتفاع به والاستفادة منه، هؤلاء الذين يزعمون أنهم مرآة لوزير التقاليد ولحزبه القوي، يصورون للناس في كل يوم ما يمتاز به الوزير وحزبه من نزاهة الأيدي والألسنة وطهارة الضمائر والقلوب. وكل ما نتمناه الآن أن تقف العدوى من وزير التقاليد عند هؤلاء الكتاب والصحفيين وألا تتجاوزهم إلى الطلاب والتلاميذ، فيعظم الشر، ويشتد الخطر، ويجر وزير التقاليد على وطنه كارثة في الأخلاق ما ينبغي أن يجرها وزير التعليم.
هذه الصحيفة الفرنسية التي تنطق عن وزير التقاليد وعن حزب الاتحاد قد أرادت اليوم أن تدافع عن الإبراشي باشا، وأن تقف منه موقف المناضل الذي يحميه من هجمات الخصوم، فأمعنت في سخف كثير، ودفعت إلى لغو لا خير فيه، ولا حاجة بنا إلى الوقوف عنده، ولكنها أحسنت تقليد وزير التقاليد وأجادت تأثره واتباعه والانتفاع بدرسه القيم المفيد. فهي تصف الصحفيين الذين عرضوا للإبراشي باشا بأنهم جبناء، يحتمون بصحفي أجنبي صغير هو مكاتب "التيمس".
نعم هي تصف الصحفيين المصريين الذين عرضوا لناظر الخاصة الملكية فنقدوا دخوله فيما ليس له أن يدخل فيه، بأنهم جبناء، وهي تعلم من هم هؤلاء الصحفيون. تعرفهم بأسمائهم وتعرفهم بأشخاصهم، وتعرفهم بأقدارهم وتعرفهم بأعمالهم، وتعرفهم بما احتملوا في سبيل الاستقلال المصري من أذى وبما لقوا من مكروه، وتعرفهم بصفاتهم التي قد تستطيع أن تبحث عنها أو عما يشبهها أو عما يمكن أن نذكر معها في حزب الاتحاد فلا تظفر بشيء، فقد يكون من الغريب أن تكون هذه الصحيفة التي تنطق عن حزب الاتحاد هي التي تصف بالجبن قادة الرأي المصري في السياسة والأدب وفي كل أنحاء التفكير.
من الغريب حقاً أن يكون أحمد ماهر ومحمد حسين هيكل وعباس العقاد وتوفيق دياب وطه حسين جبناء، وأن تكون الشجاعة في حزب الاتحاد عند هؤلاء الذين يعيشون من حوله وينطقون بلسانه من المحدثين، لا أقول في الكتابة ولا أقول في الأدب، وإنما أقول في المصرية نفسها، هؤلاء الطارئون على الحياة المصرية طروءاً، الداخلون فيها دخولاً، هم الذين يصفون قادة الرأي في مصر بالجبن والخوف، والاحتماء بصحفي إنجليزي صغير هو مكاتب "التيمس"..
على أن هذا ليس كل شيء، فالصحيفة الفرنسية لا تقف عنده ولا تكتفي بأن تصف قادة الرأي المصري بالجبن، وإنما هي تمعن في الانتفاع بدرس وزير التقاليد حتى تتفوق عليه، وتصل من ارتفاع الأدب وسمو الخلق، ونزاهة اللفظ، إلى ما عجز الوزير عن أن يصل إليه، فتطلب إلى هؤلاء الكتاب من قادة الرأي المصري أن يحطموا أقلامهم وأن يفتحوا متاجر «للمودة» يختلف إليها النساء. لا تعجب أيها القارئ ولا تدهش فقد ترجمنا لك ما قالته صحيفة وزير التقاليد ترجمة حرفية، وهي تدافع عن زكي الإبراشي باشا وتريد أن تحميه من هجوم الخصوم.
هي تطلب إلى هؤلاء الكتاب من المصريين أن يدعوا الصحافة والكتابة وأن يقفوا حياتهم على المودة وعلى تزيينها للنساء. وهي تظن أنها قد بلغتهم، وآذتهم ونالت منهم، وأرضت المثل الصحفي الأعلى الذي تحبه "الأجبشيان جازيت" والتي كانت تزعم أن الصحافة المصرية لم تبلغه بعد، فلتنظر "الأجبشيان جازيت" فلعل صحيفة حزب الاتحاد ومرآة وزير التقاليد قد بلغته، ولعلها قد جاوزته، ولعلها قد ضربت للصحافة العليا مثلاً جديداً في الأدب، وفي نزاهة اللفظ وسمو الأخلاق.
ليس من شك في أن كاتب هذا المقال «جنتلمان» عند "الأجبشيان جازيت" فهو ملازم لوزير التقاليد، مصور لآرائه، ولعله تغدى معه منذ حين على مائدة المندوب السامي، فعرف كيف يكون الرجل الصحفي «جنتلمان».
أما بعد فإن دفاع مثل هذا الكاتب عن الإبراشي باشا لا يشرف الإبراشي باشا، وانتماء مثل هذا الكاتب إلى وزير التقاليد وحزب الاتحاد لا يشرف وزير التقاليد ولا حزب الاتحاد، ولو لم يكن من آثار حزب الاتحاد إلا أن تعيش في مصر مثل هذه الكائنات، وأن تنمو وأن تتخذ صناعة القلم تجارة وأن تؤجر آخر الشهر على إيذاء الأدب والإساءة إلى الأخلاق، لكان هذا كافياً لأن يؤمن المصريون بأن بلادهم لا تنتظر من حزب الاتحاد خيراً كثيراً، فلعلها تنتظر منه شيئاً آخر غير الخير الكثير.
أما بعد فقد يحسن بالصحفيين المصريين أن ينظروا إلى أنفسهم وأن يحكموا أمورهم وأن يبينوا للناس أنهم يبرأون من كل من يتخذ القلم وليس له بآداب القلم علم، وينهض بالصحافة وليس له بواجب الصحافة شعور.
طه حسين
الوادي، ١٤/ ١٠/ ١٩٣٤.
Tag: ministerial influence
-
أدب