حديث المساء: لقاء
طه حسين
كوكب الشرق
٦ مارس ١٩٣٤
لقاء تعارف من غير شك هذا الذي بدأ منذ أيام بين المندوب السامي والوزراء، وأخص ما يمتاز به أنه يسيرٌ ساذَج، لم يُحْدِثْ أزمة، ولا شيئًا يشبه الأزمة، رُوعِيَتْ فيه التقاليد من الألف إلى الياء. بدأ الوزراء فتركوا بطاقتهم في قصر الدوبارة، وكلَّف المندوب السامي بعد ذلك من رجال داره مَن ترك بطاقته للوزراء. ثم كانت المصادفة، فلقي المندوب السامي وزراءنا في حفلة من الحفلات فقُدِّمَ إليهم — نستغفر الله — بل قُدِّمُوا إليه، ثم ظهر أنَّ هذا القدر يكفي لتحقيق الصلة بين المندوب السامي وأعضاء الوزارة، وأنَّ من الممكن أن تكون الخطوة الثانية، فيُدعى الوزراء واحدًا إثر واحد إلى لقاء المندوب السامي. حتى إذا لَقِيَهُ أحدُهم كان الحديث بطبيعة الحال في الجو والمطر أول الأمر، ثم انتقل شيئًا فشيئًا من هذا الموضوع العام إلى موضوعات خاصة من بعض الوجوه، ثم إلى موضوعات خاصة من كل الوجوه، ثم ينظر المتحدثان، فإذا هما يخوضان في صميم الموضوع الذي يَحسُن فيه الحديث.
وكان وزير المالية بالنسبة للتنظيم — فيما يظهر وفيما يُقال — أول من دُعِيَ إلى دار المندوب السامي من الوزراء، وقد تحدَّثت الصحف بأنه لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، وحديث الجو والمطر مهما يطُل فهو قصير. فأكبر الظن أنَّ المتحادِثَيْن دُفِعَا إلى المسائل الجِسام فتحدثَا فيها أحاديث جسامًا، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان يريد قبل أن يَلِيَ الحُكم أن يقلب أمور الاقتصاد رأسًا على عقب. وأن يُحدِث في وزارة المالية ثورة لم يسبقه إليها أحد من وزراء المال، ولكنه لم يكَد يستقر في الوزارة حتى تَبَيَّنَ أنَّ الاعتدال خيرٌ من الجموح، وأنَّ التطوُّر خير من الثورة، وأن ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان مصمِّمًا حين تولَّى الحكم على أن يقِف من الدول الدائنة لمصر موقف الحزم والعزم؛ فلا يفاوضها لأن المفاوضة ضعف، ولا يقاضيها لأن الأمر ليس من اختصاص القضاء، وإنما يدفع إليها دَيْنَها وفوائده ورقًا، فإن رضيت فذاك، وإن غضبت فأمرها يسير. وإنه أعلن ذلك في الصحف وتحدث به إلى الناس، ثم ظهر له ولزملائه الوزراء أنَّ الصلح خير، وأنَّ المفاوضة لا بأس بها، وأنَّ المقاضاة قد تُفيد. فسار سيرة صدقي باشا، وفاوض أو انتظر المفاوضة من ناحية، وقاضى أو انتظر حكم القضاء من ناحية أخرى، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أمورًا كثيرة، منها ما يمَس الدَّيْن العقاري، ومنها ما يمَس مصلحة الأملاك، ومنها ما يمَس هؤلاء الموظفين الذين لم يكونوا يعلمون أنَّ على رأسهم وزيرًا، حتى أُنبِئوا بذلك فعلموه. ولعل المندوب السامي أن يكون قد عرَف من وزير المالية أن له في مجلس النواب مواقف أقل ما تُوصَف به أنها مواقف الأبطال وعظماء الرجال، وأنها تكشف عن نظريات جديدة في الفقه الدُّستوري، يعجز عن فهمها وزير الحربية، فيسميها تورُّطًا في الكلام. ومن المرجح — إن لم يكن من المُحقَّق — أنَّ وزير المالية قد انصرف من عند المندوب السامي مغتبطًا بما سمع، مبتهجًا لما قال، متسائلًا في أعماق نفسه: ماذا عسى أن يكون رأي المندوب السامي بالضبط فيما جرى بينهما من حديث؟!
وإذا أقبل مساء اليوم كان بين المندوب السامي وبعض الوزراء المصريين لقاءٌ آخر ليس أقل خطرًا، ولا أيسر أمرًا، ولا أهون شأنًا من ذلك اللقاء الذي كان منذ يوم أو يومين. فالضيف الذي سيشرف قصر الدوبارة بزيارته، وسيتشرف بزيارة قصر الدوبارة مساء اليوم — فيما تقول الصحف — هو وزير التقاليد. وحسبك بهذا العنوان دليلًا على أنَّ هذا اللقاء خليق أن يكون من أعظم حوادث التاريخ؛ فقد كان المصريون يختلفون منذ أسابيع في الوزيرين الخطيرين، وزير المالية ووزير التقاليد: أيهما أعظم شأنًا وأَجَلُّ خطرًا، وأعظم من القوة حظًّا، وأبعد في حياة الناس أثرًا، ثم اتَّفق المصريون على أنَّ التفوق لوزير التقاليد لا لوزير المال والاقتصاد.
فوزير التقاليد ينتمي إلى حزب، أو يشرف على حزب، ووزير المال لا حزب له، ووزير التقاليد يبلغ من وزارة المالية ما يريد باللين مرة، وبالعنف مرة أخرى، يؤجر للمجمع اللغوي داره في الجيزة وإنْ كره وزير المالية، ويحتفظ بدرجة الوكيل المساعد في ميزانية وزارته وإنْ مانع وزير المالية، ولوزير التقاليد أثر عميق في حياة الناس من جميع أنحائها، حتى من نواحيها الاقتصادية، فهو يهز الأسر المصريَّة كلها هزًّا، مرات في العام بنفقات التعليم التي يطلبها إليهم ويتقاضاها منهم عنيفًا حينًا، ورفيقًا حينًا آخر، وهو يفرض العمة ويحرم الطربوش على جيل من الناس، فيؤثر بذلك في حياتهم العقليَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة أيضًا، ثم هو قائد الشباب يتصرف فيهم كما يحب ويرضى، وهو لا يحب إلَّا الخير، ولا يرضى إلَّا المعروف، وهو من هذه الناحية خليق أنْ يكون أثر الوزراء عند المندوب السامي وأقاربهم إليه، ذلك أنه يسيطر على أمور الشباب، ومن يسيطر على أمور الشباب، فهو رجل عظيم المكانة في حياة مصر السياسيَّة والعلميَّة والأدبيَّة من كل وجه، وهذا النحو من الحياة يعني الإنجليز عناية خاصَّة، فقد كان الشباب — فيما مضى — غلاة مسرفين، يعنون بالأمور السياسيَّة، ويسرفون في عنايتهم بها، وينغصون على الحكومة المصريَّة وعلى الإنجليز حياتهم تنغيصًا، فإذا استطاع وزير أنْ يردهم عن هذا الغلو، ويكلفهم عن هذا الإسراف، ويأخذهم بالاعتدال والتواضع والاقتصاد في المثل الوطنية العليا، فهو حرى أنْ يرضي الإنجليز، وأنْ يظفر من المندوب السامي بحديث ممتع كله تأييد وتشجيع.
ولست أخفي أني أرجو أن يقرأ وزير التقاليد هذا الفصل قبل أن يبلغ دار المندوب السامي مساء اليوم؛ فقد يكون في قراءته قبل اللقاء شيء من النفع، ولعلَّ من الأشياء التي يحسن لوزير التقاليد أن يجتهد في توجيه الحديث إليها أمر الحياة الجامعية؛ فإن للوزير فيها بلاءً حسنًا، لا ينبغي أن يخفى على أحد، ولا ينبغي أن يخفى على المندوب السامي الجديد بوجه خاص؛ فقد كانت الجامعة في أيام الفوضى حين كان المعارضون يتولَّوْن الحكم بيئة خطرة حقًّا، كان اللاتينيون فيها كثيرين، وكان فيها ممثلون للألمان أيضًا، وكانت الثقافة اللاتينية ظاهرة في كلية الآداب، وكان الإنجليز يَضِيقون بذلك ويشكون منه، وكانت الحرية تُفهم في هذه الجامعة فهمًا واسعًا خاطئًا خطرًا، فتحسن الصلات بين الأساتذة والطلاب، بل يشترك أولئك وهؤلاء في أعمال الجِد والراحة، كأنهم متساوون. وكانت الجامعة تسرع في هذه الحرية إسراعًا مخيفًا، كاد يشرف بها على الفوضى، فلما جاء وزير التقاليد عرَف كيف يرد الأمر إلى نصابه، فيقصي عن الجامعة عناصر الفوضى، ويؤيد فيها عناصر النظام، ويرد الجامعة إلى شيء من التواضع الذي يلائم مكانة المصريين، وما ينبغي أن يكون لهم من المطامع المعتدلة، ويضع للجامعة قوانين صارمة حازمة، تُعَلِّم الجامعيين كيف يُكبِرون السلطة، ويذعنون لأمرها، وينفذون ما تريد، وأخذ العنصر الإنجليزي يقوى، وأخذ العنصر الأوروبي يضعُف، حتى أصبح من المنتظر أن تكون الجامعة — إن شاء الله — صورة حسنة لبعض هذه الجامعات الراقية الممتازة في أجزاء الإمبراطورية البريطانية غير بريطانيا العظمى بالطبع، ثم لعل أحسن ما ينبغي أن يكون فيه الحديث بين المندوب السامي ووزير التقاليد، هذا النظام الجديد الذي وُضِعَ لاتحاد الجامعة فقيَّد أرجل الطلاب، وغَلَّ أيديهم وأعناقهم، وخرم أنوفهم وآذانهم، وعلمهم كيف تكون الحرية الناعمة والرجولة المنتجة، التي لا تقوم إلَّا على الطاعة والإذعان والخضوع لأمر الرؤساء والمشرفين، فإذا استطاع الوزير أن يحدث المندوب السامي بأن الذي دعاه إلى إحداث هذا النظام الجديد هو أنَّ طلاب الجامعة رأَوْا فريقًا منه يشتغلون بالسياسة في شيء يقال له مشروع القرش فقاوموهم، وأنكرت الوزارة عليهم هذه المقاومة، فعاقبتهم بهذا النظام. إذا استطاع وزير التقاليد أن ينبئ المندوب السامي بهذا الحديث، كان قد انتهى إلى أقصى ما يطمع فيه الوزراء من التوفيق. وإذا كان وزير المالية قد لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيلبث عنده وقتًا أطول، وإذا كان وزير المالية قد خرج راضيًا عمَّا سمع وما قال، متسائلًا عن رأي المندوب السامي فيما كان بينهما من حديث، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيخرج وهو أشد اغتباطًا وأعظم ابتهاجًا بما قال أولًا، وبما سمع ثانيًا، وسيعود إلى أصحابه راضيًا كل الرضى، واثقًا كل الثقة بأن الحديث بينه وبين المندوب السامي الجديد كان دليلًا قاطعًا ساطعًا على أنه ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعلى أنَّ الذين ينتظرون تغييرًا في السياسة المصريَّة الإنجليزيَّة قوم يحلُمون، إلَّا أن يحدث تغيير يسير يجعل رياسة الوزراء إلى وزير التقاليد.
Tag: Ministerial Policy
-
لقاء
-
دفاع (١)
حديث المساء: دفاع (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٤ يناير ١٩٣٤
أُريد أَنْ أنهض بأعباء هذا الدفاع تطوعًا للخير، وتصدقًا ببعض ما أملك مِنَ الجَهْدِ، وابتغاء للرَّحْمة من حيث هي رحمة، وحبًّا للإشفاق من حيث هو إشفاق.
ولستُ أدري، لِمَ يَكُون المُعَارِضُ قَاسيًا دَائِمًا؟! ولِمَ تكون المعارضة قسوة خالصة؟! ولِمَ يَقْطَعُ المُعَارِضُون للأيام على أنفسهم عهدًا أن يكونوا قُسَاة لا يعرفون الرحمة، وجُفاة لا يعرفون اللِّين، ولم يقُل أَحدٌ من أصحاب اللغة ولا من أصحاب السِّياسة إنَّ المُعَارَضَة لا ينبغي أن تكون إلا قسوة خالصة وشِدَّة لا هوادة فيها ولا رفق؟!
وليكن رأي أصحاب اللغة ما يكون، وليكن رأي أصحاب السياسة ما يكون، وليغضب المُعارضون أو ليرضوا، وليعرف القُرَّاء أو لينكروا؛ فإني مُصِرٌّ اليوم على أن أُدافع عن الوزارة لأني أصبحت اليوم شديد المَيْل إلى الرحمة، عظيم الرغبة في الرفق والإشفاق.
وأنا أُريدُ أَنْ أَنْتَهِزَ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وأَنْ أُدَافِعَ عن الوزارة في هذا الفصل قبل أن تُعاودني قسوة المعارضة، أو قبل أن أَعُود أنا إلى قَسْوَة المُعَارضة، أو قبل أن تذهب عني هذه العاطفة التي تجعلني رفيقًا رحيمًا، وتعطفني على الضعفاء الذين لا يَجِدُون لهم ردءًا يَقِيهم، ولا ذائدًا يَحْمِيهم، ولا مُنَاضِلًا يرد عنهم عدوان المُعتدين.
والمعتدون هُنَا هم هؤلاء المُعارضون الذين يَصِفُون الوزارة بالضعف والقصور أو العجز والتقصير، ويُسمون سياستها سياسة الرُّكود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يسرفون؛ فيتفكهون، ويتندرون، ويقترحون على الرَّجُل الطيِّب حَقًّا وصِدْقًا كما تقول الشعب أن يستريح كل ما هبَّتْ عليه عاصفة أو هدأت عنه زوبعة، وأن يستريح لا في داره كما يستريح الناس، بل في سفينة من سفن الدولة تصعد به في النيل وتهبط به إلى البحر كما يستريح المُترفون.
هذا كثير! وأكثر منه أنَّ الذين يكتبونه لا يشعرون بأنهم يَظْلِمُون ويسرفون في الظلم، وبأن هذا النوع من الفكاهة اللاذعة والدعابة المُرَّة لا ينبغي أن يُساق إلى الرَّجل الطيب، إنَّما ينبغي أن يُساق، وقد كان يُساق بالفعل إلى صدقي باشا؛ فصدقي باشا كان قويًّا صلبًا يستطيع أن يتلقَّى الجد والهزل، وأن يصبر على الجد والهزل، لم يكن يحفل بشيء، ولم يكن يَتَأَذَّى بشيء، بل لم يكن يصل إليه شيء مما كان يُكتَب عنه، أو يُقال فيه.
أمَّا الرجل الطيب فدقيق الحس، رقيق المزاج، مترف مُحِبٌّ للترف، مُؤْثِرٌ للعاقبة، حريص على السلم، مبغض للخصومات، كاره للجدال والنِّضال. فلا ينبغي أنْ يُهَاجِمَهُ أو يُخَاصِمَه أو يتجنى عليه إلا الذين انتُزِعَتِ الرَّحمة من قلوبهم انتزاعًا، واقتُلِعَتِ الشفقة من نفوسهم اقتلاعًا، وصُوِّرَتْ قلوبهم من صوان، ونفوسهم من حديد.
وقد يَقول هؤلاء النَّاس القُساة أنَّ الرَّجل الطيب قد خاصم صدقي باشا، وصبر لخصومته. تولى رِيَاسَة الوزارة بعد أنْ أَنْزَل عنها صدقي باشا، فلم يخف من خلافته، ولم يشفق من احتمال تركته، بل ما يزال يداور صدقي باشا ويناوره حتى اضطره إلى أن يستقيل من الحزب مَرَّتين، هازلًا في الأولى وجادًّا في الثانية، ثُمَّ إلى أنْ يَسْتَقِيل من مجلس النواب مرة واحدة هازلًا، ولكنه من غير شك سيستقيل للمَرَّة الثانية، جادًّا متى انتهى شهر الصوم، وَمتى رَأَى في مجلس النواب كيف يجدُّ الجد، وكيف يدعو الزَّعيم أَنْصَاره، فلا يُجِيبه منهم أحد، ولا يعود إليه إلا صدى صوته الذي يملأ الهواء، ثُمَّ لا يصل إلى أذن ولا يطرق سمعًا، ولا ينتهي إلى نفس.
وإذا استطاع الرَّجُل الطيب أنْ يَبْلُغ بطاغية مصر في القرن العشرين ما بلغ، وأنْ يُذِيقَه من العذاب ألوانًا؛ فهو قوي جلد، وهو صبور صلب، وهو قادر على أن يحتمل من الجد والهزل، ومن الفكاهة اللاذعة والدُّعابة المُرَّة، مثل ما احتمل صدقي باشا أو أكثر مما احتمل صدقي باشا.
ولكنَّ الذين يَقُولون هذا الكلام غُلاة مُسرفون، يعتذرون لأنفسهم عن أنفسهم ولا يقنعون أحدًا ببعض ما يقولون؛ فالرجل الطيب لم يصنع بصدقي باشا شيئًا، وما كان له أنْ يَصْنَع به شيئًا، وإنما دُعِيَ إلى رِيَاسَة الوزارة فقبل رياسة الوزارة، ولو قد خُلِّي بينه وبين صدقي باشا لما ثبت في رياسة الوزارة، ولكنَّ الظروف أحاطته بسياج مَنِيعٍ، وحِصْنٍ حصين، وسلطت على صدقي باشا جنودًا رَمَتْه فأصمَّتْه، وجهدته فاضطرته إلى الانهزام.
وقد كانت لصدقي باشا درع متينة حصينة تزل عنها السهام، فلما خلعه الحكم تجرد من هذه الدرع، فجعلت السِّهَامُ لا تُوجَّه إليه حتى تُصيبه وتثبت فيه، وإذا جسمه كله سهام أو آثار سهام؛ فليسَ الرَّجُل الطيب هو الذي رمى، وإِنَّما الظروف هي التي رَمَتْ! وليس الرَّجل الطيب هو الذي أقصى صدقي باشا عن الحزب وإنما الظروف هي التي أقصته، وليس الرجل الطيب سيقصي صدقي باشا عن مجلس النواب، وإِنَّما الظروف هي التي ستقصيه!
وإذن؛ فليس الرَّجُل الطيب بصاحب جهاد وحرب، وليس الرجل الطيب بصاحب طعان وضرب، وإنما الرَّجل الطيب صاحب دعة وسلم وهدوء وأمن؛ فتوجيه اللوم إليه، وتَسْلِيطُ الأَلْسِنَةِ عليه تجنٍّ لا يَنْبَغِي، وتحرشٌ لا يُطاق. سيقولون: ولكن الرجل الطيب قد ثبت للمُحاماة والمحامين، بل هجم على المحاماة والمحامين؛ فأنذر وأعذر، ثم أبرق وأرعد، ثم هيَّأ التشريع، ثم تقدَّم به إلى المَجلسين، ثم أصدره وجعله قانُونًا، ثم أنكر المُحامين إنكارًا وجَهِلَهم جهلًا، وأقام حفلين لم يشترك فيهما المحامون. ومن فعل هذا كله، ونهض بهذا كله؛ فهو خليقٌ أنْ يَحْتَمِل النقد، ويثبت للهزل والجد.
ولكنَّ هذا الكلام كغيره من الكلام لا يثبت للنقد ولا يستقر أَمَام النظر الصحيح؛ فالرجل الطيب خير بطبعه لا يُحِبُّ الشَّر، عَادِلٌ بِطَبْعِهِ لَا يُحِبُّ الجور، حسن بطبعه لا يحب السوء، هادئ بطبعه لا يحب الاضطراب، رفيق بطبعه لا يحب العنف. ومن كانت هذه حاله وتلك خصاله، لم يُهاجم المحاماة ولم يعرض للمحامين؛ فليس هو الذي هاجم تلك أو عرض لهؤلاء، وإنما هي الظروف، وويل للناس من الظروف!
هي الظروف التي تجنَّتْ على المحامين كما يتجنى خصوم الرَّجُلِ الطيب على الرجل الطيب، وأساءت إلى المُحامين كما يُسيء خصوم الرجل الطيب إلى الرجل الطيب؛ فالمُحَامُون مَظْلُومون، والرجل الطيب مظلوم أيضًا.
والظروف — وويل للناس من الظروف! — هي التي ظلمت هذا وهي التي ظلمت أولئك.
وقد انتصر المحامون وانتصفوا لأنفسهم، ولكنهم لم ينتصروا على الرَّجُل الطيب؛ لأنَّ الرَّجُل الطيب لم يُحَارِبهم، وإنما انتصروا على الظروف وانتصفوا لأَنْفُسِهِم من الظروف فالذين يلومون الرَّجُل الطيب يسرفون عليه ويسرفون على أنفسهم، وإذا لم يكن بد من أن يلوموا، وإذا لم يكن بد من أن يقسوا، وإذا لم يكن بد من أن يجربوا مهارتهم في النقد، وبراعتهم في الهزل والجد؛ فليدعوا الرجل الطيب وما هو فيه وليوجهوا لومهم كله، ونقدهم كله، وجدهم كله، وهزلهم كله إلى الظروف؛ لأنَّ الظروف هي التي جنت ما يُنكرون من نشاط في حرب صدقي باشا، وعنف في حرب المحامين، وإعراض عن جلائل الأعمال، ونوم عن عظائم الأمور. بل الظروف هي التي أزعجت هذا الرجل الطيب، وحملته من أوروبا حملًا على جناحَيْ نعامة حتى أقرَّتْه في رياسة الوزارة، ثم أَجْرَتْ على يديه البريئتين ما أَجْرَتْ من الأعمال.
والقراء جميعًا يشهدون أني لا أكره النقد، ولا أخاف الإقدام عليه، ولكنهم يشهدون أني لا أُحِبُّ زيادًا ولا سيرة زياد، ولا آخذ البريء بِذَنْبِ المُسِيء. والرَّجُل الطيب بريء، بريء من كل ما يُوجَّه إليه من لوم؛ لأَنَّه طَيِّبٌ حَقًّا وصدقًا، كما تقول الشعب، وإنما المسيء الذي يستحق اللوم كل اللوم هي الظروف.
لذلك لا ألوم إلا الظروف، ولا أحب لخصوم الوزارة أن يخاصموا إلا الظروف، فإذا لم يكن بد من أن تُذكَر سياسة الركود، فلتُذكَر على أنها سياسة الظروف، وإذا لم يكن بد من أن تُقترَح الراحة في سفينة نيلية؛ فلتُقترَح هذه الراحة على الظروف! ستقول: وكيف تستريح الظروف في دار أو في سفينة؟! وكيف تصعد الظروف في النيل أو تهبط إلى البحر؟! فأقول: وكيف قهرت الظروف صدقي باشا؟! وكيف نصبت الظروف حربها للمحامين؟! ألم تفعل ذلك كله على يد رئيس الوزراء؟! فلتسترح إذن في شخص رئيس الوزراء.
ستقول: فاللوم موجه إلى رئيس الوزراء ما دامت الظروف لا تأتي شيئًا ولا تحتمل شيئًا، إلا إذا تقمصت رئيس الوزراء؛ فأقُول: هذا صحيح، ولكِنْ فرق عظيمًا بين أن تلوم رئيس الوزراء من حيث هو صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا أو تلومه من حيث هو مظهر لما تريد الظروف، ولما تأتي الظروف من الأعمال.
وأظُنُّ أنَّ رئيس الوزراء نفسه ترضيه هذه التفرقة، ويريحه هذا النحو من تصوير الأشياء؛ فهو لا يُلام لأنه رجل طيب حقًّا وصدقًا، ولكن تُلام الظروف في شخصه؛ لأنَّ هذه الظروف مَاكِرَةٌ مَاهِرَةٌ غَادِرَةٌ تأبى إلا أن يكون لها شخص وإلا أن يكون لها اسم، وقد بالغت في المكر والمهارة والغدر؛ فتقمَّصَتْ شخصَ رئيس الوزراء، وتسمَّتْ باسمه في هذه الأيام، فلنلُمْها في هذا الشخص ولنَدْعُها بهذا الاسم حتى تتقمَّص شخصًا آخر أو يتقمصها شخص آخر، وحتى تتسمى باسم آخر أو يُفرَض عليها اسم آخر!
ولعل هذا أن يكون قريبًا؛ فيستريح الرجل الطيب حتى مِنْ لَوْم الظروف.