حديث الوادي
غرور …
زعمت صحيفة فرنسية من صحف الوزارة صدرت صباح اليوم أن الشعب المصري راضٍ مطمئن، لا يشكو من شيء، ولا يضيق بشيء، ولا يتمنى على الله ولا على الناس إلا أن تدوم هذه الحال، التي ينعم فيها بالأمن، والهدوء، وبالرخاء واللين.
وزعمت هذه الصحيفة أيضاً أن الشعب المصري قد زهد في السياسة كل الزهد، ونفر منها أشد النفور، وترك الخوض فيها واللهو بها، والاختصام حولها لأهل القاهرة والإسكندرية ومدينة أو مدينتين من المدن الكبرى. فأهل هذه المدن قوم قد أفسدتهم الصحف، وصرفتهم بالقول عن العمل، وألهتهم بهزل الأمر عن جده، وهؤلاء الناس لا يبلغون عشرة في المئة من سكان مصر، فهم إذن قلة قليلة، وجماعة ضئيلة، قد تقسمتهم الأحزاب، وعبثت بهم الأهواء، ودفعهم الفراغ أو ما يشبه الفراغ إلى ما لا خير فيه.
فأما الشعب الذي يجد ويكد، والذي يعمل ويأمل، والذي من أجله تقوم الحكومات، وله تعمل، وبه تعنى، وعلى مرافقه تسهر، فهو راضٍ كل الرضى، مطمئن أشد الاطمئنان، حريص أعظم الحرص على هذه الحياة السعيدة التي يحياها في ظل هذه الوزارة السعيدة.
وهذه الصحيفة الفرنسية الوزارية لم تقل هذا الكلام عن جهل، وإنما قالته عن علم، فهي قد أوفدت من زار الأقاليم، وأقام فيها فأطال الإقامة وخالط أهلها فأطال مخالطتهم وتحدث إليهم، وسمع منهم، وعرف حقيقة ما يفكرون وما يشعرون وما يأملون، ثم عاد فأنبأ صحيفته بهذه النتيجة المرضية لهذا البحث المتقن الطويل، وهي أن الشعب لا يريد إلا أن تبقى الحال كما هي، لتنحل الأزمة الاقتصادية، فأما السياسة فلا تعنيه قليلاً ولا كثيراً.
وإذن فيجب أن يطمئن الوزراء فالشعب عنهم راضٍ، ولهم محب، وعليهم حريص. ويجب أن يطمئن الذين يسندون الوزراء، فالشعب فيهم راغب، وبهم كلف مشغوف، ويجب بنوع خاص ألا يسمع الإنجليز لما يقوله خصوم الحكومة ومعارضوها من أن أمور الشعب مضطربة ونفوسه قلقة، وحياته أبعد ما تكون عن الرضى والهدوء والاستقرار.
وإذن فالحديث عن تغيير ممكن أو مطلوب، لغو من الحديث ومخاطرة بمصالح الشعب، وجهل لإرادته، واستماع للقلة من سكان القاهرة والإسكندرية وإعراض عن الكثرة من أهل الأقاليم، والله عز وجل يمنح العقل من يشاء، وينزعه ممن يشاء، والله عز وجل يبيح الرشد لقوم ويحظره على قوم آخرين، والله عز وجل يأذن لقوم أن يقولوا فيسمع لهم الناس، ويفهموا عنهم ويطمئنوا إليهم، ويقضي على قوم آخرين أن يقولوا فلا يسمع لهم أحد، ولا يفهم عنهم أحد، ولا يطمئن إليهم إنسان.
وقد كنا نحب أن نعرف من عسى أن يكون هذا الرجل الذكي الحصيف الذي أوفدته تلك الصحيفة الفرنسية إلى الأقاليم فعلم علم أهلها، وجاء بأنبائهم وعرض آمالهم وأمانيهم في هذا المقال الظريف.
بل كنا نحب أن نعلم، أوفدت هذه الصحيفة رجلاً إلى الأقاليم حقاً، أم طلبت إليه أن يزعم أنه قد وفد على الأقاليم، وأن يجلس في مكتبه ويطلق خياله إطلاقاً ساعة أو بعض ساعة، ثم يكتب ما يمليه عليه هذا الخيال.
وقد كنا نحب أن نعلم من أمر هذا الرجل الذي زار الأقاليم بعض الشيء، أمصري هو أم أجنبي، أشرقي هو أم أوروبي، أيحسن لغة الناس الذين زارهم وتحدث إليهم، أم يجهلها جهلاً تاماً، أم يلم بها إلماماً يسيراً؟ أيحس هو كما يحس المصريون، ويشعر هو كما يشعر المصريون، أم هو لا يحس إلا ما يحسه بعض الأجانب المقيمين في مصر من الحاجة إلى الحياة الناعمة المترفة، مهما تكن مصادرها، ومهما تفسد حولها الظروف؟
كنا نحب أن نعلم من أمر هذا الرجل الذي أوفدته تلك الصحيفة هذا كله، لنعلم بعد ذلك أنه يكتب عن علم أو عن جهل، وأنه يكتب عن إخلاص أو عن نية فاسدة، وعن قلب مدخول، ولكن الغريب أن تعلم هذه الصحيفة وكاتبها من رضى الشعب المصري واطمئنانه إلى هذا العهد كل ما تعلم، وأن يجهله الوزراء. فالمفروض أن الوزراء أعلم الناس بحقيقة الأمر في مصر، وإلا فهم أبعد الناس عن الصلاح للنهوض بما ينهضون به من الأمر. لأن الذين يجهلون أمور الشعب لا يصلحون للقيام عليها. والحق الذي ليس فيه شك، هو أن الوزراء يعلمون من أمر مصر وأهلها غير ما تعلمه هذه الصحيفة وكاتبها. فهم واثقون بأن الشعب ليس راضياً ولا مطمئناً، وحياتهم السياسية كلها تبرم من هذا الشعب الساخط، وتأهب لأخذه بالقوة والعنف إخفاءً لسخطه.
وهم من أجل ذلك يحظرون على هذا الشعب كل اجتماع، ويأبون على زعمائه أن يتصلوا به أو يسعوا إليه، كما يأبون عليه هو أن يتصل بالزعماء أو يسعى إليهم. فإذا لم تعنهم الظروف على ما يريدون حشدوا ما وسعهم حشده من الشرطة والجند، واستعدوا للحرب والقتال، وأبلوا في ذلك بلاءً أقل ما يوصف به أنه مضحك، يسري الهم عن النفوس.
هذا كله دليل بالطبع على أن الوزراء مطمئنون إلى رضى الشعب عنهم، وحبه لهم، وحرصه على بقائهم في الحكم إلى آخر الزمان! .
والإنجليز يعلمون فيما نظن من أمر هذا الشعب أكثر مما تعلم هذه الصحيفة، وأكثر مما يعلم الوزراء، فإذا كانوا يعلمون أنه راضٍ، فما بالهم يضطربون هذا الاضطراب، وتختلط عليهم أمورهم هذا الاختلاط؟ فمن المحقق أن أحداً لم يضربهم على أيديهم لينقلوا مندوباً ويرسلوا مكانه مندوباً آخر، كما أن أحداً لم يضربهم على أيديهم ليرسلوا كبيراً من وزارة الخارجية ينوب عن مندوبهم الجديد، إذا سافر ليفاوض أو ليستريح.
وبعد فلمن يكتب هذا السخف، وإلى من يساق هذا الهراء؟ وأي عقول يراد بها هذا التغرير؟ أما الشعب المصري، فإنه يعلم من أمره ما يعلم، وهو لا يقرأ هذه الصحيفة وأمثالها ولا يسمع بها.
وأما الوزراء والإنجليز فهم أعلم بحقيقة الحال من أن يغرهم مثل هذا الهذيان. إنما يكتب مثل هذا الكلام لنفر قليلين من الأجانب يقيمون في القاهرة، أو الإسكندرية، ويقع في نفوسهم ما يسمعون من أحاديث التغيير والتبديل، مواقع مختلفة، فهذه الصحيفة وأمثالها، تريد أن تستبقي ودهم للوزارة واطمئنانهم إليها، وثقتهم بأنها باقية في الحكم. ومن يدري لعل هذه الصحيفة إنما تكتب لنفسها، لا لتغر نفسها ولا لتخدعها عن الحق الذي تعرفه حق المعرفة ولكن لتعيش، وما أكثر ما يكلف طلب العيش بعض الناس من المشقات والأعاجيب حتى إلغاء عقولهم، فكسب العيش في هذه الأيام شيء عسير قد يبيح الناس لأنفسهم فيه ما لا يباح في أيام اليسر والرخاء . . .
طه حسين
الوادي، ٩/٢/ ١٩٣٤ .
Tag: ministerial press
-
غرور٢