في وزارة المعارف: سرعة وبطء
طه حسين
جريدة السياسة
٣١ ديسمبر ١٩٢٣
الناس مجمعون على أن في وزارة المعارف حياة بعد موت، أو حركة بعد سكون على أقل تقدير، ولكنهم يختلفون في هذه الحركة، فيراها بعضهم سريعة سرعةً تحول بينها وبين الإجادة والإتقان، ويراها بعضهم بطيئة بطأً قد لا يُمكِّنها من الوصول إلى بعض ما تريد.
وليس عجيبًا أن يُجمع الناس على أن وزارة المعارف حية متحركة في هذه الأيام، فما نعلم أن الناس سمعوا بوزارة المعارف، أو تحدثوا عنها، أو اتخذوها موضوع المناقشة والجدال كما يسمعون ويتحدثون، وكما يناقشون ويجادلون في هذه الأيام. ففي كل يوم تظهر حركة جديدة في الوزارة، وفي كل يوم يتحدث الناس بمشروع جديد للوزير؛ حتى تناولت هذه الحركات والمشروعات جميع فروع الوزارة العلمية، وحتى كان لها صدًى قوي في الجمهور من جهة، وبين الموظفين والمعلمين والطلبة من جهة أخرى.
فالناس جميعًا يتحدثون بوزارة المعارف، وما تعمل وزارة المعارف، وما تريد أن تعمل وزارة المعارف. ليس عجيبًا أن يجمع الناس على أن في هذه الوزارة حياة وحركة، وليس عجيبًا أن يختلف الناس في أن هذه الحركة سريعة أو بطيئة. فالحق أن هذه الحركة سريعة جدًّا، وبطيئة جدًّا في وقت واحد؛ ولهذا نكتب اليوم.
نريد أن نلفت الوزارة إلى أن من الخير أن تقتصد في هذه السرعة، وإلى أن من الخير أن تتعجل من هذا البطء؛ فكما أن المُنْبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فالواقف لا يتقدم، والمقيم لا يسعى. ومن الحق أن تسعى الوزارة، ولكن في أناةٍ ومهل، وعن بصيرة ورشد. وليس يرضينا ولا يرضي وزير المعارف أن تجري وزارة المعارف أو تعدو عدوًا، فتمر الأشياء مرًّا دون أن تملأ منها عينيها، وتستعرضها استعراضًا دون أن تتقنها بحثًا وفهمًا، ثم ليس يرضينا ولا يرضي وزير المعارف أن يكثر الحديث عن هذه الوزارة والجدال في أمرها دون أن يعتمد هذا الحديث والجدال على شيءٍ مفيدٍ حقًّا، نافعٍ حقًّا، باقٍ لا يتغير ولا يزول بمجرد أن يتغير الوزير أو تستقيل الوزارة. كل هذا لا يرضينا ولا يرضي الوزير.
وإنما الذي نريده ونعتقد أن الوزير يريده أيضًا هو شيء آخر غير هذه الحركة التي يتحدث عنها الناس، والتي نخشى ألَّا تُنتِج نتيجة قيمة. نريد أن توضع في هذه الوزارة أسس الإصلاح على أن تكون هذه الأسس متينة تستطيع أن تحمل ما سيُقام عليها غدًا. فإذا بحثنا عما تحتاج إليه وزارة المعارف من الإصلاح رأيناه كثيرًا، وكثيرًا جدًّا، أكثر من أن يقوم به وزير واحد في عام أو أعوام، فضلًا عن شهر أو أشهر. فليس لدينا فرع من فروع التعليم إلَّا وهو إلى الفساد أقرب منه إلى الصلاح، وقل مثل هذا في فروع الإدارة المتصلة بهذه الفروع التعليمية. وقد بيَّنا غير مرة أن ليس في هذا شيء من العجب، فما كان ينبغي أن ننتظر من الإنجليز غير هذا.
وجوه الإصلاح في وزارة المعارف إذن كثيرة مختلفة، ومن المعقول أن ينظر إليها الوزير النشط المخلص، فيحاول أن يعمد إليها جميعًا بالإصلاح، ولكن من المعقول أيضًا أنه إن فعل وأراد أن يصلح كل شيء في وقت واحد، فقد ينتهي إلى ألَّا يصلح شيئًا؛ ولهذا اقترحنا غير مرة على وزير المعارف أن يُعنى بطائفة معينة من المسائل يتقنها درسًا وتمحيصًا، ثم إصلاحًا وترتيبًا، فإذا وفِّق إلى الخير في هذه المسائل المعينة كان قد أدَّى لبلده أعظم خدمة أدَّاها وزير معارف إلى الآن، وكان قد مهَّد لوزارته سبيل الرقي، ورسم لخلفائه خطة الإصلاح.
اقترحنا على وزير المعارف طائفة من المسائل عنيَ ببعضها، ويظهر أنه لم يجد من الوقت ما يمكِّنه من العناية ببعضها الآخر، ويظهر أنه يريد هذه العناية، ولكنه يريد أن يفرغ مما يشغله الآن، ومع ذلك فهذه المسائل التي لم يعلن بها الوزير بعدُ قد تكون أجلَّ خطرًا، وأبعدَ أثرًا في التعليم وإصلاحه من كل المسائل الأخرى التي تشغل الوزارة في هذه الأيام.
يقول المثل: إنك لا تجني من الشوك العنب، ولست أريد أن وزارة المعارف كلها شوك، ولكني أريد أن وزارة المعارف إن أرادت أن تصل بالتعليم إلى الخير، فمن الواجب عليها قبل كل شيء أن تضع من النظم وتؤلف من الإدارات ما من شأنه أن يصلح التعليم، وينتهي به إلى الخير حقًّا؛ لهذا لا نستطيع أن نفهم كيف لا تفكر الوزارة بالفعل في الملاءمة بين إدارتها وما تقصد إليه من الإصلاح؟ كيف لا تفكر مثلًا في إنشاء ما اقترحنا عليها إنشاءه من إدارات التعليم المختلفة المستقلة التي يشرف عليها الفنيون حقًّا؟ كيف لا تفكر مثلًا في إنشاء إدارة صالحة بالفعل للتعليم الثانوي، يعمل فيها رجال فنيون قد درسوا هذا النوع من أنواع التعليم، فأحسنوا درسه، وبلوا خيره وشره، واستطاعوا بعد الدرس والتجربة أن يشيروا عن علم، ويعملوا على بصيرة؟ وقل مثل هذا في بقية إدارات التعليم القائمة، أو التي يجب أن تقوم في وزارة المعارف.
ولكن التعليم الثانوي يعنينا بنوع خاص اليوم، فإن تعليمنا الثانوي لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه خزي لمصر، لا يليق بحاجاتها، ولا يليق بكرامتها، ولا يليق بذكاء أبنائها واستعدادهم للعلم، ثم لا يليق ببلد يريد أن ينظم التعليم العالي، ويشرع بالفعل في إنشاء جامعة على نحو الجامعات الأوروبية الكبرى.
نعم، تعليمنا الثانوي خزي لمصر، وأعتذر إلى وزير المعارف وأعوانه من استعمال هذا اللفظ الجاف، فأنا مضطر إلى استعماله، وليسوا هم الذين ابتدعوا هذا التعليم، وإنما ابتدعه الإنجليز. فإذا كان التعليم الثانوي خزيًا، فإثمه على مبتدعيه، ولكن إذا لم نسارع نحن إلى إصلاحه، فقد نشارك الإنجليز في إثم هذا الخزي.
تعليمنا الثانوي خزي، ولست أريد أن أدخل في تفصيل هذا التعليم، وإنما يكفي أن أشير إلى أن لدينا مئات، بل ألوفًا من الذين يملكون شهادتنا الثانوية، ويجهلون الجهل كله كيف يتنفسون، أو كيف يهضمون ما يأكلون ويشربون، ثم يجهلون الجهل كله كيف يفكرون وكيف يحفظون، بل يعجزون العجز كله عن أن يتحدثوا إلى تلميذ خارج من المدارس الأولية في أوروبا. ولا تظن أن في هذا شيئًا من المبالغة، بل ثِقْ أنه دون الحقيقة، ودون الحقيقة بكثير، فيكفي أن تتحدث إلى صبيان الفرنسيين والإنجليز حين يفرغون من التعليم الأولي، ويستقبلون التعليم الثانوي؛ لترى من استعدادهم وفطنتهم وقدرتهم على الفهم، وإلمامهم بكثير من الأشياء ما يُزري بشبابنا المصريين الذين أتموا التعليم الثانوي واستقبلوا التعليم العالي؛ ليتخصصوا في التربية، أو في القانون، أو في الطب، أو في الهندسة.
ولست أدري أيجدون في التعليم العالي ما لم يجدوا في التعليم الثانوي، لست أدري أيدرسون في المدارس العليا شيئًا من منافع الأعضاء مثلًا ليعلموا كيف يتنفسون وكيف يهضمون، ولكنني أعلم أن من الشرِّ أن يُحال إلى المدارس العليا ما من شأنه أن يدرَّس في المدارس الأولية والثانوية. ولقد نعمل الآن لتنظيم التعليم المتوسط للجامعة، فمن المؤلم جدًّا ما نلاحظه في كل حين من ألوان الضعف والفساد في التعليم الثانوي الذي يحتاج إلى إصلاح، وإلى إصلاح في التعليم المتوسط يوشك أن يجعل هذا التعليم المتوسط بعيدًا كل البعد عما يليق بالجامعات. أخشى أن يكون تعليمنا المتوسط عبارة عن فصل من تعليمنا الثانوي، وإذن فلن يكون خطوة بالتعليم إلى الإمام كما يقولون.
نعم «تعليمنا الثانوي خزي»، وكيف لا يكون خزيًا وقد سألت مرة أحد الذين كانوا يتقدمون للشهادة الثانوية عن موقع أثينا، فزعم لي أنها في صقلية؟ ولا تذكر التاريخ وتاريخ مصر بنوع خاص، ولا تذكر اللغة العربية وآدابها، ولا تذكر اللغات الأجنبية وآدابها، ولا تذكر العلوم على اختلافها، فحظُّ مدارسنا الثانوية من هذا كله طائفة من الألفاظ التي تحفظها الذاكرة دون أن تصل إلى العقل فتنميه أو إلى القلب فتُحْييه.
مدارسنا الثانوية معامل يمرن فيها الطلاب على أن يستظهروا طائفة من الدروس إلى أجل، فإذا انقضى هذا الأجل نسوا ما كانوا قد استظهروا، ولم يبق لهم منها إلَّا الغرور؛ لأنهم يعتقدون أنهم تعلموا فارتقوا وتفوقوا على غيرهم، ويسيرون سير المتعلم الراقي المتفوق. فهم مغرورون بأنفسهم، وهم مخدوعون عن أنفسهم لا أكثر ولا أقل. فإذا أردت أن تمتحنهم حقًّا؛ أن تمتحن عقولهم وقلوبهم وملكاتهم العملية، فلن تجد شيئًا ما … وسل نظَّار المدارس العالية وأساتذتها، وسل رؤساء الدواوين في الحكومة، وسل الآباء، وسل الأصدقاء؛ تجد أنَّا لم نخدعك ولم نسرف في وصف سوء التعليم الثانوي، وإنما قصرنا فيه تقصيرًا شديدًا.
وإذن، فكيف نستطيع أن نصبر على هذه الحال؟ وكيف نستطيع أن نُعنى بإنشاء المدارس الثانوية، وتوسيع نطاقها، والإكثار من عدد تلاميذها، وتنويع امتحاناتها، دون أن نُعنى قبل كل شيء بإصلاح هذه المدارس؟ وأيهما خير: أن يكون عدد المدارس الثانوية قليلًا، ونتائجها قيمة تنفع وتلائم الكرامة، أم أن يكون عدد المدارس كثيرًا، ونتائجها رديئة مخزية؟ أيهما خير: أن يكون لدينا ألف تلميذ أتمُّوا دراستهم الثانوية ففتحت عقولهم للحياة، يفهمونها ويحسنون تصورها، وصلحت أخلاقهم، ورقَّت قلوبهم، واستعدوا لاستقبال ما في الحياة من خير وشر، ومعالجة ما فيها من سهل وعسير، أم أن تكون لدينا آلاف مؤلفة من حملة الشهادة الثانوية، كل ما أحسنوه أنهم مغرورون بأنفسهم، مخدوعون عنها، لا يعلمون من أمرها شيئًا، ولا يعلمون من أمر الحياة حولهم شيئًا؟
أترى أن وزارة المعارف مسرعة جدًّا وأنها مبطئة؟ مسرعة حين تبذل ما تملك من جهد وقوة لتكثر عدد المدارس الثانوية، وتوسع نطاقها، وتحشر فيها المئات والآلاف من التلاميذ، مبطئة حين لا تُعنى منذ الآن بدعوة الفنيين من أهل أوروبا ليعينوها ويشيروا عليها في إصلاح هذا التعليم الثانوي؛ حتى تصبح مدارسنا الثانوية معاهد لتربية الملكات والعقول لا لمسخها وإفسادها.
وزارة المعارف معذورة في إسراعها، فالناس يريدون أن يتعلموا وهم كثيرون، وهي لا تستطيع أن تغلق في وجوههم أبواب المدارس، ولا تستطيع أن تقف مغلولة أمام هذه الأسر الكثيرة التي تريد أن تعصم أبناءها من الجهل، فهي إذن مضطرة إلى أن تنشئ المدارس، وتوسع نطاقها، وتقبل فيها المئات، وهي مضطرة أيضًا إلى أن تعطي الناس ما عندها. فليست في يد وزير المعارف تلك العصا السحرية التي تستطيع أن تمس المدارس، فتصلحها بعد فساد، وترقيها بعد الانحطاط، ولكن وزارة المعارف ليست معذورة في إبطائها، فقد نستطيع أن نفهم أشياء كثيرة قبل أن نفهم الأسباب التي تحول بين وزارة المعارف وبين الشروع بالفعل اليوم، أو غدًا، أو بعد غدٍ، على أكثر تقدير، في إصلاح التعليم الثانوي ودعوة الفنيين القادرين على هذا الإصلاح.
لا نستطيع أن نفهم هذه الأسباب، فوزارة المعارف مقتنعة بفساد التعليم الثانوي، ووزير المعارف مقتنع بوجوب الشروع في إصلاح التعليم الثانوي، وليس من شأن هذا الإصلاح أن يكلف الحكومة من النفقات فوق ما تطيق الآن، فستمضي سنة على أقل تقدير في البحث والتفكير قبل الشروع في التنفيذ الذي يحتاج إلى النفقات، وسيكون للحكومة من المهلة ما تستطيع معه أن تدبر الأموال؛ إذن فليشرع وزير المعارف في إصلاح التعليم الثانوي، ولينحو وزير المعارف هذا النحو نفسه في إصلاح فروع التعليم المختلفة. ومعنى هذا واضح جلي، وهو أن وزير المعارف إن أراد أن يصلح وزارته حقًّا، فعليه أن ينشئ فيها إدارات مستقلة يشرف عليها المصريون، ولكن يشير عليهم فيها الفنيون من أهل أوروبا.
Tag: Ministry of Education criticism
-
في وزارة المعارف سرعة وبطء
-
وزارة المعارف وجه الصواب في درس الآثار
وزارة المعارف
وجه الصواب في درس الآثار
طه حسين
جريدة السياسة
١٣ يوليو ١٩٢٣
يوفق الله قومًا فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير؛ فإذا هم يسعون إلى المنفعة سعيًا سريعًا منظَّمًا آمنًا كل عثار. ويخذل الله قومًا فتضطرب عقولهم، وتؤخذ عليهم طرق المنفعة، ويُحال بينهم وبين الحق فإذا هم يتخبَّطون، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات، وإذا هم يَمِيلُون إلى اليمين مرة وإلى الشمال مرة أخرى، وإذا هم يتحرَّكون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة.
يوفق الله قومًا فيهتدون إلى الخير، ويخذل الله قومًا فيتورَّطُون في الضلال. ولست أدري أيوفق الله وزارة المعارف في أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضي وزارة المعارف في هذا الأمر الذي اعتزمته بعد أن قُدِّم إليها النصح وأُشير عليها بالخير ودُلَّت على وجه المنفعة، ليس إلا ضربًا من ضروب الخذلان.
ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو إرشاد المرشد؛ فإن وزارة المعارف لم تنسَ بعد عصر الحكم الأوتوقراطي، وعزيزٌ عليها أن تنساه، وعزيز عليها أن تطمئنَّ إلى النظم الديمقراطية الجديدة. وإذن، فهي إذا رأت رأيًا مضت فيه غير ملتفتة إلى ما يُقال، خيرًا كان أم شرًّا. وإن كان العهد بوزارات المعارف الحرة في البلاد الأخرى ألا تُقْدِم على أمر ذي بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم، وربما بالغت في ذلك فاستشارت الجمهور والصحف. ولكن ذلك في البلاد الديمقراطية لا في مصر …!
نيأس إذن من وزارة المعارف، ونعتقد أنها قد تمضي فيما تريد. ولكنَّا لا نيأس من البرلمان، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيردُّ وزارة المعارف إلى طريق القصد، وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق. وليس من المنفعة ولا من الحق في شيء أن يكون في مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان، وأغنى متحف لتاريخ مصر في العصر الإسلامي، وألا تكون في مصر مدرسة نافعة منتجة حقًّا تُدرَّس فيها هذه الآثار المخزونة في المتاحف والمنبثَّة في أقطار البلاد.
ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملأ مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار. فإذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» في باريس، أو إلى المتحف البريطاني في لندن، أو إلى غيرهما من المعاهد في فينا وبرلين.
ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة. فإذا اشتد إلحاح مصر في أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تُلقى في مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تُفِيد. ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة، وإنما الحق والمنفعة أن تقدِّر وزارة المعارف حاجة مصر، ومنفعة مصر وكرامة مصر، وأن تنشئ هذه المدرسة التي تستخزي مصر بأنها غير قائمة فيها، والتي إن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلِّفها من النفقات شيئًا كثيرًا.
تعنى وزارة المعارف في مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية، وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصري ويقومون فيه بشيء من التمرين، وسيسيحون في أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها. ولكنَّا نلفت وزارة المعارف إلى أن هذه الزيارات لن تنفع؛ لأنها لن تكون من الاطِّراد والاستمرار بحيث تمكِّن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرًا أثرًا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التي تعلِّمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها.
وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيهًا! وهو مقدار لا يكفي لسياحة فرد واحد في مصر العليا أثناء الشتاء، فكيف بطلبة كثيرين وأستاذ كثير الحاجات؟! ولكن في الأمر ما هو شرٌّ من هذا؛ فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبًا وهي العناية بالآثار العربية الإسلامية؛ العناية بما في دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة في أقطار مصر وغير مصر، والتي يتقن الأوروبيون العلم بها، ونختلف نحن إليها كثيرًا دون أن نعرف من أمرها شيئًا، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التي تمثِّل تاريخ الإسلام وحظَّ دول الإسلام من الحضارة والرقي الفني.
فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربي والآثار الإسلامية؟ وماذا أعدت وزارة المعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك في إنشاء مدرسة أو قسم في مدرسة المعلمين تدرَّس فيه هذه الآثار، ويخرِّج لنا طلَّابًا يشعرون بأن هناك نقوشًا عربية عُنِيَ الأوروبيون بجمعها وتفسيرها ونجهلها نحن الجهل كله؟
لم تفكر وزارة المعارف في شيء من هذا، وما كان لها أن تفكر في شيء من هذا. فهي كما قلت لك أمس ضيقة التصور؛ ترى الشيء من وجه لا من وجهين ولا من وجوه. ولو أن الله وفَّق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى إنشاء مدرسة الآثار التي تدرس الآثار المصرية الفرعونية وآثار مصر أيام اليونان والرومان وآثار مصر في العصر الإسلامي. والتي لا تمضي عليها أعوام حتى تتجاوز الآثار المصرية إلى الآثار الأخرى السامية وإلى الآثار الأخرى غير السامية، فتصبح معهدًا من المعاهد الأثرية المعدودة في العالم كما ينبغي أن يكون الأمر في مصر التي التقت فيها الحضارات المختلفة، والتي لا يعرف العالم القديم تاريخًا إلا وله فيها أثرٌ ما.
ولكن وزارة المعارف أضيق تصورًا من أن تدخل في رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة. وليس في الأمر شيء من الغرابة؛ فأنت لا تجني من الشوك العنب، وليس ينبغي أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين، وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار. وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها.
والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لما لا تتقن. ولو أن في مصر إدارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك ألف مرة لأحسنت هذه الإدارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذًا نافعًا مفيدًا. لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار، وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد.
حدثني وزير المعارف حين زرته أخيرًا أنه يفكر في إنشاء دار الفنون، وأنه قد كتب في ذلك تقريرًا سيرفعه إلى الحكومة. فإذا كان هذا حقًّا — وما نشك في أنه حق — فما بال وزير المعارف يبني أعلى البيت قبل أن يبني أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجِّه همه إلى إنشاء هذه الإدارة قبل كل شيء؟ فإذا تم تكوينها واستقلَّت بأمورها عن المهندسين والمشرفين على تنظيم المباني وتوزيع الصدقات؛ كُلِّفت هذه الإدارة أن تنشئ ما تحتاج إليه من المدارس ومعاهد البحث. أليس هذا هو الخير؟ أليس هذا هو الصواب؟ بلى، هو الخير وهو الصواب. ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعي إلى الخير أو إلى الصواب؟!
صدقني يا معالي الوزير، إن الحق عليك لمصر أن تنشئ أولًا إدارة للفنون، ومن الآداب أن تجمع للمتحف المصري، ودار الآثار العربية، ودار الكتب المصرية، والأوبرا الملكية، ومدارس الفنون على اختلافها؛ فإذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين في إنشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية.
هذا هو الحق وهذه هي المنفعة؛ فانصرف إلى الحق وإلى المنفعة، ولا تخدعنَّك هذه المشروعات التي ليست في حقيقة الأمر إلا ألفاظًا خلابة براقة، دون أن يكون وراءها نفع ولا غَنَاء.