Tag: Modern

  • صحة

    صحة
    صحة رئيس الوزراء جيدة، والله عز وجل خليق أن يُحمد على ذلك. والله عز وجل خليق أن يَمُنَّ على رئيس الوزراء من هذه الصحة الجيدة بالمزيد، ولكن رئيس الوزراء ما زال بعيدًا عن مصر، معتزلاً للعمل، يتنقل في طلب الراحة بين المدن والقرى في فرنسا وسويسرا، برغم صحته الجيدة، لأن حظه من هذه الصحة الجيدة لم يبلغ بعد أن يُمكِّنه من العودة إلى مصر والنشاط للعمل، والأخذ في تصريف الأمور.
    وصحة وزير التقاليد جيدة، ولكنه مقيم الآن في فيتل، يستحم في الصباح، ويستحم في المساء طلبًا للراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الزراعة جيدة، ولكنه يطوف أقطار الأرض في رحلة بعضها للاستشفاء وبعضها للاستكشاف. وقد حدثتنا الأنباء بأنه في بودابست يلقى ما هو أهل له من الإكبار والتكريم قبل أن يسعى إلى تلك المدينة أو إلى تلك القرية التي يجد فيها ما هو في حاجة إليه من الراحة والاستشفاء.
    وصحة وزير الداخلية جيدة، ولكنه مقيم في داره، لازم لها منذ أيام، يصرف منها الأمر، ويُدَبِّر منها شئون وزارته بمقدار ما تسمح له صحته الجيدة.
    فأربعة من وزرائنا بينهم صاحب الدولة الرئيس يستمتعون – والحمد لله – بصحة جيدة ولكن ثلاثة منهم لا يعملون، لأنهم في حاجة إلى الراحة التامة وقتًا طويلًا أو قصيرًا. ورابعهم يعمل نصف عمل أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا. وأمور الدولة في حاجة واضحة ملحة إلى أن يُفرغ لها وزراؤنا العشرة بياض النهار ونصف سواد الليل، أو أكثر من نصفه قليلًا أو دون نصفه قليلًا.
    فالأمن مع الأسف مضطرب أشد الاضطراب، يُقتل الناس ويُصرعون، وتقتحم الدور، ويُؤخذ ما فيها، والنهار مبصر، وعدد الجند قليل. والأجنبي باسط يديه إلى أقصى ما يستطيع أن يبسطهما، يعتدي على المصريين في دينهم وأخلاقهم وأعراضهم وقوميتهم. والناس يصيحون فلا يُسمع لهم أحد، ويستغيثون فلا يستجيب لهم مُغيث. وفرنسا تأبى وتشارك إيطاليا في هذا الإباء إلا أن تؤدي مصر دينها ذهبًا، لا تقبلان كلامًا في الورق، ولا تُظهران ميلًا إلى ذكره أو التحدث فيه. وتستطيع أن تُحصي ما شئت من هذه الأخطار والمعضلات التي يكفي بعضها لتُفرغ له الوزارة بياض النهار وسواد الليل. فكيف بها إذا اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض، وزاد بعضها في تعقيد بعض.
    فإذا أضفت إلى هذه المعضلات أعظمها شرًا وأشدها نكرًا، وهو هذه الأزمة الاقتصادية التي لا تريد أن تنحل حتى تأتي في مصر على كل شيء، عرفت أن جهود الوزراء مهما تكن فهي أيسر وأضعف من أن تكفي لعلاج ما نحن فيه من الشر، فكيف إذا كانت هذه الوزارة عاجزة حتى عن بذل الجهد، ممنوعة بحكم المرض والسفر والرغبة في الراحة والسياحة حتى من أداء واجبها على النحو اليسير المألوف الذي تؤدي عليه الواجبات في الأيام العادية التي لا تتعرض فيها البلاد لشر، ولا يأخذها الخطر من كل مكان.
    ولكن الوزارة – والحمد لله – راضية عن نفسها، مطمئنة إلى هذا التوفيق الذي ظفرت به في دفع هذه الأخطار، وحل هذه المشكلات. وأي دليل أوضح، وأي برهان أجلى على أنها قد وفقت كل التوفيق من أنها لا تزال قائمة مستمتعة بمناصب الحكم، مسيطرة على أمور الدولة وشئونها كلها كأحسن ما تسيطر الوزارات على الأمور. فليس المهم فيما يظهر أن يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، ولا أن تأمن مصر على ميزانيتها، ولا أن تأمن مصر على كرامتها وحُرماتها، ولا أن تنفرج الأزمة عن المصريين قليلًا أو كثيرًا. ليس هذا هو المهم فيما يظهر، وليس هذا هو المقياس الذي به نجاح الوزارات وتوفيقها. وإنما المهم الذي ليس فوقه مهم، والمقياس الذي ليس يشبهه مقياس لصلاح الوزارات ونجاحها هو بقاؤها في مناصب الحكم. فما دامت وزارتنا باقية فهي موفقة كل التوفيق، فائزة كل الفوز، كذلك تقول صحيفة الوزارة صباح اليوم.
    وصحيفة الوزارة مصيبة فيما تقول، مصيبة حقًا لا شك في ذلك ولا ريب. فإذا لم يكن بد من أن نقيم لك الدليل على أنها مصيبة جد مصيبة فينبغي أن نذكر هذه النظرية
    التي مهما ينكرها رجال الدين فهي نظرية علمية على كل حال، وهي نظرية داروين في بقاء الأصلح، فلولا أن الوزارة صالحة ما بقيت، ولولا أن الوزارة قد وصلت إلى أقصى حدود الصلاح ما طال بقاؤها. وإذن فينبغي أن تستحي المعارضة وأن يستحي المعارضون، وأن يؤمنوا بأن الوزارة القائمة إنما هي ضربة لازب على مصر، لا مهرب منها، ولا سبيل إلى التخلص من بقائها؛ لأنها نتيجة طبيعية لتنازع البقاء ولبقاء الأصلح. بل ينبغي أيضًا فيما ترى صحيفة الوزارة أن تقدر المعارضة والمعارضون لرئيس الوزراء ولزملائه جهادهم في سبيل مصر وما بذلوا وسيبذلون من التضحية في هذا الجهاد. فلو قد كانت أمور مصر إلى رجل غير صدقي باشا لآثر الراحة على العمل، والصحة على المرض، والاستقالة على النهوض بأعباء الحكم بعد أن ألم به هذا الطارئ الثقيل الذي اضطره إلى داره شهرًا، والذي يضطره الآن إلى الاستشفاء من وراء البحر.
    ولكن رئيس الوزراء يؤثر الشعب على نفسه، ويؤثر سعادة مصر على سعادته، وراحة مصر على راحته فيتحمل المرض الطويل ولا يستقيل، وإن لم يعمل شيئًا أثناء هذا المرض الطويل. وأن يتقاضى أجره على الراحة أثناء هذا المرض الطويل وإن كلف الدولة أموالًا للاستشفاء من هذا المرض الطويل؛ فيكفي أنه جمع بين المرض والاحتفاظ بالمنصب ليكون مؤثرًا لمصر على نفسه، مضحِّيًا في سبيل مصر بأحب الأشياء إليه وأعزها عليه.
    وأبلغ من هذا كله أن رئيس الوزراء سيعود إن شاء الله موفور الصحة في آخر الشهر المقبل فيستأنف العمل في الإسكندرية. وقد حدثتنا الصحف أنه تقدم أو سيتقدم إلى زملائه بأن تبقى الحكومة في الإسكندرية ما أقام فيها حضرة صاحب الجلالة الملك حتى لا يتكلف الرئيس الانتقال إلى القاهرة قبل أوانه، ولا يحتمل السفر قبل إبانه. ومعنى ذلك أن الدولة ستتكلف ما تتكلف من الإنفاق عليه وعلى زملائه هذه النفقات الإضافية التي تستلزمها إقامة الحكومة في الإسكندرية حرصًا على صحته وتمكينًا له ولزملائه من التضحية في سبيل مصر والاستمرار في إيثار مصر على أنفسهم وراحتهم.
    فإذا كانت هذه الجهود الموفقة، وإذا كانت هذه التضحيات المرهقة لا ترضى مصر ولا تكفيها، فويل لمصر من الجحود، وويل لمصر من العقوق، وويل لمصر من إنكار الجميل.
    أما أنا فأشهد أن الوزارة مجاهدة، وأن الوزارة مضحية، وأن مصر خليقة أن تعرف لها هذا الجهاد وتحمد لها هذه التضحية، وتمد لها في أسباب هذا البقاء المريح الطويل لتضيف جهادًا إلى جهاد، وتضحية إلى تضحية.
    وإذا عاد رئيس الوزراء سالمًا موفورًا إن شاء الله فإن مصر خليقة أن تحوطه وترعاه، وتسهر على راحته في الإسكندرية حتى إذا لم يبقَ بد من عودة الحكومة إلى القاهرة فإن مصر خليقة أن تضرع إلى رئيس الوزراء في أن يعود إلى أوروبا ليستريح في الشتاء كما استراح في الصيف. وما أجمل الشتاء في «نيس»! وما أشد عقوق مصر إذا لم تلقَ الجميل بالجميل، والخير بالخير، ولم تبذل ما تملك وما لا تملك لتمكن رئيس وزرائها من أن يجاهد في سبيلها جهادًا متواصلًا، ويضحي في سبيلها تضحية لا آخر لها.
    يجب أن يطمئن أنصار الوزارة فمصر أكرم على نفسها من أن تأثم في حق المجاهدين، ومصر أعز على نفسها من أن تنكر فضل المضحين. ومصر تعرف كيف تكافئ الذين أخلصوا لها وتجزي إخلاصًا بإخلاص، وتضحية بتضحية فيستمر رئيس الوزراء محتفظًا بمنصبه أعوامًا وأعوامًا. ومهما يحاول رئيس الوزراء أن يستقيل فلن تقبل مصر أن يستقيل. وكيف تقبل مصر أن يستقيل؟ ومتى بلغت مصر من السذاجة والغفلة أن تفرط في رجل جاهد في سبيلها وضحى كما يجاهد رئيس الوزراء، ويضحي منذ ألم به هذا المرض البغيض الثقيل.
    كوكب الشرق في ١٠ – ٨ – ١٩٣٣

  • جهاد

    جهاد
    جهاد علمائنا في سبيل الله معروف، وذود علمائنا عن حق الله معروف، وبلاء علمائنا في ذات الله لا غبار عليه. وآية ذلك أن كلمة الإسلام هي العليا، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في البلاد التي تسود فيها الديانات الأخرى أيضاً، لا يستطيع أحد أن يعرض للإسلام بسوء، فهو إن قال في الإسلام ما لا يحب المسلمون نهض له علماء الإسلام من أهل الأزهر فما زالوا به يحاجونه ويجادلونه، ويناضلونه حتى يلزموه الحجة ويفحموه ويضطروه إلى الإذعان وإلقاء السلاح. ومن عرض للإسلام بعمل قليل أو كثير ينافي أصوله أو يناقض قواعده، نهض له العلماء من أهل الأزهر فردوه رداً، وصدوه صداً، واستعدوا عليه سلطان الدولة، وأجلبوا عليه بخيل الدولة ورجلها حتى يتوب ويثوب، أو ينزل به ما هو أهل له من العقاب.
    وعلماء الإسلام من أهل الأزهر يلقون في ذلك جهداً جاهداً، ويحتملون في ذلك عناءً معنياً، وضنىً مضنياً، يؤرقهم بالليل ويكدهم بالنهار، ويذيب قلوبهم غيرةً وحفيظةً لدين الله، وينهك أجسامهم ذوداً عن دين الله حتى بدا عليهم الضر، وحتى ظهرت على وجوههم وأشكالهم آثار العناء. وهم إلى هذا كله قيام بالليل، صيام بالنهار، تلاوة للقرآن، حراص على الصلاة، لا يعيشون إلا لله، ولا يخلصون إلا لله، ولا يخافون فيما نصبوا أنفسهم للذود عنه من حق الله لومة لائم، ولا سلطان متسلط، ولا قوة متكبر جبار. وهم لذلك مستقر الهيبة، لا تقع العين على أحدهم إلا امتلأ له القلب إجلالاً وإكباراً، وامتلأت له النفس حباً وإعظاماً، وهم لذلك شجىً في حلوق الطغاة، وأذىً في أجواف البغاة. هم أبطال الإخلاص للدين في هذا العصر الحديث من غير شك ولا ريب. انظر إليهم وقد اجتمع مجلس الشيوخ أمس، فكان مما نظر فيه أمر من الأمور للدين فيه حكم قاطع، ورأي ساطع، ومذهب واضح، لا سبيل إلى النزاع فيه. وكان
    القانون الذي عرض على مجلس الشيوخ أمس يريد أن ينحرف بعض الشيء عن حكم الدين، ويميل إلى أن يزور بعض الشيء عن محجة الصواب. فلما عرف أمر هذا القانون بين علماء الإسلام ضاقوا به وتنكروا له، واجتمعوا أفواجاً، يزورون شيخهم الأكبر، ملحين عليه أن يجرد عزمة، وينضي همه، ويذهب إلى مجلس الشيوخ حتى إذا عرض هذا القانون أرسل على الشيوخ والوزراء من لسانه العضب، وبيانه العذب صواعق النذير والتحذير حتى يسترد الوزراء قانونهم ويرفضه الشيوخ.
    وكانت أفواج العلماء قد كلفت نفسها هذا العناء في غير غناء، فما كان الشيخ – أيده الله – في حاجة إلى التذكير، وهل ينفق الشيخ بياض يومه وسواد ليله إلا ساهراً ناظراً، ومراقباً محاسباً، يبحث عن شكوك الشاكين وريب المرتابين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، فيرد سهام هؤلاء جميعاً في نحورهم، ويحمي الإسلام من شرورهم. فكان – أعزه الله وأصلح باله – لا يستقبل وفداً من وفود العلماء، ولا يلقى فوجاً من أفواجهم إلا قال: بارك الله فيكم، لقد نبهتم غير غافل، وأيقظتم غير نائم، فارجعوا مأجورين مشكورين موفورين!!
    حتى كان مساء أمس، أقبل الشيخ ومن حوله زملاؤه العلماء الذين يشتركون في أعمال مجلس الشيوخ، وفي وجوههم سماحة الإيمان، وعلى وجوههم شدة الغضب للحق. فلما دخلوا المجلس نظر إليهم الأعضاء من غير العلماء فامتلأت قلوبهم حباً ورعباً! ثم عرض القانون فما هي إلا أن يهم الشيخ بالكلام حتى ينهض وزير الحقانية مضطرباً حيراناً، كأنما أخذه دوار، فيعلن في صوت متهدج من الخوف أنه يرى على وجه الشيخ وأصحابه – أبقاهم الله ذخراً للإسلام، وعزاً للمسلمين – إنكاراً لهذا القانون، فهو يسترده معتذراً عن تقديمه، واعداً ألا يعود إلى مثله، مستعطفاً للشيخ وأصحابه، فيغض الشيخ في تواضع وعزة ورضا، ويصفق الأعضاء، ويكفي الله المؤمنين القتال، فلا نزال ولا نضال، بل انتقال إلى جدول الأعمال.
    كذلك تحدثت شهرزاد، ولكن الصباح لم يلبث أن لاح فسكتت عن الكلام
    المباح، وخرج الناس من بيوتهم مع الشمس فاشتروا ما تعودوا أن يشتروه من الصحف، وقرأوا أخبار مجلس الشيوخ، فقرأوا شراً ورأوا نكراً. ووجدوا في الأهرام خلافاً لما تحدثت به شهرزاد! وجدوا أن الشيخ الأكبر – أعزه الله وأبقاه – تخلف عن المجلس مساء أمس، وأن الناس فسروا تخلفه بأنه أراد ألا يشترك في إقرار هذا القانون. ووجدوا في الأهرام أن تفسير الناس لغيبة الشيخ لم يكن فيما يظهر خطأً، فقد أيده خروج عالمين من علماء الدين، أحدهما مفتي الديار المصرية من المجلس حين عرض هذا القانون، وأيده أن عالماً ثالثاً من علماء الدين، وهو من هيئة كبار العلماء لم يخرج ولكنه أعلن أنه لا يوافق على القانون.
    أما الأعضاء الآخرون من غير العلماء فقد وافقوا على هذا القانون بالإجماع، وأما وزير الحقانية فقد خرج ظافراً بقانونه الذي أقره له المجلسان. كذلك قالت الأهرام صباح اليوم، أما «الشعب» فسكتت عن غيبة الشيخ الأكبر، وعن خروج المفتي الأكبر وصاحبه، وذكرت مخالفة الشيخ الذي لم يغب ولم ينسحب.
    وقرأ الناس هذا كله فحاروا وداروا، أيصدقون شهرزاد؟ وإذن فيجب أن تحاكم الأهرام لأنها أهانت علماء الإسلام، وأضافت إلى شيوخ الدولة ووزرائها ما لم يفعلوا ولم يقولوا؟ أم يصدقون الأهرام وإذن فيجب أن تحاكم شهرزاد، لأنها تخيل للناس غير الحق، وتصور لهم أن علماءهم ورجال دينهم يؤدون واجبهم للدين على أحسن وجه، ويؤدون واجبهم للرأي على أحسن وجه، فلا يخافون ولا يفزعون، ولا يفرون ولا ينسحبون، وإنما يحضرون ثم ينكرون ثم يظفرون، كذلك تصور شهرزاد للمسلمين أمر علماء المسلمين فتملأ قلوبهم ثقةً وأملاً واطمئناناً حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح جاءت الأهرام بغير هذا الكلام، فخابت الآمال، وساءت الحال، وتبدل الناس من ثقتهم شكاً، ومن طمأنينتهم خوفاً، ومن أملهم يأساً. يجب أن تحاكم شهرزاد؟ إنها تضرب في البلاد ولعلها الآن في بغداد أو في إرم ذات العماد، تلك التي شادتها عاد!!
    وبعد، فهل تعرف هذا القانون الذي غاب له الشيخ، وانسحب له شيخان، وأبى أن يوافق عليه شيخ رابع، هو تعديل لطائفة من مواد قانون العقوبات حول الاعتداء على أعراض الصبيان من البنات والغلمان.
    فقد كان قانون العقوبات يعاقب المعتدي على هذه الأعراض برضا الصبي أو الصبية إلى سن الرابعة عشرة. فعدل بحيث أصبح يعاقب على هذا الاعتداء برضا الصبي أو الصبية إلى سن السادسة عشرة، فهو إذن يتشدد في حماية الصبيان من العدوان، ولكن إذا تجاوز الصبي أو الصبية هذه السن، سن السادسة عشرة، فلا عقاب على من يعتدي على أعراضهما برضاهما!!
    وهنا موضع الخلاف بين أحكام الدين وأحكام القانون. فالدين يعاقب على كل انتهاك للأعراض مهما تكن السن، وسواء رضي القسيم في الإثم أم لم يرضَ.
    وكان الشيوخ من غير شك يودون لو استطاعوا أن يخضعوا قوانين العصر لأحكام الدين، ولكنهم يئسوا قبل أن يحاولوا، فمنهم من انسحب، ومنهم من أنكر. وكلهم قد أدى واجبه. فمن لم يستطع أن يغير المنكر بيده، غيره بلسانه، ومن لم يستطع أن يغير المنكر بلسانه غيره بقلبه وهو أضعف الإيمان فيما يقول الأثر.
    وويل للظروف التي تضطر كبار الشيوخ إلى أن يقنعوا بأضعف الإيمان.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣