سخاء …
طه حسين
النداء
٢ ديسمبر ١٩٤٧
لست أدري أتصح هذه الأخبار كما أحب وكما أعتقد، أم لا تصح كما يحب المتشككون وكما يعتقدون.
وهي — سواء صحَّتْ أو لم تصح — تثير في نفسي كثيرًا من الخواطر، وتثير في قلبي كثيرًا من العواطف، وتدفعني إلى كثيرٍ من التفكير، كما تدفعني إلى كثيرٍ من الأحلام الحسان العذاب، التي إنْ صدقت كانت أحسن المُنى، وإن لم تصدق كانت قد أتاحت لي أن أعيش ساعات حلوة كما يريد الشاعر القديم أن يقول.
وهذه الأخبار هي التي تتصل بكرم الكرماء، وجود الأجواد، وتبرم الأغنياء بما يُتاح لهم من الغنى وما يُساق إليهم من الثراء، والحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على المال، بخلاء بما يملكون، لا ينالون من الغنى حظًّا إلَّا ليبتغوا حظًّا أوفر مما نالوا، ولا يحرزون من الثراء نصيبًا إلَّا ليطلبوا أكثر مما أدركوا.
ثم هم على كثرة ما يملكون وكثرة ما يحصلون وكثرة ما يتراكم عندهم من الغنى، أشبه شيء بالصخرة المصمتة ذات القاع البعيد أو التي ليس لها قاع؛ فهي لا تجود بشيء مما يستقر فيها من الماء، مهما يكثر ومهما يركب بعضه بعضًا، وإنما هي مصمتة من جميع جوانبها، ليس فيها أمل لمن يطيف بها إلَّا أن يحطِّمها تحطيمًا.
الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على هذا النحو من الحرص، بخلاء إلى هذا الحد من البخل، وإنما جعل منهم بين حين وحين من لا يكره الغنى، ولكنه على ذلك لا يفنى فيه ولا يتهالك عليه ولا يتخذه غاية، وإنما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه، وينفع بها أهله، وينفع به ذوي قرابته وذوي مودته، وينفع به أكثر عدد ممكن من الناس، حين يُتاح له أن ينفع أكثر عدد ممكن من الناس.
هؤلاء الأجواد الأسخياء عزاء عن الحراص البخلاء، يُلْقون في روعك أن الإنسانية ليست شرًّا كلها، وأن حياة الناس قد تكون صحراء مقفرة مجدبة شديدة العقم، ولكنها على ذلك لا تخلو من الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر وأضناه الجهد أن يجد فيها من الظل والماء، ومن الراحة والروح ما ينسيه بعض ما احتمل من المشقة، ويعينه على احتمال ما سيلقاه من الجهد، حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة، ولولا هؤلاء الأجواد الأسخياء لكانت الإنسانية خليقة أن نبغضها أشد البغض وأعظمه بشاعةً ونكرًا.
والناس يلتمسون الواحة حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها، وهم لذلك يلتمسون العزاء حيث يجدونه وكما يستطيعون أن يجدوه. يلتمسونه من حولهم، فإذا لم يظفروا به أبعدوا في السعي والتمسوه في الأطراف النائية والأماكن المتباعدة، فإذا أعياهم أن يظفروا به في المعاصرين من قرب منهم ومن بعد، التمسوه فيما مضى من الأيام وفيما سلف من العصور.
وقد يظن القارئ أني أتكثر أو أتزيد، ولكني أؤكد له أني لست من التكثر والتزيد في شيء، وإنما استقبلت هذه الأحداث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، وهذا البؤس الذي يأخذ كثرة المصريين من جميع أقطارهم، ويسعى إليهم من كل وجه يعدهم للموت حتى يسلم بعضهم إليه، ثم يستأثر بمن بقيَ منهم فيمضي في إعدادهم للموت متمهلًا حينًا ومتعجلًا حينًا، وجعلت أنظر فيمن حولي من الأغنياء وأنظر في موقفهم من هذا الشقاء الملم، والبلاء المدلهم، والهول الهائل، والعذاب الشديد؛ فلم أرَ إلا حرصًا وبخلًا، وقسوةً في القلوب، وغلظًا في الأكباد، وجفوةً في الطباع، وكدرًا في الضمائر.
ووجدت قومًا ينفقون على كره للإنفاق، وقومًا آخرين يترددون بين الكرم والبخل، ثم يؤثرون البخل بعد طول التردد واتصال التفكير، وقومًا آخرين لا ينفقون ولا يترددون ولا يفكرون، وإنما يجهلون من حولهم من الناس، ويجهلون ما حولهم من البؤس والضنك والضيق والموت، يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا يروا، ويجعلون على قلوبهم أكنةً وأقفالًا حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئًا من تضامن أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق.
أولئك وهؤلاء يقبلون على لذاتهم ومنافعهم وآمالهم كما يتصورونها، لا يعنيهم أن يلذوا والناس من حولهم يألمون، ولا يسوءهم أن ينعموا والناس من حولهم يتجرعون الشقاء والبؤس والعذاب غصصًا؛ فهم يرقصون على جثث المواطنين، ويسعدون بشقائهم، ولا يفرقون بين هذه الموسيقى البشعة المنكرة التي تأتي من شكاة الشاكين وبكاء الباكين وأنين المرضى وحشرجة المحتضرين، وهذه الموسيقى الأخرى التي تصل إليهم من عزف العازفين ونفخ النافخين ورقص الراقصين. ولا يجدون بأسًا حين يقبلون على كئوسهم المترعة المصفاة أن يكون مِزاجها من هذه الدموع الغزار التي لا تُرَى ولا تُحَس؛ لأنها لا تنزف من أعين الناس، وإنما تنزف من أعين مصر كلها.
ودموع الناس قد تُرى وقد تُحَس، فيضيق بها الذين يرونها والذين يحسونها، ولكن دموع الأوطان والشعوب والأجيال لا يراها ولا يحسها إلَّا الذين أُتيح لهم شيءٌ من رقة القلوب وصفاء النفوس ونقاء الضمائر وتهذيب الطباع، وهؤلاء — مع الأسف — قليلون، بل هم أقل من القليل.
استقبلت هذا كله ونظرت فيمن حولي من الناس لأرى كيف يرفق بعضهم ببعض، وكيف يعطف بعضهم على بعض، وكيف يسرع الموسرون منهم إلى معونة المعسرين، فلم أرَ شيئًا ذا خطر، وإنما رأيت كرمًا قليلًا وكلامًا كثيرًا واستباقًا إلى التفاخر الكاذب، وتهالكًا مع ذلك على اللذة الباطلة والنعيم السخيف.
وما أعلم أن أغنياءنا على كثرة ما يملكون، وعلى كثرة ما يغل عليهم ما يملكون، قد استطاعوا أن يجمعوا لمعونة المنكوبين بوباء الكوليرا مائة ألف من الجنيهات، وأحسبهم ما زالوا بعيدين عن هذا المقدار أشد البعد، وما أرى أنهم سيبلغونه أو يقربون منه، وهم قد أخذوا ينسون الوباء بعد أن أمنوا على أنفسهم — إن جاز للناس أن يأمنوا على أنفسهم — وبعد أن زعمت لهم وزارة الصحة أن الوباء قد أوشك أن يزول.
لم يقل أحدٌ منهم لنفسه — ولا يُرجى أن يقول أحدٌ منهم لنفسه — إن الوباء قد اختطف من أسر كثيرة رجالًا كانوا يَعُولونها، واضطرها إلى إعدام لا سبيل إلى تصوره، فضلًا عن وصفه، وإن من حق هذه الأسر أن تعيش أولًا، وأن تجد من عطف المواطنين عليها بعض العزاء عمَّا ألمَّ بها من الخطب ثانيًا، وأن تشعر بأنها أسر كريمة في وطنٍ كريمٍ ثالثًا.
لم يخطر لأحد منهم — ولا يُرجى أن يخطر لأحد منهم — شيءٌ من ذلك؛ لأنهم مشغولون عن هذه الخواطر بجمع المال إلى المال، وضم الثراء إلى الثراء، وباللذات التي لا يفرغون من بعضها إلَّا ليقبلوا على بعضها الآخر، ولا يستريحون منها إلَّا ليستأنفوا العكوف عليها والإمعان فيها.
ثم لم يخطر لأحدٍ منهم — وليس يُرجى أن يخطر لأحد منهم — أن بؤس البائسين وإعدام المعدمين لا يجر الخزي عليهم بمقدار ما يجر الخزي على وطنهم كله، وعلى الذين أتاحت لهم الظروف أن يكونوا عنوانًا لهذا الوطن، يلقون الأجنبي حين يَفِد على مصر ويسعون إلى الأجنبي إذا لم يَفِد على مصر، ويسمعون منه — راضين أو كارهين — حديث الوباء والمنكوبين، فلا يستحون لأنفسهم، ولا يستحون لوطنهم، ولا يستحون لهذا الجيل من المصريين أن يُوصَم في أعين الأجنبي بالأثرة المنكرة التي تغض من صاحبها وتجعله خليقًا أن يُزدرَى ويُحتقَر، ولا يكرمه من يكرمه إلَّا بمقدار ما يتخذه وسيلة إلى تحقيق منافعه وقضاء آرابه.
أي بأس على هذا؟! رأيت هذا كله، وضقت بهذا كله؛ فوجدتني بين اثنتين: إمَّا أن أبغض الحياة والأحياء وأنكر الوطن والمواطنين، وإمَّا أن ألتمس العزاء حيث أستطيع أن ألتمسه وكما أستطيع أن ألتمسه، لعل الغمرة أن تنجلي، ولعلي أستطيع — بعد وقت قصير أو طويل — أن أعود إلى هذا الجيل من المصريين المعاصرين، ومن أغنيائهم خاصةً فأقول لهم وأسمع منهم، دون أن أجد في نفسي هذا الألم الممض، وهذا الاشمئزاز البغيض.
إلى التاريخ إذن وإلى أحاديث القدماء! فقد ملأ المعاصرون قلوبنا يأسًا ونفوسنا قنوطًا لنهجرهم ولنهاجر في الزمان إذا لم تُتَح لنا الهجرة في المكان، ولننظر في أخبار تلك العصور القديمة — سواء أصحَّتْ أم لم تصح — فهي إن صحَّتْ كانت لنا عزاء، وهي إن لم تصح أتاحت لنا أن نحلم بجيل من الناس، لا يكون الرجل فيه عبدًا للمال ولا مرقوقًا للثورة، وإنما يكون المال فيه عبدًا لمالكه، وتكون الثروة فيه وسيلة إلى إعانة المنكوب وإغاثة الملهوف وإنقاذ المحزوب، ثم إلى إيثاره هذه العاطفة الحلوة التي يجدها الرجل الكريم حين يحس أنه قد أعان منكوبًا، وأغاث ملهوفًا، وأنقذ محرومًا، وبرَّ صديقًا، وتصرف في ماله، ولم يدع ماله يتصرف فيه.
إلى التاريخ إذن لننسى العصر الذي نعيش فيه، وإلى أحاديث القدماء لنتسلى عن سيرة المحدثين.
وتستطيع أن تصدقني أو لا تصدقني، فما يعنيني من ذلك شيء، ولكنك تستطيع أن تقرأ — على كل حال — أني وقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند بعض هذه الأحاديث التي تُروَى لنا عن القدماء من أصحاب الجود والسخاء، عند هذه القصة التي تُروَى عن عثمان — رحمه الله — حين أجدب أهل المدينة أيام أبي بكر حتى ارتفعت الأسعار، ولم يجد الفقراء وأوساط الناس ما يأكلون، وأقبلت في أثناء ذلك عِيرٌ لعثمان تحمل من الشام خيرًا كثيرًا، فأسرع التجار إليه يريدون أن يشتروا منه بضاعته لييسروا بها على الناس، وجعل يساومهم حتى عرضوا عليه ما يعدل أربعة أضعاف أثمانها، ولكنه أبى أن يبيع إلَّا إن استطاعوا أن يدفعوا إليه عشرة أمثال أثمانها، فلما أظهروا العجز أنبأهم بأن الله قد وعد عشرة أمثالها إن تصدَّق بها، ثم أعلن إليهم أنه يؤثر هذه التجارة على تجارتهم، ويؤثر ثواب الله على أموالهم، وأن بضاعته هذه صدقة للمسلمين.
نعم؛ ووقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند رجل آخر من أصحاب النبي، هو طلحة بن عبيد الله — رحمه الله — وقد دخلت عليه امرأته فرأته مغتمًّا حزينًا، فلما سألته عن ذلك رفيقةً به عطوفًا عليه، أنبأها أن قد جاءه مال كثير، فهو مهتم له لا يدري ما يصنع به، فلم تزد امرأته على أن قالت له مبتسمة: اقسمه! قال: نعم؛ ثم قسَّم هذا المال بين ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، واستقبل بعد ذلك ليله سعيدًا، وكان هذا المال أربعمائة ألف درهم!
نعم؛ وأقف وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند طلحة نفسه حين باع أرضًا له وأُدِّيَ إليه ثمنها — سبعمائة ألف درهم — فلما حصَّل المال في داره، فكر غير طويل ثم قال: إن رجلًا يمسي وعنده هذا المال لا يدري ما ادخر له القضاء من أمر الله لمغرور! ثم أمر؛ فقُسِّم هذا المال على ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، ولم يَنَمْ حتى أنفقه عن آخره.
والغريب أن هذا الإنفاق على كثرته وعلى اتصاله لم يَنْتَهِ بطلحة إلى الفقر، ولا إلى شيء يشبه الفقر؛ لأن الله قد وعد الأغنياء إذا أنفقوا في سبيل البر مخلصين لا يبتغون رياءً ولا شهرةً ولا نفاقًا أن يخلف عليهم ما أنفقوا، وقد قُتِل يوم الجمل وتعرضت ثروته بعد موته لخطوب كثيرة، ولكن ورثته على رغم ذلك اقتسموا فيما بينهم ثلاثين مليونًا من الدراهم!
فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعون أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئًا ذا خطر! وليت أغنياءنا يصدِّقون وعد الله أو يمتحنون هذا الوعد! ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين؛ ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا!
ولكن هيهات! … ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في نادٍ من أندية الميسر وميدان من ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيلٍ من سبل البر؛ ليتبينوا أيصدقهم الله ما وعدهم أم لا!
والشيء الذي يملأ القلوب غيظًا والنفوس كمدًا هو أن الحكومات ترى من حرص الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحزوب، وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له.
صدِّقْني، إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل، فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفر إلى زمانٍ آخر من أزمنة التاريخ.
Tag: moral apathy
-
مأساة
حديث الوادي
مأساة…
فأما الذين أصابهم شرها، وهم نيف وسبعون من علماء الأزهر، فقد تلقوها كما علمهم الدين أن يتلقوا الشر بالصبر والثبات والإيمان بالحق، والثقة بعدل الله، والانتظار لهذا الإنصاف الذي إن أخره الله عنهم امتحاناً لهم، وابتلاءً لأخلاقهم، واستزادة لهم من الحسنات، واستكثارا لهم من الثواب، فهو مدركهم من غير شك؛ لأن الله عز وجل قد تأذن أنه لا يظلم الناس شيئاً، ولا يضيع على ذي حق حقه، ولا يحول بين المظلوم وبين ما ينبغي له من الإنصاف.
وأما الذين مثلوا هذه المأساة، وصبوا شرها على المظلومين صباً، فما يزالون كما كانوا يوم أقدموا على هذه القسوة، ودفعوا أنفسهم إلى هذا العنف، أقوياء أشداء يستمتعون بلين الحياة، فينعمون بطيباتها، يبتسمون لضوء الشمس إذا أصبحوا، ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويطمئن بعضهم إلى بعض، ويشفق بعضهم من بعض، ويضطربون في حياتهم بعد هذه المأساة كما كانوا يضطربون في حياتهم من قبل، لا يمس قلوبهم حزن، ولا يبلغ نفوسهم أسى، ولا ينتهي إلى ضمائرهم ندم، ولا تغشى وجوههم كآبة، كأنهم لم يحدثوا شيئاً، ولم يظلموا أحداً، ولم يحولوا بين الصغار وبين ما لا ينبغي أن يُصرف عن الصغار من هذا الرزق الحلال، الذي يكسبه الآباء الأخيار لأطفالهم الأبرياء.
وكأنهم لم يخرجوا قوماً من هذا الأمن الذي ينبغي للعلماء، إلى هذا الخوف الذي لا ينبغي للعلماء، وكأنهم لم يصدوا عن العلم قوماً خلقوا للعلم، ولم يصرفوا عن التعليم قوماً أعدوا حياتهم للتعليم، وكأنهم لم يردوا عن تعليم الدين والدعوة إليه قوماً هيئوا لتعليم الدين والدعوة إليه.
نعم، هؤلاء الذين أحدثوا هذه المأساة يستمتعون الآن بلين العيش، وإن نيفاً وسبعين من إخوانهم في العلم ليشكون بالعيش الخشن الغليظ، وهم ينعمون بطيبات الحياة، وإن قوماً من إخوانهم في الدين ليبتئسون بشر ما يبتئس الناس به في هذه الأيام السود، يبتسمون للشمس إذا أصبحوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون الشمس بوجوه لا ترتسم عليها ابتسامة الراحة والأمن والاطمئنان، وإنما ترتسم عليها ابتسامة الصبر، والرضى بقضاء الله، والثقة بأن عدل الله قريب.
ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون ظلمة الليل وفي قلوبهم ألم مما مسهم به النهار من ضر، وفي نفوسهم قلق وإشفاق مما قد يمسهم به الغد من ضر، وفي ضمائرهم مع ذلك إيمان وثقة بأن عدل الله قريب.
نعم، إن الذين أحدثوا هذه المأساة منذ ثلاثة أعوام لا يزالون كما كانوا حين أحدثوها، لم يصل الندم إلى نفوسهم بعد، ولم يبلغ الحزن قلوبهم بعد، ولم يرتسم أمام ضمائرهم أنهم قد ظلموا إخوانهم، وبطشوا بهم في غير حق، وقسوا عليهم في غير ما يدعو إلى القسوة، وابتغوا لهم الشر، وكان ينبغي أن يبتغوا لهم الخير، وألقوا بهم وبمن يعولون من النساء والأطفال، ومن ذوي القربى فرائس لهذه الوحوش الضارية التي تفسد الحياة المصرية في هذه الأيام، وحوش الخوف والقلق، والشقاء، والبؤس، والحرمان.
نعم، لم يحزنوا، ولم يندموا، ولم يذكروا شيئاً من هذا، ولم يفكروا في شيء من هذا، ومع ذلك ففي أعوام ثلاثة ما يكفي ليتوب المذنب، ويتوب المخطئ إلى الصواب، ويتنبه الغافل من غفلته، ويستفيق الجاهل من جهله، ويعتبر من هو قادر على أن يعتبر، ويندم من هو مستعد ليذوق ألم الندم ولذته في وقت واحد.
في ثلاثة أعوام ما يكفي للتذكر والتفكر والرجوع إلى الحق، والانصراف عن الباطل، وإصلاح الخطأ، وإنصاف المظلوم. في هذه الأعوام الثلاثة ما يكفي ليتبين شيخ الأزهر وأصحابه الذين أعانوه على هذه المأساة، أنهم كانوا مسرفين على أنفسهم وعلى هؤلاء الناس، وأن من الحق عليهم لأنفسهم ولهؤلاء الناس أن يتوبوا من هذا الإسراف، ويثوبوا إلى ما ينبغي لهم من القصد، وأنهم كانوا مخطئين، ومن الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، وأن يردوا إلى هؤلاء الناس حقهم ويعيدوهم إلى حيث كانوا يعملون، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه لم يتبينوا إلى الآن شيئاً، أو هم لم يريدوا أن يتبينوا شيئاً، أو هم كانوا يعلمون كل شيء حينما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولكنهم مع ذلك أقدموا، لا خائفين ولا وجلين، ولا حاسبين لشيء حساباً.
ما أقسى قلوب الناس وأغلظها، وما أخشن طباع الناس وأجفاها، وما أشد ما تحب بعض الضمائر أن تخلد إلى النوم. إن شيخ الأزهر وأصحابه ليرون هؤلاء المظلومين منذ ثلاثة أعوام، وهم يحتملون الظلم، ويشقون بآلامه، ويثبتون له كراماً، ويصبرون عليه أقوياء النفوس، وإن في بعض ما يرون من أمرهم وما يعلمون من أطوارهم لما يكفي لتنغيص الحياة أثناء النهار، ورد النوم عن الجفون أثناء الليل، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه يحيون بياض النهار سعداء ناعمين، وينامون ملء جفونهم سواد الليل، لا تؤرقهم الهموم، ولا يقلقهم الندم، ولا تروعهم الأحلام.
لقد كنت أعلم قبل أن يبسط صدقي باشا على المصريين ظل هذا العهد، أن في الدنيا ظلماً كثيراً، وأن الناس جميعاً عرضة لأن يصدر عنهم الظلم، ويقع عليهم، ولكني ما كنت أقدر في يوم من الأيام أن الأزهر الشريف سيصيبه مثل ما أصابه في هذا العهد، وأن نيفاً وسبعين من علمائه ستقطع أرزاقهم في لحظة قصيرة في غير سؤال، ولا تحقيق، ولا محاكمة، ولا رعاية لحرمة من الحرمات، ولا لتقدير ظرف من الظروف، ولا تفكير فيما سيؤول إليه أمر هذا العدد الضخم من علماء الدين، ومن يعولون من الصغار والضعفاء، ولا حساب لأمر هؤلاء الطلاب الذين كانوا يختلفون إلى دروسهم، ويستعينون بهم على التفقه في العلم والدين.
لم أكن أقدر أن حدثاً كهذا الحدث يمكن أن يلم بالأزهر لأني كنت أعتقد أن مكانة الأزهر من الدين ستحميه دائماً من أن يقع فيه الظلم الشنيع أو تحدث فيه الأحداث الجسام، ولكن أيام صدقي باشا أبت إلا أن ترينا كل شيء، وأن تكره التاريخ على أن يسجل ما لم يتعود تسجيله منذ أنشئ الأزهر، ويثبت أن نيفاً وسبعين من العلماء قد أخذوا بالشبهة، وعوقبوا على الظنة، وكانوا آمنين مطمئنين، فدفعوا في لحظة قصيرة إلى القلق والخوف.
ولم أكن أقدر أن علماء الأزهر سيفقدون ما لا ينبغي أن يفقد رجال الدين من التعاطف والتراحم فيما بينهم، ومن إنكار الشر وجحود الظلم والوقوف في وجه العدوان، ولكن قسوة صدقي باشا وصرامة حكمه وهذه الألوان من العنف، التي أحاط بها كل شيء وكل إنسان، كانت أقوى فيما يظهر من التعاطف بين رجال الدين، فأخرج هذا العدد الضخم من الأزهر ودفعه إلى الشارع، ولم يظهر من علماء الأزهر إنكار، ولم يجر لسان واحد منهم باحتجاج، وأكبر الظن أن كثيرين منهم تجنبوا هؤلاء المظلومين مخافة أن يتهموا أو أن يساء بهم الظن، أو أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء من ظلم وجور.
وكذلك انتهى الفساد إلى أقصاه، وبلغ الشر غايته في هذه الأيام؛ يقع الظلم العنيف حيث لا ينبغي أن يقع الظلم، حتى إذا وقع لم ينكره أحد، وإنما استكان له الناس جميعاً، وخاف منه الناس جميعاً، وأصبح الذين كان ينبغي أن يكونوا دعاة إلى العدل وحماة للحق خائفين وجلين، يسألون الله أن يدرأ عنهم الشر، ويدفع عنهم السوء، ويلطف بهم في القضاء.
لا يمكن أن يصل الضعف إلى شر من هذا، لا يمكن أن يعقد الأمل بقوم ينتهون من الضعف إلى مثل هذا، لا يمكن أن ينتظر الخير من قوم يلقون الشر بمثل هذا.
لا يمكن أن يرجى الصلاح عند قوم يطمئنون إلى الفساد مثل هذا الاطمئنان، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، والذين صبروا لهذا الظلم ثلاثة أعوام، مؤمنون بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، ونحن نؤمن معهم أصدق الإيمان بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، وبأنه سيرد عليهم حقهم، ولكن لا على أيدي الأزهريين، بل على أيدي قوم آخرين.
طه حسين
الوادي، ١٧/ ٩/ ١٩٣٤.