Tag: moral corruption

  • محنة الشباب

    محنة الشباب
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٦ ديسمبر ١٩٤٧

    هي محنة خطيرة إلى أقصى غايات الخطورة، نستطيع أن نتحدث عنها فنكثر الحديث، وأن نفكر فيها فنطيل التفكير، دون أن نصوِّر آثارها المنكرة في الحياة كما ينبغي أن نصوِّرها، فإذا أردنا أن نَصِف لها الدواء وأن نَرُدَّ شرها عن مصر، فقد نحتاج إلى أشياء أخرى أبعد أثرًا من الكلام الكثير والتفكير الطويل، والحزن الذي يمزق القلوب ألمًا، ويفرق النفوس أسفًا وجزعًا! فهي لا تمس مصر في أموالها كما تمسها الأزمات الاقتصادية حين تجتاح الأموال، ولا تمس مصر في نفوس أبنائها كما تمسها أزمات الوباء حين تزهق النفوس وتضرب أطناب الموت في كل مكان، وإنما تمس مصر في قلوب أبنائها وعقولهم، وفي نفوسهم وضمائرهم، وفي شعورهم وعواطفهم؛ لأنها تجتاح أخلاقهم اجتياحًا، وتفسد طبائعهم إفسادًا.

    وأخلاق الأمم أعز عليها من الأموال التي تُجتَاح؛ لأن مال الله غادٍ ورائح، يصبح الإنسان غنيًّا ويمسي فقيرًا كما كان القدماء يقولون … فإذا أضاعت مصر بعض أموالها اليوم — وليس من المصلحة أن نضيعها — فقد تستطيع غدًا تكسب مكانها أموالًا أخرى، وأخلاق الشعوب أعز عليها من النفوس التي تُزهق والدماء التي تُراق، فما دامت في الأمم حياة فالأجيال تخلق الأجيال، والأحياء يعزون عن الأموات، والموت ملم بالشعوب كلها في كل يوم من أيام الأسبوع، وفي كل ساعة من ساعات اليوم يكثر الموتى حين يلم الوباء، أو حين تلم الحرب، ويقلُّون حين ينجلي الوباء، وحين تضع الحرب أوزارها، وتجد الأمم بعد ذلك من حياتها وقوتها وأملها ما يعزيها عما فقدت من المال، ومَنْ فقدت من الناس، ولكنها لا تستطيع أن تجد ما يعزيها عن الأخلاق إذا فسدت، ولا عن القلوب إذا أشعرت خيانة وغدرًا، وامتلأت كيدًا ومكرًا، وشاع فيها الرياء والنفاق … وهذا بالضبط هو الذي يُمتحَن به شبابنا البائسون في هذه الأيام الشداد السود!

    وربما كان في حياتنا المعاصرة ما هو شر من هذه المحنة وأعظم منها نكرًا، وهو أننا نرى المحنة ونصبر عليها، وأننا نرى المحنة ونطمئن إليها، وأننا نرى المحنة ونعنيها على أن تزداد انتشارًا، وتأكل قلوب الشباب وضمائرهم كما تأكل النار الحطب!

    كان يُقال لنا إن أجيال الكبار قدوة لأجيال الصغار، إن الأجيال الناشئة لا تتأثر بشيء كما تتأثر بالقدوة الصالحة والأسوة الحسنة، ولا تفسد لشيء كما تفسد للقدوة السيئة والأسوة القبيحة. وكان يقال لنا إن الأساتذة يعلمون تلاميذهم بما يعرضون عليهم من سيرتهم أكثر مما يعلمونهم بما يلقون عليهم من ضروب العلم. وكان يقال لنا إن الذين يعظون الناس ويؤدبونهم خليقون أن يعظوهم بالسيرة والقدوة، أكثر مما يعظونهم بالخطب المطولة والألفاظ المنمقة، والكلام الذي يصل إلى الآذان ولكنه لا يتجاوزها إلى القلوب.

    كان هذا كله يقال لنا، وما زال هذا كله يقال لنا، ولكن أرجو من كل قارئ أن يتحدث إلى نفسه إذا خلا إليها، وأن يتحدث إلى الشباب المتعلمين إذا خلا إليهم عن هذه المُثُل الصالحة التي تعرض أمام الأجيال الناشئة ليعجبوا بها وليحبوها، ثم ليرغبوا فيها وليطلبوها؛ فأنا واثق بأن الحديث سيملأ قلبه روعًا وجزعًا، وحزنًا وهلعًا!

    فالجيل الناشئ ينظر فلا يرى قدوة صالحة، ولا أسوة صالحة، ولا مثلًا تثير في القلوب حبًّا وإعجابًا، وتدفع النفوس إلى السمو والطموح، وإنما يرى نقائض هذه الأشياء كلها، ويراها بشعة كأشنع ما تكون البشاعة، منكرة كأقبح ما يكون النكر!

    واسمع إلى الشباب وهم يتحدثون حين يخلو بعضهم إلى بعض عما يأخذون به أساتذتهم ومعلميهم من ألوان النقد وضروب العيب، وفنون السخرية والاستهزاء، وقد كدت أُمْلي فنون الانتقاص والازدراء.

    فقد كنا نعبث بأساتذتنا حين كنا صغارًا، وقد كان التلاميذ يعبثون بنا حين كنا أساتذة، ولكن هذا العبث لم يكن يتجاوز بعض المظاهر التي تثير الابتسام وتغري بالضحك أحيانًا، فأما الآن فاستمع للطلاب وهم يذكرون أساتذتهم حين يختصمون ويتنافسون، وحين يسعى بعضهم بعض إلى الرؤساء، وحين يكيد بعضهم لبعض عند السلطان، وحين يلقى بعضهم بعضًا بوجوه هاشة باشة، وثغور باسمة، وألفاظ عذبة، وتحيات حارة، ثم لا يكادون يفترقون حتى يقول بعضهم في بعض شر ما يقول الناس في الناس، لا يستترون بذلك ولا يتحفظون فيه، ولا يتحرجون من أن يقولوا ذلك أمام الطلاب والتلاميذ أو من أن يقولوا ذلك للطلاب والتلاميذ!

    فهؤلاء الطلاب والتلاميذ بين اثنتين: إما أن يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم وإذا هم يسيرون سيرتهم ويذهبون مذهبهم في الحياة، وإما ألا يعجبهم ذلك من أساتذتهم ومعلميهم، وإذا هم يلتمسون مُثُلَهم العليا عند غيرهم من الناس، أو لا يلتمسونها عند أحد! وهم على كل حال لا يؤمنون بأساتذتهم ولا يحفلون بما يرون منهم إذا عملوا، وما يسمعون منهم إذا قالوا!

    وإذا فَقَدَ الطلاب والتلاميذ الثقةَ بالأساتذة والمعلمين فلا تنتظر منهم خيرًا لا في سِيرَتهم حين يسيرون، ولا في تعلمهم حين يتعلمون! لا تنتظر خيرًا من قلوبهم ولا من عقولهم، فإن ثقة الشباب بالشيوخ هي الأساس الأول والأخير لاستقامة حياة الأمم والشعوب!

    وقد قلت إننا نُمتَحن بشرٍّ من هذا الفساد العظيم، وهو أننا نراه ونغضي عنه، بل نراه ونمعن فيه؛ فالأساتذة والمعلمون يعرفون ذلك من أنفسهم، ومن طلابهم، ومن تلاميذهم، ثم لا يغيرونه ولا يحاولون له تغييرًا … والآباء يسمعون ذلك من أبنائهم فلا يزيدون على أن يحوقلوا ويُصبِّروا أنفسهم على المكروه … والسلطان يعرف ذلك فلا يحاول له تغييرًا، وإنما يُعِين عليه ويرغب فيه … والشر كله يأتي من السياسة التي تقيم أمور الحكم على الترغيب والترهيب، وجعل المناصب والدرجات والترقيات والعلاوات مِنَحًا تُهدى إلى الذين يحسنون نصر الحكومات والتقرب منها، والتوسل إليها بما لا يلائم طهارة القلوب ونقاء الضمائر وتنزه الأخلاق عن الدنيات. وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ للعلم والمتعلمين، ولكنه لا يأمن على علمه وتلاميذه إلا إذا رضي عنه السلطان، بل هو لا يأمن على عيشه إلا إذا رضي عنه السلطان؟!

    وما الذي تطلب إلى رجل من حقه أن يفرغ لعلمه وتلاميذه، ولكن من حقه كذلك أن يُوسِّع على نفسه وعلى أهله وعياله في الرزق، وليس له إلى ذلك سبيل إلا أن يرضى عنه السلطان، والسلطان لا يرضى إلا إذا سلك هذه الطريق لا تلك، وأظهر هذا الرأي لا ذاك، ومال إلى ذلك الحزب، لا إلى ذلك الحزب، ومالأ هذا الفريق لا ذلك الفريق؟!

    وإذا شُغِل الأساتذة والمعلمون بإرضاء السلطان وابتغاء الوسيلة إليه والزلفى عنده، فهناك التنافس والتزاحم، وهناك السعاية والكيد، وهناك الرياء والنفاق، وهناك إذلال النفوس وخفض الرءوس … ومن وراء هذا كله، أو من أمام هذا كله، شباب يقولون ويسمعون، ويتحدثون ويفكرون، ثم ينكرون أساتذتهم ومعلميهم، وينكرون أنفسهم بعد ذلك، ثم ينتهون إلى الشك في كل شيء، والاستخفاف بكل شيء، والانقياد لكل شيء، والانتقاض على كل شيء!

    ما أجدر الذين يُعنَون بتسجيل الظواهر الاجتماعية في حياتنا البائسة المنحلة أن يتلطفوا للشباب ليسمعوا آراءهم في أساتذتهم ومعلميهم، وفي قادتهم ومؤدبيهم، بل وفي آبائهم أيضًا! … إذن يستبين لهؤلاء الذين يسجلون الظواهر الاجتماعية أن الشباب المصريين يخضعون في هذه الأيام السود لمحنة منكرة قاسية، يجب أن تُرفَع عنهم إن كنا نريد لهذا البلد المنكوب خيرًا …

  • أخلاق

    حديث الوادي
    أخلاق . . .
    هي أخلاقنا السياسة، فقد يظهر أنها انتهت من الفساد إلى حد يستحيي منه المصري الذي يكبر نفسه وأمته بعض الإكبار، يستحيي منها حتى ليكره أن يتحدث في السياسة المصرية إلى الأجانب، أو أن يتحدث إليه الأجانب فيها.
    نعم، وانتهت إلى حد من الفساد يخشى منه الخطر المحقق على مستقبل البلاد، وثباتها أمام المصاعب التي تتكشف عنها الأيام من حين إلى حين، لكل بلد من بلاد الأرض، ولكل جيل من أجيال الناس. ولسنا في حاجة إلى أن نتتبع مواقف الأفراد، موظفين أو غير موظفين، من المسائل السياسية، والمنافع العامة، ولا أن نبعد في البحث حتى نتجاوز المسائل التي يتحدث الناس بها، وتشغل المصريين في هذه الأيام. وإنما نحن قادرون على أن ننظر في هذه المسائل التي تمسنا أحاديثها إذا أصبحنا أو أمسينا، فسترى أنها مظهر لفساد في أخلاقنا السياسية عظيم.
    لا تذكر مسألة الكورنيش، وما تكشفت عنه من المخزيات التي حوكم من أجلها من حوكم، ويحاكم من أجلها من يحاكم، ولا نذكر موقف صدقي باشا من هذه المخزيات التي تثار حوله، ثم لا يسأل عنها، ولا نذكر إلحاح صدقي باشا في طلب المحاكمة وحرصه على ألا تتم، ورغبة الوزارة في أن يفتضح من أمر صدقي باشا ما خفي، وحرصها مع ذلك على ألا تحاكمه، ولا تضيق عليه الخناق، ولا تقطع السبيل دون سفره إلى أوربا ليريح ويستريح. لا نذكر هذا كله، فهو يدل من غير شك، على فساد أخلاقنا السياسية، ولكنه على قرب العهد به، وعلى أن ذيوله ما زالت ممتدة لم تقطع بعد، قد أصبح من التاريخ القديم، وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر الاستبدالات، وإن كان التحقيق ما يزال متصلًا فيه. وأصبح من التاريخ القديم كذلك أمر المحاكم المختلطة، هذا الذي أقدمت فيه الوزارة وهي محجمة وأظهرت فيه الوزارة حزمًا وعزمًا، وهي تضمر فزعًا وترددًا وإشفاقًا، وانتهت فيه بعد هذا كله إلى التسليم والإذعان.
    كل هذا أصبح تاريخًا قديمًا، أو كالتاريخ القديم، فلا نذكره الآن، ولا نقف عنده، ولا نذكر كذلك تأييد النواب والشيوخ لصدقي باشا ما أقام في الحكم، واضطراب النواب والشيوخ بين صدقي باشا، بعد أن نزل عن الحكم، وانقلاب النواب والشيوخ على صدقي باشا، بعد أن استيأس من العودة إلى الحكم. فهذا أيضًا قد أصبح تاريخًا قديمًا أو كالتاريخ القديم. ولكن اذكر هذه القصة الصبرية المخزية المروعة التي يستحيي المصري منها، ويود لو تبتلعه الأرض حين يتحدث إليه الأجنبي فيها. أذكر قصة هذا الوزير، الذي أقام في الحكم ثمانية أشهر، لا يفكر فيما تأخر من الضرائب، ولا يسأل نفسه كيف تأخر، ولا يحاول أن يعرف لماذا تأخر، ولا يحاول أن يتبين عند من تأخر؟ ثم يبدو له فجأة أن يعنى بهذا كله ويستكشف الخفي من هذا كله، فإذا منشور يكتب سرًّا، ويذاع في المديرين والمأمورين والعمد من وراء ستار. ومع ذلك فقد كان أمر هذه الضرائب المتأخرة، واضحًا غير غامض ومعروفًا غير مجهول. وقد سبقت النذر إلى الوزير بأن قومًا يلتوون بالضرائب، ويتلكأون في أدائها، فلم يُبدِ لهم هذا الوزير صفحة، ولم يكشف لهم قناعًا، حتى كانت هذه الأيام، فإذا الصفحة تبدو، وإذا القناع يكشف، وإذا الوزير مقدام لا يتردد في أن يقف من هؤلاء الملتوين بالضرائب، موقف الغريم الملح من المدين المقصر.
    ثم لا تقف عند الوزير وحده، فأمر الوزير يسير، وتفسيره سهل، فالوزير صاحب سياسة والسياسة تتأثر بالظروف، تلين حين تريد لها الظروف أن تلين، وتشتد حين تريد لها الظروف أن تشتد. ولكن قف عند هؤلاء النواب، الذين نيفوا على الثلاثين، والذين يطالبون الوزير بأن يعتذر إليهم من هذا المنشور أو يستقيل. والذين لا يترددون في أن يكتبوا بذلك إلى رئيس مجلس النواب. ويتحدثوا عن ذلك في الصحف، كأنه أمر عادي طبيعي، مما يقع فيه الخلاف كل يوم بين النواب والوزراء. مع أنه أمر من أشد الأمور خطرًا على الحياة السياسية والخلقية جميعًا. هو خطر على الحياة السياسية، لأنه إكراه للوزراء على أن يهملوا القانون ويخالفوه، وعلى أن يطرحوا العدل ويزدروه، على أن يتخذوا المساواة لعبًا، والإنصاف هزءًا، ويكيلوا للمصريين بكيلين، على حين يجب أن يكيلوا لهم بكيل واحد. نعم، وهو خطر على الحياة السياسية، لأنه يلقي في روع المصريين، أن النواب، والوزراء، ليسوا لهم خدامًا، وإنما هم ساداتهم، ومواليهم، يجب أن يمتازوا منهم، ويعلوا عليهم، فمن حاول أن يحقق بينهم المساواة، ناله اللوم والعقاب. وهو بعد هذا كله خطر على الأخلاق وأي خطر على الأخلاق يعدل الاستهانة بالحق، ولوم الوزراء لأنهم أرادوا أن يعدلوا، وأن يردوا على الدولة أموالها، وإنذار الوزراء بالاستقالة، أو الإقالة، لا لشيء، إلا لأنهم أرادوا أن يكون النواب والأغنياء كغيرهم من أبناء الشعب، الذين يختلفون إلى البرلمان، ولا يستمتعون بالثروة والجاه.
    هذا كثير، وأكثر منه أن يقره الناس، وأن يحتمله البرلمان، وأن يصبر عليه الوزراء، وأن تستبيح الصحف نشره، والجدال فيه. فكل هذا يدل على أن الحق والعدل والمساواة، قد أصبحت أمورًا قابلة للبحث والجدال، واختلاف الرأي، وتباين النظر، وقد يكون هذا ممكنًا بين الفلاسفة، ولكنه شر كل الشر، حين ينتشر بين الجماهير، لأنه يهدم كل نظام من أساسه، ولأنه يعرض حياة الناس للفوضى التي لا تشبهها فوضى، والفساد الذي لا يدانيه فساد.
    لا بد من أن يسحب شيء هذا المساء فيما يقول الناس، وتتحدث الصحف. فإما أن يسحب وزير المالية منشوره ويعتذر منه ليبقى في منصبه، وإذن فسيعلن في مصر أن العدل إثم يعاقب عليه، وأن الحق ذنب يعتذر منه، وأن المحاباة من أساس الصلات بين الناس. وإما أن يسحب النواب كتابهم، الذي أعذروا فيه وأنذروا وهددوا فيه وخوفوا، وإذن فسيعلن في مصر، أن الحق والعدل والمساواة، مضطربة في مصر، تحتاج إلى دعائم تعتمد عليها لتستقر، وإلى جهاد تعتز به لتنبت في الأرض. وكلا الأمرين شر ليس مثله شر.
    وكل هذا الخلاف يدور حول مقدار ضخم من المال تأخر للدولة عند فريق من المصريين، فهم يكرهون أن يسألوا عنه، وهم يشفقون من أن يطالبوا به.
    أفلو كان هذا المال يلزم هؤلاء المصريين لمصرف من المصارف، أو لفرد من الأفراد، أكانوا يعاقبون، أو يهيئون العقاب لمن يسألهم عنه أو يطالبهم به؟ أكانوا يقاضون المصرف لأنه يطالبهم بأداء الدين؟ أكانوا يقاضون الفرد لأنه يطالبهم برد الحق؟ كلا، ولكن هذا المقدار حق من حقوق الدولة وحقوق الدولة، فيما يظهر، أيسر عند بعض الناس من حقوق الأفراد. وهذا هو الخطر، وهذا هو الشر، لأنه يدل على أن خلقنا السياسي الاجتماعي قد وصل إلى حد من الانحلال مخيف، فلتنظر الوزارة، ولينظر النواب، كيف يدفعون هذا الشر؟ ويحتاطون لهذا الخطر؟ وأكبر الظن، أن ليس إلى هذا من سبيل، إلا أن تتبدل الحال غير الحال، ويستريح قوم قد تعبوا من حمل أثقال الدولة، ويتقدم لحمل هذه الأثقال قوم آخرون، ليس فيهم من يؤثر نفسه بالخير، أو يقدم حقوق الأفراد على حقوق الأمة، أو ينذر الوزراء بالعزل، لأنهم فكروا في تحقيق العدل والمساواة.
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

  • أيهما الأثيم؟

    أيهما الأثيم؟
    طه حسين
    جريدة مصر الفتاة
    ١٩ أكتوبر ١٩٠٩

    فصل (١): بين العبرات والزَّفرات
    يقضي ساعات الليل ومُعظم النهار بين قلب يجف، ودمع يكف، وجسم يرتجف، شهيق وحريق زفير، وسعير وجيب، ولهيب عين ساهرة، وهموم ثائرة، ونفس حائرة، بين ماضٍ مؤلم ومُستقبل مُظلم، صَامِتًا إلَّا من كلمات مُتفرقات يَسْبِقْنَ إلى قلبي فيُثرنَ كمينه، ويُهجن دفينه، يتلجلج بهن لسان لا يكاد يقوى على النطق … أواه! ويلاه! ليتني! لكنني …

    على أنه منذ أيام قد كان يستطيع أن يخرج إلى ظاهر القاهرة، أو شاطئ النيل فيُسرِّي همَّه، ويُسلِّي حُزنه، أمَّا الآن فقد لزم الفراش؛ فما يستطيع الحركة ولا يقوى على النهوض.

    وأصبح مثل النَّسْر طارت فراخهإذا رام تطيارًا يقال له: قع
    رحماك اللهم بهذا الشاب! ماذا جنى؟ وما عسى أن يكون ذنبه؟ إنه لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، ولم يحمل من أعباء الحياة ما يكل متنه، أو يثقل كاهله. لم يشفَّه عشق ولم يستخفه غرام، لم يشك علة بعينها على أنه قد أعيا الأطباء.

    رحماك اللهم! إنه يعول أبوين وأخوين، فمن لهم إذا اختطفته المنية من بينهم بعد حين، رحماك اللهم! أيذوي هذا الغصن اللدن، وتذبل هذه الزهرة الناضرة، ويستأثر القبر بهذا السيد، وتضم الأرض هذا الشخص الكريم، بعد أن كان مثال الكمال في الخَلْق والخُلُق؟ كان بديع الصورة، جميل الطلعة، وضيء المنظر، حسن المخبر، طاهر النفس، طيب السيرة، لا يعرف الشر ولا يميل إليه؛ اللهم إلا زلة هي أصل نكبته، ومصدر محنته، ذلة إلا تكن صغيرة فقد كانت حداثة سنه فيها خير شفيع.

    ذنب إلا يكن مغفورًا فإنه لم يرغب فيه ولم يأته طائعًا، جناية إنْ تكن فظيعة؛ فإنما جناها عليه حسنه وخبث النساء. يا لله وللمُحدثين! عقول ناشئة، ونفوس ضعيفة إلى خفة الروح، وجمال الطلعة، وتهافت الباغيات عليهم، وتغافل الآباء عنهم، فماذا يصنعون؟ يسأل القارئ عن هذا الشاب الذي صفت نفسه من الدنس، وطهرتْ من كواذب الأخلاق: كيف يعثر أو يذل؟ ولكنه إذا التفت إلى أنَّ قوة من الشرِّ تكمُن في كل نفس مهما كانت خيرة، وتُهِيجها المُؤثرات الخارجية إذا لم يتغلب عليهن حب الخير، بلغ من الشاب عُذرًا، وسأل عن هذه المؤثرات، وأنا بالإنابة له عنهن زعيم.

    فصل (٢): الفجور بعد العفة
    نَشَأ هذا الفتى في قرى الرِّيف نشأة الفُقراء، ولم يخطر لأبيه الجاهل أنْ يذهب به إلى مكتب أو مدرسة ليثقف عقله؛ فكان كأترابه لا يعرف له حقًّا أكثر من أنْ يملأ بطنه طعامًا، وجفنيه نومًا، ولا يشعر عليه بواجب أكثرَ مِنْ أنْ يغدُو بالثاغية إلى حقل أبيه، ثم يروح بها بعد ذلك إلى الرَّبض، فلمَّا راهق لم يرقه هذا الشظف، ولم تُوافقه هذه الخُشونة، فشخص إلى القاهرة، واتصل فيها بخدمة كبيرٍ تبناه وأكرم مثواه، وأباح بعد الابتلاء حجاب حُرَمِهِ؛ فكان يدخل ويخرج وكأنه قسيم أهل القصر في عيشهم، ولم يكن ذلك الإكرام ليُبطره أو ليميل به إلى الكسل؛ فقد كان يقوم بالخِدْمَة خير قيامٍ قادح العزيمة مؤتنف النَّشاط.

    ولم يخطر له يَومًا ما أنَّ عينًا في القصر تنظر إليه، ولكن نظرًا غير الذي يعلمه، لم يخطر له أنَّ قلبًا في القصر يعطف عليه، ولكن عطفًا غير الذي يَعهدُه، بل لم يخطر له أنَّ نفسًا في القصر تَكلَفُ به يقظة، وتحلمُ به نائمة، بل لولا الحياء لقُلتُ: لم يخطر له أن سيدة القصر تهواه.

    لم يشعر بكل ذلك؛ لأنَّه خادِمٌ لنْ يُفكر في أنْ يَسمو إلى هذه المنزلة، فكان لا يَمضِي هزيعٌ من الليل إلا وهو على سريره مُستغرقًا في نوم لذيذ، على أنه لو عرف شيئًا من ذلك لأنكره كل الإنكار؛ لأنَّه أعلم الناس بمكان السيدة من السيد، ولأنَّه يحفظ للرجل حسن صنيعه معه، وثقته به، وائتمانه إياه، ولكنْ للشرِّ تأثيرًا في النفس أسْرَع من تأثير الخير، وللنفس تأثر بالشر على بُغضها إياه أكثر من تأثرها بالخير على حُبِّها له، فلم تلبث أنْ بدرت للفتى من سيدته بادِرَة فعبثت بقلبه دواعي الفجور، وما هي إلا أن اتصلت الأسباب وتوثقت العرى.

    وكان ما كان مما سوف أذكرهفظُنَّ شرًّا وقِفْ مني على الخبر
    في ذات ليلة لبثَ الفتى في خدمة مولاه كعادته حتى فرغ من طعامه وشرابه، وركب إلى حيث يقضي الليل، وكان من الذين لا يألفون البيت إلا نهارًا؛ فبينا الفتى راجعٌ إلى حيث يطعم اعترضته جارية تقول همسًا: أجبْ مولاتك؛ فإنها تدعوك. ولمَّا وقف بين يديها سألته مُبتسمة: هل طعم مولاك؟ أجاب: نعم وخرَج، قالت: فأنت إذن تُريد أنْ تأكل؟ أجاب: إذا لم تكن لمولاتي إلي حاجة، قالت: لتجلس على المائدة كعادتك، ولكن في غير طعام؛ لأنَّك ستأكل معي الليلة بعد ساعتين.

    وهنا أظهر الفتى بعض الحيرة، وتغافلت عنه السيدة، فخرج بين الجذل والوجل. وبعد حين، دُعي إلى سيدته، فلما رأته قالت مُبتسمة: قد مضى أكثر من ساعتين، أجاب: نعم، قالت: فلماذا لم تأتِ؟ فهمَّ بالجواب ولكنَّ الحياء عقل لِسَانه، وإذ ذاك خفَّت إليه فأخذته بذراعه وأجلسته بجانبها إلى المائدة، ولم ينصرف عنها إلا مُنصرف الليل.

    وعلى هذه الحال استَمَرَّ أشهرًا إلى أنْ كانت تلك الليلة التي لم ير الفاجران أحسن منها، كما أنهما لم يريا أشأم منها: جلسا في هناء يتنازعان أكؤسه، وإذا بالزَّوج قد توسط الغُرْفَة، ووقفت امرأته بين يديه، فلما رأى ذلك ولى مُدبرًا وتبعه الرَّجل عدوًا بمُدْيَةٍ صَادَفها؛ فلما استيقن أنَّ الفتى سابقه لا محالة رماه بالمُدية؛ فغارت في فخذه، ومضى الفتى في سبيله حتى بلغ مأمنه؛ فسقط إلى الأرض مغشيًا عليه.

    أما الرَّجل فرَجع إلى زوجه؛ فإذا هي واقفة وقد اكتست ثوبًا من الرزانة، وظهرت على وجهها أمارة الغيظ، فما كاد يُكلمها حتى أوجعته تأنيبًا وتعنيفًا تقول: الآن دأبُك هتك الأعراض، تتهم الناس بهتك عرضك، ألم يكفك صبري على غلوك في الفجور، وتماديك في الغواية حتى جئت تتهمني في خادم؟ و«رأس أبي» ما دعوته إلا ليكون مُؤنسي ريثما تأذن لك صاحبتُك الباغية بالمجيء.

    أمَا وَقَدْ بَلَغَ سوء ظنك بي هذا المبلغ، فلأذهبن إلى بيت أبي مذ الغد. وبهذا الكلام استطاعتْ أنْ تُطْفِئ غَيْرَته؛ فكَأنما صبتْ عليه جرة من الماء البارد؛ فجلس يعبث بشاربه ويقول: وأنت ممَّ تغضبين؟ إنَّ هذا عرَضٌ من الغيرة يعرض لكل إنسان إذا رأى عند امرأته شخصًا، ومعاذ الله أن أتهمك بسوء! ولكني شنئت هذا الخادم، ولا أُحِبُّ أن يبقى في القصر بعد الليلة.

    قالت: شأنكَ به، ولكن ثقْ بأنك قد تجنيت على بريء، وثأرتَ من غير واترٍ إن كانت مُديتُك قد أصابته بسوء، قال: إني قد رميته بالمدية فأصابت فخذه، وما أظنها إلا مستوية، على أنه من الميسور أن يُداوَى في غير هذا القصر، ويُرشى بشيء من المال فينقطع لسانه عنا.

    وبعد حين، أفاق الفتى من غشيته؛ فإذا هو في غرفة لا عهد له بها، وإذا الطبيب إلى جانبه يُدني من أنفه النشادر، فسأله: ما اسمك؟ أجابه: فلان، قال: ومن جنى عليك هذه الجناية؟ أجابه: أنا. فقهقه الطبيب وأخذ في عمله، ولما فرغ منه انصرف، ودخلت على الفتى امرأة قد نضت ثوب الخمسين، فأبلغته سلام السيدة وجلست إليه تُسليه.

    وعلى هذه الحال بقي أيامًا، وما هي إلَّا أنْ التأمَ جرحه، واستأنف قوته، وجاءه رسول السيدة ومعه كسوة من فاخر اللباس، وقبضة من الدنانير: أنْ انتظرني، أيها الحبيب، بموضع كذا في الجزيرة. وفي المساء كانا في عربة واحدة؛ فأفضى بعضهما إلى بعض، وأصبح الفتى أحسن الناس حظًّا يأخذ أجره مُضاعفًا، ويأتيه رزقه رغدًا في كل يوم، ويلقى السيدة في كل مساء. وعلى هذا النظام الجديد أتركهما الآن.