بين بين …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٦ يناير ١٩٤٦
كان العالم خائفًا أشدَّ الخوف حين أخفق اجتماع لندرة في الخريف، ثم أمن العالم بعض الأمن حين نجح اجتماع موسكو في أول الشتاء، ثم عاد العالم إلى قلقه أو عاد القلق إلى العالم، ولمَّا يمضِ على اجتماع موسكو إلا أيام.
ومعنى هذا كله أن العالم مضطرب بين الخوف والأمن، وبين اليأس والرجاء، وأن هذا الاضطراب طبيعة مقومة للحياة الدولية، بل للحياة الإنسانية كلها؛ حتى تستقر الأمور في يوم من الأيام، إن قُدِّر للأمور أن تستقر بعد هذه الحرب الهائلة.
وليس كثيرًا أن يظل العالم قلقًا مضطربًا عامًا أو عامين بعد حرب منكرة اتصلت ستة أعوام. وأظن أن العالم يستطيع أن يحمد الله على السلامة إن ظفر باستقرار الأمور فيه بعد عام أو عامين من انقضاء هذه الحرب الثانية التي زلزلت حياة الناس كلهم زلزالًا شديدًا في السياسة والاقتصاد والنظم الاجتماعية، بل في تقديرهم للأشياء وحكمهم عليها.
وليس المهم هو أن نعرف أن الوقت الذي سينفقه العالم في هذا الاضطراب سيكون طويلًا أو قصيرًا، وإنما المهم هو أن نتبيَّن الأسباب والعلل التي تدعو إلى هذا الاضطراب، وأن نتثبت بعد ذلك — إن أمكن التثبت من شيء في هذه الحياة — من أن العالم لن يُدفع إلى حرب ثالثة قبل أن يُتاح له من الراحة حظٌّ معقول.
وقد كان معروفًا أن أهم الأسباب الظاهرة لإخفاق وزراء الخارجية حين اجتمعوا في لندرة حرص الروسيين على الاستمساك بقرارات القرم وبوتسدام، وهي التي تقضي بأن يستأثر المنتصرون بكل شيء، وأن تكون فرنسا والصين في المنزلة الثانية بعد هؤلاء المنتصرين، تشاركان في بعض الأمر، وتردَّان عن بعضه الآخر، وأن ترتب الدول بعد ذلك درجات ومنازل بعضها فوق بعض.
وقد حاول البريطانيون والأمريكيون أن يشركوا فرنسا والصين في ظواهر الأمر كله؛ ليستعينوا بهما على التخفيف من حدة النفوذ الروسي العظيم، ولكنهم لم يظفروا من ذلك بشيء؛ فتفرق المؤتمرون دون أن يصنعوا شيئًا، وجعل بعضهم يكيد لبعض جهرة حينًا وخفية أحيانًا أخرى. ثم تبيَّن لهم أن الأمور لا تستطيع أن تمضي، ولا أن تستقيم على هذا النحو من الخلاف والكيد، فاضطروا إلى أن يستأنفوا الاجتماع في موسكو دون أن تشهد فرنسا والصين هذا الاجتماع. لعلهم أن يصلوا — حين يخلو بعضهم إلى بعض — إلى اتفاق كامل أو منقوص. وقد اجتمعوا، وتناقشوا، واتفقوا كما قال رئيس وزرائنا، ولكن على بعض الأمر دون بعضه الآخر.
وقد كان بسمارك فيما يُقال يشبِّه الدولة العثمانية بالخرشوف الذي لا يُؤكَل مرة واحدة، وإنما يُؤكَل ورقة ورقة. فقد يظهر أن المنتصرين قد عادوا إلى مذهب بسمارك، فشبَّهوا موضوع الخلاف بينهم بالخرشوف، وجعلوا يأكلونه ورقة ورقة، أو يحلونه شيئًا فشيئًا.
وليس من شك في أنهم — أثناء اجتماعهم في موسكو — قد أكلوا من هذا الخرشوف بعض أوراقه، وحلوا من أمورهم المعقدة بعض مشكلاتها؛ فتفاءلوا وابتهجوا، وشاركهم العالم في التفاؤل والابتهاج.
ومن المفيد أن تعرف أوراق الخرشوف التي أكلوها، وتتبين المشكلات التي حلُّوها أو أوشكوا أن يحلوها.
فالمشكلة الأولى بين هذه المشكلات هي المحافظة على قرارات القرم وبوتسدام، وقد حُلَّت هذه المشكلة أو كادت تُحَلُّ على نحو رائع حقًّا، انتصر فيه الروسيون انتصارًا شاملًا؛ فأُبْعِدَتِ الصين عن المشاركة في أمور أوروبا كلها، وأُبْعِدَتْ فرنسا عن المشاركة في شئون البلقان. وقد رضيت الصين بما قُسِمَ لها، وتردَّدَتْ فرنسا بين الرضا والسخط، ولكنها ستضطر آخر الأمر إلى أن ترضى، فقد ينبغي أن تملك من القوة والبأس ما يمكنها من تأييد سخطها بقوة السلاح، وما زال بينها وبين ذلك أمدٌ بعيدٌ.
وكذلك خلصت أوروبا للأوروبيين، وخلصت فنلندا للروسيين والبريطانيين من دون الأمريكيين، وخلصت بلاد البلقان للدول الثلاث الكبرى من دون فرنسا، وخلصت إيطاليا وألمانيا والنمسا للدول الثلاث الكبرى ومعها فرنسا.
وليس هذا بالشيء القليل، فقد ينبغي أن يدبر المنتصرون أمورهم في عقر دارهم كما يُقال، قبل أن يدبروها من وراء البحار. وليس قليلًا أن يتفق المنتصرون اتفاقًا ما على شئون أوروبا بعد أن كانوا لا يتفقون على شيء، فاجتماع موسكو قد أتاح لهم أن يخطوا خطوة قصيرة، ولكنها خطوة في سبيل الوفاق.
وهناك مشكلة ثانية أُتِيحَ لهم أن يحلوها أو يوفقوا إلى محاولة لها، وهي مشكلة اعتراف البريطانيين والأمريكيين بحكومات البلقان. فقد كانت هذه الحكومات خاضعة للنفوذ الروسي المطلق، وكان الحلفاء الغربيون يأبون الاعتراف بها؛ لأنها تخضع للنظام الشيوعي أكثر مما ينبغي. فقد أُتيح لهم الآن أن يجدوا مخرجًا من هذا الحرج، فقبل الروسيون أن تُمثَّل الأحزاب الديمقراطية المعتدلة في هذه الحكومات تمثيلًا ما وإن كان ضئيلًا كل الضآلة، وقبل الحلفاء الغربيون أن يعترفوا بهذه الحكومات بعد أن يتحقق هذا التمثيل، ثم أخذوا يعاونون روسيا بالفعل على تحقيقه.
وقد يجد المنتصرون هنا أو هناك عقبة تنغص عليهم هذا الاتفاق، فقد تستعصي فرنسا مثلًا، ولكنها ستلين آخر الأمر … وقد تستعصي الشعوب البلقانية الجامحة، ولكن الروسيين سيقنعونها بالمرونة إلى أن تستقر الأمور. وهناك مشكلة أخرى لم يجهر الحلفاء بأنهم قد حلوها، أو بأنهم يوشكون أن يحلوها، ولكن كل شيء يدل على أنهم يسعون في سبيل هذا الحل.
فهذه الدولة الفاشية التي تقوم في الطرف الغربي لأوروبا — على حين أن الدكتاتورية قد انهارت في كل مكان — لا ينبغي أن تُترَك متحدية للديمقراطية المنتصرة. والناس يعلمون أن ليست هناك صلات سياسية بين روسيا وإسبانيا، وأن الصلات السياسية قائمة بين الحلفاء الغربيين وحكومة الجنرال فرانكو، فلا بدَّ أن يزول التناقض بين المنتصرين.
وضرورات الحرب هي التي قضت على الحلفاء الغربيين بمصانعة الجنرال فرانكو ما دام محتفظًا بالحياد، وإن كان هذا الحياد مريبًا. فأمَّا وقد انقضت الحرب، وانتهت مناوراتها، وسيطرت الديمقراطية في كل مكان؛ فلا ينبغي أن يستمر هذا التحدي، ولا أقل من أن يقطع المنتصرون جميعًا علاقاتهم مع الجنرال فرانكو؛ لتضطر إسبانيا إلى أن تحيي النظام الديمقراطي في أرضها.
وبذلك تُنسَّق السياسة الأوروبية، وتتقارب فيها وجهات النظر، وتستطيع أوروبا المتضامنة على نحو ما أن تواجه المشكلات العالمية الأخرى، يقودها المنتصرون العظام إلى قهر المستضعفين الصغار. فالمنتصرون العظام كما ترى لم يتفقوا كل الاتفاق، ولم يختلفوا كل الاختلاف، ولكنهم بين بين!
وأوروبا — كما ترى — ليست آمنة كل الأمن، ولا خائفة كل الخوف … ليست يائسة كل اليأس، ولا آملة كل الأمل، ولكنها بين بين.
وقد استطاع المنتصرون العظام أن يحلوا مشكلات أخرى خارج أوروبا؛ لأن حلها كان شيئًا لا بد منه، وهم لم يحلوها حلًّا تامًّا، ولم يتركوها على ما كانت عليه من التعقيد، وإنما وصلوا إلى شيء بين بين. فقد أعادوا تنظيم الإشراف على اليابان بطريقة لا ترضي الروسيين كل الرضا، ولا تغضب الأمريكيين كل الغضب، ولكنها طريقة بين بين … تزيد من نفوذ الروسيين، وتحتفظ للجنرال ماك أرثر بسلطانه كاملًا.
وكادوا يوفقون بين المصالح الروسية والمصالح الأمريكية في الصين إلى أجل مسمى. وليس المهم هو أن تُحَلَّ المشكلات حلًّا حاسمًا، وإنما المهم هو أن يُؤخَذ في حلِّها، وأن يصل الحلفاء إلى موقف بين بين.
وهم قد وصلوا إلى اتفاق بشأن كوريا يجعلها مستقلة تشبه المستعمرة، ومستعمرة تشبه الدول المستقلة، ليست خالصة لنفسها من دون الناس، ولا خالصة لدولة أخرى من سائر المنتصرين، وإنما هي شيءٌ بين ذلك إلى أجل مسمى معلوم.
فإذا ابتهج وزير الخارجية الأمريكية، ورضي وزير الخارجية البريطانية، واستبشر وزير الخارجية الروسية؛ فمن حقِّهم جميعًا أن يبتهجوا، ويرضوا، ويستبشروا؛ لأنهم قد خرجوا من موقف الجمود والهمود الذي اضطروا إليه في الخريف إلى شيءٍ من الحركة والنشاط، قد دُفِعُوا إليه في الشتاء.
ولكن لم يكد وزير الخارجية الأمريكية يصل إلى واشنجطون، حتى تعرض لنقدٍ شديدٍ جدًّا. ولم يكن حظ زميله البريطاني خيرًا من حظه، فالرأي العام ساخط في أمريكا قلق في بريطانيا العظمى. وهذا أيضًا شيءٌ طبيعيٌّ لا غرابة فيه، فقد انتصرت روسيا في اجتماع موسكو إلى حد بعيد، وطبيعي أن يضيق بذلك المحافظون والمعتدلون في أمريكا وبريطانيا العظمى.
على أن اجتماع موسكو لم يستطع أن يحل مشكلتين أخريين حلًّا تامًّا أو مقاربًا، وهما مشكلتا إيران وتركيا. وفي إيران منابع البترول، وفي تركيا مفتاح البحر الأبيض المتوسط الشرقي، فلا غرابة في أن يتشاءم المحافظون والمعتدلون في أمريكا وفي غرب أوروبا. فأمَّا الإيرانيون والترك أنفسهم فأمرهم أهون من أن يُؤبَه له، وأيسر من أن يُلتفَت إليه … قد يضيق الإيرانيون بهذه المشكلات التي تأتيهم من تنافس المنتصرين حول وطنهم الذي يعيشون فيه، وثرائهم الذي يعيشون منه، ولكن هذا ليس شيئًا ذا خطر، فرضا الإيرانيين وسخطهم سواء، وإنما المهم هو أن يتفق المنتصرون على شئون إيران وإن لم تتفق معهم إيران على شئونها.
وكذلك الترك، قد يغضبون وقد يرضون، وقد يظهرون استعدادهم للحرب أو للسلم، ولكن المهم هو أن يتفق المنتصرون فيما بينهم.
ومن أجل هذا ظهرت في الجو العالمي فكرتان قيمتان كل القيمة؛ إحداهما: فكرة اللجنة الثلاثية التي تذهب إلى إيران لتحقق ثم تشير، لا على الإيرانيين بل على المنتصرين.
وقد أراد المستر بيفن أن يكون رفيقًا رشيقًا، وأن يفاوض حكومة إيران في إرسال هذه اللجنة إلى بلادها، ولكن يُقال إن الرفيق مولوتوف أبى حتى هذا الرفق، ولم يرضَ إلَّا أن يكون صريحًا. فشئون إيران تهم المنتصرين أكثر مما تهم الإيرانيين أنفسهم!
الفكرة الثانية: هي التي أخذت تظهر في اللحظات الأخيرة، وهي أن المفاوضات قد تحل الخلاف بين الروسيين والترك، وفي المفاوضات أخذ وعطاء، وواضح أن الروسيين لن يعطوا شيئًا، وأنهم لن يرضوا إلَّا إذا أخذوا شيئًا.
ومن الطبيعي أن هذه الفكرة إنما جاءت من المنتصرين، فمن يدري؟! لعل البريطانيين والأمريكيين أن يكونوا واسطة خير بين الترك والروس، فإنْ قَبِلَ الترك مشورتهم رَضِيَتْ روسيا، وقنعت تركيا بما كُتِبَ لها وبما كُتِبَ عليها، وإن رفض الترك هذه المشورة خُلِّيَ بينها وبين الرُّوس لتجرب حظها، ونتيجة التجربة معروفة لا شك فيها.
وقد تسأل عن شئون الشرق العربي، ما خطبها في كل هذه الأحاديث التي أُثِيرَتْ في موسكو، وما زالت تُثار في العواصم الكبرى الثلاث؟ والجواب عن هذا السؤال يسير جدًّا؛ فالشرق العربي آخر شيء يُفكَّر فيه، وإن كان المنتصرون لم ينسوه، ولا يمكن أن ينسوه؛ لأن فيه مصالح ومرافق ليس إلى نسيانها من سبيل.
Tag: Moscow conference
-
بين بين …
-
بعد الاتفاق …
بعد الاتفاق …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣٠ ديسمبر ١٩٤٥
يقال: إن المنتصرين قد استطاعوا — بعد الجهد — أن يتفقوا أو أن يقاربوا الاتفاق، ولم يكن من ذلك بد. فالذين تعاونوا على كسب الحرب، وجنوا ثمرات هذا التعاون، يجب أن يتعاونوا — ولو إلى حين — على تنظيم السلم. ضرورة لا منصرف عنها، فقد سئمت الشعوب الحرب، وأصبحت في حاجة إلى أن تستريح، وإلى أن تعوض ما خسرت وتصلح من أمرها ما أفسدت هذه الأعوام الثقال الطوال.
والحكومات لم تنشأ لتدفع الشعوب إلى الجهاد المتصل، والصراع الذي لا ينقضي. ولو قد أخفقت حكومات المنتصرين، ولم توفق إلى شيء من تقريب وجهات النظر؛ لخذلتها شعوبها، ولأقامت مكانها حكومات أخرى أكثر منها مرونة، وأقدر منها على التسامح وتيسير العسير من الأمر. وقد قدرت الحكومات هذا كله فأحسنت تقديره. تشددت حتى وصلت من التشدد إلى غايته، فلما استيقنت أن الحبل مقطوع إذا لم ترخِ منه شيئًا؛ لانت وآثرتِ العافية. وقد لاحظت في بعض هذه الأحاديث أن الرحلة إلى موسكو كانت في نفسها تمهيدًا لهذا الاتفاق، وفوزًا محققًا لروسيا. فالذين يتبعون شئون السياسة العالمية، يذكرون أن مؤتمر وزراء الخارجية إنما أخفق؛ لأن روسيا أبت إلَّا أن تستمسك بالقواعد التي وضعت في القرم وفي بوتسدام، وقوامها أن يستأثر المنتصرون العظام بالأمر كله، وأن يشركوا من الدول الأخرى من يشاءون فيما يشاءون من الأمر، وألَّا يقيدوا أنفسهم بما قد ينشأ عن اشتراك الدول الأخرى معهم من القيود.
فليس من الضروري مثلًا أن تشترك فرنسا والصين في معاهدات الصلح التي يراد فرضها على بلغاريا والمجر، وليس من الضروري أن تشترك الصين في معاهدة الصلح التي يراد فرضها على إيطاليا. وإنما يستأثر المنتصرون العظام بفرض ما يريدون من السلم على دول البلقان، ويشركون معهم فرنسا في فرض السلم على إيطاليا، ويشركون معهم الصين في فرض السلم على اليابان. وكان الإنجليز والأمريكيون يودُّون لو نهض الخمسة بكل هذه الأمور، فلما تشدد الرفيق مولوتوف؛ تفرق الخمسة ولم يصنعوا شيئًا. ثم امتلأت الأرض وعيدًا وتهديدًا، فكان حديث القنبلة الذرية، واستئثار السكسونيين بأسرارها، وكان التلويح بإلغاء حق الاعتراض، وكان التفكير في تكوين الكتلة الغربية. كان هذا كله من ناحية، وكان من الناحية الأخرى تنويه بأن لدى الروسيين ما يعدل القنبلة الذرية، ويزيد عليها وكان التشدد في تكوين كتلة الشرق، وكانت إثارة المشكلات في إيران وحول تركيا. وظنَّ الناس — أمام هذا كله — أن العالم مقدم على الحرب الثالثة، قبل أن يستريح من الحرب الثانية، ولكن العالم لم يقدم على الحرب؛ لأنه لا يستطيع الإقدام عليها، ولما يفرغ منها بعد.
وإذا كانت الرحلة إلى موسكو انتصارًا للسياسة الروسية، فقد يظهر أن الاتفاق في موسكو إنما هو انتصار آخر للسياسة الروسية أيضًا. فقد ظفر الرفيق مولوتوف بحقيقة ما أراد، وظفر السكسونيون بصورة ما كانوا يريدون. فأقصيت فرنسا عن وضع معاهدات البلقان، وأُقصيت الصين عن وضع معاهدة إيطاليا، واستأثر الثلاثة العظام بالأمر كله، على أن يعرضوا ما يضعون من المعاهدات على بعض الدول — دون بعض — في مؤتمر يعقد لإقرار الصلح.
وكذلك أخذ الرفيق مولوتوف كثيرًا، ولم يعطِ إلَّا قليلًا. والمهم هو أن المنتصرين قد اتفقوا — أو دنوا من الاتفاق — إن صحَّت الأخبار. فسيستقبل العالم أول العام الجديد في شيء من الهدوء والاطمئنان — وإن كان من المحقق أنه سيستقبل غدًا أو بعد غدٍ — خصومات أخرى تستأنف حول هذا الموضوع أو ذاك. فلا بدَّ للساسة من أن يعيشوا ومن أن يمارسوا مهنتهم، فيكون الاختصام اليوم والاتفاق غدًا، والحوار حول الخصام والوفاق، فهذه هي مادة السياسة العالمية بل هي المادة الطبيعية لكل سياسة.
على أن الاتفاق الذي تم في موسكو ليس من هوان الشأن وضآلة الخطر بحيث نستطيع أن نتحدث عنه كما نتحدث عن الأحداث الهينة، فقد يظهر أن عواقب هذا الاتفاق ستكون بعيدة الأثرة في حياة كثير من الشعوب؛ في حياة الشعوب الضعيفة أو المستضعفة. فما عسى أن يكون اتجاه السياسة في إيران، هل اتفق عليه المنتصرون، أم هل لا يزالون يختلفون فيه؟ وما عسى أن يكون اتجاه السياسة في المشكلات التي أُثيرت حول تركيا؟ ثم ما عسى أن يكون اتجاه السياسة في مشكلات الشرق الأقصى وفي مشكلات الشرق الأدنى؟ لقد حملت إلينا الأنباء فروضًا لا ترضي، ولا تشيع الاطمئنان في القلوب، ولعلها أن تكون مزعجة مخيفة. فقد يقال: إن الاتفاق قد تم على أن يقسم العالم إلى مناطق تستأثر بالنفوذ فيها هذه الدولة أو تلك من الدول الثلاث الكبرى. فلروسيا شرق أوروبا، ولبريطانيا غربها، ولأمريكا الشرق الأقصى، ولبريطانيا الشرق الأدنى. والمهم أن تنظم الأمور على نحو يرضي الأشكال والصور، أكثر مما يرضي الحقائق والجوهر. فلن تفقد الدول المستقلة استقلالها؛ لأن العالم يمضي إلى أمام لا إلى وراء، ولكنها ستتلقى المعونة على حماية هذا الاستقلال، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح السياسي نفسه. وستبذل هذه المعونة من مجلس الأمن الذي تنتخبه الأمم المتحدة كلها، وستكلف كل دولة من الدول الكبرى المنتصرة بذل هذه المعونة لهذه المنطقة أو تلك نيابةً عن مجلس الأمن. وكذلك يلقى في رُوع الناس أن العالم كله مستقل يدبر أمره بنفسه، ما دام مجلس الأمن الذي انتخبه العالم كله هو الذي سيدبر هذا الأمر بواسطة المندوبين الذين يَكِلُ إليهم هذا التدبير.
وما من شك في أن هذا نوع طريف من التفكير السياسي، لم يكن العالم يعرفه قبل الحرب الثانية الكبرى. إنما كان العالم يعرف الاستعمار والحماية والانتداب. كان يعرف الاستعمار السافر، والاستعمار المقنَّع. وكان قناع الاستعمار يسمى حماية حينًا، وانتدابًا حينًا آخر، وربما سُمي محالفة في بعض الأحيان. أمَّا الآن فسيعرف العالم استعمارًا سافرًا؛ لأن المنتصرين لن ينزلوا عن مستعمراتهم، ولن يهدوا إليها استقلالها. وسيعرف استعمارًا مقنَّعًا، ولكن اسم القناع قد يتغير، ويسمى وصاية بعد أن كان يسمى انتدابًا. وقد تتغير طبيعة الوصاية، فلا يعهد بها إلى دولة واحدة، كما كان يعهد بالانتداب إلى دولة واحدة، وإنما يعهد بها إلى غير دولة؛ ليتعاون المنتصرون على الرفق بالإنسان، وعلى ترقية الشعوب والسعي بها في طريق الاستقلال؛ لعلها تبلغه بعد وقت يقصر أو يطول. على أن هناك استعمارًا مقنعًا من نوع جديد حقًّا، فسيسمى قناعه تعاونًا دوليًّا. سيكون هذا الاستعمار المقنع، هذا الاستعمار التعاوني، أو هذا التعاون الاستعماري، سيكون هذا الاستعمار الجديد في المناطق التي تعيش فيها أمم مستقلة، ولكنها ضعيفة تحتاج إلى من يحميها، أو فقيرة تحتاج إلى من يغنيها، أو منحطة تحتاج إلى من يرقيها. ولم تستطع الدول المنتصرة — أو لم ترد — أن تلغي استقلالها، أو أن تتقسمها فيما بينها. تتفق هذه الدول المنتصرة على أن تبذل لهذه الأمم الضعيفة الفقيرة المتأخرة ما تحتاج إليه من قوة ومال ورقي. سيكون هذا بواسطة مجلس الأمن، وما ينشئه هذا المجلس من لجان، ستراعي كرامة هذه الأمم وعزتها الوطنية كل المراعاة، فلن تنفرد لجان مجلس الأمن بتنظيم المعونة التي تقدم إليها. ولكنَّ هذه الأمم ستشارك في تنظيم هذه المعونة، وستشارك في تنظيمها على قدم المساواة كما يقال، أو مشاركة الند للند كما يقال أيضًا. وأي غرابة في هذا من هذه الأمم أعضاء في جامعة الأمم المتحدة! فهي من هذه الناحية تجلس مع المنتصرين في مجلس واحد، وتستمتع بحظٍّ من المساواة. وهذه الأمم تشارك في انتخاب مجلس الأمن، أو في انتخاب بعض الأعضاء في مجلس الأمن، فليس عليها غضاضة إذا أعانها مجلس الأمن. ثم إن اللجان التي سيؤلفها مجلس الأمن لن تعمل وحدها، بل سيضم إليها أعضاء تختارهم هذه الأمم نفسها، فأي ديمقراطية خير من هذه الديمقراطية، وأي عدل أشمل من هذا العدل؟! وقد ضربت الأخبار مثلًا لهذا النوع الجديد من التعاون الدولي، وذكرت الشرق الأدنى، وصوَّرت لنا مجلس المعونة الذي قد يدبر أمره في مستقبل الأيام. فبلاد الشرق الأدنى مستقلة كلها إلَّا فلسطين، ولا يمكن إذن أن يتعرض استقلال هذه البلاد لخطر ما. ولكن الشرق الأدنى لا يستطيع أن يحمي نفسه؛ لأنه لا يملك القنبلة الذرية التي يملكها السكسونيون، ولا يملك القنبلة الأخرى التي يملكها الروسيون، فهو إذن لا يستطيع أن ينفرد بحماية نفسه. ومن حيث إن طرق المواصلات العالمية تمر به، فحمايته شيء أساسي لا بدَّ منه. ومن أجل ذلك سيقدم إليه مجلس الأمن ما يحتاج إليه من القوة؛ ليحمي نفسه أولًا، وليحمي الطرق العالمية ثانيًا. ولن يكون في هذا خطر على الاستقلال؛ لأن الخطر إنما يتحقق حين تنفرد دولة واحدة بالسيطرة، فأمَّا إذا وزعت هذه السيطرة أو ألغيت، وقام مجلس الأمن مقام الدولة الواحدة، فالاستقلال بمأمن من كل سوء.
كان العيب كل العيب في أن تستأثر بريطانيا العظمى وحدها بحماية جزء من الشرق الأدنى، وتستأثر فرنسا بحماية جزء آخر. فأمَّا الآن فلن يكون للشرق حامٍ واحد، أو حاميان اثنان، بل سيكون له حماة كثيرون، وسيكون هو نفسه بعض هؤلاء الحماة.
وفي بلاد الشرق الأدنى فقر يجب أن يُزال، وقد عجز الشرق الأدنى عن أن يزيل الفقر من بلاده، فيجب أن يعينه مجلس الأمن على إزالة الفقر. وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه سيكون ممثلًا في اللجان التي ستحارب الفقر فيه.
وفي الشرق الأدنى جهل يجب أن يطرده العلم، وقد عجز الشرق الأدنى إلى الآن عن تحرير نفسه من الجهل، فسيعان على هذا التحرير، وسيشارك فيه. وهو إذن سيحتفظ باستقلاله كاملًا موفورًا، وسيهدى إليه مع هذا الاستقلال ما يحتاج إليه من المعونة العسكرية والاقتصادية والثقافية؛ ليمضي في طريقه إلى الرقي. فإذا لم يرضه ذلك فهو مسرف على نفسه في الطمع والطموح.
سيؤلف إذن مجلس لهذه المنطقة من مناطق الأرض التي تسمى الشرق الأدنى، وسيشترك في هذا المجلس أعضاء يمثلون البلاد الشرقية، وأعضاء آخرون يمثلون مجلس الأمن، وفي ظل هذا المجلس الموقر الخطير ستستمتع البلاد الشرقية باستقلالها فتمارس البرلمانات سلطتها التشريعية، وتمارس الحكومات سلطتها التنفيذية، وتنعم الشعوب بهذا النظام الديمقراطي البديع.
وليس في هذا النظام عيب إلَّا أن الشعوب نفسها لم تستشر فيه، ولعلها لا تحبه ولا ترضاه، ولكنها ستستمتع به على رغمها؛ لأن المنتصرين يريدون أن يمتعوها به. ومن الذي يستطيع أن يقول لا إذا تكلم المنتصرون؟! والمنتصرون بعد ذلك لا يريدون بهذه البلاد إلَّا خيرًا، ولا يهدون إليها إلَّا كرامة، ولا يأبى الكرامة إلَّا اللئيم!
على أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوضوح، فقد ينبغي أن نسأل: إذا كانت الأمور ستجري على هذا النحو في الشرق الأدنى مثلًا، فما فائدة الاتفاق الذي عقد بين بريطانيا العظمى وفرنسا على شئون هذا الشرق الأدنى؟ أيمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد احتياطًا للمستقبل؟ فالآن وقد اجتمعت كلمة المنتصرين العظام، فسيلغى هذا الاتفاق. أم ترى هذا الاتفاق قد عقد ليعمل به مؤقتًا، حتى إذا تم تنظيم العالم الجديد، وأنشئ مجلس الأمن، وألَّف هذا المجلس لجانه ألغى هذا الاتفاق لانتفاء الحاجة إليه؟ أم يمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد ليبقى العمل به في ظل مجلس الأمن، وفي ظل لجنته المنتظرة؟ كل شيء ممكن. ولكنَّ هناك شيئًا محققًا، وهو أن شعوب الشرق الأدنى ستضيع بين هذه النظم المعقدة أشنع تعقيد، المشتبكة أشد اشتباك. فستخضع هذه الشعوب لنظمها الداخلية التي عقدتها الديمقراطية بما أنشأت فيها من برلمانات ووزارات وتشكيلات لا تحصى. وستخضع لجامعة الأمم العربية فيما تباشر من سلطة، وستخضع للجنة مجلس الأمن، وما ستنشئ هذه اللجنة من فروع عسكرية واقتصادية واجتماعية. وستتأثر هذه الشعوب بعد هذا كله بما يكون من نتائج الاتفاق الودِّي الجديد بين الإنجليز والفرنسيين. ألست ترى أن الحياة الجديدة ستكون عناءً طويلًا، وهمًّا ثقيلًا، واضطرابًا في هذه النظم التي تشبه قصور التيه؟ وما ينبغي أن نشكو من هذا، فالتعقيد دليل الرقي، والبساطة دليل الانحطاط. والدليل على ذلك أن الأمم كانت منحطة حقًّا، حين كانت حكومتها بسيطة، ينهض بها فرد مستبد، ويعاونه على ذلك جماعة من الموظفين. فأمَّا الآن فقد ارتقت الأمم، وتعقدت حياتها بحكم هذا الرقي، وتعقدت مع ذلك نظمها السياسية.
وليس من شك في أن العالم الجديد — الذي ينشأ الآن — سيكون أرقى من العالم القديم الذي هدمته الحرب. وهو من أجل ذلك يزداد صعوبة وتعقيدًا. فتضاف فيه مجالس إلى مجالس، وهيئات إلى هيئات ولجان إلى لجان.
فمن كان يعجبه الرقي فلينشرح صدره لهذا الفوز العظيم، ومن كان يؤثر البساطة فليحزن على العصور القديمة التي كان العالم ينعم فيها بالراحة في ظل الاستبداد. ومن كان يريد الجِد فليستيقن بأن حياة الناس واحدة، مهما تختلف العصور: قويٌّ يقهر الضعيف، وغنيٌّ يقهر الفقير، ومتعلمٌ يسيطر على الجاهل. وما دام المنتصرون هم أصحاب القوة والثروة والعلم فإليهم أمور العالم، سواء أراد العالم أم لم يرد. فإن اتفقوا خضع العالم لسلم قوية مسيطرة، وإن اختلفوا مُزِّق العالم شرَّ ممزق لما يثور بينهم من حرب. سنَّة اللَّه ولن تجد لسنَّة اللَّه تبديلًا.