قصة ممتعة للأستاذ يوسف السباعي
طه حسين
جريدة أخبار اليوم
٧ نوفمبر ١٩٦٤
أتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والتمكن من اللغة العربية الفصحى! وإذا كان الكاتب قد أوجز آماله كلها في مستقبل الوحدة بهذا العنوان «ليل له آخر»، فأظن أنه يوافقني على أن ليله هذا طويل أكثر مما ينبغي! طه حسين
ليل له آخر يظهر أن الأستاذ يوسف السباعي قد أزمع أن يكون المؤرخ القصصي لعهد الثورة كما يصنع بعض كبار القصاص الغربيين، بالقياس إلى الأحداث الكبرى التي تحدث في أوطانهم، منذ ابتكر ولترسكوت أو كاد يبتكر هذا النوع من القصص التاريخي. فقد صور الأستاذ يوسف السباعي شبوب الثورة القائمة تصويرًا رائعًا في قصته «رد قلبي»، ثم صور تأميم القناة وما تبعها من الأحداث في قصته «نادية»، وصور الوحدة بين مصر وسوريا في قصة لم تصل إليَّ؛ وهي «جفت الدموع». وهو في هذه القصة الأخيرة يصور ما كان من الانفصال بين البلدين المتحدين بعد أعوام قليلة بعد الوحدة. وهو في كل هذا التصوير التاريخي القصصي بارع حقًّا، فهو في سرد الأحداث التاريخية لا يتزيد ولا يسرف في المبالغة، وإنما يروي التاريخ رواية صادقة دقيقة، ولكنه يحيطه بالقصص الخيالي الرائع، بحيث تمر أحداث التاريخ كأنها مبتكرة كسائر ما يحيط بها من القصة، وهو في هذه القصة لا يكتفي برواية الأحداث العامة، ولكنه يضيف إليها رواية تجربة خاصة، ولكنها شديدة المرارة. وقد امتحن هو بهذه التجربة القاسية، فقد مرض ابنه الصبي ولم يستطع أن يعالجه في القاهرة فذهب به إلى لندرة، وهناك خضع الصبي لجراحات متعددة حتى أتيح له الشفاء. ومع أنه في رواية الأحداث التاريخية يصطنع الصدق الخالص، ولا يمزج التاريخ بالخيال، فهو في رواية تجربته الخاصة قد اصطنع الخيال فأحسن اصطناعه كل الإحسان، واستطاع أن يسبغ على قصته روعة ممتعة حقًّا، لم يذكر ابنه بحال من الأحوال، وإنما ابتكر بطلة القصة وجعلها فتاة سورية نشأت في أسرة واسعة الثراء، وعرض لها حادث أعجز إحدى ساقيها عن الحركة؛ فمرضت في دارها وعالجها الأطباء من مواطنيها، ولكنهم لم يبلغوا من علاجها ما أرادوا، فاضطر أبواها إلى أن يذهبا بها إلى لندرة، وهناك عولجت في أحد المستشفيات. ولكن الجرَّاح الذي عني بعلاجها لم يصب موضع المرض، فشقيت الفتاة بما لقيت من الآلام، ولم يكن أبواها أقل منها شقاء، واضطرت الأسرة إلى أن تعود من حيث أتت، واستيأست الفتاة من كل شيء، وكرهت أن تُذكر لها الجراحات، أو أن تحاول أسرتها علاجها من جديد، ورضيت بما ليس لها بد من أن ترضى به، وهو أن تمشي متوكئة على العصي، غير أنها لقيت عند بعض أقربائها ضابطًا مصريًّا شابًّا من ضباط الجيش المصري الذي رابط مع السوريين على الحدود بين سوريا وفلسطين. فلم تكد تراه حتى وقع من قلبها موقع الحب، كما شغف بها الضابط المصري أشد الشغف وأقصاه، ولكنها مع ذلك وطَّنت نفسها على هذا الحب اليائس البائس، ولكن الضابط المصري لم يحس يأسًا ولا بؤسًا، وإنما امتلأ قلبه سعادة وأملًا، فعاشت الفتاة سهير عيشة اليأس والبؤس، وعاش الفتى حمدي عيشة الغبطة والرضى، وامتلأت نفسه بالثقة في أن يتخذها لنفسه زوجًا، وتمنت هي ما تمنى حمدي، ولكنها اطمأنت إلى هذا الشقاء والقنوط. ولكن الفتى صارحها بهذا الحب وبما صحبه من رجاء، فلم تتردد هي في أن تصارحه بحبها وما صحبه من شقاء ويأس. وفي الحب قوة لا تشبهها قوة، وإذا الفتى يستطيع أن يرد إليها بعض الأمل، وإذا هي تطمع في مثل ما يطمع فيه الفتى، غير أنها علقت آمالها على الشفاء قبل كل شيء، ولم يستطع صاحبها أن يقنعها بالأمل الخالص والإعراض عن التفكير في الشفاء والعلاج، وإذا هي تعود إلى التفكير في العودة إلى لندرة، واحتمال مشقة السفر والشفاء بما فيه من مشقة، وبما في العلاج من ألم وشقاء، وأخذت تلح في ذلك على أبويها حتى أذعنا لما أرادت، ولم يستطع الفتى أن يردها عن هذا التفكير، ويجنبها المشقة والألم والتعرض لليأس مرة أخرى، فعاد بها أبواها إلى لندرة، وأتيح لها الشفاء بعد كثير جدًّا من الجهد والعناء، وعادت إلى سوريا بعد أن استردت ساقها، وعادت إلى سوريا وقد أصبحت كغيرها من حسان الفتيات. وفي أثناء هذا كله تمت الوحدة بين مصر وسوريا، وبدأ الإصلاح الاجتماعي في سوريا؛ فسعد به الشعب السوري كل السعادة، وشقي به الأغنياء كل الشقاء، فكان منهم من تحمل وتجلد واحتمل ما أصابه في كثير من الشجاعة والرضى والثقة أيضًا — وكان أبو الفتاة من هؤلاء — وكان منهم من استسلم لليأس والسخط لا يُسرُّ ذلك ولا يخفيه، وإنما يتمنى لهذه الوحدة أن تزول، وأن تعود الأمور كما كانت من قبل — وكان الشيوخ من أقارب الفتاة بين هؤلاء. ولم يظهر الخلاف بين الشيوخ من الأغنياء والشباب من أبنائهم كما ظهر في هذه الوحدة وما ترتب عليها من نتائج وآثار في ثروة الآباء، وابتئاسهم بما فقدوا، وابتهاج الأبناء بهذه الوحدة، وثقتهم بالمستقبل المشرق للوطنين المتحدين، وبما كسبوا من هذا الإخاء بينهم وبين شباب المصريين من الجنود وأسرهم التي انتقلت إلى سوريا واستقرت فيها، وإذا أواصر الحب تنشأ بين أولئك وهؤلاء حتى تنتهي في بعض الأحيان إلى الخطبة والزواج. أما سهير وصاحبها فقد استقبلا آمالًا عراضًا، وثقة باسمة بمستقبلهما السعيد بعد الزواج الذي كانا يتهيَّأن له، وفجأة ظهرت مقدمات وبوادر ما في الجيش السوري، فحدَّث عن ابتهاج الشيوخ من الأغنياء، ومشاركة الشباب من أبنائهم للشعب السوري كله في الآلام المرة، والأحزان المظلمة الثقال، وحدَّث عما أصاب فتاتنا سهير من الأسى واللوعة والإشفاق على نفسها وعلى خطيبها، وإن كان هذا كله لم يزد حبهما إلا قوة واستئثارًا بقلبيهما الفتيين. هذا تلخيص شديد الإيجاز لخلاصة القصة، ولم أتحدث عما يتصل بها من أنباء الأقارب والأصدقاء التي بسطها الكاتب مفصلة أدق تفصيل وأجمله. ومن ظلم القصة أن نكتفي منها بهذا التلخيص الموجز؛ ففيها ألوان من الروعة التي تسحر النفوس وتملؤها إعجابًا بما وفق إليه الكاتب من جمال الوصف ودقته لبعض مظاهر الحياة والطبيعة في سوريا، وفي دمشق غوطتها خاصة، ولحياة الفتاة في المستشفى، وحياة أبويها وأصدقائهما من حولها، ولبعض المناظر في لندرة. وكل هذا إنما يدل على أن الكاتب قد عاش في البلدين عيشة الملاحظ المستأني الذي تسجل نفسه كل ما يبهره ويروعه من المناظر الظاهرة، والإحساسات الخفية في نفوس الناس على اختلاف طبقاتهم. ومن أجمل ما في القصة أن الكاتب لا يظهر فيها، فهو لا يتحدث ولا يقص، وإنما يترك ذلك لسهير؛ هذه الفتاة التي شقيت بالمرض والحب، ثم سعدت بالشفاء والأمل، ثم أدركتها الخيبة بعد الانفصال المتكلف بين الوطنين الشقيقين، ولكن هذه الخيبة على شدتها لم تؤثر في حب الفتاة لصاحبها، ولا في حب الفتى لها. ولعل أجمل ما في القصة دقة الوصف للمشاعر الخفية، ودخائل النفوس، وأسرار القلوب. وأشهد أن طول القصة، بل إسرافها في الطول لم يزدني إلا حبًّا لها، وإعجابًا بها، حتى قرأتها مرتين، ولا أستبعد أني سأقرؤها مرة ثالثة. وإذا لم يكن بد من النقد وشيء من القسوة على الكاتب؛ فلأكتفي بالأسف الشديد على ما في القصة من هنات تتصل باللغة والنحو، وهذه الهنات مبثوثة في القصة كلها، لا تملؤها لحسن الحظ، ولكنها تظهر فيها بين حين وحين؛ فيضيق بها القارئ، ويأسف لها أشد الأسف — إذا كان هذا القارئ يشاركني في الحرص على اللغة العربية الفصحى، والضيق بكل ما يسوءها قل أو كثر — وما أكثر ما رجوت من الكاتب الصديق أن يتحقق أو يعرض قصته قبل أن تنشر على من يتحقق له من سلامتها وبراءتها من كل خطأ عربي. وأنا على كل حال أهنئ الكاتب الصديق بقصته الممتعة، وأتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والتمكن من اللغة العربية الفصحى! وإذا كان الكاتب قد أوجز آماله كلها في مستقبل الوحدة بهذا العنوان «ليل له آخر»؛ فأظن أنه يوافقني على أن ليله هذا طويل أكثر مما ينبغي!
Tag: Narrative technique
-
قصة ممتعة للأستاذ يوسف السباعي