أسبوع البر
طه حسين
جريدة المصري
٢٥ مايو ١٩٤٢
أذاع صاحب العزة الدكتور طه حسين بك أمس حديثًا عن أسبوع البر قال فيه:
ليست الديمقراطية نظامًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا فحسب، ولكنَّها خُلُقٌ قبل هذا كله.
وإذا كانت الديمقراطية تعتمد على المساواة، وعلى الإخاء، وعلى الحرية، فمعنى هذا أنَّ الخصال الثلاث يجب أن تكون جزءًا مكونًا لأخلاق النَّاس، بحيث تكون المساواة شيئًا قد استقر في أخلاق النَّاس، وامتزج بشعورهم، فأحسَّ كلُّ واحد منهم بأن لا فرق بينه وبين غيره، لا في الحقوق، ولا في الواجبات، ولا فيما يجب أن يكون عليه من المُعاملات مهما تختلف.
والعدل كذلك ليس شيئًا يُقِرُّهُ القانون، أو يفرضه الدستور، أو تقتضيه الحياة الاجتماعية، وإنَّما هو خلق قبل هذا كله؛ فإذا كان العدل من الأشياء التي تزدان بها الحياة المُتحضرة، حياة الأمم الراقية، فيجب أن تزدان به نفوس أبناء هذه الأمم قبل أن تزدان به الحياة العامة، ويجب أن يكون العدل شُعورًا متغلغلًا في نفوس النَّاس مُستقرًّا في قُلوبهم، مُسيطرًا على ما بينهم من العلاقات.
وإذن فالبر الذي تُدْعَوْنَ إليه هذا الأسبوع لا ينبغي أن يُفهم على أنَّه تَطَوُّلٌ من الأغنياء والقادرين على الفقراء والبائسين، ولا ينبغي أن يُفهم على أنَّه شيء ينبغي أن تزدان به الحياة، حياة الأمة الراقية المتحضرة، فيُقال: إنَّ هذه الأمة تمتاز من بين الأمم بأنَّ أغنياءها يجودون على فقرائها، وأنَّ أقوياءها يرحمون ضعفاءها، وإنَّما ينبغي أن يكون البر خُلقًا من أخلاق المصريين.
لقد دُعيتم إلى البر أثناء هذا الأسبوع، أنتم تُدعون إلى البر منذ عرفت الإنسانية الدعوة إلى الخير، ويُستدعى النَّاس إلى البر دائمًا ما دامت هناك أخلاق، وما دامت هناك ديانات، وما دامت هناك نظم تحمل النَّاس على السمو إلى المُثل العليا.
ولكنَّ المهم هو أنْ يُفهم معنى هذا البر الذي يُدعى النَّاس إليه، وبمقدار ما يكون فهم هذا البر صحيحًا تكون الدعوة مُنتجة.
أما أنا — سيداتي، سادتي — فما فهمت البر قط، ولن أفهمه إلا على أنَّه حُسن الصلة والمودة بين النَّاس، وأنَّه الحق الذي ينبغي أن يكون مسيطرًا على علاقات النَّاس فيما بينهم.
وليس هناك فضل لأحد على أحد، وإنَّما النَّاس جميعًا قد خُلقوا من ذكر وأنثى كما يقول القرآن الكريم، ولا فضل لأحدهم على آخر إلا بالتقوى كما يقول الله، وكما يقول الحديث الشريف.
فالنَّاس سواء؛ لأنَّهم خُلقوا كذلك، وحقوقهم في الحياة واحدة.
فهذا البر الذي تُدْعَوْنَ إليه في حقيقة الأمر، إنَّما هو هذا الخُلق الكريم الذي يُمكِّنكم من أن يلقى بعضكم بعضًا، وقلوبكم صَحْوٌ كلها، ونفوسكم طُهْرٌ كلها.
ويُخَيَّل إليَّ — إذا كانت الديمقراطية كما قلت — أنَّ أول ما يجب على الحكومات الرشيدة، وعلى أولي الأمر الذين يصلحون بين النَّاس، ويُؤْثِرونهم بالمودة والبر، يُخيَّل إليَّ أنَّ أول ما يجب على أولي الأمر أن يكونوا أساتذة، ومربين للشعوب، يبثون فيهم هذا الخُلق الكريم، خُلق البر، يبثونه بالدعوة أولًا، ويبثونه بالسيرة ثانيًا، ويبثونه بهذه التجارب المتصلة المستمرة التي تتكرر بين حين وحين؛ ليصلحوا ما اعْوَجَّ من أخلاق الناس، وليُقَوِّمُوا ما اعوجَّ من سيرتهم وأخلاقهم، وليُعوِّدُوهم شيئًا فشيئًا على أن يُحبُّوا هذا الشعور، شعور التضامن، والإخاء بين الناس، حتى إذا مُكِّنوا من الفوز بما يدعون إليه، وأُتيح لهم أن يعمموا هذا الخُلق، وأن يُحببوه إلى الشعب، استطاعوا أن يُشَرِّعُوا له من القوانين ما ينظم هذا التضامن تنظيمًا دقيقًا يكفل ألَّا يتعرضَ للخطر، وألَّا تُفْسِدَهُ هذه الظروف الطارئة.
وعلى هذا النحو وحده فهمت أسبوع البر، هذا الذي دعاكم إليه حضرة صاحب الرفعة مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء، وهذا الذي تدعو إليه كل يوم صاحبة العصمة السيدة الجليلة حرم الرئيس، وهذا الذي يدعوكم إليه في كل لحظة، ويجعل نفسه قدوة في الدعاء إليه حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول حفظه الله.
وقال: إنَّه ليس من مقومات الحياة الصحيحة المتحضرة أن يكون بيننا قوم ينعمون بالحياة على حساب قوم يشقون بها، وإنَّما يجب أن يكون المصريون شركاء فيما أتاح الله لهم من نعيم، وفيما فرضه عليهم من آلام.
وطالب الدكتور طه حسين بك بأن يَنْزِلَ الأغنياء القادرون عن كثير من هذا الفضل الذي يملكونه، ولا يحسنون التصرف فيه، للتخفيف عن الذين لا يجدون ما يعالجون به أمراضهم وعللهم، وعن الذين لا يجدون ما يستعينون به على احتمال الحياة وآلامها وشقائها.
وقال: ويُخيَّل إليَّ أنَّه في هذا الأسبوع الذي دُعيتهم في أثنائه إلى البر تجربة ستُبيِّن إلى أي مدى سيجيب المصريون هذه الدعوة الخيرية، وإلى أي مدى انتفعوا بهذه الدروس القيمة التي يلقيها حضرة صاحب الجلالة الملك، وحضرة صاحب الرفعة رئيس الوزراء، وهؤلاء السيدات الكرام اللاتي يطفن علينا طالبات منَّا أن يبر المصري بالمصري.
فإذا نجحت هذه التجربة، فأرجو أن تتكرر، وأن تتكرر، وأن يكثر تَكرارها، حتَّى يصبح البر خُلقًا من أخلاقنا، وعندئذٍ تنهض الحكومة المصرية، ولها من جلالة الملك حافز إلى الخير … تنهض بأول واجب عليها، وهو أن تجعل البر أصلًا من أصول الحياة المصرية، وأن تشرع له من النظم والقوانين ما يعصمه من كل خطر، وما يعصم المصريين من أن يحتاج بعضهم إلى أن يسأل بعضهم صدقة أو إحسانًا.
Tag: national character
-
عيسويات٢
حديث الوادي
عيسويات…
– ٢ –
ولابد من اتصال الحديث عن هذه الآية العيسوية الخالدة، فإن الحديث عنها لا ينقطع، ولا ينبغي أن ينقطع، لأن فيها من العبر والعظات، ما ينبغي للمصريين أن يقفوا عنده فيطيلوا الوقوف، وأن ينتفعوا منه فيحسنوا الانتفاع. هذا رجل مصري، من خلاصة المصريين، درس في المدارس المصرية، نشيطًا للدرس، مقبلًا عليه، يملأ نفسه حب العلم، وحب الوطن، والأمل في أن ينفع نفسه، وأن ينفع وطنه، بما يقبل عليه من درس وتحصيل. حتى إذا أتم درسه في مصر موفقًا، نابه الشأن، رحل عن مصر، موفور النشاط، جذع البصيرة قارح الأقدام.. كما يقول الشاعر القديم، مضاعف الثقة بنفسه وأمته، مضاعف الحب لفنه ووطنه، مضاعف الأمل في يومه وغده، فدرس في أوروبا كما يدرس أشد الأوروبيين نشاطًا، وظفر في أوروبا بما يظفر به أعظم الأوروبيين حظًّا من العمل والجد والتوفيق. ثم عاد إلى وطنه مؤمنًا به، مخلصًا له، تضطرب في نفسه خواطر لا تُحصى، كلها يتصل بهذا الوطن العزيز، الذي ينبغي أن يستقل بأمره، وأن يستقل أبناؤه بحاجاته وأن يحتمل أبناؤه كل التبعات التي يحتملها الرجال الناهضون في بلد ناهض. فلم يكد يبلغ وطنه ويستقر فيه، ويتصل بالمشرفين على أمره، والمدبرين لحياته، حتى أخذت آماله الباسمة تعبس، وحتى أخذ نشاطه الشديد يفتر، وحتى أخذت ثقته المطمئنة تضعف، وحتى نظر، فإذا الحكومة المصرية ترمقه في شيء من الاستهانة والإشفاق، وتتحدث إليه بأنه لم يبلغ بعد أن ينهض بثقال الأشياء، وجلائل الأعمال، فليقنع بما ينبغي أن يقنع به الشاب المصري، من أن يكون في وطنه لاحقًا لا سابقًا، وتابعًا لا متبوعًا، وليرضَ بما يجب أن يرضى به الشاب المصري، من أن يكون طالبًا مهما يتم الدرس، ومتأثرًا مهما ينبغِ فيه، ومن أن ينظر إلى الأجنبي نظر التلميذ إلى الأستاذ، ونظر الضعيف إلى القوي، ونظر الرجل العادي إلى الرجل الممتاز، وأن يقنع بما يجب أن يقنع به المصري من المرتب المعتدل، على حين يظفر الأجانب بالأجور الضخمة الفخمة. ومع هذا كله لم يفتر نشاطه، ولم ينثنِ همُّه، ولم تفل عزيمته، وإنما جد في العمل وأخلص في خدمة فنه ووطنه، حتى أرضى الأجانب عنه، وما أقل ما يرضون، وحملهم على أن يشهدوا له، وما أقل ما يشهدون. وخيل إليه أنه بعد طول
العهد واختلاف الأحداث سيتاح له ما كان يريد، وسينهض بالتبعة التي كان يجب أن ينهض بها منذ زمن بعيد. وما له لا ينتظر هذا، وقد طلب الأجانب أنفسهم له أن يشغل منصب الأستاذ. ولكن ماذا؟ سكرتير الوزارة العام يطلب أن يعرض أمر منصبه عرضًا مستقلًا، ووكيل الوزارة يوافق، والوزير يوافق ويطلب أن يكتب الرد إلى مدرسة الهندسة – حسب التفهيم – ثم يكتب الرد – حسب التفهيم – فإذا التفهيم توافقَ بين ثلاثة من المصريين، منهم وزير، ومنهم وكيل للوزارة، ومنهم سكرتير عام، كلهم مصري، لا شك في أنه ولد في مصر، ونشأ فيها، واضطرب قلبه بآمالها، وكلهم مثقف، لا شك في أنه يفرق بين الخير والشر، وبين العزة والذلة، وبين الاستقلال والاستعباد، وكلهم مع ذلك مؤمن بالتفهيم الذي يأبى على المصري أن ينهض بالتبعة في بلده، والذي يأبى على المصري أن يكون أستاذًا في مدرسة مصرية، وإن كان كفؤًا ليس في كفايته شك. والذي يريد أن يكون هذا المنصب المصري لرجل بريطاني. توافق يقوم به مصريون ليردوا مصريًّا عن حقه، وليسلطوا إنجليزيًّا على هذا الحق. وأكبر الظن أنهم يتطوعون بهذا التوافق من عند أنفسهم، لم يأمرهم به الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يأمروا به، ولم يطلبه إليهم الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يطلبوه، ولكن القوم مع ذلك لم يتحرجوا منه، ولم يشفقوا من شره، وإنما أقبلوا عليه مطمئنين، لأن ظروف السياسة الحرجة تُريد المصريين على ألا يظلموا المصريين، وتُريد المصريين على أن يهضموا المصريين حقهم، ويقدموا هذا الحق هدية إلى الإنجليز.
لم يطلب الإنجليز هذا إلى الوزير والوكيل والسكرتير، ولكنهم مع ذلك طلبوه، وليس في هذا الكلام تناقض ولا غرابة. فالإنجليز لم يتقدموا إلى هؤلاء السادة بظلم المصريين، وإصغار شأنهم، والغض من قدرهم، ولكن الإنجليز فرضوا على مصر سياسة تعليمية، وإدارية، نتيجتهما الطبيعية أن يصغر المصري أمام المصري، وأن يصغر المصري أمام نفسه. تلك الرسالة البرقية التي وصلت إلى مصر في أول عهد الاحتلال تأمر بأن يكون الموظف المصري، مهما يعظم أمره، مطيعًا للموظف الإنجليزي، مهما يهن أمره، والتي ظلت قاعدة للحياة السياسية في مصر ما يقرب من نصف قرنٍ، لم تُمحَ آثارها يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء بالتخويف والإغراء.
ذلك التعليم الذي فرضه الإنجليز على مصر عشرات السنين، والذي لا يُحْيي في نفس المصري عزةً، ولا كرامةً، ولا شعورًا بالعزة والكرامة، لم تُمحَ آثاره يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء، بالتخويف والإغراء.
فلا تعجب إذًا حين ترى مصريين يتفقون فيما بينهم على أن يقصوا مصريًّا عن منصب مصري ليضعوا مكانه أستاذًا بريطانيًّا.
ولا تظن أن هذه القصة فذةً، أو مقصورة على الأستاذ مصطفى نظيف ومدرسة الهندسة، وإنما هي قصة شائعة مألوفة، تقع للشبان المصريين جميعًا. سل من شئتَ من هؤلاء المصريين، الذين درسوا فأحسنوا الدرس، وحصلوا فأتقنوا التحصيل، ثم أقبلوا وفي قلوبهم جذوة النار المقدسة التي تدفعهم إلى حب الوطن وخدمته. سلهم عن هذه الجذوة المقدسة، ما خطبها؟ وماذا أصابها؟ فسيجيبونك جميعًا بأنها قد أُخمِدت، أو كادت تخمد. صب عليها الوزراء، وكبار الموظفين ماءً باردًا، لا يتكون من الأوكسجين والهيدروجين، وإنما يتكون من الحرص على إرضاء الإنجليز، والشك في قيمة المصريين.
هذه حالنا بعد هذا العهد الكرومري السعيد الذي يحن إليه الإنجليز، ويتمدحون بمحاسنه. أنكرنا أنفسنا إلى أقصى حدود الإنكار، وعرفنا الإنجليز وخفناهم إلى أقصى حدود المعرفة والخوف. فأي غرابة في أن يحن الإنجليز إلى هذا العهد ليكون لهم من أجيالنا المقبلة كما كَوَّنَ لهم من أجيال الاحتلال رجالًا ينكرون المصريين، ولا يحفلون بهم، ويعرفون الإنجليز ويكبرونهم كل الإكبار.
إلى أي حد ينبغي أن يُلام وزير التقاليد وأعوانه على هذه الآية العيسوية؟ أليس لهم مما أقدموا عليه بعض العذر، فهم أبناء ذلك الجيل الذي كان الموظف المصري مهما يكبر ملزمًا فيه أن يطيع الموظف الإنجليزي مهما يصغر، والذي كانت المدارس المصرية فيه تكون التلاميذ لا كما تريد مصر، ولكن كما يريد دنلوب…
طه حسين
الوادي، ١٦ يونيو ١٩٣٤.