ضريبة
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣ نوفمبر ١٩٤٧
هذا حديث سيرضى عنه فريق من الناس، وسيسخط عليه منهم فريق آخر، وسيمر به أكثرهم معرضين عنه، غير حافلين ولا ملتفتين إليه، لا لأن هذا الحديث في نفسه خليق أن يُعرض عنه المعرضون، ويَسخر منه الساخرون، بل لأن المصريين تعودوا أن يروا قادتهم وسادتهم والقائمين بالحكم فيهم يُعرضون عن الجدِّ إعراضًا، ولا يحفلون من الأمر إلَّا بما لا يكاد ينفع ولا يفيد.
وأنا مع ذلك أملي هذا الحديث، لا يعنيني أن يرضى عنه هذا، أو يسخط عليه ذاك، أو يعرض عنه المعرضون، وإنما يعنيني أن تُقال كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن الظروف، وليس على قائلها بأس أو جناح إن ضاعت كلمة الحق هذه بعد أن تُقال؛ فقد رُوي أن الذي يعرف الحق ولا يقوله شيطان أخرس. ومع أني لا أطمع في أن أكون من الملائكة؛ فلست أحب أن أكون من الشياطين الخرس أو الناطقين، وإنما أريد أن أكون إنسانًا يعرف الحق فيعلنه ويدعو إليه، وأتمنى أن يكون المصريون من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، لا تصرفهم عن ذلك الأثرة، ولا تصدهم عنه قسوة القلوب.
والحق الذي لا ينكره أحد من المصريين أن وطنهم يُمتحن في هذه الأيام امتحانًا قاسيًا عسيرًا، يوشك إن لم يحسنوا الثبات له والنفوذ منه أن يعرضهم لخطر لا يشبهه خطر، وبلاء لا يعدله بلاء؛ فوطنهم موبوء، يفتك الوباء بالمئات من أبنائه في كل يوم، ثم لا يقف الأمر عند الموت الذي يتخطف أبناء الوطن في كل لحظة من لحظات النهار والليل، ولا عند المرض الذي يضطرهم إلى البطالة والعجز، ثم إلى الإمعان في البؤس والشقاء، ولكنه يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد أثرًا من الموت والمرض … إلى إفساد حياة الشعب كلها من ناحية الصحة والاقتصاد جميعًا.
فالذين يلم بهم المرض ولا يختطفهم الموت سيحتاجون إلى وقت طويل، وجهد ثقيل، وعناية متصلة؛ ليستأنفوا نشاطهم فيما كانوا يضطربون فيه من أمور الحياة، والذين يتخطفهم الموت عشرات ومئات في كل يوم لن يُردُّوا إلى حياتهم الدنيا هذه ليعملوا ويكدُّوا، ولأولئك وهؤلاء أسر كانوا يعولونها، ولا بدَّ لهذه الأُسَر من أن تعيش، وأولئك وهؤلاء لم يكونوا يعولون أسرهم فحسب، ولكنهم كانوا يعولون الوطن كله؛ لأنهم كانوا يشاركون على قدر ما كانوا يملكون من جهد في إنتاج الثروة الوطنية التي تُتيح للفقير أن يعيش، وللغني أن يترف، وللحكومة أن تنهض بما تنهض به من الحكم وتدبير الأمور.
فهؤلاء الموتى الذين لن يعودوا إلى العمل، وهؤلاء المرضى الذين لن يعملوا إلَّا بعد الجهد والمعونة والعناية، كانوا يعولون الفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا، ولا بدَّ للفقراء والأغنياء والحكومة جميعًا من أن يُعوِّضوا ما فقدوا من جهد الموتى، ومن أن يستردوا ما فاتهم من جهد المرضى؛ ليحفظوا على الوطن ثروته، فيحفظوا عليه بذلك مرافقه كلها.
ولهؤلاء الموتى والمرضى أُسر لم ترث عنهم إلَّا الحزن والبؤس والحرمان، والوطن في حاجة إلى أن تجد هذه الأسر ما يعزيها عن الحزن، ويحميها من البؤس، ويغنيها من الحرمان، لا لأن في ذلك برًّا وإحسانًا ورفقًا بالضعفاء والبائسين، بل لأن ذلك حماية للثروة الوطنية؛ فهذه الأسر عناصر من هذه الثروة تمثل أيديًا عاملة يجب أن تمضي في عملها بقوة مضاعفة ونشاط عظيم.
وإذن فحاجة الوطن إلى مقاومة الوباء ومعونة الذين أعجزهم الوباء عن العمل، أو اضطرهم إلى انتظار المعونة ليس عملًا من أعمال البر، ولا لونًا من ألوان الإحسان، وإنما هو واجب من الواجبات الأساسية التي لا تستقيم أمور الوطن إلَّا بها.
فليس التقصير في أداء هذه الواجبات إعراضًا عن النافلة أو تهاونًا فيما يمكن التهاون فيه، وإنما هذا التقصير إثمٌ في ذات الوطن، وجريمة من الجرائم الكبرى التي لا تُشبَّه إلَّا بما يرتكب أثناء الحرب مما يتعود الناس أن يسمُّوه جرائم الخيانة العظمى.
وما أحب أن يرتاع الناس لهذه اللهجة العنيفة التي أتحدث إليهم بها، وإنما أحب لهم أن يصطنعوا الشجاعة، وأن يواجهوا الحقائق كما هي، ويسمُّوا الأشياء بأسمائها.
فليس الوباء الذي يتخطف أبناء الوطن مئات في كل يوم بأهون شأنًا من العدوِّ المُغير الذي يصب الحرب فيصرع ما يصرع من الموتى والجرحى في كل يوم، ويصيب بذلك الوطن في صميم حياته، وإذا كان التقصير في وقت الحرب خيانة للوطن من غير شك؛ فالتقصير في وقت الوباء خيانة للوطن من غير شكٍّ أيضًا.
والحرب لا تُدفع بالإحسان، ولا تُردُّ بالصدقة، ولا تُقاوم بالتبرع، وإنما تُدفع بالتجنيد المادي والمعنوي لقوى الوطن كلها، وقد تقصر خزانة الدولة أيام السلم عن حاجة الوطن في أيام الحرب؛ فتصبح ثروة الوطن كلها مادة لتموين الدفاع الوطني. وقد رأى المصريون من ذلك الأعاجيب في أثناء الحرب الأخيرة حين عبأت الدول المحاربة الثروة الوطنية كلها لجهود الحرب. لم تحفل في سبيل ذلك بغنى الأغنياء ولا بفقر الفقراء، ولا بحاجة المحتاجين، ولا بترف المترفين. وإذن فقد يخيَّل إليَّ أن من الحق على الدولة المصرية أن تواجه الوباء كما تواجه الحرب، لا كما تواجه آفة من الآفات التي تطرأ وتزول دون أن تمسَّ صميم الحياة الوطنية في الصحة والاقتصاد جميعًا.
وأيسر ما يجب على الدولة أن تصنع من ذلك هو أن تدخر لمقاومة الوباء وإزالة آثاره وإعانة ضحاياه كل ما يحتاج إليه ذلك من المال، لا من طريق السؤال والاستعطاف والتماس الصدقة وطلب الإحسان، بل من طريق الضرائب التي تفرض حتى تأخذ المقاومة حاجتها من مال الذين يملكون المال. ولست أعرف شيئًا أبغض ولا أشنع ولا أمس بالكرامة الإنسانية من هذا التنافس بين الناس في البخل والجود، وفي المنح والمنع، وفي البذل والتقتير. هذا الغني وعد ولم يفِ، وهذا الغني أعطى أكثر من ذاك، وهذا الغني وضع أصابعه في آذانه فلم يستمع لدعاء الداعين، وهذا الغني أعطى أقل مما تحتمل ثروته، وهذا الفقير قتر على نفسه وأهله في الرزق ليساهم في معونة المحرومين.
ونتيجة هذا كله تنافس بغيض ينتهي إلى التحاسد والتحاقد، ونتيجة هذا كله أن كثرة الشعب المصري تقف موقف الذليل المحروم من قلة تقف موقف المتفضل المتطول، وكل هذا لا يلائم كرامة الأغنياء ولا كرامة الفقراء؛ لأنه لا يلائم كرامة الوطن المصري الذي خُلِق ليكون كريمًا.
وليس لذلك من دواء يلائم العدل والحق والكرامة إلَّا أن تعتمد الدولة على الله، وتفرض ضريبة الوباء التي يؤديها المصريون جميعًا على قدر ما يملكون، وعلى قدر ما يكسبون. فأمَّا مقدار هذه الضريبة وتنظيمها المفصل فليس لي أن أتحدث فيه، وإنما أترك أمره للفنيين. والذي أحب أن ألقيه في روع المصريين هو أن مقاومة الوباء وإزالة آثاره واجب وطني كواجب الدفاع الوطني حين تلم الحرب، وأن هذه المقاومة لا ينبغي أن تعتمد على قسمة أبناء الوطن إلى فريقين: فريق يستجدي ويمد الأيدي، وفريق يعطي ويمنع بمقدار ما فطر عليه من بخل وجود.
هذه ذلة لا تلائم كرامة الإنسان، ولا تلائم كرامة مصر، فليرغب المصريون بأنفسهم عن الذلة؛ فرب ذلة خيرٌ منها الموت.
Tag: national duty
-
خطاب الدكتور طه حسين بك
خطاب الدكتور طه حسين بك
طه حسين
مجلة الحديث
فبراير ١٩٤٣
مولاي صاحب الجلالة:
أعليت قدر الجامعة، فليزد اللهُ قدرك علوًّا، ورفعت ذكر الجامعتين، فليزد الله ذكرك ارتفاعًا، وأيَّدتَ سلطان العلم، فليزد الله ملكك عزًّا وتأييدًا. النجْح مقرونٌ بشخصك العظيم يا مولاي. أقبلت على مصر فأقبلت عليها الدنيا، ونهضتَ بملكها فتمت لها عزتها، ودبرت أمرها فانجلت عنها الغمرات وانجابت عنها الخطوب. واليُمن مقرون باسمك الكريم يا مولاي، تذكره فتشحذ العزائم وتنفذ البصائر وتبعد الهمم، وإذا العصيُّ من الأمر يسمح، وإذا القصيُّ من الأمل يقرب، وإذا الصعب من الطِّلَاب يهون.
هذه جامعتك كانت أمنية مطوية في ضمير الإسكندرية منذ القرون المتطاولة والعصور المتباعِدة، تتطلع إليها ولا تبلغها، تدنو منها لتبعد عنها، تُحِسُّ حر الشوق إليها ولا تجِدُ بَرْدَ الظَّفَر بها؛ حتى استيأست من هذه الأمنية أو كادت تستيئس، وحتى جعلت تنظر إليها كما ينظر المستيقظ إلى الحُلم الحُلو قد نسي أكثره ولم يحتفظ منه إلَّا بأطراف متضائلة، ثم اقترن التفكير فيها باسمك الكريم، فإذا هي حقيقة ماثلة كاملة شاملة قد تم خلقها واستكملت قوتها واستجمعت أُهبتها للدرس والبحث والإنتاج.
لم تنجم للإسكندرية معهدًا معهدًا، ولم تقدم إليها كلية كلية، وإنما أُنشئت كلياتها السبع مفتَّحة الأبواب لاستقبال الطلاب كاملة الأداة موفورة النشاط قادرة على أن تنشر ضوء العلم في فروع المعرفة الإنسانية جميعًا.
لم يكَد يُقبِل العام الجامعي حتى قارب المتعلمون فيها خمس عشرة مائة، وقارب المعلمون مائتين، وهُيِّئَتْ لأساتذتها وطلابها المعامل والمكتبات متواضعة، ولكنها قابلة للنُّمُو قادرة عليه. وتسامع بها الناس في الشرق العربي، فسَعَوْا إليها يطلبون فيها العلم، ويلتمسون عند أساتذتها المعرفة.
ذلك لأنك يا مولاي لا تبغض شيئًا كما تبغض أن يقتر على شعبك في علم أو مال، ولا تحب شيئًا كما تحب أن يوسع على شعبك في كل وجه من وجوه الخير.
وقد أحسست يا مولاي أن شعبك مشوق إلى العلم، تَوَّاقٌ إلى المعرفة، طامع في المجد، طَموح إلى الرُّقِي، فأبى حُبُّك له وعطفك عليه إلَّا أن تُنِيلَه من ذلك ما تمنَّى، وتُبلغه من ذلك ما يريد. وما هي إلَّا عزمة ماضية من جلالتك واستجابة صادقة من حكومتك حتى كانت هذه المعجزة الخارقة، حتى ينظر الشرق والغرب فإذا مدينة الإسكندرية تسترد في أقصر وقت وأخطره مجدها العلمي القديم، ومكانتها الرائعة التليدة في نشر الثقافة وتقريب الآماد بين أمم الأرض على اختلافها، كدأبها حين كانت أعظم مدن الأرض قوةً وبأسًا وأرفاها إلى العلم والأدب وفي الفلسفة والفن.
لله أنتم آل البيت العلوي الكريم! ما أعظم فضلكم على الحياة العقلية في مصر! لقد بعثتموها قوية نشيطة، ثم ما زلتم تتعهدونها بالتأييد والتشجيع حتى أصبحت جذوتها المقدسة نورًا ساطعًا يغمر الشرق كله.
فجدكم العظيم يُذكِيها ويبعث فيها الروح الحديث، ويصل بينها وبين حضارة الغرب، وأبناؤه من بعده يتبعون نهجه ويمضون في طريقه ويسرعون بمصر إلى تحقيق ما ادَّخر القدر لها من جِد، ويجعلونها مركز الاتصال حقًّا بين العالمين.
ثم هذا إسماعيل العظيم ينشر التعليم العام الذي يقصد به إلى المعرفة الخالصة والثقافة الصرفة.
وهذا فؤاد العظيم ينشئ جامعة في القاهرة إلى ما أنشأ من معاهد العلم والثقافة.
وهذا فاروق العظيم ينشئ جامعته في الإسكندرية إلى ما أنشأ وما سينشئ من معاهد العلم والأدب والفن، وكأنما كان أبو الطيب ينظر إليكم حين قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
ايذن لي يا مولاي في أن أصور لهذا الجيل الحاضر وللأجيال المقبلة من شعبك عطفك على هذه الجامعة ورعايتك لها في غير تزيُّد ولا إسراف، إنها ابنتك يا مولاي، منحتَها الحياة ونفخت فيها من رُوحك العظيم، وتفضلت عليها باسمك الكريم، فلم تكَد تشعر بهذا الوجود الذي أهديته إليها حتى كان ذكرك أول ما نطقت به، وحتى كان شكرك أول ما أسرعت إليه، وإذا مجلسها يسجل في أول صفحة من كتابها الخالد هذا القرار الساذج الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أنه يريد الشكر، ولكنه يعجز عن الشكر فيكتفي بتسجيل هذا العجز ويستأذن جلالتك في أن يهدي إليك درجة الدكتوراه الفخرية للجامعة.
وأنت عطوف على جامعتك يا مولاي رفيقٌ بها مشجعٌ لها، لا يكاد يرقى إليك صوتُها حتى تصغي إليه، ولا يكاد يبلغك دعاؤها حتى تستجيب لها.
ثم لا تكتفي يا مولاي بما قدمت من نعمة حتى تضيف إليها نعمة أخرى.
وها أنت ذا تتفضل فتتقبل هدية الجامعة، ثم تتفضل فتسعى إليها لتتلقى منها هديتها إكبارًا لشأنها وإعلاءً لقدرها وإذنًا لها بأن تمنح من درجات العلم والفخر ما تشاء لمن تشاء. وما يمنعها من ذلك وقد أهدت إليك درجتها الفخرية فقبِلتها، ولا يبلغ الجامعة أنك قد أسديت إليها هذه الكرامة وتفضلت عليها بهذه المنة، وأذنتها بزيارتك السعيدة حتى تنتظرك مشغوفة بك مشوقة إليك، كأنها الروضة تنتظر قطر الندى الذي يبعث فيها الحياة وضوء الشمس الذي يسبغ على النسيم الذي يحمل عنها العبير، فيعطر بها الأجواء في كل مكان. وها أنت ذا يا مولاي قد أقبلت فبعثت فيها من قوتك قوةً ومن جلالك جلالًا، ورفعت ذكرها في آفاق الشرق والغرب، فكيف السبيل لها إلى أن تنهض بشُكرك؟ وأين الوسيلة لها إلى أن تؤدي بعض حقك؟! إنما هو فضل منك يضاف إلى فضل، ومِنَّة منك تُضاف إلى منة. ومع ذلك يا مولاي فإن الجامعيين يعرفون الطريق إلى رضاك، ويعرفون كيف يسلكون هذه الطريق، ويستأذنونك في أن يقطعوا على أنفسهم العهد بين يديك على أن يبذلوا في سبيل ذلك من الجهد أقصى ما يستطيعون. إنهم يعرفون مُثُلَك العليا، ويعرفون أن من أراد أن يبلغ رضاك فليس عليه إلَّا أن يحب من الخير ما تحب، ويسعى من المجد إلى مثل ما تسعى إليه.
أحب شيء إليك وآثر شيء عندك يا مولاي أن يؤدِّي كل مصري حظَّه من الواجب الذي تفرضه عليه الحياة المصرية على أتم وجه وأكمله في غير فتور ولا تقصير. والواجب الذي تفرضه الحياة المصرية على الجامعيين هو أن تخلص عقولهم وقلوبهم وضمائرهم للعلم، يحبونه كما تحبه، وينصرونه كما تنصره، ويتخذونه كما تريد أن يُتَّخَذَ وسيلة إلى معرفة ما أمكن الوصول إلى الحق، وأداة إلى تقويم الخلق وتنقية الضمير وتصفية الذوق وتثقيف الشعب على اختلاف طبقاته، وتكوين أجيال مخلصة للحق مؤثِرَة للعدل، قادرة على احتمال التبِعات والنهوض بالواجبات الوطنية مهما تكُن، ومواجهة مصاعب الحياة التي تزداد تعقدًا من يوم إلى يوم.
والجامعيون يأخذون أنفسهم بأن يقفوا على هذا كله جهودهم وأوقاتهم، وأن يبذلوا في سبيله صفوة ما يملكون من قوة وأيد.
وأنت بعدَ كل شيءٍ وقبل كل شيء صورة الوطن ورمز عزته ومظهر جلاله؛ فالجامعيون يأخذون أنفسهم بأن تكون جهودهم كلها خالصة لمجد الوطن العزيز والعرش المُفَدَّى.
بهذا يا مولاي وبالسعي إلى هذا يبلغ المصريون رضاك إذا جدوا واجتهدوا وأخلصوا. وعلينا العهد يا مولاي أن نكون دائمًا في طليعة الجادِّين المجتهدين المخلصين.
أطال الله بقاءك يا مولاي، وأدام نعمته عليك، وأدام نعمته بك على شعبك الوفي الأمين. -
استقالة٢
حديث الوادي
استقالة…
لم يرفعها رئيس الوزراء بعد إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يؤثر أمته بالخير ويحب لوطنه العافية وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حق، وتكليف لا تشريف. ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور، فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا يقضي عليه بأن يستقيل. فالشعوب لا تُخدم بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقق بالقصور، والضمائر الحية لا تتيح لأصحابها أن يسرفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به وأن يكابروا الحوادث والخطوب فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها وينفذوا منها مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم ثم إلى آذانهم ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا، لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا. ورئيس الوزراء يعلم حق العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعنى بأمر الاقتصاد أكثر مما يُعنى بأمر السياسة. وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.
كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان. ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدن لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفيه. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلفها صدقي باشا، عجزًا تامًا. وقد انقضى العام السياسي، ولم يوفق الرجل الطيب ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدد في مسألة الدين العام، تشددًا وضعفًا في وقت واحد. كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها. وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا. وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية، وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا. إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية. واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع. حياة كلها خلط، فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر، والانهزام الذي لا شك فيه. وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًا أو ما يقرب من العام، فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا وفسادًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.
أمة كانت هادئة النفس ومن حقها أن تهدأ فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر حائرة لا تدري ماذا يراد بها. وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تقام الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره، فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني أينما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي ورطت فيه.
كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه يلتمسون المنافع التي تُلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان. فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيَسْمع للضمير ولصوت الوطن وهما يلحان عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟. ولا يخدع رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد، فإن وزارته ميؤوس منها، قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشد عجزًا وأعظم إخفاقًا، ذلك أن الأمم لا تحكم رغم أنفها، ولا تُخدم على غير ما تريد في هذه الأيام. ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيد وزارته ولن تؤيدها. فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئن إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جد الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية، فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب، وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب سيلًا صحيحًا. ولو وثق الأجانب بحكومة يفر منها الشعب، لفاوض الإنجليز صدقي، واطمأن الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب. ولما فشل مؤتمر لندن، فنحن واثقون كل الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكِّنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحل مشكلاته السياسية والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال. فليرفع استقالة وزارته، فإن وزارته هي التي تحول بين مصر وبين هذا كله. وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين. وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.
أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.
فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله. فما نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا…
طه حسين
حديث الوادي، ١٨ يونية ١٩٣٤.