حديث المساء: والآن (٥)
طه حسين
كوكب الشرق
١٧ أبريل ١٩٣٤
نعم، والآن نحب أن نعرف أين يكون الرضا، وأين يكون السخط، ونحب أن نعرف أين يكون الأمل، وأين يكون اليأس، ونحب أن نعرف آخر الأمر لمن تُحْكَمُ مصر الآن. فأما أين يكون الرضا عن الحياة المصرية الآن، فسؤال تستطيع أن تلقيه متى شئت، وحيث شئت، وعلى مَن شئت، وأنت واثق كل الثقة بأنك ستظفر بجواب سلبي واحد مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات، ومهما يكن المسئولون، وهو أن هذا الرضا الذي تبحث عنه ليس في قلوب المصريين، ولا يمكن أن يكون في قلوب المصريين على اختلاف طبقاتهم، وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم، لا نستثني من ذلك إلا الوزراء، وأشباه الوزراء، وأنصار الوزراء.
وهم جماعة تستطيع أن تحصيهم، وأن تحقق في إحصائهم، حتى إذا فرغت من التحقيق والإحصاء الدقيق تستطيع أن تضيف إليهم مثلهم أو مثليهم هبة منك وتبرعًا، وأنت بعد هذا كله لن تبلغ بهم الألف، ولن تتجاوز بهم المئات. وهؤلاء قد يخبرونك بأنهم راضون، وقد يؤكدون لك أنهم راضون، وقد يُقسمون لك جهد أيمانهم أنهم راضون، ولكنك مع هذا تستطيع أن تشك، وتستطيع أن ترتاب، بل تستطيع أن توقن أنهم ساخطون، ساخطون على خصومهم الذين ينكرون الحياة المصرية الحاضرة، ساخطون على مخالفيهم الذين لا يطمئنون إلى أساليب الحكم في هذه الأيام، ساخطون في أقل تقدير على الشعب المصري إذا لم يكونوا ساخطين على فنون الحكم في مصر.
فأما المصريون أنفسهم إذا استثنيت منهم هؤلاء الناس فسَلْهم متى شئت، وكيف شئت، وحيثما شئت: هل للرضا في قلوبهم مكان، وهل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فسيجمعون على جواب واحد، لا يختلفون فيه، وستنطلق ألسنتهم بكلمة واحدة لا يترددون فيها، وهي: لا. سل الموظفين فستعلم أنهم ساخطون؛ لأنهم لا يطمئنون إلى العدل؛ ولأنهم لا يستريحون إلى ما يستريح إليه الموظف في البلاد المتحضرة من أنه: آخذ بحقه من الإنصاف والمساواة، واثق بنصيبه من العدل والقسط، آمن من أن تفسد عليه حياته المحاباة.
سل المثقفين الذين لا يعملون في دواوين الدولة؛ فسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأن كل شيء من حولهم رديء، وسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأنهم لا يشعرون بما يشعر به الرجل المثقف في بلده من أنه: حر، عزيز الجانب، مرعي الحرمة، محفوظ الكرامة، لا يُقَدَّمُ عليه الأجنبي، ولا يُفَضَّلُ عليه الجاهل، ولا يُنْظَرُ إليه كما ينظر إلى المهملات التي لا تغني ولا يرجى منها غناء. سل الفلاحين، وويل للفلاحين! وويل لعواطف الرحمة والإشفاق في نفسك حين تسأل الفلاحين! بل حين ترى الفلاحين، بل حين تسمع أخبار الفلاحين؛ فهناك البؤس والضيق، وهناك الشقاء والضنك، وهناك الذلة والمسكنة، وهناك ما شئت وما لم تشأ مما لم يكن ينتظر أن يُلِمَّ بالناس في القرن العشرين من ألوان الجهد وضروب العناء.
سل العمال، بل سل العاطلين، سل مَنْ شئت من المصريين عن حاله، وعن حال غيره من المصريين؛ فلن تسمع إلا الشكوى، ولن ترى إلا السخط، ولن تستيقن إلا اضطراب النفوس والقلوب، ثم سل من شئت من هؤلاء المصريين عن أسباب هذا السخط الذي يملأ نفوس المصريين؛ فسيعيدون عليك من شئونهم العامة والخاصة ما أجملناه في الفصول السابقة، ولا تسل السياسيين الذين يخاصمون رجال هذا العهد فآراؤهم معروفة، ومذاهبهم واضحة.
ولعلك إن كنت تحب القضاء الذي لا جور فيه، ولا تأثر بالميول والأهواء أن تكره سؤال الساسة بعدما ظهر من موقفهم، وما تبين من إنكارهم لكل شيء في هذا العهد السعيد، فإذا أرضيت حاجتك من سؤال المصريين، وعلمت علمهم، واستيقنت أنهم أبعد الناس عن الرضا، وأقرب الناس إلى السخط؛ فدعهم إلى الأجانب، فسل هؤلاء الأجانب أين يكون موقع الرضا من قلوبهم؟ وأين يكون منزل الاطمئنان من نفوسهم؟ فستسمع منهم جوابًا تدهش له أول الأمر، ولكنك لا تنكره بعد التفكير، ستسمع منهم جوابًا يشبه جواب المصريين؛ فهم غير راضين، وهم غير مطمئنين.
ومع ذلك فقد كانوا يعلنون الرضا منذ حين، ومع ذلك فقد كانوا يسرفون في الثناء على صدقي باشا وأصحابه منذ حين، ومع ذلك فقد كان كل ما يظهر من أمرهم يدل على الرضا، بل على الغبطة والابتهاج، ولكنهم برغم هذا ليسوا راضين الآن، ولا مطمئنين، وإنما هم ساخطون أشد السخط، قلقون أعظم القلق. لماذا؟ لأن المصريين أنفسهم ساخطون قلقون؛ لأن الحياة كلها في مصر ساخطة قلقة مضطربة؛ ولأن الأجنبي لا يستطيع أن يرضى ولا أن يطمئن إلا إذا رضي من حوله، واطمأن الناس الذين يعيش معهم ويعاملهم في كل يوم؛ ولأن سوء الظن بالأجنبي قد وجد السبل إلى نفوس المصريين لما ظهر من إسراف الرجال الرسميين في هذا العهد في: إرضائهم، ومحاباتهم، وإيثارهم بالخير والبر دون أبناء الوطن.
وإذا وصل سوء الظن بالأجانب إلى قلوب المواطنين؛ فلا بد من أن يصل إلى قلوب الأجانب أنفسهم، ولا بد أن تقوم الصلات بين الوطنيين والأجانب على الشك والريبة، وعلى الحذر والاحتياط، وعلى الخوف وانتظار المكروه، وليس هذا كله مما يقر الرضا في القلوب، ويذود السخط عن النفوس.
ثم دع المصريين ودع الأجانب أيضًا، واعمد إلى صدقي نفسه مؤسس النظام الحاضر، ومقيم هذا العهد الجديد السعيد، وإلى من بقي له من الأصدقاء والأولياء مهما يكونوا قليلين، فسلهم هل هم راضون؟ بل سلهم هل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فستظفر منهم بنفس الجواب الذي ظفرت به من المصريين والأجانب، وهو لا، وستعلم منهم ما علمته من المصريين والأجانب من أن الرضا لا يعرف إلى نفوسهم سبيلًا، وليس من شك في أن الأسباب التي تدفعهم إلى السخط وتحرمهم لذة الرضا والاطمئنان، مخالفة كل المخالفة للأسباب التي تحول بين المصريين والأجانب وبين الرضا والاطمئنان، ولكنهم ساخطون قلقون على كل حال، ولكنهم منكرون للعهد الذي أقاموه، كانوا ينتظرون منه شيئًا فجنوا منه أشياء، لم يكونوا ينتظرونها ولا يقدرونها، وهَبْ رئيس الوزراء وأصحابه صُرِفُوا عن الحكم كما صُرِفَ عنه صدقي باشا؛ فسيسخطون كما سخط عنه صدقي باشا، وكما كان رئيس الوزراء نفسه ساخطًا في تلك الأشهر التي قضاها بين خروجه من الوزارة وعودته إلى الرياسة، وإذن فأين يكون الرضا ما دام لا يوجد في نفوس المصريين، ولا في نفوس الأجانب، ولا في نفوس الذين أقاموا هذا العهد؟
سل عنه الإنجليز؛ فهم الذين يمكن أن يكونوا راضين، وهم الذين يمكن أن يكونوا مطمئنين؛ هم يرضون لأن إليهم القوة والبأس؛ ولأن لهم السطوة والسلطان؛ ولأنهم لا يكرهون اضطراب المصريين وفساد أمورهم، فقد ينتفعون من الاضطراب وفساد الأمور، ومع ذلك فهل من الحق أن الإنجليز راضون؟ وهل من الحق أن مواهبهم السياسية قد قصرت حتى عن أن تفهم هذه الأوليات التي تقضي بأن اضطراب الأحزاب قد يفيدهم، ولكن اضطراب الشعب كله لا يمكن أن يفيدهم ولا أن ينفعهم؛ لأن اضطراب الشعب كله خليق أن يفسد عليهم وعلى الشعب نفسه كل شيء.
ما نظن أن الإنجليز قد وطنوا أنفسهم على أن يحكموا مصر كما تحكم المستعمرات؛ فهم أذكى من ذلك وأمهر، وهم أضعف من ذلك وأعجز إن طمعوا فيه؛ وإذن فليس هناك موقف بين موقفين، وإنما هناك موقف من موقفين: فإما أن تقوم الصلة بين مصر وإنجلترا على المودة والحق، وما أبعدها الآن من القيام على المودة والحق، وإما أن تقوم على السلطان والبطش، وعلى القهر والعسف، وعلى الإخضاع والإذلال، والإنجليز يعلمون حق العلم؛ لأنهم مجربون أن هذا لا سبيل إليه، وأنه إن نجح الآن في ظاهر الأمر فهو مخفق من غير شك غدًا، وأنه إن خُيِّلَ إليهم أنهم مسيطرون على الأمر، فهو يزرع لهم في قلوب المصريين — نستغفر الله — بل في أرض مصر وسمائها، وفي ماء مصر وهوائها بغضًا قويًّا عميقًا بعيد الأثر لا طاقة لهم به مهما يكونوا أقوياء، ولا قدرة لهم عليه مهما يسيطروا على البر والبحر.
لا يمكن أن تقوم الصلة بين المصريين والإنجليز إلا على إحدى هاتين القاعدتين، فأما الموقف المُذبذب بينهما، فأما الاضطراب بين الشدة واللين، فأما التردد بين الحق والباطل، فأما إظهار الحياد وإضمار التدخل؛ فالإنجليز يرون آثاره الآن، وهم يرونها يسيرة في ظاهر الأمر، ولكنهم قادرون على أن يمضوا في التجربة؛ فسيرون يومئذ أن نتائجها ليست مما يسر، ولا مما يرضي، ولا مما يلائم كرامة الشعوب المتحضرة، ولا مطامع الشعوب القوية المتسلطة.
وهنا تستطيع أن تلقي السؤال الثاني من هذه الأسئلة التي بدأنا بها هذا الفصل، وهو: أين يكون الأمل؟ وأين يكون اليأس؟ ولن تشقى في انتظار الجواب على هذا السؤال؛ فالمصريون ساخطون كل السخط، ولكنهم بعيدون كل البعيد عن اليأس والقنوط؛ لأن هذا الظلم الذي يلقونه ليس أول ظلم عرفوه؛ ولأن هذه المحنة التي يشقون بها ليست أول محنة بلوها، هم جربوا كما جرب غيرهم من الأمم، وهم عرفوا كما عرف غيرهم من الأمم أن ليس إلى اليأس سبيل إلى نفوس الشعوب الحية، وإن وجد اليأس سبيلًا إلى نفوس الضعفاء من الأفراد.
هم ساخطون لكن سخطهم هذا دليل على الحياة، وآية على الأمل، فلو قد كانوا يائسين أو قريبين من اليأس لرضوا بما ينكرون، ولقبلوا ما يرفضون، ولسعدوا بما يرونه شقاء وبؤسًا.
ليس اليأس في قلوب المصريين، فابحث عنه إن شئت في قلوب أخرى فلعلك تجده، أو تجد شيئًا يشبهه.
ثم ألقِ السؤال الثالث الذي قدَّمناه بين يدي هذا المقال، لمن تُحْكَمُ مصر الآن؟ ليست تحكم للمصريين، وإلا لما سخطوا ولا شكوا ولا ضاقوا بالحياة؛ وإذن فلمن تحكم مصر الآن؟ سَلْ عن ذلك الإنجليز، وسَلْ عن ذلك هذه المئات التي تُظْهِرُ الرضا والاغتباط، فلعلَّ الإنجليز ولعلَّ هذه المئات يستطيعون أن يجيبوك على هذا السؤال.
ثم ألقِ بعد هذه الأسئلة كلها سؤالًا رابعًا أخيرًا لمَنْ ينبغي أن تُحْكَمُ مصر؟ فإذا أردت جوابًا على هذا السؤال، فالتمسه عند الحق، والتمسه عند العدل، والتمسه عند الضمائر الحية في الأمم الحية، ولا تنسَ بعد هذا كله أن تلتمسه في قلوب المصريين وضمائرهم، وفي آمال المصريين، وفي تاريخهم أيضًا؛ فأنت واثق بأنك ستجد هناك الجواب الصريح الجلي القاطع الذي لا لبس فيه ولا غموض.
Tag: National governance
-
شئون
حديث اليوم: شئون
طه حسين
جريدة السياسة
١٢ يوليو ١٩٣٢
كل شيء يدور في هذا العالم، كما قال فيلسوف من فلاسفة اليونان لا أذكر اسمه الآن، وليس يعنيني أن أتكلف البحث عنه؛ لأني لا أكتب في تاريخ الفلسفة، وإنما أكتب في تاريخ السياسة، أو قل: في شيء ليس من اليسير تسميته؛ فليس هو تاريخًا بالضبط، وليس هو سياسة بالضبط، وإنما هو كأي شأن من الشئون المصرية في هذه الأيام غامض مبهم، ليس من السهل أن يحدد، أو أن يحقق أو أن يسمى. وآية ذلك أننا مختلفون: يرى بعضنا أن في مصر أزمة عنيفة لا تذر شيئًا أتت عليه إلا ذهبت به وعصفت به عصفًا. ويزعم رئيس الوزراء — ومعه الأمة كلها — أن ليس في مصر أزمة، أو أن الأزمة في مصر لا تكاد تذكر بالقياس إلى الأزمة في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من أقطار الأرض، وأن الحياة عندنا ناعمة، والدنيا لنا باسمة، وأن الفلاح سعيد ينتقل من عيد إلى عيد، بينما الفرنسي أو الإنجليزي لا يظفر من نعيم الدنيا بشيء؛ تُحجز أرضه وثمراتها وتباع ماشيته وأمتعته، وتُجنى منه الضرائب بألوان من الضغط. والغريب من أمرنا أنَّا نسأل الفلاح أسعيد هو أم شقي؟ أناعم هو أم بائس؟ فيجيبنا بأنه قد وصل من التعس إلى قراره، وأنه قد أخذ يحس لذع الجوع! فإذا لم يمسسه جناح من رحمة الله فهو هالك من غير شك. ثم يسأله رئيس الوزراء: أسعيد هو أم شقي؟ فيجيب بأنه قد وصل من السعادة إلى قمتها، وأن الحكومة القائمة قد مدت له الأسباب ليبلغ السحاب، وأن الأمر إن امتد لهذه الحكومة عامًا أو بعض عامًا، فسيدخل الفلاح الجنة في هذه الحياة العاجلة دون انتظار للآجلة!
وعلى هذا النحو يعلن المعارضون أن في مصر أزمة حادة، وتعلن الحكومة أن مصر لا تعرف من الأزمة إلا اسمها. والمعارضة صادقة؛ لأنها تحس وتشعر. والحكومة صادقة؛ لأنها تحسن البحث والاستقصاء. فنحن إذن فقراء أغنياء، سعداء أشقياء، بائسون ناعمون.
وقل مثل هذا في حياتنا السياسية الداخلية؛ فنحن أحرار عبيد، ونحن أعزاء أذلاء، نحن مجتمع النقائض، ونحن باجتماع هذه النقائض راضون، وإليه مطمئنون. نقرأ رئيس الوزراء أو نسمع له فنتفكه، ونقرأ كلام المعارضين — وقد حيل بيننا وبين الاستماع لهم — فنحزن ونتوله! وكذلك جمع الله لنا ما لا بد منه في الحياة الصالحة من الرضا والسخط، ومن اللذة والألم ومن الفكاهة والجِد، ومن السعادة والشقاء.
وقد ذهبت هذا المذهب من الاستطراد؛ لِأُثْبِتَ لك أن كل شيء في مصر غامض مبهم في هذه الأيام لا يمكن أن يحدد ولا أن يسمى. وإني لا أدري كيف أحدد ما أكتب فيه، ولا كيف أسميه؟! ولكني أعلم أنه ليس فلسفة، ولا تاريخ فلسفة.
كل شيء يدور إذن كما قال ذلك الفيلسوف اليوناني القديم. فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول نفسها. وجريدة الشعب تدور حول البرلمان، والبرلمان يدور حول الوزارة، والوزارة تدور حول نفسها. ولست أدري أيحتفل القمر وتحتفل الأرض وتحتفل الشمس إذا أتم كلُّ منها دورته؟! لأني لم أتعلم بعدُ لغة الكواكب والنجوم. ولكني أعلم أن الوزارة تحتفل إذا أتمت دورتها؛ وآية ذلك أن رئيس الوزراء قد استقبل عامه الثالث سعيدًا ناعم البال، فطار بجناحين، وخطب بلسانين، وأهدى السلم إلى برقة، ووضع ثقل الحرب على الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة ومعه جيشه وأنصاره ظافرين موفورين، لم يُكْلَمْ أحد منهم كَلْمًا. عاد إلى القاهرة ليحتفل بإتمام دورة أخرى هي دورة البرلمان. فقد كان يوم الخميس الماضي عيدًا سعيدًا، حفل له البرلمان، وابتهج له المجلسان وخطب فيه الرؤساء والوكلاء والمؤيدون والمعارضون، فأعلنوا جميعًا أن مصر بخير وأن المال عليها موفر، والاستقلال لها محقق، والحرية لأهلها مكفولة. ثم هنأ أولئك وهؤلاء أنفسهم بإتمام الدورة على خير حال، وبأنهم قد داروا ثم داروا فلم يصبهم دوار، ولم يأخذهم صداع، ولم تَزِلَّ بهم قدم، ولم تضطرب تحتهم أرض، فظلوا قائمين، أقدامهم على الأرض، ورءوسهم في الهواء، وأعينهم شاخصة إلى السماء، يرقبون دورة القمر حول الأرض، ودورة الأرض حول الشمس، ودورة الشمس حول نفسها؛ ليدوروا هم حول الوزارة من جديد، ولتدور الوزارة حول نفسها من جديد، ولتدور جريدة الشعب حولهم وحول الوزارة من جديد.
ثم كان يوم الجمعة فظهر الشعب محتفلًا بالدورتين ممتلئًا بآيات البيان مما قيل في البرلمان، متحليًا بتلك «الفريدة» التي ألقاها رئيس الوزراء في مجلس النواب فأخرس بها المعارضة، وأنكر بها المفاوضة، وأعلن فيها أنه لم يأتِ البيوت من أبوابها، وإنما جاءها من ظهورها، وأنه لم يطلب المفاوضة بالأسلوب المعروف وإنما طلبها بالأسلوب غير المعروف. وأن مبدأ المفاوضة مقبول، وتاريخها مجهول، وأن أساس هذه المفاوضة التي قد تكون وقد لا تكون، سيكون في مصلحة مصر؛ لأن مصلحة مصر يجب أن تكون فوق شيء. وأن الحكومة القائمة لا تنسى وليس يمكن أن تنسى ومن المستحيل أن تنسى مصلحة مصر في صداقة إنجلترا.
وقد سمع النواب وازدهاهم الإعجاب، فصفقوا وهتفوا ثم انصرفوا، وأخذ الأكفاء منهم وكلهم أكفاء، والأذكياء منهم وكلهم أذكياء، يسألون أنفسهم عن رئيس الوزراء ماذا قال؟ وبأي شيء أجاب على ما يشاع ويذاع، ويملأ الأسماع، من أن الإنجليز يرفضون المفاوضة، ويخافون المعارضة، ويؤثرون الانتظار حتى يكون استقرار، غير هذا الاستقرار؟ أخذ النواب يتساءلون فلا يجدون جوابًا، ويحسبون فلا يحسبون حسابًا. ذلك أن رئيس الوزراء — كما قلت لك في غير هذا الفصل — خطيب بارع، يقول كل شيء ولا يقول شيئًا. فهو قد طلب المفاوضة ولم يطلبها، وهو مقبل على المفاوضة مدبر عنها. وهو حريص على المفاوضة زاهد فيها. وهو يعلم أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، ولكنه لا يعلم متى تأتي، أمرها كأمر الساعة لا بد منها ولا محيص عنها، ولكن علمها عند الله، وعند الله وحده، قد تدركنا وقد نفلت منها. كذلك المفاوضة، لا بد من أن تأتي ومن أن يحدد لها يوم أو أيام، ومن أن تدور حول مصلحة مصر ومصلحة مصر في صداقة إنجلترا. ولكن متى؟ علم ذلك عند الله. ولكن مع من؟ علم ذلك عند الله. ولكن أين؟ علم ذلك عند الله. ورئيس الوزراء رجل كغيره من الناس، له ذكاء لا يشبهه ذكاء، وفطنة ليس كمثلها فطنة، ولكنه لا يعلم الغيب، ولا يزعم لنفسه علم الغيب. فهو إذن لا يستطيع أن يخترق حجبه ليعلن للشيوخ والنواب متى تكون المفاوضة؟ أو أين تكون المفاوضة؟ أو مع من تكون المفاوضة؟ كل ما يعلمه هو أنه طلب المفاوضة بأسلوب غير معروف، فرُدَّ على طلبه بأسلوب غير معروف، وكانت نتيجة هذا كله أن المفاوضة بيد الله يتيحها لمن يشاء متى شاء وحيث شاء وكيف شاء.
وبينما كان رئيس الوزراء يبسط على مجلس النواب جناحي خطابته العريضين فيظله من اليأس بأمل غامض ويحميه من القنوط برجاء شاحب، كانت سفينة من السفن تشق العباب وعليها كتاب. فأما قصد السفينة فثغر من ثغور مصر، وأما وجهة الكتاب فجريدة الأهرام.
وقد وصلت السفينة وبلغت الرسالة، وظهرت الأهرام صباح اليوم وفي صدرها كلام، أُفٍّ له من كلام! لقد أقفل الإنجليز باب المفاوضة الآن، وألقى رئيس الوزراء يوم الخميس ستارًا مزركشًا على مهزلة المفاوضة، وانصرف الناس لشئونهم. فما بال الأهرام تثير حديث المفاوضة من جديد، وترفع الستار عن هموم وأخطار، كان من الخير أن تظل مكتومة مستورة، حتى ينتهي الصيف ويأتي الخريف؛ فقد يكون الخريف وقتًا ملائمًا لمثل هذه الأحاديث؟!
نعم، إن لكل شيء وقتًا وإبَّانًا، ولكن يظهر أن لا بد من إعداد الأشياء والتمهيد لها قبل أن تكون، وأن ما يقع في الخريف يحسن أن يهيأ له في الصيف، وأن الله إذا كان قد قدر للشمس والأرض والقمر دوراتٍ لا تستطيع أن تخرج عنها، فإن الناس لم يحسنوا إلى الآن أن يقدروا للوزارات والبرلمانات دوراتٍ دقيقةً كل الدقة، مضبوطة كل الضبط. فقد تدور الوزارة في مدارها آمنة مطمئنة مقدِّرة أنها لن تقف قبل نوفمبر، ثم يعرض لها عارض فتقف قبل ذلك. هذه أشياء نشهدها كل يوم، وفي كل مكان، وأنا أخشى أن يكون حديث الأهرام الذي ظهر صباح حديث الأهرام هذا تأكيدًا لما هو معروف من إعراض الإنجليز عن المفاوضات ونفورهم منها حتى بعد أن يتم العام ويبتدئ العام الجديد، وفيه كلام عن الانتخاب، فيه الخطأ وفيه الصواب. لكنَّ فيه شيئًا آخر، فيه ذكر الوزارة التي يمكن أن تفاوضها إنجلترا. وهذه الوزارة لا تشبه الوزارة القائمة في شكل ولا في لون، ولا تقاربها في عرض ولا في طول. وهي مشبهة كل الشبه للوزارة التي ذكرها الأحرار الدستوريون في كتابهم الذي رفعوه إلى حضرة صاحب الجلالة الملك.
ومن الغريب أن وزارة مكاتب الأهرام هذه لا تشبه الوزارة التي كانت قد اقترحت، وطلب أن يشترك فيها رئيس الوزراء فقد ذكر مكاتب الأهرام أن المقامات الإنجليزية ترغب في أن تفاوض وزارة قومية يشترك فيها المستقلون والأحرار الدستوريون، والوفديون والاتحاديون والوطنيون، ونسيت الشعبيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء.
كل شيء يدور حتى الإنجليز، وحتى لندرة، وحتى المقامات السياسية في عاصمة بريطانيا العظمى؟!
أرجو أن أكون مفهومًا، فلست أقدر مقال الأهرام هذا أكثر مما ينبغي، ولست أزعم له خطرًا عظيمًا. ولكني أسأل عن أمرين؛ أحدهما: صدق مكاتب الأهرام فيما يضيف إلى المقامات السياسية الإنجليزية. فإن كان مكاتب الأهرام صادقًا فيما يروى فقد بدأت المقامات السياسية الإنجليزية تعلن ما كانت تخفي من أن في مصر أزمة سياسية يجب أن تحل، ومن أن حلها يجب أن يكون بإبعاد صدقي باشا عن الحكم، وبأن يرد أمر المصريين إلى المصريين، ومعنى هذا أن سياسة الحياد قد فشلت، ولا بد من أن تغير وتزول. وإعلان هذه الآراء في المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة خطر يجب أن يتداركه رئيس الوزراء. والظاهر أن الخرق قد اتسع على وزيرنا المفوض في لندرة، وعلى من يشاركونه سرًّا أو جهرًا في كسب هذه المقامات للوزارة القائمة. فلم يبقَ بد من أن يمد وزيرنا المفوض بمدد جديد. ولو أن رئيس الوزراء يقبل لي رأيًا أو مشورة لاقترحت أن يسافر وزير المواصلات فورًا إلى لندرة ليعين على جمع الأمر قبل أن يتشتت.
وإذا لم يكن مكاتب الأهرام صادقًا في روايته عن المقامات الإنجليزية — وأنا أرجح جدًّا أنه صادق — فمن حق الحكومة أن تعاتب الأهرام. فإن نشر هذا المقال ليس من شأنه أن يمتع الشيوخ والنواب بالراحة التي يستحقونها بعد أن داروا وداروا وآن لهم أن يستقروا.
الأمر الثاني الذي أسأل عنه هو استقلال مكاتب الأهرام بكتابة هذا الفصل. فهل كتبه من تلقاء نفسه أم هل أوحي إليه به كله أو بعضه؟ فإن تكن الأولى فلا بأس على مكاتب الأهرام، فهو صحفي أمين يؤدي واجبه كما ينبغي أن يؤدى الواجب. ومن حق رئيس الوزراء أن يهمس في أذن الأهرام بأن من رسائل المكاتبين الأجانب ما ينشر وما لا ينشر. وبأن هذه الرسالة كان ينبغي أن تؤجل الآن. وإن تكن الثانية، فمَنِ الذين ألهموا مكاتب الأهرام وأوحوا إليه؟ أمصريون هم أم إنجليز؟ أرسميون هم أم غير رسميين؟ ففي لندرة مصريون وإنجليز وفيها رسميون وغير رسميين. وأولئك وهؤلاء يعنون بشئون مصر ويرقبون شئون الوزارة القائمة. ومن المصريين في لندرة الآن مَن يحسب له حساب وينبغي أن يقدر رأيه حق قدره.
الحق أني ضقت ذرعًا بمقال الأهرام ولم أرتح إليه؛ فهو لا يؤذن بخير ولا يدل على أن الدنيا ستبتسم للوزارة منذ الآن كما ابتسمت لها من قبل. وإنما يدل على أن الأرض قد أخذت تضطرب قليلًا تحت أقدامها، ويوشك هذا الاضطراب أن يشتد فيصبح زلزالًا أو شيئًا يشبه الزلزال. نعم، وهو يدل على أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش يرغبون إليه في أن يرعى بحكمته العالية، وعطفه السامي شعبه المخلص الأمين، فيحميه من هذه الكوارث التي توشك أن تلم به وينقذه من هذا الخطر الذي يحيق بثروته وكرامته وأخلاقه وحياته، كأمة من حقها أن تحيا كريمة حرة في ظل عرشه الكريم.
نعم، يظهر أن هؤلاء الأحرار الدستوريين كانوا موفقين حين فزعوا إلى صاحب العرش؛ يرغبون إليه في أن يكل أمور مصر إلى وزارة قومية تحبها الأمة وتخلص لها وتعينها على أن تسلك بالبلاد طريق السلامة في هذا الوقت العصيب.
هذه المقامات السياسية الإنجليزية في لندرة تنتظر هذه الوزارة وترى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تتفق مع الإنجليز. وهذا الشعب المصري على ضفاف النيل ينتظر هذه الوزارة ويرى أنها وحدها هي التي تستطيع أن تستنقذه من البؤس، وتحميه من الخطر، وتعزه بعد ذل، وتحفظ له كرامته، وتحقق له استقلاله.
نعم! وهذه الوزارة القائمة تعترف بأن الأزمة فوق جهدها وطاقتها، وتعلن أن علم المفاوضة عند الله، وتقبل راضية أو كارهة أن تبقى في الحكم لتصريف الشئون اليومية، وانتظار ما يضمره لها القضاء، وما ستتكشف عنه حكمة صاحب العرش من حب للشعب ورفق به وإشفاق عليه.
ألم أقل لك: إن مقال الأهرام مخيف؟!