Tag: national self-determination

  • الشعوب الطامحة

    الشعوب الطامحة
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ أكتوبر ١٩٤٥

    ولكن طموح الشعب شيء، وبلوغها ما تطمح إليه شيء آخر، وبين هذين الشيئين عبث ولهو في بعض المواطن، ومكر وكيد في بعض المواطن الأخرى، وحزن وأسًى أحيانًا، وعرق ودماء ودموع — كما قال المستر تشرشل منذ سنين — أحيانًا أخرى …
    الواقع أنك تنظر إلى الإنسانية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فترى طموحًا في كل مكان، ولكنك ترى السعي إلى بلوغ الأهداف التي تطمح إليها الشعوب يختلف اختلافًا كثيرًا باختلاف الأمزجة والظروف التي تحيط بهذه الشعوب. ففي أوروبا طموح شعبي إلى العدل الاجتماعي، يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما لهذه الشعوب من حظٍّ في الرقي، وباختلاف أمزجتها واستعدادها للهدوء والحدة، وللخمود والنشاط. هذه الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية اشتراكية، وتلك الشعوب تريد أن تحقق ديمقراطية شيوعية، وشعوب أخرى تضطرب بين أولئك وهؤلاء.
    وفي أوروبا طموح سياسي أيضًا، فهناك شعوب تستمتع بالاستقلال والتسلط على أمم الأرض، وهناك شعوب تستمتع بالاستقلال البسيط الذي لا تسلط فيه، وهناك شعوب فقدت استقلالها بعد الهزيمة، وأخرى فقدت استقلالها بعد الانتصار، وكل هذه الشعوب طامحة إلى أكثر مما في أيديها. فالشعوب المتسلطة تريد أن توسِّع سلطانها، والشعوب المستقلة تريد أن تضيف التسلط إلى الاستقلال، والشعوب التي فقدت استقلالها تريد أن تسترده، والأمور تختلط بين هذا كله في أوروبا اختلاطًا شديدًا يملأ كثيرًا من النفوس رثاءً للإنسان الذي خَيَّل إليه الغرور أنه يقدر على كل شيء، ثم أظهرت له الحقائق الواقعة أنه لا يكاد يقدر على شيء! وإن فيما يحدث الآن في جنوب أوروبا عامةً — وفي بلاد اليونان خاصةً — لعبرة لمن يريد أن يعتبر، ولكنَّ الذين يحبون الاعتبار ويحرصون على الانتفاع بحوادث التاريخ قليلون. لقد اعتدى المحور على اليونان، وكانت بلاد اليونان في ذلك الوقت خاضعة لنوع من الدكتاتورية، يشرف عليه الجنرال متكساس، فلم تكد تعرض للعدوان حتى نسيت أحقادها وضغائنها، ووقفت موقفًا رائعًا أعجب به العالم الحديث، كما أعجب العالم القديم بمواقف أخرى رائعة للشعب اليوناني العظيم. وقد كاد هذا الشعب الصغير الكبير يقهر إيطاليا، لولا أن أسرع هتلر فأعان حليفه موسوليني. ثم امتحنت الأمة اليونانية في كل شيء، وفقدت كل شيء إلَّا الشرف والكرامة. ثم انتصر اليونان مع المنتصرين، ولكنهم لم يظفروا بعد باستقلالهم كاملًا، فما زال وطنهم محتلًّا، وما زال مستقبلهم موضوع الصراع بين شرق أوروبا وغربها. يريد فريق من اليونانيين ديمقراطية معتدلة، وتؤيدهم ديمقراطية الغرب، ويريد فريق آخر ديمقراطية متطرفة، وتؤيدهم شيوعية الشرق. ويختلط الأمر على الشعب اليوناني، فيعجز حتى عن أن ينشئ لنفسه حكومة مستقرة، تستفتي الشعب استفتاءً صحيحًا، وإذا الأمة اليونانية تعود إلى شيء يشبه الدكتاتورية. فهذا الوصي على العرش يجمع اليوم بين رياسة الدولة ورياسة الحكومة، فهو مسئول وهو غير مسئول، أمره في ذلك كأمر الجنرال ديجول في فرنسا، لولا أن شئون الحكم في فرنسا تسعى إلى طريقها الطبيعية سعيًا هادئًا مستقرًّا؛ لأن فرنسا تستمتع باستقلالها كاملًا، ولا تخضع لهذا الصراع بين ديمقراطية الشرق وديمقراطية الغرب، وإنما تخضع لتطورها الطبيعي.
    ولا يدري أحد أتنجح هذه التجربة الجديدة في اليونان أم تخفق؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك، هو أن الشعب اليوناني لو خُيِّر لاختار، ولكنه ليس حرًّا في هذا الاختيار، ولن يكون حرًّا إلَّا إذا جلا عنه المحتلون من الأجانب، وترك الشرق والغرب له تدبير أمره كما يريد. وليست الحال في بلغاريا ورومانيا بخير منها في بلاد اليونان، وإن كنا لا نعرف من أمر هذين القطرين شيئًا؛ لأن السلطان الروسي يفرض عليهما رقابة لا تطاق. فأمَّا بلاد المجر فقد أعلنت فيها حالة الطوارئ — بعد أن شملتها الفوضى — وكاد يشملها الخراب. وليست الأمور مستقرة في بولندا، وليس الأمن شائعًا في ألمانيا والنمسا وإيطاليا، وإنما هو الاضطراب الشامل، والصراع الذي يختلف قوةً وضعفًا بين ما تريده الشعوب وما تريده حكومات المنتصرين. والذين يظنون أن الأمور في أفريقيا خير من الأمور في أوروبا، يخادعون أنفسهم خداعًا شديدًا، فيكفي أن تنظر إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط الأفريقي، لتعلم أن العرب في شمال أفريقيا ساخطون مضطربون، وأن أهل ليبيا خائفون مرتقبون، وأن أهل مصر مشفقون وجلون. فأمَّا فلسطين، فأنت تعلم ما يجري في فلسطين، وأمَّا سوريا ولبنان فأنت تعلم ما يجري في سوريا ولبنان. فإذا بلغت تركيا فهناك الخوف كل الخوف، والقلق كل القلق، وإبقاء الجيوش معبأة في بلد غير محارب، ولكنه يخاف المكروه. فأمَّا إيران فقد أمر إمبراطورها ألَّا يحتفل بعيد ميلاده، ما دام الوطن الإيراني خاضعًا للاحتلال الأجنبي. وخطوب الهند أظهر من أن تحتاج إلى بيان. وكذلك يضطرب العالم كله بهذا الصراع بين طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال وحرص حكومات ثلاث أو أربع على التسلط والقهر. وكل هذه الشعوب الطامحة — في كل هذه الأقطار من الأرض — تشقى بهذا الطموح، وتأسى لهذه الآمال التي لا تجد إلى تحقيقها سبيلًا. وكثير من هذه الشعوب يضحي بدمائه ومنافعه أثناء السلم، كما ضحَّى بها أثناء الحرب في سبيل هذه الآمال. ولا يكاد الرأي العالمي العام يشغل نفسه بثورة من الثورات في قطر من الأقطار حتى تعن له ثورة أخرى في قطر آخر تشغله، وتستغرق ما يملك من جهد وتفكير بحيث:
    تكاثرت الظباء على خراشفما يدري خراش ما يصيد
    فقد شغل الرأي العالمي العام بمشكلة شرق أوروبا، ثم بمشكلة جنوب أوروبا، ثم بمشكلات العالم العربي، وأظهرها مشكلة فلسطين، ثم بالمشكلة التركية الروسية، ثم بمشكلة إيران. وبينما هو مشغول بهذه المشكلات كلها، جاءته مشكلات الشرق الأقصى، وهي مشكلات غريبة حقًّا، أو قل: إنها مشكلات طبيعية لا غرابة فيها؛ لأنها نشأت من هذا الينبوع الذي نشأت منه المشكلات كلها، وهو ينبوع الوعود التي تُبذل في كثير جدًّا من الكرم والسخاء، ثم لا يبر بها الذين بذلوها.
    وموقف حلفائنا البريطانيين بنوعٍ خاص من هذه الوعود، يدعو إلى الضحك والرثاء حقًّا، فهم قد وعدوا — كما وعد غيرهم من الحلفاء — ولكنهم بذلوا وعودًا متناقضة أشدَّ التناقض، قالوا للشعوب المستضعفة إنهم يعدونها بالحرية والاستقلال، وبما اشتمل عليه ميثاق الأطلنطي من سخاءٍ ورخاء، وقالوا في الوقت نفسه لبعض الشعوب الأوروبية المنهزمة إنهم يعدون بمعونتها حتى تسترد استقلالها كاملًا شاملًا، وسلطانها واسعًا موفورًا. فلما وضعت الحرب أوزارها، قالت الشعوب الضعيفة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا الاستقلال الذي وعدتم به، والحرية التي زينتموها في قلوبنا، وخيَّلتم إلينا أنها قريبة المنال. وقالت الشعوب المحررة لحلفائنا الإنجليز: هلم امنحونا ما وعدتم به من المعونة، على أن نسترد سلطاننا واسعًا موفورًا. وقال الشعب الإنجليزي للشعب الإنجليزي: يجب أن نحقق ما وعدنا به من العدل، وإلَّا ساء الظن بنا، واشتد الشك فينا، وفقدنا ثقة العالم، ويجب في الوقت نفسه أن نحتفظ بإمبراطوريتنا كاملة غير منقوصة، فليس من المعقول أن نعين الفرنسيين على استرداد الهند الصينية، والهولنديين على استرداد إندونيسيا، ونفقد نحن الهند أو غيرها من أجزاء الإمبراطورية.
    ونظر المستر إتلي، ونظر معه مجلس العموم، فإذا بريطانيا العظمى قد وعدت هولندا بمساعدتها على استرداد الإمبراطورية الهولندية، وضمنت لها سلامة هذه الإمبراطورية، ووعدت في الوقت نفسه بألا تعين على الاستعمار، وألَّا تؤيد الظلم والجور، وألَّا تمكن القوي من الاستبداد بالضعيف! وأهل إندونيسيا يطالبون بريطانيا العظمى بالوفاء، وحكومة هولندا تطالب بريطانيا العظمى بالوفاء. والمشكلة التي تواجه بريطانيا العظمى الآن، هي كيف تفي لأهل إندونيسيا والهند الصينية بما وعدت به العالم كله من حرية واستقلال، ولهولندا وفرنسا بما وعدت به من ردِّ أملاكهما إليهما سالمة؟ كيف تمنح الاستقلال لأهل هذه الأقطار في الشرق الأقصى، وترد هذه الأقطار إلى هولندا وفرنسا في وقت واحد؟!
    وهي مشكلة خطيرة كما ترى، وقد همَّ المستر أنتوني إيدن أن يجد منها مخرجًا لبقًا، فتساءل أمس في مجلس العموم: أليس الهولنديون هم الذين أعلنوا الحرب على اليابان؟ ومعنى هذا واضح، هو أن الهولنديين يجب أن يجنوا — وحدهم — ثمرة هذه الحرب التي أعلنوها. ولكن المستر إتلي رجل شديد الحياء والوفاء أيضًا، فهو يرد على وزير الخارجية السابق بأن الهولنديين إنما أعلنوا الحرب تضامنًا مع الحلفاء.
    ويزيد هذه المشكلة تعقيدًا أن البريطانيين قد اضطروا إلى أن يستعينوا باليابانيين المنهزمين على إقرار النظام في إندونيسيا، فهل رأيت منتصرًا يستعين بالمنهزم وغالبًا يعتزُّ بالمغلوب؟ ولكن الضرورات تبيح المحظورات، وقد صدق الشاعر القديم حين قال:
    إذا لم يكن إلَّا الأسنة مركبًافلا أرى للمضطر إلا ركوبها
    وإذن، فسيستعين البريطانيون بأعدائهم من اليابانيين على حفظ النظام في إندونيسيا؛ حتى تستطيع هولندا أن ترسل الجيوش الكافية لحفظ النظام في تلك الأقطار. ويومئذٍ يرد اليابانيون إلى بلادهم، ويعود البريطانيون إلى قواعدهم، ويخلى بين الهولنديين وما يملكون من قوة وبأس في البر والبحر والجو، وبين الإندونيسيين وما كتب عليهم من ضعف وبؤس وشقاء، وجهاد فيه ما وعد به المستر تشرشل من العرق والدماء والدموع!
    وهذه المأساة التي تمثل الآن في إندونيسيا تمثل في بلاد أخرى كثيرة من أقطار الأرض؛ وعودٌ تُبذل في أوقات الشدة، وإخلافٌ لهذه الوعود في أوقات الرخاء، وتعاون بين القوى المنتصرة على إخضاع المظلومين الذين لا يجدون سبيلًا إلى الانتصار. على هذه السُّنة جرت الأمور بين أوروبا القوية والشرق الضعيف، والله عز وجل لن يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا أراد الشرق أن يكون كريمًا عزيزًا، مستمتعًا بحقِّه في الاستقلال، فليلتمس هذا كله عند نفسه لا عند أوروبا؛ فإن أوروبا لن تقدم إليه هذه الهدية، وإنما تؤثر بها نفسها. وما أكثر ما يطلب الشرقيون إلى الشرقيين المعونة والتأييد، وما أكثر ما يهدي الشرقيون إلى الشرقيين من معونة وتأييد، ولكنها معونة بالقلوب وتأييد بالألسنة، وهي أضعف المعونة وأضعف التأييد!
    وإذن، فليس أمام الأمم المستضعفة إلَّا شيئان ليس لهما ثالث: فأمَّا أولهما فالعمل الذي لا يعرف توانيًا ولا تواكلًا، وأمَّا ثانيهما فالأمل الذي لا يقنط من روح الله، فإنه لا يقنط من روح الله إلَّا القوم الكافرون.

  • مستقبل الاستعمار

    مستقبل الاستعمار
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢٦ أغسطس ١٩٤٥

    كانت وعود الحلفاء أثناء الحرب حين كانت الخطوب تتلاحق، والكوارث تتابع، والمحن يقفو بعضها إثر بعض …

    كانت وعود الحلفاء رائعة حقًّا؛ فهم قد ضمنوا للعالم سلامًا دائمًا، وأمنًا متصلًا من العدوان والحرمان والخوف والجوع، واستمتاعًا مستقرًّا بحرية الرأي والقول والعمل والدين.

    وكانت هذه الدعوة الرائعة ملحة تتكرر في كل يوم، لا يدار مفتاح الراديو إلا سُمعت من المذيعين، ولا تنشر صحيفة إلَّا قُرِئتْ فيما يذاع من المقالات المُدبَّجة، والفصول المنمقة، والأخبار الطوال، حتى استيقن أصحاب السذاجة وأصحاب الثقافة الممتازة، والذين يتوسطون بين أولئك وهؤلاء، أن هذه الوعود ستصبح حقائق واقعة متى وضعت الحرب أوزارها.

    وقد وضعت الحرب أوزارها، وأخذ قادة العالم الجديد يضعون أسس العالم الجديد، واتجهت العقول والقلوب والأبصار والأسماع إلى سان فرانسسكو لترى فَجْرَ عالم العدل والأمن والحرية، ولتتنسم هذا النسيم الجديد الذي يملأ النفوس رضًا وبهجة وأملًا، ولكنها ارتدت خاسرة حاسرة، وبائسة يائسة؛ فقد وضعت أسس العالم الجديد، ولم يُضمَن فيها للناس أمن من خوف ولا من جوع، كما لم يُضمَن للناس استمتاع بحرية أو استقلال، وإنما قام العالم الجديد على ما قام عليه العالم القديم من الأسس: توازن بين الأمم القوية من جهة، وتسلط على الأمم الضعيفة من جهة أخرى، واستغلال الشعوب المتأخرة في الحضارة من جهة ثالثة.

    وإذن فستطلع الشمس وتغرب على نفس العالم الذي كانت تطلع عليه وتغرب من قبلُ لا يتغير إلا تغيرًا ضئيلًا ظاهرًا … فقد قلَّ عدد الأمم القوية فأصبحت ثلاثًا بعد أن كانت ستًّا أو سبعًا، وكثر عدد الأمم الضعيفة، وتفاوتت في الضعف؛ فمنها ما لا خطر له من قوة، ومنها ما له من القوة حظ متواضع، ومنها ما لا يخاف الآن، ولكنه سيخاف غدًا أو بعد غد، ومنها ما لا يخاف اليوم ولا غدًا ولا بعد غد …

    أمَّا الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار فظلت خاضعة للاستعمار، ولكن الأمر فيها يختلف اختلافًا شديدًا، فقد همَّت بعض الأمم المنتصرة أن تفكر في إصلاح حالها شيئًا ما، وأن تتحدث عن تهيئة مستقبل حسن لها في الغد القريب أو البعيد، ولكنها رُدَّت عن ذلك ردًّا عنيفًا، وتقرر في مؤتمر سان فرانسسكو أن ليس لأحد أن يتعرض للمستعمرات التي كانت في أيدي المنتصرين قبل الحرب. أمَّا مستعمرات الأمم المغلوبة فسيُنظر في أمرها؛ أي في تقسيمها بين المنتصرين، وفي طريقة إدارتها، وفي الغرض من هذه الإدارة …

    وتقرر مجاراةً للرأي العام العالمي، وإرضاء للعدل والأخلاق، في ظاهر الأمر على أقل تقدير، أن الغرض الأساسي للاستعمار إنما هو الوصول بالمستعمرات إلى الاستقلال الذاتي في يوم من الأيام. والمهم أن المؤتمرين في سان فرانسسكو تفرقوا دون أن يقدموا للعالم خطوة قريبة أو بعيدة نحو هذه الحرية الشاملة الكاملة التي وُعد الناس بها طوال ستة أعوام.

    فالإمبراطورية البريطانية محتفظة بمستعمراتها القديمة، منتظرة ما سيضاف إليها من أملاك المغلوبين، والإمبراطورية الفرنسية محتفظة بمستعمراتها على شيء من الشك والتردد في مصير بعض هذه المستعمرات في الشرق الأقصى، وقل مثل ذلك بالقياس إلى هولندا وبلجيكا، والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأقصى نظرة طامعة طامحة فيها كلف كثير، وشغف كثير، وعطف كثير على المستضعفين، وتنظر إلى الشرق الأدنى والشرق الأوسط نظرة فيها كثير من الحرص على تحقيق المصالح التجارية والاقتصادية بتأييد من النفوذ السياسي العظيم، وروسيا تنظر إلى الشرق الأقصى وإلى الشرق الأوسط كما تنظر إليهما الولايات المتحدة، فهي تحب الصين حبًّا جمًّا، وتعطف على إيران عطفًا عظيمًا، ولا تكره مداعبة جارتها تركيا. وكما أن الولايات المتحدة هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في القارة الأمريكية كلها، فقد يحسن أن تكون روسيا هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في شرق أوروبا ووسطها، وفي بلاد البلقان أيضًا. كل هذا على أساس العدل والأمن والحرية والمساواة بين الشعوب!

    ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد في الاستعمار لا يخلو من طرافة، وهو هذا الذي أذاعته الحكومة الفرنسية أمس الأربعاء. ولأجل أن نفهم طرافة هذا الاتجاه يحسن أن نتبين في شيء من الإيجاز الصورة القديمة للاستعمار، فقد عرف العالم المعاصر أنواعًا مختلفة من الاستعمار، أبسطها هذا الاستعمار الخالص الذي تخضع فيه المستعمرات خضوعًا مطلقًا لسلطان الأمم التي تستعمرها؛ فليس لهذه المستعمرات حق في أن تحكم نفسها، أو تدبر أمرها، أو تتصرف في شأن من شئونها، وإنما هو الاستغلال المطلق. وهذا النوع من المستعمرات شائع بين الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة؛ فلإنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، بل لإسبانيا والبرتغال مستعمرات تستغلها على هذا النحو.

    وهناك نوع آخر من المستعمرات له لون من الاستقلال الشكلي بشئونه الداخلية يطلق عليه أحيانًا اسم الحماية، وتطلق عليه أحيانًا أسماء أخرى، ولفرنسا وإنجلترا مستعمرات معروفة من هذا النوع الذي يستمتع بشيء من الشخصية، ولكنه لا يكاد يستمتع بشيء من الحق. على أن المثل الأعلى الذي وصل إليه العالم الحديث في الاستعمار هو هذا الذي حققته الإمبراطورية البريطانية بالقياس إلى مستعمراتها المستقلة، فكندا وأفريقيا الجنوبية وأستراليا وزيلندا الجديدة بلاد مستقلة استقلالًا داخليًّا تامًّا، لها نظمها البرلمانية الكاملة، وهي مستقلة استقلالًا خارجيًّا كاملًا أيضًا لا تحده إلا مصالح الإمبراطورية؛ فسياستها الخارجية يجب أن تكون متسقة مع السياسة الإمبراطورية الخارجية.

    ومن أجل ذلك وُجد هذا النظام الرائع الذي يقضي بالتشاور بين الحكومة البريطانية في لندرة، وبين حكومات المستعمرات المستقلة في كل ما يتصل بالسياسة العالمية. فالصلة إذن بين بريطانيا العظمى وهذه المستعمرات أشبه بأن تكون صلة تحالف دقيق متين منها بأي شيء آخر.

    وصاحب الجلالة البريطانية ملك لكل مستعمرة من هذه المستعمرات، كما أنه ملك للمملكة المتحدة.

    وقد أنشأت الحرب العالمية الأولى نظام الانتداب، ولكنه نظام لم ينجح، وإنما أخفق إخفاقًا شنيعًا في بعض المواطن، وتحول إلى النظام الاستعماري القديم في بعضها الآخر. أمَّا الاتجاه الجديد، الذي استحدثته فرنسا وأذاعته أمس، فهو هذا الذي يرمي إلى أن تشترك أجزاء الإمبراطورية الفرنسية كلها في وضع النظام الدستوري الفرنسي الجديد، فسينتخب الفرنسيون في شهر أكتوبر المقبل أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع للجمهورية الرابعة دستورها.

    وكان المنتظر أن يُقصَر حق العضوية في هذه الجمعية على الفرنسيين دون غيرهم من أهل الإمبراطورية، وكان المنتظر أيضًا أن تُعنى الجمعية التأسيسية إلى جانب الدستور الفرنسي الخاص بوضع نظام للإمبراطورية يحدد العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها، وكان المنتظر كذلك أن يكون هذا النظام أدنى إلى الحرية والتسامح، وأشد تأثرًا بما يخضع له العالم من التطور الحديث، ولكن الفرنسيين خطوا خطوة لا تخلو من الجراءة حين أشركوا أجزاء الإمبراطورية في وضع الدستور الفرنسي، وفي وضع النظام الإمبراطوري أيضًا.

    وقد علل المسيو جاكوبي، وزير المستعمرات، هذه الخطوة الجريئة في الإذاعة التي حملها إلينا الراديو أمس، بأن الإمبراطورية قد وفت لفرنسا في محنتها فقاومت الألمان والإيطاليين واليابانيين، كما قاومها الشعب الفرنسي نفسه، ثم أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال في جميع أقطار الأرض، ثم أرسلت أبناءها إلى أوروبا لتحرير الشعب الفرنسي نفسه، وأعانته على طرد الألمان من الأرض الفرنسية، وما دامت الإمبراطورية قد نهضت بالواجبات التي نهض بها الشعب الفرنسي، فمن العدل أن تشترك في الحقوق التي يستمتع بها الشعب الفرنسي.

    وكذلك سترسل المستعمرات نوَّابها إلى الجمعية التأسيسية، وسيختلف الانتخاب في هذه المستعمرات باختلاف حظوظها من الحضارة والرقي، فيكون عامًّا مباشرًا في بعضها، ويكون محدودًا غير مباشر في بعضها الآخر. والمهم هو أن الإمبراطورية ستُعامل معاملة الفرنسيين، فتستمتع بحقوقهم كما نهضت بواجباتهم. والفرنسيون أصحاب تجديد دائمًا، وقلما يمضي عصر من العصور دون أن يبتدعوا فيه شيئًا جديدًا، فخطوتهم هذه الجريئة لا تخلو من طرافة، ولكن إلى أي حد يمكن أن يقال: إن هذه الخطوة ستخفف من عنف الاستعمار، وستُرضي طموح المستعمرات إلى الحرية والاستقلال؟

    هذه هي المشكلة الكبرى؛ فالفرنسيون فخورون بحقوقهم الوطنية، مكبرون لديمقراطيتهم، وحريتهم، ونظمهم الدستورية، ولكنهم قد يخطئون إن ظنوا أن الناس جميعًا يشاركونهم في هذا الفخر، ويشاطرونهم هذا الإعجاب. ومن المعقول أن يُؤثِر بعض الشعوب حياته المتواضعة ووطنيته اليسيرة، وأن يطمع في نمو طبيعي ملائم لتقاليده وعاداته وحضارته الموروثة، ويُؤثِر هذا كله على أن يشارك في الحقوق الوطنية الفرنسية. وليس من شك في أن الشعوب العربية التي تخضع للسلطان الفرنسي في أفريقيا الشمالية مثلًا تُؤثِر وجودها الشخصي العربي، واستمتاعها باستقلالها الخاص وتطورها في حدود ما ورثت من حضارة وتقاليد على أن تكون جزءًا مقوِّمًا للوطن الفرنسي العظيم.

    ومن المحقق أن المراكشي يؤثر ألف مرة أن يكون مراكشيًّا مستقلًّا حليفًا لفرنسا أو صديقًا لها، على أن يكون فرنسيًّا له ما للفرنسيين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات.

    فالخطوة التي اتخذتها فرنسا طريفة من غير شك، جريئة من غير شك، حسنة من غير شك، ولكن بشرط أن تكملها الجمعية التأسيسية، وأن تضع النظام الإمبراطوري الذي يسمح لبعض أجزاء الإمبراطورية بأن تحيا حياة مستقلة، تقوم على المحالفة والصداقة لا على الارتباط بحقوق الوطنية الفرنسية وواجباتها، وأكبر الظن أن العرب في شمال أفريقيا، وأن أهل الهند الصينية في الشرق الأقصى لن يرضوا بأقل من هذا.

    فإذا كانت فرنسا تريد أن تستقبل العالم الجديد بشيء من الهدوء الذي يكفل لها استئناف حياتها المجيدة؛ فقد يظهر أنها مضطرة إلى أن تسير مع بعض الشعوب التي تشارك في الإمبراطورية الفرنسية، كما تسير بريطانيا العظمى مع كندا وأستراليا وغيرهما من المستعمرات المستقلة.

    هذا من ناحية الحياة الفرنسية الخاصة، على أن هناك وجهًا آخر لمشكلة الاستعمار في مستقبل العالم الجديد، فقد أصبح الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أساسًا من أسس التوازن الدولي خارج أوروبا، وقد ظهر بوضوح شديد حرص المنتصرين على تحقيق هذا التوازن، فقد تفوقت الولايات المتحدة في المحيط الهادي وفي الشرق الأقصى، ونظرت بريطانيا العظمى فإذا هي محتاجة إلى أن تسند نفسها بما يكفل التوازن بينها وبين حليفتها الأمريكية العظمى؛ ولذلك تغير اتجاه السياسة البريطانية نحو فرنسا تغيرًا سريعًا، ظهر في رسالة الملك جورج السادس إلى الجنرال دي جول بمناسبة استسلام اليابان، ولم يكد اتجاه بريطانيا العظمى يتغير نحو فرنسا حتى ظهر أثر ذلك في السياسة الأمريكية، وبعد أن كان الفرنسيون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا على الهند الصينية، أصبحوا مطمئنين يشاركون في تلقي إذعان اليابان من جهة، وفي تنظيم شئون الشرق الأقصى من جهة أخرى.

    وكذلك يقوم أمر الاستعمار على تحقيق التوازن خارج أوروبا بين هذه الدول الثلاث المنتصرة، كما يقوم أمر إنهاض أوروبا على تحقيق هذا التوازن نفسه، وفرنسا هي التي تُحقق التوازن بين الإنجليز والروس في أوروبا، وبين الإنجليز والأمريكيين في الشرق الأقصى، وإذا لم أُخطئ الفهم فسيلجأ العمال إلى فرنسا لتحقق التوازن بين الإنجليز والروس في الشرق الأوسط وفي الشرق الأدنى مُشتَرِكةً في ذلك مع تركيا.

    والخلاصة أن مستقبل الاستعمار في العالم الجديد كماضي الاستعمار في العالم القديم، يقوم على التنافس وتعارض المنافع بين الأقوياء أكثر مما يقوم على النظر إلى حقوق الضعفاء؛ فعلى الأمم الضعيفة أن تختار بين اثنتين: فإما أن تكون نهبًا مقسمًا، وإما أن تكد وتجد وتشقى وتحتمل لتلقي في نفوس الأقوياء شيئًا من الاحترام يحملهم على أن ينزلوا عن بعض الأثرة، ويحسبوا لها بعض الحساب.