Tag: Near East

  • مصير الشرق العربي

    مصير الشرق العربي
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٦ سبتمبر ١٩٤٥

    ليس للناس حديث في هذه الأيام إلا هذا المجلس الذي يجتمع في لندرة، مؤلفًا من وزراء الخارجية للدول الخمس الكبرى؛ فأحاديث هذا المجلس هي التي تُغذِّي أنباء البرق، وإذاعة الراديو، ومقالات الصحف.
    وهذه الأحاديث منوَّعة بالطبع، لا تختلف باختلاف الموضوعات التي يمكن أن يدرسها هذا المجلس فحسب، بل تختلف كذلك باختلاف النظرات التي تنظرها الأمم المختلفة إلى كل موضوع من هذه الموضوعات أيضًا.
    ويكفي أن نتَّخِذ لذلك مثلًا واحدًا؛ فهذا المجلس يدرس فيما يدرس معاهدةَ الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وواضح جدًّا أن نظر الدول الكبرى إلى هذه المعاهدة يتفق من جهة، ويختلف اختلافًا شديدًا من جهة أخرى. يتفق في أن إيطاليا دولة مغلوبة يجب أن يُفرَض عليها صلح يُصوِّر اندحارها وانتصار الحلفاء، ويتفق كذلك في أن إيطاليا قد سبقت إلى الاستسلام، فيسرت للحلفاء بعض شئون الحرب، وأعانتهم على الفوز شيئًا ما، فيجب أن تُؤخَذ ببعض الرفق. ثم يختلف بعد ذلك اختلافًا شديدًا، مصدره اختلاف المصالح التي يحرص الحلفاء على تحقيقها في أوروبا، وفي البحر الأبيض المتوسط، وفي شرق هذا البحر وغربه على السواء …
    فالولايات المتحدة الأمريكية مثلًا لا تملك أرضًا في أوروبا، ولا في أفريقيا، ولا في آسيا، مما يوازي البحر الأبيض المتوسط، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تحقق مصلحة استعمارية بالمعنى الدقيق، وإنما يعنيها أن يستقر في هذه الأقطار سلام عادل، مشبع بالديموقراطية على المعنى الأمريكي، لا بالاشتراكية البريطانية ولا بالشيوعية الروسية، سلام من شأنه أن تسترد إيطاليا شيئًا من قوتها في وقت قريب لتكون مصدرًا من مصادر التوازن في هذه المنطقة، سلام من شأنه كذلك أن يُعِينَ على انتشار الرخاء، ورواج التجارة، واستئناف الأخذ والعطاء بين العالم الجديد وهذا الجزء من العالم القديم.
    وليس لروسيا ممتلكات في هذه الأقطار، ولكن لها حلفاء وأنصارًا يعنيها أن ينتفعوا من معاهدة الصلح مع إيطاليا، فلا بد من أن تظفر يوجسلافيا المظلومة بشيء من الإنصاف على حساب إيطاليا الظالمة، وقد يكون لروسيا آمال اقتصادية في هذه المنطقة من الأرض، ولكن لها قبل كل شيء آمالًا سياسية تتصل بأحلامها القديمة في امتداد نفوذها إلى البحر المتوسط.
    وإلى هنا يمكن أن تكون الولايات المتحدة وروسيا عنصرين من عناصر الاعتدال، وتحقيق التوازن في الصلح الذي سيُفرَض على إيطاليا. وقد كدت أنسى الصين؛ لأن وجودها في هذا المجلس بالقياس إلى هذه المعاهدة الإيطالية يوشك أن يكون نظريًّا. ولا كذلك الأمر فيما يمس بريطانيا العظمى وفرنسا؛ فلكل واحدة منها مصالح خطيرة في هذا الجزء من العالم، ففرنسا جارة إيطاليا في أوروبا، وهي جارة إيطاليا في أفريقيا، وهي شريكة إيطاليا في البحر الأبيض، وهي بعد هذا كله موتورة لم تَنْسَ بَعْدُ غَدْرَ موسوليني لها في يونيو سنة ١٩٤٠. ومصالح بريطانيا العظمى ومطامعها في غرب البحر الأبيض المتوسط وشرقه، وأوضح من أن تحتاج إلى بيان.
    وكذلك تنظر كل دولة من هذه الدول الخمس إلى الصلح مع إيطاليا نظرتين، إحداهما مشتركة مع زميلاتها، والأخرى خاصة بها وبما تحرص على تحقيقه من المصالح والأطماع.
    ثم إن الأمر ليس مقصورًا على هذه الدول الخمس الكبرى، فهناك دول أخرى لها مصالح ومطامع وآمال، وهي تنظر إلى المعاهدة الإيطالية بمقتضى هذه المصالح والمطامع والآمال؛ فاليونان موتورة من إيطاليا، وهي تطالب بجزر الدوديكانيز، وتركيا تنظر إلى هذه الجزر نظرة فيها كثير من الأمل الذي يريد أن يظهر ولكنه يستحي؛ لأن تركيا لم تشترك في الحرب إلا بعد انتهائها، ويوجسلافيا موتورة، وهي تطالب بجزء من الأرض طال الاختلاف عليه بينها وبين إيطاليا، حتى النمسا لها مطامعها في التيرول، فإذا تركنا هذه الأمم كلها، ونظرنا إلى الأمم العربية … فسنرى مصر موتورة من إيطاليا التي أخذت بعض أرضها في القرن الماضي، ونغصت على الحزب الوطني حياته، ولم يَنْسَ أحد قصة الملحقات.
    وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت عليها في هذا القرن، وعدلت حدود ليبيا على حساب مصر بمعونة البريطانيين، فأخذت جغبوب، وما يتصل بها في تلك المعاهدة التي أمضاها دولة صدقي باشا، والتي دفعت مصر ودفع البريطانيون ثَمَنَها غاليًا في هذه الحرب. وهي موتورة من إيطاليا التي اعتدت على أرضها في هذه الحرب الأخيرة، فوصلت مع حلفائها الألمان إلى العلمين، وضربت مع حلفائها الألمان مدن مصر ومَرَافقها.
    ومن شأن هذا كله أن يدفع مصر إلى العناية بمعاهدة الصلح التي يُراد فرضها على إيطاليا، وإلى المطالبة بأن تُرَدَّ إليها الأرض التي اقتطعتها إيطاليا منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وأن تطالب بتأمين حدودها بحيث لا تتعرض للعدوان الإيطالي مرة أخرى، وأن تطالب بعد هذا كله بشيء من السعة في حريتها العملية في هذا الجزء المجاور لها من شمال أفريقيا، وبحقها في التعويضات التي ستُفرَض على الإيطاليين.
    ومصر حين تطالب بهذا كله لا تتجنى ولا تتكلف؛ فهي لم تَدْعُ الإيطاليين إلى أن يقتطعوا بعض أملاكها في شرق أفريقيا، ولا إلى أن يقتطعوا جغبوب، ولا إلى أن يُغِيروا على أرضها، ويضربوا مدنها ومرافقها. ومن أبسط حقوقها أن تطالب بردِّ ما أُخِذَ منها، وأن تحتاط لمستقبلها، وتكفل لنفسها أمنًا معقولًا.
    والظريف في هذه القصة أن البريطانيين هم الذين كانوا يحرصون على إرضاء إيطاليا، وهم الذين أرضوا إيطاليا على حساب مصر في القرن الماضي وفي هذا القرن، وهم الذين لقوا من إيطاليا جزاء سنمار! فمن الطبيعي أن يبذلوا الآن كل ما يملكون من جهد؛ ليردوا إلى صديقتهم وحليفتهم مصر ما أخذوا منها وأعطوه إلى عدوتهم إيطاليا، وقد وعد البريطانيون مصر أثناء وزارة الوفد الأخيرة بأن يبذلوا ما يملكون من جهد لتشترك مصر في مؤتمر الصلح، عندما تُدرَس المسائل التي تعنيها، ووعدوها كذلك بأن بريطانيا لن تدخل في مفاوضات تمس مصالح مصر إلا شاورت مصر في شأن هذه المفاوضات.
    ولسنا ندري أحقق البريطانيون هذا الوعد الذي أعطوه على أنفسهم أم لم يحققوه، ولسنا ندري إلى أي حد مضوا أو يريدون أن يمضوا في الوفاء بهذا الوعد. فحكومتنا لم تحدثنا بشيء من ذلك، ولكننا نعلم أن الحكومة المصرية نفسها قد أرسلت مذكرة إلى المجلس المعقود الآن في لندرة، عرضت فيها ما ترى أنه يصور رأي مصر في معاهدة الصلح مع إيطاليا، ولسنا ندري أكانت هذه المذكرة موضوع تشاور بين مصر وحليفتها، أم أرسلتها مصر من تلقاء نفسها دون أن يسبق الاتفاق عليها مع أصدقائنا البريطانيين.
    والشيء الذي لا شك فيه هو أن المذكرة المصرية قد تكون محررة تحريرًا دبلوماسيًّا يجمع بين الدقة والاعتدال، ولكنها على كل حال فاترة لا تصور الاقتناع بالحق، ولا الحرص على بلوغه، ولا الإلحاح في الوصول إليه، ولعلها أن تمتاز بشيء من الغموض الخطير، فقد يكون من الحق والعدل أن تستفتي ليبيا، ولكن من الحق والعدل قبل كل استفتاء أن ترد إلى مصر الأرض التي أُخِذَتْ منها بمقتضى معاهدة صدقي باشا، ثم تستفتي ليبيا بعد ذلك.
    وقد يكون من الحقائق الواقعة أن مصر وبريطانيا العظمى تشتركان الآن في إدارة السودان، كما تقول المذكرة، ولكن من الحقائق المصرية المقررة التي لا ينبغي أن تشك فيها حكومة مصرية أو تعرضها للشك، أن السودان وما أُخِذَ منه وما يمكن أن يُرَدَّ إليه جُزْءٌ من الوطن تشمله سيادة واحدة لا ينبغي أن تتجزأ؛ وهي سيادة الشعب الذي يسكن وادي النيل، فكان ينبغي أن تطلب الحكومة المصرية أولًا أن يُرَدَّ إلى مصر ما أُخِذَ منها في القرن الماضي وفي هذا القرن، وثانيًا أن تُتَّخَذ الإجراءات لتأمين حدود مصر في شمال أفريقيا وشرقها، وثالثًا أن يكفل لمصر حقها في التعويضات، ثم تظهر مصر بعد ذلك رأيها في مستقبل ليبيا الذي يقوم على الاستفتاء. وإن كنت أنا أشك في قيمة الاستفتاء الذي سيجريه البريطانيون المستقرون الآن في هذا الجزء من أفريقيا الشمالية، ولا سيِّما إذا لُوحِظَتْ طبيعة الأرض الليبية، وتفرق الشعب الذي يسكنها، فقد يمكن الاستفتاء في المدن، ولكن الاستفتاء في الصحراء شيء مشكوك فيه.
    فهذه صورة من نظرة الأمم العربية إلى المعاهدة التي تُهيَّأ الآن في لندرة لِتُفْرَض على الإيطاليين، ولكن هناك شيئًا آخر نوشك نحن في الشرق العربي أن نغفل عنه، أو أن نهمله، وهو هذه المفاوضات التي تدور على هامش المجلس، جهرة مرة وعلانية مرة أخرى، والتي تمس مصالح الشرق العربي من قريب جدًّا؛ فوزير الخارجية الفرنسي لا ينفق وقته كله في لندرة دارسًا لمعاهدة الصلح مع إيطاليا، ولكنه يدرس أشياء أخرى، ويفاوض فيها بالفعل رأي زميله البريطاني، ويستطلع فيها بالفعل رأي زملائه الآخرين. فهو يدرس مشكلة غرب ألمانيا، وهو يدرس مشكلة الشرق الأدنى، وهو يدرس مشكلة الشرق الأقصى، وهو يهيئ للاتفاق بين بريطانيا وفرنسا على هذه المشكلات، وهو يهيئ لعقد التحالف البريطاني الفرنسي الذي تأخر عقده أكثر مما ينبغي.
    وليس البريطانيون أقل من الفرنسيين رغبة في تحقيق هذا الاتفاق والانتهاء إلى هذا التحالف، والأمريكيون يتمنون أن ينجح هذا السعي؛ لأنه سيحمي غرب أوروبا من الشيوعية، وسيكفل لرأس المال نفوذًا كافيًا في الشرق الأدنى، والشرق الأقصى على السواء.
    وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق من غير شك — فمصير الشرق الأدنى يُدرَس الآن في لندرة، ويُراد أن يُقضَى فيه، والشرق الأدنى ساهٍ لاهٍ مشغول بصغائر الأمور، وقد بيَّن الجنرال دي جول في حديثه مع «التيمس» في أول هذا الأسبوع وجهة النظر الفرنسية، ورحَّبَ البريطانيون الرسميون وغير الرسميين بوجهة النظر هذه ترحيبًا حارًّا كما يُقال.
    ووجهة النظر هذه بسيطة جدًّا؛ وهي التعاون الدقيق الصريح الخالص من كل شائبة بين البريطانيين والفرنسيين في كل ما يمس الشرق الأدنى، ومعنى هذا في اللغة الفرنسية أن يُحتفَظ لفرنسا بنفوذها كاملًا في مناطق نفوذها في البحر الأبيض المتوسط، وأن يُحتفَظ بمثل ذلك لبريطانيا العظمى، وأن يتعاون أولئك وهؤلاء على الاحتفاظ بهذا النفوذ.
    وكذلك يستأثر الفرنسيون والبريطانيون بالنفوذ السياسي والثقافي في الشرق الأدنى، ويجوز أن يسمحوا لغيرهم بشيء من النفوذ الاقتصادي، أو التوسع الثقافي البسيط.
    وأغرب ما في الأمر أن هناك جامعة عربية قد أُنْشِئَتْ في هذا العام، وكان الإنجليز يرحبون بإنشائها، وكانت هي حريصة على تحقيق الاستقلال التام لأعضائها، ولكن الإنجليز يتناسون الآن قليلًا قليلًا لترضى فرنسا، أمَّا الفرنسيون فيذكرونها بأطراف ألسنتهم، ويرفعون الأكتاف، ويهزون الرءوس، وأما هي فتنظر إلى نفسها في المرآة، وترضى عن وجودها، وعن أهدافها، ولكنها ترجئ بلوغ هذه الأهداف إلى أن يشاء الله.
    وأشد ما في الأمر خطورة أن الدول الكبرى لا تكتفي بالنظر في المرآة، ولا ترجئ بلوغ الأهداف وتحقيق الآمال، وإنما تنتهز الفرص وتحسن انتهازها.
    ويُخيَّل إليَّ أن الجامعة العربية تُحْسِن إلى نفسها وإلى أعضائها إذا أَلْقَتْ بينها وبين المرآة حجابًا صفيقًا، ونظرت إلى الحوادث من حولها بدل أن تنظر إلى نفسها، هنالك سترى أن الكيد يُكاد من حولها، وأنها توشك أن تتورط فيما يُنْصَب لها من شراك، وأن النتائج الطبيعية التي ستنتج عن إطالة النظر في المرآة، وعن كثرة التحدث عن النفس، والإعلان لما لا خير فيه، هي أن تستحكم حلقات النفوذ الأجنبي حول الشرق العربي، قد يجد منها مخلصًا، وأن تذهب قضية فلسطين ضحية للنظر في المرآة، والتحدث عن النفس، والاكتفاء بما يُنشَر هنا وهناك من كلام لا غناء فيه.
    إني لا أتمنى شيئًا كما أتمنى أن يكذب الذين كانوا يقولون إن الجامعة العربية لم تكن إلا خدعة بريطانية أُثِيرَ أمرها أثناء الحرب، فلما جاء السلم أُهْمِلَ أمرها إهمالًا.
    أتمنى أن يُكذَّب الذين يقولون هذا القول، وتكذيبهم سهل؛ لأنه في يد الجامعة العربية نفسها ألَّا تمعن النظر في المرآة، وأن تتجه إلى الشعوب العربية أكثر مما تتجه إلى الحكومات الأوروبية والأمريكية.

  • حادثان

    حادثان

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٢ مارس ١٩٤٥

    ليس من شك في أن الشرق الأدنى سيشغَل الرأي العالمي العام إلى حَدٍّ بعيد في هذا اليوم وفي الأيام المقبلة التي تليه. بل ليس من شَكٍّ في أنه سيكون أهم ما يشغل الرأي العالمي العام بعد شئون الحرب في هذه الأيام. فهناك حادثان خطيران في الشرق الأدنى سيكون لهما أبعد الأثر وأعمقه في الحياة العالمية المقبلة. أمَّا أولهما فيحدث في القاهرة بعد ظهر اليوم حين يجتمع مؤتمر الجامعة العربية، وحين يُوقَّع ميثاق هذه الجامعة، وحين تصبح هذه الجامعة حقيقةً واقعةً ومؤثرًا خطيرًا في حياة الأمم التي تشترك فيها من جهة، وفي العَلاقة بين هذه الأمم وبين العالم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى.

    ويكفي أن ينظر أيسر الناس ثقافة وأقلهم علمًا بشئون الحياة العالمية إلى حال البلاد العربية في أول هذا القرن، ثم فيما بين الحربين العظيمتين، ثم فيما تستقبل هذه البلاد من حياتها الجديدة منذ اليوم؛ ليرى أن الشرق العربي قد خطا خُطُوات بعيدة هائلة، لا في سبيل استرجاع حريته واستقلاله فحسب، بل في سبيل إقناع العالم الأوروبي والأمريكي بأن له حقوقًا يجب أن تُرد وحرمات يجب أن تُرعى وكرامة يجب أن تُحفظ.

    فقد كانت هذه البلاد العربية كلها خاضعة لسلطان الترك العثمانيين خضوعًا يختلف قوةً وضعفًا، ولكنه خضوع على كل حال. وكانت مصر تمتاز عن هذه البلاد في أول هذا القرن بحُرِّيَّة داخلية وخارجية مدخولة إلى حدٍّ بعيد. كانت مصر حرة حرية محدودة بالقياس إلى تركيا، ولكن الجيوش البريطانية كانت تحتل أرضها، والسياسة البريطانية كانت تسيطر على أمرها. وكانت مصر على ذلك أحسن حالًا من جاراتها، فيها حرية الرأي موفورة، وحرية الأفراد والجماعات مكفولة. وكانت القاهرة من أجل ذلك مثابة وأمنًا، تهوي إليها أفئدة العرب من جميع البلاد العربية، ويأوي إليها الذين كان يخيفهم السلطان التركي، فيجدون فيها الأمن والحرية، ويُظهرون فيها من النشاط ما ينفعهم وينفع المصريين على السواء.

    ثم كانت الحرب الماضية، واختلفت على هذه البلاد العربية خطوب معروفة، وانتهت كل هذه الخطوب إلى خير محدود، ولكنه خير لا شك فيه. فقد استردت مصر كثيرًا من استقلالها، ولا تزال تطلب ما بقي لها منه، وخطت بلاد العراق خطوات واسعة، فحققت من استقلالها مثل ما حققت مصر، واستردت جزيرة العرب استقلالها كاملًا، وظفرت سوريا ولبنان باستقلال كان يشوبه الانتداب، ثم تحررت من هذا الانتداب بعد أن تقدمت هذه الحرب. ومن المحقَّق أن الفرق بين حياة هذه البلاد في أول هذا القرن وحياتها بين الحربين العظيمتين هائل حين ينظر إليه الأجنبي من أهل أوروبا وأمريكا، ولكنه بعيد عن أن يرضينا نحن لأن مُثُلَنَا العليا أعظم جدًّا ممَّا بلغنا وأجلُّ خطرًا من هذا الطور الذي انتهينا إليه. ومن المُحقَّق أيضًا أن الخطوة التي نخطوها اليوم ستكون خطوة حاسمة في تاريخ هذا الشرق العربي؛ لأنها ستَثِب بها وثبة عظيمة إلى مثله العليا.

    كان الشرق العربي خاضعًا في أول هذا القرن ثم أصبح حرًّا في وسط هذا القرن، ثم هو يشتغل بتنظيم أمره ويشارك في تنظيم العالم منذ اليوم. كل هذا ولم ينتصف القرن. يستطيع المتشائمون أن ينظروا إلى هذا التطوُّر بما يحب لهم تشاؤمهم من سوء الظن، ويستطيع الماكرون من ساسة الغرب أن يُظهروا الرضى ويضمروا السخط، وأن يعلنوا إكبار هذا التطور ويُسِرُّوا الاستخفاف به. فكل هذا لن يغير من الحق شيئًا. والحق هو أن في هذا الشرق العربي جذوة من الحياة الحرة لم تنطفئ قط، ولكنها قد أخذت تتوهَّج منذ أول هذا القرن حتى ملأت شرق البحر الأبيض المتوسط قوةً وحرارة ونورًا، وأصبحت أقوى من أن تُغلب، ووضعت الاستعمار الأوروبي وضعًا يَضطره إلى أن يتراجع شيئًا فشيئًا، سواء أرضيَ ذلك أم كان له كارهًا.

    وممَّا يملأ قلوب المصريين رِضى وغبطةً، ويشيع فيها عزةً وفخرًا أن مصر قد كانت لها في كل هذا التطور منزلتها الممتازة؛ فهي التي سبقت إلى التحرُّر من سلطان الترك العثمانيين في القرن الماضي، وهي التي دعت إخوانها العرب إلى أرضها وأظلَّتهم بظلها حين كان ضغط هذا السلطان عليهم شديدًا. وهي التي فتحت باب التحرر من النفوذ الأوروبي، وسبقت إليه، ورسمت الخُطَط للراغبين فيه. ثم هي التي دعت إلى المشاورات العربية لتنظيم التعاوُن بين بلاد الشرق العربي، ثم هي التي وضعت الأساس المتين لهذا التعاون في اجتماع الإسكندرية في أكتوبر الماضي. ولن ينسى العرب ذلك الصوت العربي المصري الذي أذاع فيهم بروتوكول الإسكندرية في مساء السبت السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤. ولن ينسى العرب هذه الأصوات العربية التي ستذيع فيهم مساء اليوم أن هذا البناء الذي وُضِع أساسه في أكتوبر الماضي قد تم تشييدُه، وأخذ منذ اليوم في مواجهة الحوادث ومغالبة الخطوب. فمن حق مصر أن ترضى، ومن حق العرب أن يبتهجوا، ومن حق الشرق العربي أن يستقبل الحياة الجديدة بآمال لا حَدَّ لها. ومن الحق على هذا الشرق العربي مع ذلك ألَّا ينسى ولن ينسى أن الحياة ليست آمالًا فحسب، وإنما هي آمال وأعمال.

    فهذا أحد الحادثَيْن اللذين سيشغلان الرأي العالمي العام في هذه الأيام. فأمَّا الحادث الآخر فهو لا يشيع في القلوب رِضًى، ولا في النفوس ابتهاجًا، ولكنه في الوقت نفسه لا يدعو إلى اليأس، ولا يدفع إلى القنوط. وهو هذا الذي طرأ على العَلاقات التركية الروسية من التعقيد. فقد كانت الأمور مستقرَّةً بين هاتين الجارتين على هذه المعاهدة التي تضمن المَوَدَّةَ والتعاون وحسن الجوار، والتي عُقِدَتْ سنة ١٩٢٥، ثم بدا لروسيا فأنبأت جارتها بأنها لن تجدد هذه المعاهدة كما هي؛ لأن الظروف التي طرأت وأخذت في تغيير العالم تجعلها في حاجة إلى كثيرٍ من التعديل. ومعنى هذا أن روسيا ستسلك مع جارتها إحدى طريقين؛ الأولى: أن تعرض عليها ما تقترح من تعديل للمعاهدة؛ أي أن تتقدم إليها بمطالِبَ تكون موضوعًا للمفاوضات. الثانية: أن تحتفظ كل من الجارتين بحريتها، وأن تعيش كما تعيش الدول المسالمة متعرضتين لما يمكن أن يعرض من الحوادث أو يطرأ من المشكلات.

    وليس من المفيد أن نبحث عن الأسباب التي دعت روسيا إلى خطوة الغضب هذه التي خطتها أمس. فهذه الأسباب واضحة كل الوضوح. وليس كل الناس يستطيع أن يَتَّئِدَ ويستأني ويصطنع الرزانة التي هي أشبه شيء بالبرود كما يفعل الإنجليز، بل من الناس من يرى أن هذه الأناة ضعف، وهذه الرزانة بلادة يأباها طبعه ومزاجه. والواقع أن تركيا وقفت من الحلفاء أثناء هذه الحرب موقفًا أقل ما يوصف به أن ظواهره على الأقل كانت تثير الغيظ وتدفع إلى الحرج.

    فهي كانت على أصفى ما يكون من الود مع جارتها روسيا، وهي قد تلقَّت من جارتها روسيا كثيرًا من العون المادي والمعنوي على تحرير أراضيها واسترداد مكانتها بعد الحرب الماضية. وهي قد كانت أشبه شيء بالحليفة لروسيا. ثم لم تكَد هذه الحرب تدنو حتى عقدت حلفها مع الدولتين الغربيتين فرنسا وإنجلترا، وكان هذا كله يؤذِنُ بأنها لن تقف موقف الحياد المتصل حين تصل الحرب إلى الشرق الأدنى. ولكنها مع ذلك وقفت موقف الحياد المتصل حين اعتدت إيطاليا وألمانيا على حلفائها في البلقان، وحين كان موقف حلفائها في غرب أوروبا بالغًا أشد الحرج، ثم وقفت موقف الحياد المتصل حين كان هتلر يُخيِّل بالقول والعمل إلى الناس أن القوة الروسية ستنهار، وحين بلغت جيوش الألمان القوقاز.

    ثم هي لم تقِفْ عند هذا، ولكنها كانت كلَّما اشتدت الحرب أكدت صداقتها لألمانيا. فأمَّا فرنسا فلم تكُن تستطيع أن تصنع شيئًا أو أن تقول شيئًا. وأمَّا بريطانيا وأمريكا فقد اصطنعتا الصبر والمصابرة ثم انتهتا إلى الإنذار والوعيد. أمَّا الروسيا فقد كظمت غيظها وآثرت صمتًا مَهِيبًا مريبًا، ثم كانت الهزيمة الألمانية، وكان الاستعداد لتنظيم العالم. وإذا تركيا تعلن الحرب لتشترك في هذا التنظيم، وإذا هي تُدعى للاشتراك في هذا التنظيم. فأمَّا فرنسا فهي لم تقُل شيئًا، وليس لها أن تقول شيئًا؛ لأنها رفضت أن تكون داعية إلى مؤتمر سان فرنسسكو، ولكن هذا لم يمنع صحفها وإذاعتها من أن تُظهر شيئًا من الامتعاض المر، وهي لم تنسَ بعدُ أنها أسخطت العالم العربي حين أعطت تركيا سنجق الإسكندرونة. وأمَّا بريطانيا العظمى وأمريكا فقد أعرضتا عن الماضي وفكَّرتا في مستقبل السلم، فرحبتا بانضمام تركيا إلى الأمم المتحدة.

    وأمَّا روسيا فهي قد دعت تركيا مع الداعين إلى سان فرنسسكو، ولكنها لم تُخْفِ ما كان في نفسها من مُوجِدَة، فاندفعت صحفها وإذاعتها في نقد الموقف التركي إلى حدٍّ بعيد. ثم آذنت تركيا بأنها لن تجدد المعاهدة القائمة بينهما لأنها في حاجة شديدة إلى التعديل. وواضح أن هذا الحادث قد وقع موقعًا شديدًا في البلاد التركية أولًا، وفي عواصم الحلفاء بعد ذلك، وأنه سيدعو إلى كثيرٍ من القول وإلى كثيرٍ من التفكير، ولكنه على ذلك لن يكون مثيرًا لخوف أو ريب. ومصدر ذلك شيئان؛ أحدهما: أن في السياسة من المرونة ما يمكن من إصلاح الفاسد وتقويم المعوج واستئناف الود بين الجارتين، الثاني: أن هذه المؤتمرات التي ستعقد لتنظيم العالم وإقرار السلم ستجد من الوسائل من غير شك ما يعصم الجارتين ممَّا يمكن أن يضطرهما إلى سوء الخلاف.

    ومن الحق أن مستر تشرشل قد صرَّح في مجلس العموم البريطاني أخيرًا بأن ليس من سبيل إلى أن ننكر الحقائق الواقعة ونجحد البديهيات. ففي العالم أمم كبيرة وأمم صغيرة، وفي العالم دول قوية ودول ضعيفة، ولا سبيل إلى إنكار ذلك ولا إلى إنكار ما يترتب عليه من النتائج. ولكن من الحقِّ أيضًا أن الأستاذ بيفردج قد أحسن التحليل للمشروع الذي سيكون موضوع البحث في سان فرنسسكو.

    وأخص ما يظهر واضحًا جليًّا، هو أن تركيا إن لم تكُن حليفة لروسيا، فهي حليفة لبريطانيا العظمى وصديقة لأمريكا؛ وإذن فليس من شك في أن الأمور ستجري على النحو الذي يكفُل السلم في الشرق الأدنى، وتبيح لتركيا أن تستقبل حياتها في العالم الجديد كما تستقبلها الأمم الأخرى في كثيرٍ من الأمل الذي تَحُفُّهُ المشاكل والذي يحتاج إلى كثيرٍ من العمل أيضًا.

    ومهما يكُن من شيء، فسيكون الشرق الأدنى موضوع الحديث والبحث في هذه الأيام. ولعله أن يشغل الرأي العالمي العام عن شئون بولندا التي تزداد تعقيدًا لتدنو إلى الحل، وعن شئون رومانيا التي ما زالت مرتبكة، والتي اقتضت مشاورات بين الحلفاء الذين ائتمروا في القرم. ومَن يدري لعل أحداث الحرب في الشرق والغرب أن تذهل العالم إلى حينٍ عن كل هذه الأحاديث.