Tag: Oratory

  • صلاح …

    صلاح …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٠ فبراير ١٩٦٢

    عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

    وما كان قيس ملكه ملك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما

    أجل، فقد كان صلاح ركنًا من أركان الثورة التي غيَّرت حياة هذه الأمة ومنحتها حياة جديدة قوامها الحرية والاستقلال والعدل وتحقيق الكرامة لهذا الشعب في مجموعه ولكل فرد من أبنائه. بذل في هذه الثورة أقصى جهده وأصدق جهاده، وكان كزملائه مستعدًّا أصدق الاستعداد لبذل حياته في سبيلها، وكان في الوقت نفسه قوامًا لأسرته التي فُجعت فيه أعظم الفجيعة وأقساها. ثم كان عميدًا لهذه الصحيفة اليتيمة التي أصابتها فيه الكارثة. أنهض ما يكون بأعبائها، وأعرف ما يكون لحقوقها، وأحرص ما يكون على رُقِيِّهَا وتقدُّمها، بما ينبغي أن تقوم به الصحف الجادة المخلصة من خدمة الوطن وتبصير الشعب بحقوقه وواجباته.

    فليس الرُّزء رُزء فيه فرد ولا رزء أفراد، وليس هو ببناء قوم تهدَّم، وإنما هو بناء أقوام أصابهم فيه الخطب على حين كانوا يعقدون به أعرض الآمال ويرجون منه جلائل الأعمال. ثم أصبحوا ذات يوم وقد اختُطف منهم اختطافًا وانتُزع منهم انتزاعًا، وهم أشد ما يكونون حرصًا على أن يُسرع إليه الشفاء وتسبغ عليه العافية؛ ليستأنف نشاطه الخصب في خدمة وطنه وثورته وفي رعاية أسرته وفي قيادة صحيفته إلى أقصى ما يُرجى لها من النُّجح وأعظم ما يُنتظر منها من النهوض بأعباء الصحيفة الحرة، التي تقصر جهودها كلها على خدمة الوطن والمواطنين وعلى نشر أصول الثورة وحقائقها وغاياتها في جميع طبقات الشعب، لا يدركها في ذلك تقصير، ولا تخاف فيه لومة لائم.

    ولو قد كان صلاح من الذين تقدمت بهم السن وأدَّوْا للحياة حقها وأخذوا منها نصيبهم، لكان الرُّزء فيه جليلًا. ولكنه يترك للعزاء سبيلًا إلى القلوب، ولكنه اختطف في ريعان شبابه بعد أن أدَّى واجبه كما لا يؤديه الشيوخ. وكان جديرًا أن ننتظر منه الكثير والكثير جدًّا؛ فإن امرأً بدأ حياته كما بدأها صلاح، مجاهدًا أصدق الجهاد وأبسله أثناء السلم والحرب، مخلصًا أشد الإخلاص وأعمقه للوطن في أيام الشدة وأيام اللين وفي أوقات البؤس وأوقات الرخاء، لم يعرف الضعف إلى نفسه القوية سبيلًا، ولم يجد اليأس إلى قلبه الكبير طريقًا، ولم تستطع الأثرة أن تشوب إخلاصه القوي العميق لوطنه وأمته في لحظة من لحظات حياته. إن امرأً بدأ حياته على هذا النحو، جدير أن ينتظر منه أكثر جدًّا ممَّا بدأ به حياته، ولكن الناس يقدِّرون، وقضاء الله يمضي فيهم صارمًا حاسمًا لا رادَّ ولا محيد عنه.

    وكذلك وقع النبأ بوفاة هذا الثائر العظيم والصديق الكريم والمواطن الكبير، موقعَ الصاعقة من الذين عرفوه عن قُرب ومن الذين لم يعرفوه إلا من بعد.

    وقد عرفت صلاح سالم كما عرفه المصريون جميعًا من بعد حين شبت الثورة كان هو أحد جذواتها المضطرمة التي كانت تزداد في كل يوم ذكاء، وأحد ألسنتها المنطلقة التي كانت تزداد في كل يوم انطلاقًا بما يحلو وما يمر وبما يسوء وما يسر.

    وكان من أبرع خطباء الثورة في تقريب الآمال إلى القلوب وإحياء الرجاء في النفوس وإذكاء نار الثورة في الضمائر، وكان جده مرًّا أشد المرارة، وكانت دعابته حلوة إلى أقصى غايات الحلاوة، وكان أبرع زملائه في السخرية من النظام القديم وفي إثارة الضحك من ساسة ذلك النظام. وكان جده صارمًا في مرارته، وكانت فكاهته قاسية في حلاوتها، وكان أشد ما يكون إثارة للمرح والضحك حين يعبث بساسة العهد الماضي يقلد بعضهم تقليدًا رائعًا ويصور بعضهم تصويرًا صادقًا.

    وكان في الوقت نفسه مروعًا مثيرًا للخوف والرعب، حين كان ينذر المتنكِّرين للثورة ويوعدهم أقسى الوعيد وأعنفه، وكان في أثناء هذا كله حركة لا تعرف السكون، ونشاطًا لا يعرف الهدوء، واندفاعًا لا يعرف الأناة. تراه في القاهرة مصبحًا وفي السودان ممسيًا، وتراه متنقلًا في البلاد العربية مصورًا لأهلها حين يعود إلى وطنه ولزعمائه السياسيين أروع تصوير وأصدقه. وكانت هذه الصورة مرتسمة له في نفسي، ولم يُتح لي أن ألقاه إلا بآخره، حين ذلك اليوم عرفته من قُرب فعرفت فيه الإخلاص لعمله إلى أقصى حدوده والوفاء كأعمق ما يكون الحب، وعرفت فيه سماحة الطبع ودماثة الخلق وصفاء الضمير وإيثار الصراحة على كل شيء والنفور الشديد من المداراة والالتواء في القول والعمل. وعرفت فيه أرعى الرؤساء لزملائه الذين يعملون معه في الصحيفة حين تجب الشدة واللين لهم والرفق بهم حين يستحب اللين والرفق.

    ولم أعرف مشرفًا على صحيفة منحها خلاصة نفسه وأصدق جهده وأقصى طاقته، كما كان صلاح يمنح هذا كله للجمهورية.

    ورأيته مريضًا يبلغ به المرض أقصاه، ولكنه لم يستطع في يوم من الأيام أن ينسيه الجمهورية أو يصده عن التفكير فيها والعناية بها والسؤال عن الدقيق والعظيم من أمرها، يرفق بالزملاء كلهم ولا يمنح نفسه أيسر نصيب من هذا الرفق.

    ولم يدركني المرض كما أدركه، فلا ألقاه ولا يلقاني، كَلَّ عن السعي إليَّ وضعفت عن السعي إليه، ويكون آخر عهدي به وداعه حين أبحرت إلى أوروبا، وأعود إلى مصر فإذا هو قد أبعد السفر إلى أمريكا، ثم يعاودني المرض ويشتد ويقسو ويحول بيني وبين لقائه حين عاد من أمريكا مريضًا كما سافر إليها مريضًا. وأعيش كما عاش زملاؤه وأصدقاؤه جميعًا مطمئنًّا إلى الأمل متعلقًا بالرجاء واثقًا بأن شبابه سيكون أقوى من المرض ومن أثقاله.

    وأُصبح اليوم فيقرأ عليَّ صاحبي صحف الصباح أو يقرأ عليَّ ما أراد أن يقرأ من هذه الصحف ولكنه يُعرِضُ عن الجمهورية، فإذا سألته عنها أدركه تردُّد شديد وارتباك عظيم، ثم يضطر آخر الأمر أن ينبئني بالحقيقة بعد أن حاول إخفاءها عليَّ، ينبئني بهذا الخطب الفادح وهذا المصاب الجليل، ينبئني بأن صلاحًا قد اختطفه الموت.

    ويدركني حين أسمع هذا النبأ وجوم أعرف أوله ولكني لا أعرف آخره إلى الآن، وأنا أُملي هذا الحديث بعد أن أقبل الليل دون أن أجد لهذا الوجوم آخرًا؛ لأني لا أكاد أصدق أن هذه الحياة القوية قد غاضت، وأن هذا الشباب النضر ما استأثر به ولا يستطيع أن يرد قضاء الله إذا مضى لغايته، وإنما يستطيع أن يرتاع ويلتاع ويملأ قلبه الحزن ويغمر نفسه الأسى في غير طائل، حتى إذا انجلى عنه الوجوم وسكتت عنه المفاجأة وعاد إلى نفسه أو عادت إليه نفسه، لم يجد بُدًّا من أن يعترف بأن الموت حق وأن قضاء الله واقع وأن إرادة الله نافذة، ولم يستطيع إلا أن يسأل الله من أعماق نفسه أن يشمل الفقيد الكريم برحمته ويسبغ عليه نعمته ورضوانه، ويحسن عنه عزاء الوطن والمواطنين وعزاء أسرته البائسة وصحيفته اليتيمة وأصدقائه وزملائه المرزئين.

  • ميرابو …؟!

    حديث المساء: ميرابو …؟!

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢ مارس ١٩٣٤

    وإن شئت فقُل: فالدك روسو، وإن شئت فقُل: بونكاريه، وإن أحببتَ فقُل: جنبته، وإن لم يعجبك خطباء الفرنسيين فقُل: دزرائيلي، أو قُل: جلادستون، واختر من شئت من زُعماء الخطابة وأَعْلَام البيان، فأطلق اسمه على رئيس وزرائنا الرَّجل الطيب بشرط أن لا تختاره عربيًّا، ولا يونانيًّا، ولا رومانيًّا؛ فما ينبغي أن يُشبَّه رئيس وزرائنا بالخُطباء المُتقدمين، وما ينبغي أن يُقرَن الخطباء المتقدمون إلى رئيس الوزراء، إنما الخطباء الأوروبيون المُحدثون وحدهم هم الذين يُتاح لهم أن يطمعوا في مثل هذا الشرف العظيم فيُشبَّه بهم رئيس الوزراء أو يُشبَّهوا هم برئيس الوزراء!

    فأمَّا غيرهم من الخطباء فحَسْبُهم أنْ يُشَبَّه بِهم زُعماؤنا الآخرون، أو أنْ يُشَبَّهُوا هم بِزُعمائنا الآخرين، فليكن رئيس وزرائنا الرَّجُل الطيب واحدًا من هؤلاء الخطباء الأوروبيين الذين ذكرناهم أو الذين لم نَذْكُرهم. وأكبرُ الظَّنِّ أننا نظلمه بهذا التشبيه ونغض من منزلته البيانية بعد هذه الخطبة الرَّائعة البارعة التي لم يسمع الزمان مثلها من قبل، ولن يسمع الزمان مثلها من بعدُ إِلَّا حينَ يَخْطُب رئيس الوزراء في حزب الشعب، أو في مجلس من مجلسي البرلمان.

    وإنا لنحاول واثقين بالعجز والإخفاق، وتحليل هذه الآية البيانية، وتيسير ما تعسر من أَمْرِها؛ ليفهم الناسُ بعض هذه المعاني العُليا التي هبطت على أهل الإسكندرية أمس، نُحاول ذلك فلا ندري بأي شيء نبدأ ولا إلى أي شيء ننتهي، وأبلغ الكلام وأبرعه ما لا يستطيعُ النقاد أنْ يأتوه من بين يديه ولا من خلفه، ولا أن يمسوه من فوقه ولا من تحته؛ فأنت إذا شِئْتَ أَنْ تتحدث عن خطبةِ رَئِيسِ الوزراء أنفقت الوقت والجهد واحتملت المشقة والعناء لتُحلل هذه العواطف الرَّقيقة الساحرة التي أراد رئيس الوزراء أن يعرب عنها لمواطنيه من أهل الإسكندرية، فأوجزها أبلغ الإيجاز في كلمات جامعة تحار فيها الألباب، وتتقطع دونها أعناق الخطباء.

    فرئيس الوزراء قد نشأ بين الإسكندريين، ورئيس الوزراء قد درج على شواطئ البحر الزَّاخر الذي يغمر الإسكندرية بمائه الملح، ورئيس الوزراء حين نشأ بين الإسكندريين ودرج على ساحلهم الجميل قد ملأ قلوبهم حبًّا لهم، وإعجابًا به فامتلأت نفوسهم ثقة وأملًا، وفخرًا، وكبرياء.

    ورئيس الوزراء لهذا كله لم يكد ينضم إلى حزب الشعب أثناء تكوينه، ولم يكد الإسكندريون يعلمون بذلك، بل يتسامعون به، حتى استيقنوا أنَّ الحزب خير كله، وبر كله، وأملٌ كله، ونَجَحَ كله؛ لأنَّ رئيس الوزراء ينضم إليه، ورئيس الوزراء قد نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل؛ لذلك أقبل الإسكندريون على حزب الشعب إقبالًا وانهالوا عليه انهيالًا، وانثالوا إليه انثيالًا؛ لتجمع بينهم وبين رئيس الوزراء صلة النشأة في الإسكندرية والاضطراب على ساحلها الجميل من جهة، وصلات المبادئ الحزبية والتعاون على خدمة الوطن من جهة أخرى، ولتكون العلاقات بينهم وبين رئيس الوزراء كأقوى ما ينبغي أن تكون؛ لأنه نَشَأَ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل؛ فهم يثقون بشخصه الضعيف.

    والضعيف هنا معناها القوي، والضعيف هنا معناها الجذاب، والضعيف هنا معناها الذي يسحر العقول، ويملك القلوب، ويستهوي الألباب. فإن الأشخاص الضعفاء بالمعنى الصحيح للكلمة لا يملأون قلوب الناس ثقة، ولا يشعرونها حبًّا وإكبارًا، ولكنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الخُطَباء البَارِعين يَسْتَعْمِلُون المجاز والاستعارة، ويقصدون بالألفاظ إلى أضدادها؛ فيقولون الضعيف وهم يقصدون القوي، ويعلنون التواضع وهم يُسرون الكبرياء، فإن لم يفعلوا هذا وتكلموا كما يتكلم الناس فليسوا بالخطباء البارعين، وإنما هم خطباء من الطبقة الثانية أو الثالثة كزياد والحجاج لا من الطبقة الأولى كميرابو وجلادستون.

    رئيس وزرائنا إذن قد نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، فلمَّا انضم إلى حزب الشعب انضم معه الإسكندريون، ولما أُلِّفت الوزارة أو أُلِّفت له الوزارة ألَّفَها معه الإسكندريون؛ لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل!

    وما دام الأمر كذلك؛ فلا ينبغي أن يأتي عملًا حتى يأتيه معه الإسكندريون، أحبَّ صدقي باشا فأحبَّه معه الإسكندريون؛ لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، وخاصم صدقي باشا فخاصمه معه الإسكندريون لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، ولما أقاله صدقي باشا من الوزارة أقال معه الإسكندريين.

    ولما استقال هو من حزب الشعب استقال معه الإسكندريون ولما رجع إلى حزب الشعب رجع معه الإسكندريون؛ فالإسكندريون ظِلٌّ له لأنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

    وما دام الأمر كذلك فسيتبعه الإسكندريون حيثما ذهب وأينما وُجِّه، سيقومون إذا قام، وينامون إذا نام، ويحكمون إذا حكم، ويستقيلون إذا استقال. أتظن أن في الأرض بيانًا يُشبه هذا البيان، وسحرًا يُداني هذا السحر؟!

    ورئيس الوزراء غير محتاج إلى أن يتحدث إلى الإسكندريين؛ لأنه غيرُ مُحتاج إلى أنْ يتحدث إلى نفسه، فهو الإسكندريون والإسكندريون هو؛ لأنَّه نَشَأَ في الإسكندرية ودَرَجَ على ساحلها الجميل، ولكنَّ في البلاد قَومًا مُعَارِضِينَ يتهمون صمته ويَظُنُّون به الظنون؛ فهو إن تحدَّث فإنما يتحدث إلى هؤلاء المعارضين ليلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل، ويضطرهم إلى الاعتراف بما كتب الله عليهم من الهزيمة والخذلان. ولولا ذلك لما تكلَّمَ، ولما أضاع وقته ووقت الإسكندريين الذين يحبونه ويثقون به؛ لأنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

    ورئيس الوزراء قادر على أن يُهمل المُعارضين، ويكتفي بالإسكندرية التي لا يُعارضه من أهلها أحد، لولا أن قلوب الرجال الطيبين كبيرة، عظيمة، واسعة لا تملؤها مدينة ولا سكان مدينة، مهما يكثروا فهو إذن يُحب الإسكندريين، ولكنه يُفكر في المعارضين، ويعنيه أن يَتَحَدَّثَ عنهم وأنْ يتحدث إليهم، وقد فعل.

    والغريب أنَّ المعارضين ما زالوا أحياء لم تصعقهم الصواعق ولم تمحقهم المواحق بعد هذه الخطبة التي أَصْلَتْهم نارًا حامية، لا تُبْقِي بعدها باقية.

    وما رأيك في رَجُلٍ نَشَأَ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل، وملك من ثقة الإسكندريين ما ينتهي به من القوة إلى أقصاها، ثم وقف يخطب في الإسكندريين ليمحق المُعارضين، فلم يبلغ مما أراد شيئًا؟! أليس هذا دليلًا على أننا في آخر الزمان، وعلى أن الساعة آتية لا ريب فيها كما أن مفاوضات صدقي باشا كانت آتية لا ريب فيها؟!

    ماذا؟! يقول رئيس الوزراء للمُعارضين إنه نهض بأعباء الحكم والظروف حرجة والأراجيف مطلقة، فكان من الحق عليه أن يطهر الجو؛ ولهذا لم يستطع أن يحل مشكلة من المشكلات، فيقول له المعارضون: ولكنك لم تطهر الجو، وإنَّما تركته يَزْدَاد فسادًا إلى فساد، تظهر فيه الفضائح إثر الفضائح، والمُخزيات إثر المُخزيات، وتَجْتَرِئ فيه الصحف والألسنة على الوزارة؛ فتسأل عن أعمال وأقوال كان ينبغي أن ترتفع الوزارات عن أن تسأل عنها.

    ماذا؟! يقول للمعارضين إنه ماضٍ في مسألة الدَّيْن كما مضى صدقي باشا مُقاضيًا من ناحية، ومُفاوضًا من ناحية أُخرى، فيَقُول له المعارضون: وماذا كنتَ تُنكر على صدقي باشا إذن؟! وما الفرق بينك وبينه؟! وفِيمَ توليتَ الحكم مكانه ما دُمْتَ لا تزيد على أن تسير سيرته وتنفذ خطته؟!

    ماذا؟! يقولُ للمُعارضين إنه سيحل مسألة الديون العقارية، ولكن لا بُدَّ له من الوقت ليلتمس الحلَّ الحاسم الذي لا يكلف الخزانة ما لا تُطيق، فيقول له المُعارضون: فأين هذا الحل الحاسم؟! ومتى أنت واصل إليه؟! وما سبيلك إلى تحقيقه؟! وما رأيك في أن المدينين مرهقون قد طال عليهم الأمد، وكاد يهلكهم الانتظار؟!

    ماذا؟! يقص على المعارضين حكاية المحامين، فيقول له المعارضون: ولكن المحامين لم يذعنوا للقانون الذي أصدرته، وإنما أنكروه ورءوا أنْ لا طاعة لك عليهم فيه، تحدوا إنذارك فانتخبوا مكرمًا نقيبًا، وتحدوا قانونك فأبقوا مكرمًا نقيبًا، وأنت تنظر إليهم حيران لا تستطيع أن تتقدم، ولا تملك أن تتأخر، وأنت بهذا الموقف الشَّاذ الذي خلقته خلقًا، قد أطمعت الناس في السلطان، وشككتهم فيما ينبغي أن يكون له من الذكاء، والفطنة، والهيبة، والبصر بعواقب الأمور.

    ماذا؟! يُريد أن يسكت، فيسأله المعارضون عن أزمة الزيارة للمندوب السامي ما خطبها؟ وكيف نشأت؟ وكيف حلت؟ ويسأله المعارضون عن قصة الكورنيش: ما خطبها؟ وإلى أين انتهت؟ وما موقف صدقي باشا منها؟ وماذا صنعت بالحق والعدل؟! وماذا صنعت بالقانون والدستور؟!

    ويسألونه عن أشياء كثيرة لا يستطيع أن يُجيب عليها ولا أنْ يَقُولَ فيها؛ فيصدم المعارضين صدمة عنيفة، يظن أنها ستجعلهم رمادًا تذروه الرِّياحُ، ويُعْلِنُ إليهم أَنَّهم مُكَابِرُون وأَنَّه يحب المعارضة المنصفة، ولكن المعارضين يتلقون صدمته قاتمين باسمين، لم يُراعوا ولم يخافوا، ولم يأخذهم من صدمته شيء يُشبه الخوفَ أو الرَّوع، ثم يَنصرف بعد هذه الخطبة الرَّائعة البارعة رَاضيًا مسرورًا؛ لأنَّه قال للإسكندريين إنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

    أتشك بعد ذلك في أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب خطيب من الطراز الحديث، لا يُشَبَّهُ بزياد أو الحجاج، وإنما يُشَبَّه بميرابو أو فلدك روسو أو درزائيلي أو جلدستون؟!

    نستغفر الله! بل هو أبرع من هؤلاء جميعًا؛ لأنَّ واحدًا من هؤلاء لا يستطيع أن يقول إنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل!

  • خطيب …

    حديث المساء: خطيب …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ فبراير ١٩٣٤

    أيهما أبرع في الإقناع وأقدر عليه، وأمهر في اختلاب النفوس، واستلاب العقول، واستهواء القلوب،
    واستباء الألباب، وتصوير الأشياء بهذه الصور القوية الرائعة البارعة، التي لا يحسها الإنسان إلا
    استسلم لها، وآمن بها، واطمأن إليها، وألقى بين يديها كل سلاح؛ أهو رئيس وزرائنا الرجل الطيب
    الذي سحر مجلس النواب أمس واسترهبه؛ حتى آمن بأن ميزانية وزارة الخارجية حق يجب إقراره والإذعان
    له والموافقة عليه، أم هو كاتب الشعب الذي سحر صباح اليوم قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين،
    واسترهبهم، واضطرهم جميعًا — ونحن منهم مع السرور — إلى الإيمان بأن رئيس الوزراء خطيب لا
    يُشقُّ له غبار، ولا تُطفأ له نار، ولا يطلع له نهار؟ فنحن في حقيقة الأمر حائرون دائرون بين
    الرجلين البارعين: بين رئيس الوزراء الذي انهزم له المعارضون جميعًا أمس، وكاتب الشعب الذي آمن
    له الكُتَّاب جميعًا اليوم.

    ومن الحق أن نلاحظ أن بين هذين الرجلين البارعين فروقًا قد لا يصح أن تُهمَل حين يُراد الحكم
    بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر في سحر البيان.

    فلرئيس الوزراء من الأدوات والوسائل ما يعينه على أن يسحر العقول، ويخلب الألباب، ويُفْحِم
    الخصوم، ويقهر المعاندين؛ فهو رئيس الوزراء، وله من صفته هذه جلال ليس لغيره من الناس، فكلمته
    تزن عشر كلمات، وصوته يزن عشرة أصوات.

    وهو إن خطب قبل أن يتولى الرياسة، أو خطب بعد أن ينزل عن الرياسة، لم يبلغ من إقناع الخصوم
    وإفحام المحاورين إلا عشر ما يبلغه حين يخطب وهو رئيس الوزراء.

    ورئيس الوزراء رجل طيب، ولطيبة الرجال الطيبين أثر بالغ في إقناع المحاورين، وإفحام
    المجادلين، واضطرار الخصوم إلى التسليم؛ لأن هذه الطيبة بطبعها بركة تذلل المصاعب تذليلًا،
    وتمحو العقبات محوًا، وتجعل صاحبها قديسًا أو كالقديس، ثم هذه الطيبة تفعل في العقول فعلًا
    غريبًا، فتحملها على حسن الاستعداد لتصديق ما يقوله الرجل الطيب والإيمان له؛ لأن الرجل الطيب
    إذا تكلم لم يقل إلا حقًّا، أو ذلك شأن الرجل الطيب.

    والرجل الطيب كذلك موفق لا يخطئ، ولا يتعرض للخطأ؛ لأن طيبته تعصمه من الخطأ أو التعرض للخطأ،
    فإذا عُلِمَ ذلك من أمره كانت النفوس إلى تصديقه أسرع، وإلى الانقياد له أميل، وعن الشك فيما
    يقوله أبعد.

    فإذا أضفت إلى هاتين الصفتين صفات الظرف والرشاقة والخفة واللباقة، ثم أضفت إلى هذه الصفات
    كلها صفة البراعة في البيان، والاستئثار بالقوة في فن الخطابة، استطعت أن تتعرف الخصال التي
    تفوق بها رئيس الوزراء أمس؛ فأقنع النواب بأن ميزانية وزارة الخارجية حق لا ينبغي أن يمسه الشك،
    أو يرتفع إليه الجدال.

    ومن هنا لا ينبغي أن تدهش حين تلم بالصور الخطابية الرائعة التي استعان بها رئيس الوزراء أمس
    لإقناع الخصوم، وإفحام المعارضين، فتراها في نفسها يسيرة ضئيلة ليس من شأنها أن تقنع، وليس من
    شأنها أن تفحم، ولكنها على ذلك قد أقنعت وأفحمت، وحققت لرئيس الوزراء من إقرار ميزانيته ما كان
    يريد، ومَنْ الذي يُقَدِّر أن مقارنة ما ننفقه نحن على وزارة الخارجية بما تنفقه بولونيا أو
    تشكوسلوفاكيا أو ما شئت من دول أوروبا كافية في نفسها لإقناع الناس؛ لأن ما ننفقه لا يجاوز
    الطاقة، ولا يزيد على ما ينبغي أن ننفق، ولكنها صفات رئيس الوزراء ومزاياه، وكلماته التي تعدل
    كل واحدة منها عشر كلمات، ونبراته التي تعدل كل واحدة منها عشر نبرات، وحركاته التي تعدل كل
    منها عشر حركات، وصوته الذي يعدل عشرة أصوات، واستعداد النواب للتأثر البليغ العميق بهذه
    الكلمات والنبرات، وبهذه الحركات، وبهذا الصوت.

    كل ذلك هَيَّأَ لرئيس الوزراء ما ظفر به من الفوز أمس، ومهد الطريق لميزانية وزارة الخارجية
    فمرت من مجلس النواب بسلام.

    أما كاتب الشعب فليس له شيء من كل هذه المزايا: ليس رئيس وزراء، وليس رجلًا طيبًا كرئيس
    الوزراء، وليس له من الظرف والرشاقة، ولا من الخفة واللباقة مثل ما لرئيس الوزراء، وإنما هو رجل
    مثلك ومثلي يقول كما تقول، وكما أقول، ويكتب كما تكتب، وكما أكتب.

    فكلماته ككلماتنا، ونبراته كنبراتنا، لا تَعْدِل كل واحدة منها اثنتين، فضلًا عن أن تعدل
    عشرًا، وصوته كأصواتنا لا يعدل عشرة أصوات كصوت رئيس الوزراء؛ وهو مع ذلك قد استطاع أن يقنع
    قُرَّاءَه الكثيرين أو القليلين، وأنا منهم، بأن رئيس وزرائنا خطيب، خطيب لا كالخطباء العاديين
    الذين نسمعهم ونعجب بهم ونتأثر بما يقولون، خطيب لا كصدقي باشا، فقد كان صدقي باشا رجلًا هادئًا
    إذا خطب لا يعتمد إلا على جراءته المعروفة، وكان لا يحسن اختيار الكلام، وكان يخدع سامعيه
    بابتسامته التي لا تسحر إلا حين يكون رئيسًا للوزراء.

    خطيب لا كزعيم المعارضة، وإن كان يذهب مذهب زعيم المعارضة في مجلس النواب؛ فيقارن بين مصر
    وأوروبا، ولكن زعيم المعارضة رجل معتدل المزاج، مقتصد في الصوت والحركة.

    خطيب لا كعبد الحميد أفندي سعيد؛ لأنه لا يغلي ولا يفور، ولا يضطرب ولا يثور كعبد الحميد
    أفندي سعيد، ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك خطيب أخطب من هؤلاء جميعًا، وممن هم فوق هؤلاء جميعًا،
    وممن هم دون هؤلاء جميعًا.

    ليس كالحجاج ولا كزياد؛ لأن هذين الخطيبين كانا إلى البداوة أقرب منهما إلى الحضارة، وكانا لا
    يحسنان اللغة الفرنسية، إنما كانا يُلِمَّان بها إلمامًا خفيفًا جدًّا، وكانا لا يُحْسِنَان
    إخراج الباء مخرجها الباريسي العذب.

    خطيب لا كبريكليس وديموستين وسيسيرون؛ لأن هؤلاء جميعًا قدماء لم يحسنوا من فنون الخطابة ما
    أحسنه المحدثون.

    رئيس وزرائنا خطيب لا يُشبَّه به إلا اثنان؛ أحدهما: خطيب الثورة الفرنسية ميرابو، والآخر
    خطيب الجمهورية الفرنسية الثالثة فلدك روسو، ووجه الشبه بين خطيبنا المصري وبين الخطيبين
    الفرنسيين، أن خطيبنا كميرابو في أن الإعجاب به موقوف على رؤيته والاستماع له، كما قالت مدام دي
    ستال، فأنت تستطيع أن تعجب به من قرب، فأما من بعد فذلك شيء آخر. والغريب أنك تستطيع أن تعجب
    به، ولكنك لا تستطيع أن تنقل إعجابك إلى غيرك؛ لأنه إعجاب يفوق الوصف، وهو إعجاب يفوق لأن رئيس
    وزرائنا كميرابو خطيب يفوق الوصف.

    ورئيس وزرائنا كفلدك روسو في أنه بركان يغطيه الثلج، وليس هو كأخي الخنساء علم في رأسه نار؛
    فأنت إذا رأيت رئيس الوزراء أو تحدثت إليه أو سمعت له وهو يبدأ خطبته لم تُفْتَن به، بل طمعت
    فيه، واستهنت بقوته، فإذا ثار واستجمع للهجوم تساقطت الألفاظ من فمه كما يتساقط الصخر الملتهب
    من فم البركان؛ ولذلك طمع فيه المعارضون أمس، فلما همَّ بهم وهجم عليهم خافوا أن تصيبهم صخرة من
    هذه الصخور الملتهبة؛ فولوا الأدبار، ولاذوا بالفرار، وسلمت لوزارة الخارجية ميزانيتها، فعبرت
    مجلس النواب رشيقة حسناء تخطر وتتبختر حتى بلغت مجلس الشيوخ!

    أرأيت إلى ما بين هذين الرجلين البارعين من الفروق: رجل له حظه من البيان، ولكن له أدوات أخرى
    ووسائل تمده وتواتيه وتعينه على الفوز؛ وهو رئيس الوزراء، ورجل آخر لا حظ له من الأدوات
    والوسائل إلا أن يكون النبوغ الذي لا حد له، واللسان العضب، والقلم السيال؛ وهو كاتب الشعب!
    وكلا الرجلين قد ظفر بما كان يريد، فأما رئيس الوزراء فأنقذ ميزانية الخارجية من الخصوم
    والماكرين! وأما كاتب الشعب فأثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك
    روسو!

    ألست توافقني على أن كاتب الشعب أدنى إلى البراعة، وأعظم حظًّا من المهارة، وأشد استيلاء على
    أَعِنَّةِ البيان من رئيس الوزراء؟ أما أنا فمؤمن لهما جميعًا بهذه البراعة النادرة، والمهارة
    الباهرة، وكيف لا أؤمن بالبراعة والمهارة لمن ينقذ الميزانية من النواب، وكيف لا أؤمن بالبراعة
    والمهارة لمن يثبت أن رئيس الوزراء خطيب لا يشبه به إلا ميرابو وفلدك روسو؟!

    وكيف لا أهدي إلى الرجلين جميعًا أجمل الشكر وأعذب الثناء؟! فإن حديثهما لذيذ عذب، وألذ وأعذب
    من أحاديث السياسة والتعليم والاقتصاد!

    وبعد، فماذا تنتظر مصر وقد جمع الله لها في شخص رجل واحد بين ميرابو وفلدك روسو؟ وماذا تنتظر
    مصر، وما لها لا تطلب إلى فرنسا، ثم إلى أوروبا، ثم إلى العالم كله الاعتراف لها بالزعامة في
    الخطابة بعدما سبَق مِن الاعتراف لها بالزعامة في السياسة؟!

  • النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة

    النثر العربي في القرنين الثاني والثالث للهجرة
    طه حسين
    مجلة المقتطف
    فبراير ١٩٣١

    قسَّم الأدباءُ ومُؤرِّخو الأدبِ العربي الكلامَ إلى مَنْظُوم ومَنثور، فزعموا أنَّ المنظوم هو ما تقيَّد بالوزن والقافية، والمنثور ما كان طليقًا منهما. ونشأ عن هذا أن انقسموا إلى قسمين:

    (١) الشعراء وأنصارهم.
    (٢) الناثرين ومؤيديهم.
    فذهب الأوَّلون إلى أنَّ الشعر يُكلِّف صاحبَهُ الوزنَ والقافيةَ، وأنهُ ديوان العرب، فيه قُيِّدت مفاخرهم، وإليه يُرجَع الفضل في تخليد ما لهم من فضائل قديمة، ثم مضوا إلى أكثر من هذا في أنهُ يلائم الموسيقى وموضوع الغناء، فهو مصدر اللذة الغنائية والموسيقية، وقالوا: إنَّ الشاعرَ يُنشِد واقفًا، بينما يتكلم الناثر واقفًا أو جالسًا على حد سواء؛ فهو أفضل من النثر.

    وقال الآخرون: لا نُنْكِرُ ما للشعر من فضيلة ومَزِيَّة، ولكِنَّهُ لا يكونُ إلا فنًّا من فنون اللهو، بينما النثر يَفي بضَرُوريات الحَياة؛ فهو لغة السياسة، ولغة الدين، ولغة العلم. وإذن فقد يكون الشعر ذا مكانة، ولكنَّ النثر أشد مَساسًا بحاجات الإنسان، وأشد اتصالًا بما ينتجهُ؛ فالنثر أفضل من الشعر.

    ولا يكاد يخلو كِتاب من كُتب الأدب الضخمة من خلاف بين الشعراء والكُتَّاب وأنصار كل منهما، ومصدر هذا أنَّ الذين يدرسون الأدب العربي لا يُقدِّرون مكانة الشعر ومكانة النثر من الحياة بقدر ما ينبغي؛ فالشِّعْرُ ضرورة من ضروريات الحياة في طور من أطوارها، فإن انْقَضَى هذا الطور أصبح الشِّعْرُ عَاجزًا عن أنْ يقوم بشيء من ذلك، وأصبحَ النثر خليفته، يُصور الأشياء الجديدة.

    والشعر الذي كان ضرورة أولًا يُصبح في الطور الثاني ضربًا من الفُكاهة والتَّرف، والحياة لا تستطيع أن تستغني عن كليهما.

    وكذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم التي كان لها حياة أدبية، وكان لها شعرٌ ونثرٌ، نُلاحظ أنَّ حياتها الأدبية قد بَدَأتْ شِعرًا، وأنَّ النثر قد وُجِد فيها قبل أن يُوجَد الشعر بزمنٍ طويل — وإذا قلتُ نثرًا فلا أعني لغةَ التخاطب، إنما أقصد النثرَ الذي يفهمهُ الأديب — فالأمم التي لها أدب قبل أن تُعبِّر عن عواطفها وميولها بالنثر عبَّرتْ عن لذتها وآلامها بالشعر، وكان الشعر هو لسانها الأدبي. فلما تطوَّرت هذه الأُمَمُ وارتقى عقلها وتغيرت نُظُمها السياسية والاجتماعية واتصلت بغيرها من الشعوب، ونشأ عن ذلك أن وُجِدت فيها أفكار وآراء لم تُوجَد عندها من قبل، واحتاجت إلى أن تُنَظِّم هذه الأفكار والآراء، وإلى أنْ تُصوِّرها وتُعلنها فعجز الشعر عن أن يُعبِّر عنها، واضطرت إلى النثر.

    لذلك عندما نُلاحظ تاريخ الأمم، كالأُمَّة اليُونانية مَثلًا، نراها أولًا شاعرة تنشئ الشعر قصصيًّا، ثم غنائيًّا، ثم تمثيليًّا. ولا ينشأ النثر عندها إلا في وقت الاضطراب السياسي، وتتغير فيها نُظُم الحكم والحياة الاجتماعية، وتشتدُّ الصلة بين اليونان والأمم الشرقية والعربية. وتنشأ أفكار جديدة؛ منها: السياسي، ومنها الفلسفي، ومنها الديني. واضطرت أن تُعَبِّر عن هذا كله؛ فنشأ النثر، ومثل هذا نجده عند الأمة الرُّومانية، وهذا هو الذي نَجِدُه عند الأمة العربية في العصر الأول قبل الإسلام.

    كان العرب أمة شعرٍ، لها حياتها الاجتماعية والسياسية الخاصة، تعتمد في هذين النوعين منَ الحياة على العاطفة والشعور، أكثر من اعتمادها على الحِكْمَة والرَّوية، تندفع بحكم هذا الشعور إلى الحرب أو السلم أو الخُصُومة، أو إلى أية نَاحِيَةٍ من نواحي الحياة الجاهلية.

    فإذا وصلت من ذلك إلى ما تُريد وتأثرت بهذه المؤثرات نطقت بهذا شعرًا، ولما لم تكن شديدة الاتصال بغيرها من الشعوب، ولا تعرف كثيرًا عما عند هذه الشعوب ظلت على حالتها هذه، فلمَّا جاء الإسلام تغيرت الحياة العربية تغيُّرًا تامًّا؛ تقوَّض النظام السياسي وحلَّ محل النظام القديم نظام جديد يعتمد على وحدة الأمة العربية، وإخضاع الأمم الأجنبية. ونشأ عن هذه الحياة نُظُم للحكم لم تكن معروفة من قبل: وُجِدت الخلافة، وتغيَّرت الحياة الاجتماعية، وتغيَّر نِظَامُ الزَّواج والطَّلاق، وعلاقة الجماعات.

    ثم كانت الفتوح واتصل العرب بالأمم الأخرى اتصالًا أخذ يشتدُّ ويقوى؛ حتى أصبح اختلاطًا ثم امتزاجًا، ونشأ عنهُ أن اطلع العرب على ما كان لهذه الأمم من: آراء، وأفكار، وديانات، وعلوم، وفلسفة. وأخذوا منهُ قليلًا قليلًا، ونشأ عن هذا أن تغيرت حياتهم العقلية، والشعرية، والعاطفية، والاجتماعية. فبَعْدَ أنْ كانوا مُتَأَثِّرين بالحسِّ والشُّعور أخذوا يُفَكِّرون ويتروون، وظهرتْ أَمَامَهُم مَسَائل ومُشكلات جَعَلَتْهُم يُفكرون ويلتمسون الحلول لتلك المسائل المُعقدة؛ فنشأ عن هذا كله أن تغيرت الحياة، وتغيرت الموضوعات فاستلزم أنْ تتغير العبارات التي يُعبِّرون بها عمَّا في أنفسهم، ونشأ لهم لسان جديد لم يكن لهم من قبل، وهو النثر الذي يُعبِّر عن المعاني بدون القيود الشعرية.

    فتقسيم الكلام إلى نَظْم ونثر تقسيمٌ بسيط ساذَج يُمكن الاعتماد عليه إذا بسَّطنا الأشياء، ولكنَّ الأديب الذي يدرُس تاريخ العرب، إنما يعتني بالكلام عندما يتجاوز الحديث العادي، وأداء الحاجات العاجلة إلى التفكير من جهة والجمال من جهة أخرى. فالأحاديث العادية ولغة التخاطب لا تعنينا في درس الأدب العربي وتاريخه؛ إذ إنَّ ذلك لا يكون لدرْس الأدب إلَّا عِنْدَما يكونُ في هذه الأحاديث لذة فنية خاصة.

    فالواقع أننا لا نستطيع — مهما نحرص على أنْ نكون مِنْ أنصار العصر الجاهلي — أنْ نطمئن إلى أنَّ هذا العصر كان له نثر فني، والذي لا شك فيه هو أنَّ أَقْدَم نص يمكن أن نطمئن إليه هو القرآن.

    القرآن: ليس شعرًا؛ لأنَّه لم يتقيَّد بقيودهِ، وليس نثرًا لأنهُ مُقيد بقيود خاصة لا توجَد في غيره، قيود يتصل بعضها بأواخر الآيات، وبعضها بتلك النغمة الموسيقية الخاصة، فهو إذن كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ، وهو وحيد في بابهِ لم يكن قبله ولم يكن بعده مثله، ولم يُحاول أحد أن يأتي بمثلهِ، وتحدى النَّاس أن يُحاكوه وأنذرهم أن لن يجدوا إلى ذلك سبيلًا. فأراح الخطباء أنفسهم من هذه المُحاولة المستحيلة التي عدُّوها خروجًا على الدين.

    ولما كانت «المحاكاة» من أهم الأسباب للإنتاج الأدبي؛ فإذا قال الشاعر البليغ قصيدة أُعجِب الناس بها، فمنهم من يرويها، ومنهم من يُحاول أن يُحاكيها ويأتي بمثلها، ولما كان القرآن مُستحيل المحاكاة؛ فمن الحق علينا أن نضعهُ في مقامهِ الخاص الذي لا يصحُّ أنْ يُقاس به شيء آخر، وأن نبحث عن «النثر العربي».

    النثر الجاهلي: وليس هو بالنثر في المعنى الذي حددتهُ، ومع ذلك فقد كان للجاهلية نثر خاص، لم يصل إلينا لضَعفِ الذاكرة، وخلوه من الوزن، هذا النثر هو «الخطابة» وليس مِنْ شَكٍّ أنَّ ما كان يقع في حياة العرب الجاهلية من خُصُومات كان يحتاج إلى كلام غير منظوم، وكان الخُطباء النَّاطِقُون بلسان القبائل يَحْرِصُون على أنْ يُعجِبوا السامعين لا أنْ يقنعوهم فحسب، بل أنْ يُثيروا فيهم لذة فنية.

    ومتى وُجدت هذه الفكرة فقد وُجِد الجمال الفني، ولكن هذه الخطابة لم يرد إلينا شيء منها نثق بهِ، ورُبَّما كان من السهل أنْ نتصور هذه الخطابة تصورًا مُقاربًا عندما نقرأ كتب السِّيَر وما فيها من خطابة وأحاديث.

    النثر في صدر الإسلام: قَوِيَ فنُّ الخطابة لأسباب الحوار ومُحاولة الإقناع، سواء كان موضوعه الدين أو السياسة أو الخصومات المُختلفة. وبالطبع، احتاج المسلمون إلى أن يكتبوا، وكتب النبيُّ رسائلَ، وكتب الخُلَفَاءُ مِنْ بعده، ولكنها كانت تُكتَب مُختصرة لا يُقصَد منها إلا مُجرد الإقناع في غير تفنن أو إثارة لجمال فني خاص، فكانت الرَّسائل قصيرة ليس فيها التفصيل، ولا المحاولات الفنية التي نجدها عند الشعراء من حيث الألفاظ.

    إنما في منتصف القرن الأول للهِجْرة كانت الفُتوح قد تَقَدَّمت كثيرًا، وكان العرب بدءوا يتصلون بغيرهم من الأُمَمِ، وكانت المَشَاكِلُ السياسية والاجتماعية قد كَثُرتْ حَتَّى هدمت نظام الخلافة، وأقامت نظام الملك. وكانَ هذا قد أنشأ الأحزاب السياسية … إلى جانب هذا التطور، نشأت أشياء أخرى منَ النَّاحية العَقْلية، فَأَسْلَم كثير منَ الأُمَمِ الأجنبية، وتَعَلَّمُوا العربية ودرسوا الدين الجديد، واختلط بهم العرب، وأخذوا نُظُمَهم السياسية والاجتماعية والأدبية. واتصل المسلمون بغيرهم في الجهة الدينية، ونشأت العلاقات بين أنصار الديانات الأخرى وبين المسلمين، وقامت بينهم محاجات.

    وأخذ العرب يُقيمون حضارة جديدة على أسس الحضارة القديمة؛ أي إنَّ العقل العربي الساذج في الجاهلية، وجد أمامهُ مشاكل حقيقية منها ما يمس الدين والحضارة، ومنها ما يمس الحياةَ المادية والاجتماعية، ثم وجد أمامهُ مسائل فلسفية أثارها الفلاسفة مع من اتصل بهم عندما عرف العربُ بقايا فلاسفة الفرس واليونان.

    لم يكن بُدٌّ للعربي أن يُفكر ويشترك في التعبير عنها بِلُغَتِهِ، ولا بدَّ لهُ أنْ يُناقش في المسائل السياسية والدينية. ومن أهم الصفات التي تتصف بها الأُمَمُ عندما تبدأ حياة حضرية بعد حياة بدوية أنْ تروي قديمها، وتُظهِر لنفسها ولغيرها من الأمم أنَّها ذات مجد ومكانة قديمة. وإذن؛ اضطرت العرب أن يكون لها تاريخ تُعَبِّر فيه عن تاريخها، كما يُعَبِّر الفُرْسُ واليونانُ عن تاريخهم.

    ولا يستطيع الشِّعْرُ بحالٍ أنْ يُعَبِّر عن هذه المعاني الجديدة، ويبسط الرأي السياسي والديني والفلسفي، ويقص التاريخ قصصًا واسعًا مُفَصَّلًا؛ لذلك قام النثر للمُحاورة والمُناظرة، ووَصْفِ التاريخِ والعلوم. ففي هذا العصر، وجد النثر الأسباب التي مكنتهُ أنْ يقوى من جهة، وأن تنشأ له فنون جديرة من جهة أخرى. وما قوي فيه إنَّما هو الخطابة التي كانت موجودة في الجاهلية، وأما الذي نشأ فيه جديدًا فهو هذه الفنون التي تُعَبِّر عن هذه المعاني عن التاريخ والمناظرات العلمية وغيرها.

    إذن؛ فالنثر العربي ليس لغة التخاطب أو الحديث العادي، والذي لا يُعبِّر عن عاطفة أو شعور من حيث هي عاطفة أو شعور، بل من حيث هي صورة عامة يظهر فيها نتيجة التفكير. هذا النثر أثر من آثار الحياة الإسلامية الجديدة ظهر في الإسلام ولم يكن موجودًا.

    هذه الأسباب التي دعت لوجوده أسباب طبيعة لم تكن لأنَّ أمة أعارت العرب النثر، بل هو فنٌّ دعت إليهِ حاجة الحياة العربية؛ ولذلك يجبُ أن ننزع من نفوسنا أنَّ العرب استعارت النثر من غيرها من الأمم، ولكن ليس معنى هذا أن هذا النثر بعيد عن الفُرْس واليونان، بل كان عربيَّ النشأة إنما تأثر بهؤلاء وتطور بفضل اتصال العرب بتلك الأمم.

    أسلمت هذه الأمم الأجنبية وتعلَّم كثيرون اللغةَ العربية؛ فكتبوا بها فلم تستطع هذه الطائفةُ أنْ تتجرد من وطنيتها، إنما عندما تعلم اليونانيُّ والفارسيُّ العَرَبيةَ أدخل ما ورثهُ عن قوميتهِ، كمَا أنهُ تأثر بما فيها من ثقافة عربية خالصة، فكان مزاجًا لا نقولُ إنهُ عربي خالص، أو يوناني، أو فارسي خالص.

    وأي هذين العنصرين كان أقوى تأثيرًا في النثر العربي، الفرس أم اليونان؟ إنَّ أكثر المستشرقين يميلون إلى أن تأثير الفرس أقوى؛ بدليل أنَّ أكثر الذين كتبوا نثرًا في الإسلام (في العصر الأموي والعباسي) كانوا من الموالي وهؤلاء من الفرس، وها هو «ابن المُقفع» الفارسي زعيم الكُتَّاب.

    ولكن هنالك قوم آخرون — وأنا منهم — يرون أنَّ التأثير اليوناني كان أقوى رغم أنَّ كثرة الكُتَّاب من الفارسيين؛ وذلك لأنَّ الثقافة اليونانية كانت قديمة العهد في هذه البلاد منذ أيام الإسكندر — أي: القرن الثالث قبل الميلاد — ولم ينتهِ القرنُ الثاني قبل الميلاد حتى كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرَّسمية للشرق الأدنى، ولم يكد يتقدم التاريخ المَسِيحِيُّ حتى كانت كل بلاد الشرق الأدنى في مصر وسوريا والعراق، وقد انبثَّت فيها مدارس يونانية تعلِّم الفلسفة، والأدب، وعلوم اليونان.

    وعندما جاء الإسلام وخرج العرب فاتحين صادفوا تلك البلاد، وقد انبثت فيها هذه المدارس اليونانية؛ فتركت في عقول المصريين، والشاميين، والعراقيين … آثارًا لا يُمكن أن تُمحى إلا مع الزمن …

    هذه الثقافة اليونانية التي استمرت في الشرق تسعة قرون، ولم يقف أمرها على الشام والجزيرة والعراق ومصر، بل هجمت على البلاد الفارسية نفسها منذ عهد البطالسة في مصر والسلوقيين في آسيا.

    وأخذت الثقافة اليُونانية تَنْبَعِثُ في الفرس حتى وصلت إلى أقصى الشرق، وفي عهد الإمبراطورية الرُّومانية اشتدتْ الصِّلَةُ بين اليونان والفرس، وتعمقت الثقافة اليونانية في فارس. وفي أواخر هذا العصر، عندما ظهرت المسيحية وأصبحتِ الدِّيانَةُ الرَّسمية وأُغلِقتِ المعابد الوثنية؛ هاجرت الثقافة اليُونانية إلى بلاد الفرس، فوجدت منها حماية ونصيرًا ولقيت من الأكاسرة تعضيدًا … فتأثر العقلُ الفارسيُّ بها إلى حد أنَّ ابنَ المقفع — زعيم كُتَّاب العرب والفرس — كان عظيم الحظ من الثقافة اليونانية؛ حتى قيل إنَّهُ ترجم آثار اليونان. ونحنُ نعلم أنَّ لليونان أدبًا كان يُدَرَّس في الإسكندرية، وغزة، والرها، وأنطاكية قبلَ أنْ تستقر الثقافة اليونانية بفارس.

    والثقافة الفارسية محدودة، فإنْ كانَ للفُرس أدبٌ؛ فالوَاقِعُ أنَّ هذا الأدب هو في عصر اتصال العَرَبِ بالفرس لم يكن عظيمًا، والذي تُرْجِمَ إلى الآداب العَرَبية من الفارسية قليلٌ مع كثرة ما تُرْجِم من الآداب اليونانية. وتنحصر الآداب الفارسية في: كِتَابِ كليلة ودِمْنَة، وكتاب الأدب الكبير، وكتاب الأدب الصغير. والحِكَم التي يشتمل عليها شعر بعض الشعراء؛ كأبي العتاهية، وبعض الكتب السياسية.

    هذا هو كل ما يُمكن أن يُقال: إنَّهُ أدب فارسي وصل إلى العرب في القرنين الثالث والثاني، بينما وصلَ إلى العرب عن اليونان الفلسفة، ونُظُم مختلفة في التفكير لها أثرها في النحو والبيان وغيرهما من الفنون.

    والواقع أنَّ الفُرسَ أخذوا من العرب أكثر مما أعطوهم، وحسبنا أنْ نَعْلَم أنَّ الأدبَ الفَارِسِيَّ الحي إنما نشأ بعد أن اتصل الفُرسُ بالعرب، وبعد أنْ تعلموا العربية، ولم يُعطِ الفرس للنثر العربي في التأثير بمِقدار ما يتصوره المُستشرقون، وما كان يراهُ الشعوبية من الفرس الذين قالوا: إنَّ العرب مَدِينةٌ للفُرْسِ بكل شيءٍ! ولا شك أنَّ العرب مَدِينُون للفُرسِ بالكثير من المَادِّيات والنُّظُم السِّياسية وغيرها، وأمَّا في الأدب فأنا مُقتصِد جدًّا، وفي رأيي أنَّ العرب تدين في أدبها إلى الأمة اليونانية.

    هذا إلى أن أكثر الكُتَّاب الذين بدءوا يكتبون النثر لم يكونوا من الفرس، بل كانوا من الشام والجزيرة ومصر؛ فهم إما يونان أو ساميون ثقافتهم يونانية.

    ولنسأل: أليس يُوجَد نثر عربي غير الخطابة لم يتأثر بالفارسية أو اليونانية؟ فإذا استطعنا الظفر بهذا النثر كان من السهل علينا أن نرى الفرق. ووجود هذا النثر ليس صعبًا، بل يكفي أن نقرأ النقائض فنجد فيه إشارة إلى أيام العرب، ويضطر المُفسرون إلى أن يقصوا علينا أخبار هذه الأيام التي كان العرب يقولون: إنها وقعت بين «داحس والغبراء»، و«حرب البسوس»، و«يوم الكلاب»، وما كان بين «عامر وتميم»، و«أيام الفُجار» وغيرها.

    كل هذه القصص كانت تُروى في مدينتَيِ البصرة والكوفة عندما استقرَّ العربُ في هذين المصرَيْن، وكانَ الذين يتحدثون بها هم الأعرابُ. والذي يظهر في هذه القصص ليست العقلية اليونانية ولا الفارسية، بل العقلية العربية التي تُريد أنْ تُثبت للنابهين من القبائل أعظم حظ من الشجاعة.

    في هذه القصص التي كانت تُقَصُّ أيامَ العرب ومغازي النبي وأوائل الفتح الإسلامي والفتن الإسلامية أيام عثمان العربية الخالصة، ترى النثر العربي الخالص، فإذا استطعنا أنْ نُحَدِّد هذا النثر كانَ مِنَ السَّهل علينا أنْ نُوازِنَ بينهُ وبين نثر الكُتَّاب الذين ظهروا في القرنين (الثاني والثالث)، وهم المتصلون بهذا المزاج من الثقافة اليونانية والفارسية.

    وتُهدينا هذه الموازنة إلى التأثيرات المُختلفة التي أحدثتها الثقافات المختلفة في النثر العربي. فنحنُ عندما نُوازن بين كتابة الكُتَّاب من المَوالي الذين كانوا من أصل سرياني أو شامي أو مِصْرِي، والذين تأثروا بالثقافة اليونانية، وبين الموالي الذين كانوا من أصل فارسي نتبين الطابع اليوناني من الطابع الفارسي.

    ألقى الأستاذ وليم مَارسيه William Marcais مُحاضرة في أصل النثر العربي ختمها بهذا السؤال: «إلى أي حد كان تأثير اللغة الفارسية فيما كتب ابن المُقفع وفيما ترجم؟ أكانت ترجمتُه حرفيةً يغلب عليها الطابع الفارسي أم كانت واسعة يغلب عليها الطابع العربي؟» وأظهر الأستاذُ أَسَفَهُ، وقال: «إنَّ الجواب عن هذا السؤال ليس ميسورًا الآن؛ إذ إنَّ الذين يستطيعون الرَّدَّ عنهُ هم الذين أتقنوا العربية والفهلوية، ومن سوء الحظ أن الأصول التي ترجم عنها ابنُ المقفع قد ضاعت.»

    ومع هذا، فنستطيع أن نقول إن الجواب عن سؤال مارسيه ميسورٌ رغم ضياع الأصول؛ إذ نستطيع أن نجدهُ في الأدب الصغير والأدب الكبير.

    عندما تقرءون كتابة ابن المقفع تجدون فيها شيئًا من الالتواءِ والدوران، ونُحِسُّ ونحن نقرأ أنَّ الكَاتب يَجِدُ مشقة في التعبير عن المعاني التي يُحِسُّها، ونُحِسُّ هذا الضعف الذي يكلفه الكاتب للعربية. نُحِسُّهُ لا بعقولنا فحسب، بل بآذاننا، فنجدُ أنَّ المُقفع يُكلِّف النحو العربي تكاليفَ رُبَّما لم يكن النحو العربي مُستعدًّا لأنْ يحتملها.

    وإنَّ ابن المقفع نفسَهُ رغم أنهُ زعيم الكُتَّاب وصاحب الآيات، وواضع المَثل الأعلى للكتابة، لم يكن عظيم الحظِّ من الفصاحة والنَّحو العَرَبي. وإذا وازنَّا بينهُ وبين ما كتب أصحاب النحو، وجدنا أنهُ مستشرق يحسن اللغة العربية والفارسية، يبذل جهدًا فيُوفَّق كثيرًا ويخطئ أحيانًا.