ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم
طه حسين
مجلة المصور
٩ فبراير ١٩٤٠
أنشأت وزارة المعارف العمومية في حركتها التجديدية الأخيرة مراقبة جديدة سمَّتها «مراقبة الثقافة العامة»، واختارت لرئاستها الأستاذ النابغة الدكتور طه حسين بك. وقد قابله مندوب المصور، وسأله عن الغرض من إنشاء هذه الرقابة وبرنامجها وأهدافها في خدمة الثقافة العامة، فتفضل عزته بالحديث الآتي:
لوزارة المعارف في نشر الثقافة مهمتان: مهمةُ نشرِها في مدارسها الخاصة والمشرفة عليها، ومهمة نشرها وتنظيمها خارج هذه المدارس. وقد بَقِيَتْ هذه المهمة الأخيرة بلا تحديد ولا تنظيم ولا أهداف معينة، مع أنها أخطر من المهمة الأولى، وأكثرها ارتباطًا بالأمة وهيئاتها وبالأمم الأخرى، فأرادت الوزارة أن تتلافى هذا النقص، وأن تضع حدودًا تُمَكِّنها من خدمة الثقافة العامة على أحسن الوجوه وأصحِّها غرضًا وأضمنها إنتاجًا؛ فأنشأت هذه الرقابة، وجعلت تحت إدارتها قسمين: قسم الترجمة والإحصاء، وقسم التعاون الثقافي.
ولأدعك من هذا التنظيم الإداري الذي ما زلت أُعنَى به؛ لأحدِّثك عن التنظيم الثقافي. فالواقع أننا في حاجة إلى تنظيم الثقافة العامة، وفي حاجة إلى تحديدها، بل إلى توحيدها إذا أمكن هذا التوحيد. فجميع الجهود المبذولة فيها مبعثَرة، والأعمال الجارية بها تكاد تكون فوضى، وخدمات وزارة المعارف فيها غير منظَّمَة، وأغراضها منها غير معروفة. وهذا التنظيم الثقافي يتناول داخِلَ البلاد وخارجها. فعندنا في مصر جمعيات علمية وأدبية ولجان التأليف والترجمة والنشر. وهذه الهيئات تعاونها وزارة المعارف كل عام بنحو «١٥ ألف جنيه». ولا ريب أنها تقوم بواجبها في خدمة الثقافة العامة، ولكن جهودها غير منظَّمَة، وإنتاجها غير محدود. فلو أمكن تنظيم جهود هذه الجمعيات لاستطعنا أن ننشئ منها مجمعًا علميًّا عامًّا لا يقل عن المجمع العلمي في فرنسا. فعندنا في مصر ثروة علمية وأدبية لا ريب فيها، ولكنها كما قلت غير منظمة، والإشراف عليها غير موجود. ولست أدَّعي أننا في ثروتنا الفكرية كفرنسا وإنجلترا، ولكنني أقول إننا لسنا أقل من بلجيكا وإسبانيا واليونان، بل لسنا أقل من إيطاليا في ثروتنا العلمية والتاريخية.
وقد قامت الحرب ومجمع فؤاد الأول للغة العربية على أبواب افتتاح دورته السنوية، فاعتذر بعض أعضائه في الخارج. فرأى المجمع تأجيل دورته، ورأت وزارة المعارف في هذا التأجيل ما يُفوِّت الغرض من قيام هذا المجمع، فعهدت إلى رقابة الثقافة العامة في تنظيم العضوية فيه؛ بحيث تكون أكثريته العامة في مصر حتى نتابع أعماله على الدوام، وحتى نكون أسرع إنتاجًا.
***
وقد رأت رقابة الثقافة العامة أن دراسة التاريخ المصري القديم والتاريخ العربي في مدارس الوزارة يكاد يكون مقصورًا على الكتب، فاقترحت أن يقوم رجال المُتحف المصري ودار الآثار العربية بإلقاء محاضرات فيهما على المعلمين؛ ليقوموا هم بإلقاء دروسهم على طلابهم بين آثار هذين المُتحفين. وقد شرعت الوزارة في العمل بهذا الاقتراح، ويقوم رجال الآثار الفرعونية والعربية بإلقاء هذه المحاضرات.
***
أمَّا إحياء التراث العربي، فقد اقترحت أن تضاعِف دار الكتب المصرية عنايتها بإخراج نفائس العلوم والفنون العربية، ونقل نفائس المؤلَّفات الأجنبية وطبعها في مطبعتها التي تُعَدُّ من أرقى المطابع. وقد صادف هذا الاقتراح عناية معالي وزير المعارف العمومية واهتمامه الكبير. كما اهتم معاليه بالعمل لإنشاء فرقة مصرية للموسيقى الأجنبية تحل محل الفرق الأجنبية التي تستدعيها الوزارة كل عام للعزف والتمثيل بدار الأوبرا الملكية، وتُنفِق عليها ستة آلاف جنيه، فعندنا الآن طائفة من المصريين والمصريات يُتقِنُون هذه الموسيقى، كما عندنا طائفة يستطيعون التمثيل باللغة الأجنبية، ويستطيعون أن يكفوا حاجة الأجانب في مصر. وقد لا يمضي وقت طويل حتى تكون هذه الفرقة قد أُنشِئت.
***
هذه بعض نواحي تنظيم الثقافة العامة في داخل البلاد، أمَّا تنظيمها في الخارج، فلمصر عَلاقات ثقافية بالأقطار الشرقية والبلدان الغربية. فالأقطار الشرقية ترسل الآن بعوثها من الطلبة إلى المعاهد المصرية، كما تستدعي بعض المعلِّمين المصريين للتدريس في معاهدها. ولما كانت برامج التعليم في هذه المعاهد تختلف كثيرًا عن برامج التعليم في مصر؛ فقد جعلت المعاهد المصرية تشترط شروطًا معينة في البعثات الشرقية، وتُجري بين طلبتها امتحانات خاصة. كما أن إيفاد المعلِّمين المصريين إلى الأقطار الشقيقة يحتاج إلى تنظيم خاص. لذلك كان من مهمة رقابة الثقافة العامة أن تُعنى بهذا التنظيم، وأن تهتم بتقريب المناهج بين الأقطار العربية حتى يسهُل التعاون، ويؤدي إلى الوحدة العربية المنشودة.
***
أمَّا أوروبا، فقد أخذت مصر منذ زمن طويل تستدعي بعض علمائها وأساتذة جامعاتها للدراسة في معاهدها، وتأخذ عنها بعض نُظُمِها، وتتبادل معها الشئون الثقافية، وترسل مندوبيها لحضور مؤتمراتها العلمية، كما ترسل بعض البلدان الأوروبية علماءها لحضور بعض المؤتمرات العلمية في مصر. فهذه العلاقات الثقافية بيننا وبين أوروبا في حاجة إلى تنظيم، وإلى عناية خاصة؛ حتى لا تظهر مصر أمام البلدان الراقية بمظهر يحط من شأنها، ويجعل الغربيين ينظرون إلى حركتنا العلمية نظرة لا تتفق وما أخذته وزارة المعارف على عاتقها من تقدُّم النهضة العلمية والأدبية وخدمة الثقافة العامة على أكمل الوجوه، وأحسن النُّظُم التي تضمن المحافظة على كرامة البلاد.
Tag: orchestra formation
-
ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم