نعم واجب …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٢ أكتوبر ١٩٥٤
لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أصدَقُ الشكر وأجمله على مقاله القيِّم الذي قرأته اليوم في الجمهورية، عن نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية. ولفضيلته كذلك أصدقُ الشكر وأجمله على ما تفضَّل به من ثناء، وما وجه إليَّ من دعاء … وأحب أن يطمئن الأستاذ الجليل إلى أني حريص أشدَّ الحرص على أن أكون عند ما يحب من معونته حسب طاقتي على ما يحاول من تَبْيِين حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب جميعًا … ولكني أعود بعد ذلك إلى الموضوع الذي كتبت فيه منذ حين، والذي أثار الأستاذ الجليل إليَّ الكتابة فيه اليوم، وهو ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية.
فقد يظهر أن فضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني على أن هذه الترجمة واجبة لا ينبغي التقصير في أدائها، ويوافقني كذلك على أن الأزهر قد فكر في هذه الترجمة وأطال فيها التفكير، وتحدَّث عنها وأكثر فيها الحديث منذ عشرين عامًا، ولكنه على ذلك لم يصنع شيئًا، بل لم يأخذ في هذه الترجمة، ولم يتمَّ منها لا قليلًا أو كثيرًا.
وكنت أظن أن الأزهر في هذا العهد الجديد سيستأنف التفكير الجاد المنتج في هذا الواجب الخطير، ويأخذ في أدائه دون إرجاء له أو إبطاء فيه، مكتفيًا بما ضاع من الوقت في التفكير والحديث أثناء هذه السنين الطوال …
ولست أدري أمخطئ أنا في فهم الذي نشرته الأهرام للأستاذ الأكبر منذ أسابيع بهذا العنوان الذي لم ينكره الأستاذ الأكبر، ولم ينكره أحد من الأزهريين، وهو إرجاء ترجمة معاني القرآن للغات الأجنبية «مشروع جديد لمشيخة الأزهر للتعريف بأحكام الإسلام ومبادئه».
رجال الدين مسئولون أمام «الضمير» الإنساني عن سلامة العالم، وهذا العنوان وحده يصور حديث الأستاذ الأكبر تصويرًا دقيقًا، كما أنه يصور المقال الذي نشرته الجمهورية له صباح اليوم؛ ففضيلته يرى في صراحة صريحة أن الغاية التي يقصد إليها من ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، إنما هي تعريف حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب، تعريفًا صحيحًا صادقًا لا لبس فيه ولا غموض ولا التواء …
والأستاذ الأكبر يرى الإسراع إلى تحقيق هذه الغاية بوضع الكتب والرسائل التي تعرض حقائق الإسلام وأصوله، وترجمة هذه الكتب والرسائل إلى اللغات الأجنبية المختلفة، ولا يتحدث عن الأخذ في ترجمة معاني القرآن نفسه اليوم أو غدًا أو بعد غد، وأخشى أن يُكتفى بوضع هذه الكتب وترجمتها وإذاعتها ويُستغنى بذلك عن الموضوع الذي أُلِحُّ فيه أشدَّ الإلحاح، وهو ترجمة معاني القرآن نفسه ترجمة دقيقة صادقة يمكن أن يثق الناس بها، ويطمئنوا إليها، ويعلموا أنها هي التي تصور فهم أعلام الإسلام للقرآن الكريم.
فهناك فرق واضح أشدَّ الوضوح بين كتاب يقدم إلى الناس على أنه ترجمة لمعاني القرآن قد أقرها رجال الدين وأطبقوا على إقرارها، ولم يروا فيها عوجًا ولا انحرافًا عما ينبغي أن يفهم من نصوص الذكر الحكيم، وبين كتاب يقدم للناس على أنه عرض لهذه الحقيقة أو تلك من حقائق الإسلام قد ألفه هذا الأستاذ أو ذاك من أساتذة الأزهر الشريف أو من غيرهم.
وما أكثر الكتب التي ألَّفَها المستشرقون عن الإسلام، والتي يستقيم بعضها؛ لأنه يصدر عن الإخلاص في حب العلم، والصدق في عرضه على الناس، وتجنب الهوى والتعصب، وحُسن العلم بالتراث الإسلامي، وينحرف بعضها عن الجادة لتأثُّر المؤلف بالهوى أو لقصوره عن فهم هذا النص أو ذاك من النصوص الإسلامية على اختلافها.
وقُرَّاء العربية يعرفون بعض هذه الكتب؛ لأنها نقلت إلى لغتهم في عصور مختلفة وبأقلام مختلفة أيضًا، والذين يحسنون اللغات الأجنبية يقرءون كثيرًا من هذه الكتب في اللغات التي أُلِّفَتْ فيها أو نقلت إليها، فيعرفون وينكرون، ويرضون ويسخطون.
ولست أرى بأسًا — كما قلت في الحديث الماضي — بأن يشارك الأزهريون في تأليف بعض هذه الكتب والرسائل، بل أنا أرى في ذلك الخير كلَّ الخير، وأتمنى أن يُسرع الأزهريون إليه، وأرجو أن تكون لي في بعضه مشاركة. ولكن هذا شيء والموضوع الذي أُلِحُّ فيه وأراه واجبًا لا يحتمل إرجاءً ولا إبطاءً شيء آخر.
فأنا أريد ألا يرجئ الأزهر نقل معاني القرآن نفسه إلى اللغات الأجنبية الحية أكثر مما أرجأه إلى الآن؛ ذلك أن الناس في العالم الغربي كثيرًا ما يحرصون على قراءة الكتب المقدسة نفسها في لغاتهم التي يتكلمونها أو في اللغات الأجنبية التي يحسنونها، وهم يقرءون التوراة والإنجيل ويقرءون كتبًا أخرى تقدسها شعوب لا تؤمن بالكتب السماوية، يدفعهم إلى هذا الحرص حبهم للعلم، ورغبتهم في المعرفة، وطموحهم إلى فقه الشئون الدينية مهما يكن مصدرها. وهم يقرءون تراجم كثيرة للقرآن نشرت منذ أواخر القرون الوسطى، وما زال بعضها ينشر في هذه الأيام. وكان آخر ما وصل إليَّ منها ترجمة فرنسية نشرت بعد الحرب العالمية الثانية للأستاذ الفرنسي رجيس بلاشير أستاذ اللغة العربية بالسوربون.
وأصحاب هذه التراجم المختلفة يحملون تبعاتهم بالطبع، وهي تبعات ثقال في أكثر الأحيان، والشيء الذي أقطع به هو أن هذه التراجم لا تقع في نفوس المسلمين المتقنين لعلوم الإسلام مواقع الرضا؛ لأنها تنحرف عن الجادة من هذه الناحية أو من تلك، بعضها يخطئ الفهم ويخطئ الأداء، وبعضها ينحرف عن السنة الموروثة في ترتيب القرآن، ويحدث اضطرابًا شديدًا في نفوس الذين يقرءونه، ولن يستطيع الأجانب أن يفهموا هذا الموقف الغريب الذي يقفه المسلمون من كتابهم المقدس الكريم، فلا يترجمون معانيه لهم، ولا يقدِّمون إليهم منه صورة يمكن أن يطمئنُّوا إليها ويثقوا بها، على حين تقدم إليهم التراجم المختلفة للتوراة والإنجيل، وكل ما يتصل بالتوراة والإنجيل من المباحث والشروح.
والمثل الذي ضربته في الحديث الماضي ليس إلا شيئًا قليلًا من أشياء كثيرة لا أحبُّ أن أعرض لها الآن كما لم يحب الأستاذ الأكبر أن يعرض لها الآن، لا أريد أن أُثِير خصومة قوية أو ضعيفة بين المسلمين وغير المسلمين، وإنما أريد أن ينهض المسلمون بهذا الواجب الذي نهض به كثير من غير المسلمين يخلص أكثرهم وينحرف قليل منهم عن الإخلاص، ويتورط أولئك وهؤلاء في الخطأ الذي لا ينفع أحدًا، والذي يسوء الإسلام ويسوء المسلمين عن عمد وعن غير عمد. والإسلام دين يتجه إلى الناس كافة لا إلى العرب منهم خاصة، وليس من الطبيعي ولا من الممكن أن نفرض على الناس أن يقرءوا القرآن في نصه العربي إذا أرادوا أن يعرفوه؛ لأن هذا تكليف بالمحال كما يقول الأزهريون.
فلا أقلَّ من أن يُفَسَّر لهم القرآن بنقل معانيه إلى لغاتهم؛ لنتيح لهم ما يريدون من ذلك دون أن يجدوا في ذلك مشقة أو عسرًا، ودون أن يتعرَّضوا في ذلك للخطأ أو الجهل أو التحريف.
وفضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني فيما أظن على أن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية ليس مستحيلًا ولا ممتنعًا، وعسى ألا يكون من العسر بحيث يظن المتحرجون.
فأنا لا أريد أن أنقل إلى اللغات الأجنبية ما في بيان القرآن من روعة وإعجاز، وإنما أريد أن أعطي الأجانب من القرآن الكريم صورة صادقة تؤدي إليهم معانيه، وإن لم تؤدِّ إليهم روعة النظم وجمال اللفظ وبراعة الأسلوب.
وفي معاني القرآن نفسها من الروعة والبراعة ما يؤثِّر في القلوب الإنسانية أعظم الأثر وأقواه، وما لا يدرك كله لا يترك جله، كما كان يقال لنا في الأزهر أيام الشباب، وكما يقال لطلاب الأزهر الآن فيما أظن، وما أريد أن يظن فضيلة الأستاذ الأكبر أني قصدت أن أسوء الأزهر من قريب أو من بعيد … فأنا أعرف للأزهر حقه عليَّ، وأحاول أن أؤدي إليه بعض هذا الحق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا،، ومن أداء حق الأزهر عليَّ أن أذكِّره بالواجب وأدعوه إلى أدائه وأُلِحَّ عليه في هذا التذكير والدعاء.
فالله يأمرنا أن ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف ونذكر الواجب، والأزهر هو الذي علمنا أن الله يأمرنا بهذا كله، فنحن حين نطلب إليه أداء هذا الواجب الخطير في غير إرجاء ولا إبطاء ولا تريث إنما ندله على أننا استمعنا له فأحسنا الاستماع، ودرسنا فيه فأحسنا الانتفاع بما تلقينا من الدروس.
أما بعد؛ فإني أرجو أن يتفضل الأستاذ الأكبر فيُعنى أشدَّ العناية وأقواها وأصدقها بنقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وبتأليف ما يجب تأليفه من الكتب والرسائل التي تبيِّن حقائق الإسلام للناس؛ فالاستكثار من الخير مرغوب فيه دائمًا مدعوٌّ إليه دائمًا، وفي الأزهر والحمد لله قدرة على النهوض بهذين الأمرين جميعًا، ومن حول الأزهر من المسلمين القادرين على معونته من يستجيبون له إذا دعا ويعينونه إذا احتاج إلى العون. ولا يغضبِ الأستاذ الأكبر من هذه الجملة التي رأى فيها قسوة على معهدنا العظيم، فهو يذكر من غير شك أن من القسوة ما ينفع، وهو يذكر كذلك من غير شك أن قد أتى على الأزهر حين من الدهر كان بعض شيوخه يحرجون على غير الأزهريين أن يخوضوا في حديث الدين من قريب أو بعيد، ويرون ذلك مقصورًا عليهم من دون الناس.
وليس أحب إليَّ ولا أحسن في نفسي موقعًا من أن يكون هذا العهد قد انقضى، ومن أن يعود الأزهر الشريف إلى سماحته الأولى، فيعمل الخير ويُذِيعه ويدعو الناس إلى المشاركة فيه.
فتلك مهمة الأزهر التي طالما دعوناه إلى أن يخلص لها نفسه وجهده ووقته ونشاطه كله، وأي شيء أحسن موقعًا في نفوس المسلمين من أن يروا الأزهر قد أقبل على واجبه يؤديه أصدقَ الأداء؟
Tag: Orientalism
-
واجب …
واجب …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٤ سبتمبر ١٩٥٤
نعم؛ واجب طالما أُرْجِئ واتصل التقصير في أدائه بأسباب كثيرة مختلفة منها ما يُساغ ومنها ما لا يُساغ، حتى كان التفكير في أدائه منذ أكثر من عشرين عامًا، حين أراد الأزهر الشريف أن تُنقَل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وأن يكون نقله إلى نفر من المسلمين الذين يحسنون العلم بدقائقه، ويفهمون أسراره حق فهمها، ويتقنون لغته حق إتقانها، ويملكون اللغة الأجنبية التي ينقلون إليها ملكًا يتيح لهم أن يتصرفوا فيها تصرف القادرين عليها المطوعين لها المجيدين لإيداعها أدق المعاني في بلاغة تلائم مكانة القرآن، ومقامه الرفيع من البيان العربي.
وقد أحسَّ الأزهرُ الشريف أنَّ نَقْل القرآن ببيانه الرائع المعجز إلى لغة أجنبية شيء لا مطمع فيه ولا سبيل إليه؛ فآثر التواضع ولم يفكر في ترجمة القرآن كما يُترجَم غيره من الكتب، وإنما فكر في نقل معانيه إلى اللغات الأجنبية اعترافًا بالقصور عن الترجمة بمعناها الدقيق، وتجنبًا لكثير من الحرج الذي يأتي من الدين والفن جميعًا.
وكان الأزهر موفقًا منصفًا في هذا التواضع؛ فالترجمة في نفسها عسيرة أشد العسر، وهي ممتنعة بالقياس إلى الآيات الأدبية الرائعة؛ فكيف بالقرآن المعجز الذي لم يستطع أن يأتوا بمثله في لغتهم التي نشئوا عليها وبرعوا فيها، وبلغ النابهون منهم أقصى ما يمكن أن يبلغوا من القدرة عليها والتطويع لها والسحر بما أُتِيحَ لهم من البيان والتبيين.
وقد استجابت الحكومة في ذلك الوقت لإرادة الأزهر وقررت النهوض بالأعباء المادية لهذا النقل، وأرصدت لذلك في ميزانيتها المتتابعة مقدارًا رمزيًّا من المال يتيح للأزهر أن يبدأ عمله حتى إذا خطا فيه الخطوات الأولى أنفقت الحكومة على هذا العمل عن سعة وفي غير بخل ولا تقتير.
ولكن الأزهر أكثر الحديث في هذا الموضوع، ثم سكت عنه فجأة، وظلت الحكومة ترصد هذا المقدار الرمزي في ميزانياتها أعوامًا متصلة، والأزهر ساكن لا يعمل شيئًا وساكت لا يقول شيئًا.
وأشهد لقد هممت بشيء من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية غير مرة، ولكني صرفت نفسي عن ذلك صرفًا؛ لأني لم أُرِدْ أن أقحم نفسي على ما أراد الأزهر أن يُختَصَّ به من دون غيره من الهيئات، ومن دون غير الأزهريين من الناس.
ولكني أقرأ في الأهرام التي صدرت صباح الأحد حديثًا لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أفهم منه كما يفهم منه غيري أن الأزهر قد أعرض عن هذا الرأي، واكتفى بأن يؤلف المختصون من رجاله كتبًا ورسائل تُعرِّف الإسلام إلى الناس على أن تُترجَم هذه الرسائل إلى اللغات الأجنبية.
ولست أشك في أن تأليف هذه الكتب والرسائل خير في نفسه وحق على القادرين عليه من المختصين، وقد كنت أتحدث في أول الصيف في شيء من ذلك إلى صديقين كريمين، واقترح أحدهما أن نضع كتابًا نُبيِّن فيه حقائق الإسلام كما ينبغي أن تُبيَّن؛ ليقرأه أصحاب الثقافات المتوسطة وليُنقَل بعد ذلك إلى بعض اللغات الأجنبية فيظهر عليه بعض القُرَّاء من الأجانب الذين لا يعرفون الإسلام إلا كما تُصوِّره لهم بعض الكتب الأجنبية تصويرًا فيه الخطأ والصواب، وفيه الإنصاف أحيانًا والجور أحيانًا، وقد أمعنَّا في حديثنا ذاك، ولم نفترق حتى وضعنا منهاجًا لهذا الكتاب، وقسَّمْنَاه على أنفسنا، واتفقنا على أن يفكر كل منا في النصيب المقسوم له من هذا المنهاج أثناء الصيف، على أن نأخذ في الكتابة بعد انصرام القيظ عنَّا.
وفي أثناء هذا الصيف وحين كنت في عزلتي تلك الأوروبية القصيرة قرأت كتابًا فرض عليَّ التفكير المتصل فيما كان الأزهر يفكر فيه منذ أعوام طوال، من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية تصويرًا صحيحًا أو مقاربًا.
والكتاب الذي قرأته في تلك العزلة كتاب خطير حقًّا ألَّفَه كاتب إيطالي مسيحي معروف هو الأديب العظيم جوفني بابيني، وضاقت به الكنيسة الكاثوليكية أشد الضيق فأنكرته، وحرمت قراءته على المؤمنين من أتباعها، ولكن الكتاب مع ذلك تُرْجِم إلى اللغات الأوروبية الكبرى، وقرأته أنا في ترجمته الفرنسية.
وموضوع هذا الكتاب هو الشيطان، والكتاب مُحيِّر حقًّا لا يدري قارئه أهو كتاب ديني أم هو كتاب أدبي، بل لا يدري قارئه أهو كتاب قُصِدَ به إلى الجد الخالص والبحث العلمي الصارم، أم هو كتاب خُلِطَ به الجد والهزل، وامتزج فيه العلم والأدب.
فالمؤلف يُصوِّر الشيطان كما وصفته التوراة، وكما وصفه الإنجيل، وكما وصفه شُرَّاح التوراة والإنجيل من آباء الكنيسة وأحبارها، ويعرض آراء قديمة في الشيطان وفي مصيره. تغضب الكنيسة أشد الغضب، ولكن الكاتب لا يقف عند هذا الحد، وإنما يصور الشيطان كما وصفته آثار الأمم المختلفة قديمها وحديثها على اختلاف دياناتها ومذاهبها الفلسفية.
ثم يتجاوز هذا كله فيصور الشيطان كما رآه الأدباء وأصحاب الفنون الجميلة على اختلاف بيئاتهم وأزمنتهم، وعلى اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وكما رآه هو في بعض أوقاته.
والكتاب ممتع ما في ذلك شك، وهو يدل على علم عميق وثقافة واسعة بعيدة المدى وإحاطة بشئون الأجيال المتباينة المتباعدة من الناس منذ أخذ الناس يكتبون ويصورون إلى هذا العصر الذي نعيش فيه … ولكنه على ذلك مختلط فيه الجد وفيه الهزل، وفيه الصحيح وفيه المحال، وإن ذهب المؤلف فيه مذهب العلماء وتكلف فيه سيرة الذين يجدون ولا يعبثون.
وقد وقفني من هذا الكتاب تصويره للشيطان كما وصفه القرآن الكريم، وهذا التصوير هو الذي اضطرني إلى أن أفكر فيما أراد الأزهر منذ ربع قرن، من نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية … ذلك أن الكاتب الإيطالي ليس مستشرقًا، فهو لا يقرأ القرآن في نصه العربي، وإنما يقرأ هذه التراجم التي نهض المستشرقون بأعبائها في اللغات المختلفة وفي العصور المختلفة أيضًا.
ولست أدري أي ترجمة وقعت له لأنه لم يدلنا عليها، ولكنها ترجمة خاطئة مخطئة من غير شك، وقد نتج عن قراءته لهذه الترجمة واطمئنانه إليها واعتماده عليها شر عظيم يضيق به الأزهر، ويضيق به الأستاذ الأكبر أشد الضيق، وينكره المسلمون أعظم الإنكار.
فهو قد قرأ — فيما يظهر — ترجمة لهذه الآيات الكريمة من سورة الحجر؛ حيث أنبأ الله ملائكته بأنه خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وأمرهم إذا سوَّاه ونفخ فيه من روحه أن يقعوا له ساجدين … ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ).
وقد تُرجِمَتْ هذه الآية الأخيرة على أن إبليس لم يكن من الذين يسجدون؛ لأن طبيعته وعلوه في نفسه يرفعانه عن السجود، واستنتج من هذا — ويا بؤس ما استنتج! — أن إبليس كان أقرب إلى الإسلام من الله؛ لأن إبليس أبى أن يسجد لبشر، والإسلام يحرِّم السجود لغير الله، فكان إبليس أحرص على رعاية الإسلام من الذي جعل الدين عند الله الإسلام!
تعالى الله عما يقول المترجمون الخاطئون المخطئون علوًّا كبيرًا!
ولكن الشيء المهم الخطير هو أن هذا الكتاب قد قُرِئَ بالإيطالية والفرنسية وغيرهما من اللغات الكبرى، وظن كثير من قرائه أن هذا الكلام في القرآن، وأن الله قد أراد الملائكة على أن يسجدوا لآدم عابدين له من دون الله، وأن إبليس قد أبى أن يشرك بالله بشرًا، وأن الله عاقبه باللعنة على هذا التوحيد.
فما رأي الأزهر؟! وما رأي فضيلة الأستاذ الأكبر؟! ألا يزال الأزهر والأستاذ الأكبر يريان العدول عن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية الكبرى لِيُعْرَفَ الإسلامُ في البلاد الأوروبية والأمريكية على وجهه؟! ألا يوافقني الأزهر والأستاذ الأكبر على أن التقصير في أداء هذا الواجب إثم لا ينبغي أن يتورط فيه المسلمون بعد أن كثر هذا السخف السخيف الذي يتناقله كثير من غير المسلمين منذ تُرْجِم القرآن في أواخر القرون الوسطى إلى أن تُرْجِم أخيرًا في هذا العصر الحديث تراجم أقل ما تُوصَف به أنها ليست دقيقة ولا صادقة ولا مقاربة في كثير من أجزائها، وأنها تنشر الخطأ في كثير من العقول وتلقي في روع كثير من الناس أمورًا ليست من الإسلام ولا من القرآن في شيء؟!
وليس كل الغربيين قادرًا على أن يقرأ القرآن في نصه العربي، وليس كل الغربيين قادرًا على أن يفهم القرآن إن قرأه في النص العربي، وليس أوساط الناس مكلفين أن يتحققوا من صدق التراجم التي تُنشَر لهم ودقتها ولا قادرين على هذا التحقق، بل هم مدفوعون بطبعهم إلى أن يأخذوا هذه التراجم على أنها صحيحة دقيقة كما يأخذون تراجم الكتب الكثيرة التي تُنقَل إليهم. وكثير منهم يقرءون العهد القديم والعهد الجديد مُترجمَين إلى اللغات التي يتكلمونها، فهم يقرءون تراجم القرآن كما يقرءون تراجم التوراة والإنجيل مع هذا الفرق الخطير؛ وهو أن تراجم التوراة والإنجيل تخضع لمراقبة شديدة عسيرة من السلطات الدينية المسيحية، ولا تخضع ترجمة القرآن لمراقبةٍ ما إلا مراقبة الناقدين من العلماء، وقلَّما يحفل العلماء بهذه المراقبة، وقلَّما يقدرون عليها!
ليصدقني الأزهر وليصدقني الأستاذ الأكبر أن هذا شر عظيم غفل المسلمون عنه دهرًا وتغافلوا عنه دهرًا، وأصبح إهماله إثمًا يجب أن تُبذَل الجهود كل الجهود للتخلص منه والتخفف من ثقله.
وبَعْدُ، فما أكثر ما ترجم الأوروبيون القرآن إلى لغاتهم كما أحبوا أو كما استطاعوا وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يترجموا معاني القرآن بأنفسهم إلى هذه اللغات! وما أكثر ما كتب الأوروبيون الرسائل وألفوا الكتب عن الإسلام فأخطئوا وأصابوا وأنصفوا وجاروا عن قصد السبيل! وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يُعرِّفوا الإسلام بأنفسهم إلى غيرهم من الأمم.
وإذا كان الأزهر لا يريد أن ينقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية — وأنا أُجِلُّه عن ذلك — فلا أقلَّ من أن يُخلِّي بين المسلمين وبين هذا النقل يجتهدون فيه حسب طاقتهم دون أن يصرفهم عن ذلك أو يحرج عليهم فيه أو يثير في سبيلهم المصاعب والعقبات.
إن العالم الغربي يفكر في الإسلام ويتحدث عنه أكثر جدًّا مما يظن الأزهر والأزهريون، فلا أقل من أن نتيح له التفكير فيه والتحدث عنه على وجه صحيح وعن علم دقيق بأسراره وحقائقه؛ ذلك أجدر أن يعفينا من التقصير، وأن يُقرِّب الصواب إلى غير المسلمين. -
حياتنا الأدبية
حياتنا الأدبية
طه حسين
بيروت
٣٠ سبتمبر ١٩٤٤
لما كنت في مدينة ليون في شهر سبتمبر الماضي لقيت صديقي الأستاذ «جيب»، الذي يعنى أشد العناية بالأدب العربي الحديث، والذي كتب فيه فصولًا قيِّمة، منها ما ترجم، ومنها ما لخص. وكلها شُغف بها الناس وفتنهم ما فيها من قوة الملاحظة، ودقة التحليل، وحُسن الاستقصاء؛ فتحدثنا عن الأدب العربي العصري، وسألته: ماذا يُعد لنا في هذه الأيام، وعمن يريد أن يتحدث إلينا؟ قال: «ما زلت أنتظر القصة العربية الجديدة التي أكتب عنها، وأسجل بها نمو هذا الأدب وتقدمه، ولكن هذه القصة تبطئ في الظهور، وقد طال انتظاري لها، وما أرى إلا أنه سيطول ويطول، فليس في أفق الأدب العربي ما يؤذن بظهور هذه القصة، بل يسوءني أن أقول: إن كل ما أراه في هذا الأفق يدل على أن النشاط الرائع الذي كان قد استأثر بالحياة الأدبية العربية قد أخذ يفتر، وخضعت هذه الحياة الأدبية منذ أعوام لخمود لا يشبهه خمود، وأصبحت راكدة هامدة تكاد تفقد الحركة والإنتاج.»
وغريب أني كنت أسمع لهذا الكلام فأجد في الاستماع إليه راحة مؤلمة، ورضًى شقيًّا؛ لأني كنت أُحدِّث نفسي بمثله، فكنت أرتاح لاتفاقنا في الرأي، وتواردنا على خاطر واحد، وكان يؤلمني أن يكون هذا الرأي صحيحًا، وهذا الخاطر صوابًا، وأن يكون من الحق الذي لا شك فيه أن حياتنا الأدبية قد ركدت في هذه الأعوام الأخيرة ركودًا ظاهرًا منكرًا، يستتبع شيئًا كثيرًا من الحزن وخيبة الأمل؛ فقد كانت الحركة السياسية التي هزت مصر والشرق بعد الحرب الكبرى قد بعثت في الحياة الأدبية نشاطًا ظاهرًا، فكثر الكُتَّاب والمُنتجون في الأدب من جهة، وتنوَّعت آثارهم الأدبية من جهة أخرى.
واشتد هذا النشاط حتى اضطر جماعة من المستشرقين في إنجلترا؛ كالأستاذ جيب في معهد الدراسات الشرقية بلندرة، وفي فرنسا كالأستاذ بيرس بكلية الآداب في الجزائر، وفي ألمانيا كالأستاذ كميفمير في برلين، وفي روسيا كالأستاذ كرتشكوفسكي في ليننجراد، إلى أن يلتفتوا إلى الأدب العربي الحديث، ويقفوا عنده، ويتناولوه بالدرس والنقد والتحليل، ومنهم من انصرف عن الأدب القديم فوقف عنايته أو كاد يقفها على الأدب الحديث.
ومنهم من تخيَّر فصولًا من هذا الأدب جمعها في كتب تذاع على الناس، ويقرؤها الشبان المستشرقون في الجامعات، ويقرؤها كذلك المستشرقون الذين يلاحظون الشرق، ويرقبون ما يخضع له من تطور سياسي وفني وعقلي. والظاهر أن عناية الشرقيين بهذا الأدب الحديث وتهافتهم على ما كنا نظهر من الآثار الأدبية، والتفات المستشرقين إلى آثارنا هذه، ونشاطهم لدرسه ونقده. كل هذا قد راقنا وأعجبنا، وملأنا غرورًا وتيهًا، فغررنا بأنفسنا، وخيل إلينا أنا قد بلغنا الغاية من الحياة الأدبية الخصبة القيِّمة، وأخذ الكاتب من كتابنا يعنى بما يقول الناس عنه في الشرق والغرب أكثر مما يعنى بالكتابة والإنتاج.
ولم يتردد بعض أصحاب الصحف في أن يترجم ما كتبه عنه المستشرقون، أو ينقل ما يكتب عنه الشرقيون، ناظرًا في ذلك معجبًا به، يسرف في النظر فيه، ويغلو في الإعجاب به، كأنه الحسناء تنظر في المرآة فتعجبها صورتها، فتمضي في النظر إليها والتحديق فيها، ويشغلها ذلك عن كل شيء آخر، ثم ما هي إلا أن أخذ هؤلاء الكُتَّاب يدرسون أنفسهم، ويتحدثون عنها، ويتناول كل منهم صاحبه بالنقد والدرس، ويجيب كل منهم عما وُجِّه إليه من عيب، حتى أسرفنا في ذلك إسرافًا قبيحًا، وشُغلنا به عن الإنتاج.
وأذكر أني أحسست هذا الإسراف ونبهت إليه وحذرت منه، وقلت منذ سنتين: إن كُتَّابنا يشبهون النار في المثل القديم: تأكل نفسها إذا لم تجد ما تأكله، ورغبت إلى كتابنا أن يدعوا أنفسهم حينًا، وأن ينصرفوا إلى الحياة نفسها يفهمونها ويدرسونها ويصورونها، ويمضون فيما كانوا فيه من ذلك الإنتاج الخصب القيِّم، ولكن أحدًا من كُتَّابنا لم يلتفت إلى هذا النداء، بل ظلوا يتحدثون عن أنفسهم، ويقرءون ما يتحدث الناس به عنهم، حتى سئمهم الناس فسكتوا عنهم، وسئموا هم أنفسهم فأعرضوا عنها، ولكنهم أعرضوا عنها إلى الصمت لا إلى الكلام، وإلى الفتور لا إلى النشاط.
وآية ذلك أنك تبحث عن الكتب التي ظهرت منذ أعوام فلا تكاد تظفر بشيء، وتبحث عن الفصول الأدبية الرائعة التي تنشر في الصحف والمجلات فلا تجد شيئًا، وإنما الغذاء الأدبي للناس في هذه الأيام ما تنشره الصحف والمجلات من حديث السياسة الذي كثر وتكرر حتى أصبح بغيضًا ممقوتًا، ومثل هذا الأدب السهل اليسير الفارغ الذي لا يرضي عقلًا ولا شعورًا، ولا يدعو إلى روية أو تفكير، إنما هو تسلية يقطع بها الناس أوقاتهم في الترام أو في القطار، ويتعجلون بها النوم إذا أووا إلى مضاجعهم، فمن أبى منهم إلا أن يقرأ الأدب الممتع الذي يغذو نفسه، ويرضي عقله؛ فلا بد له من التماس ذلك فيما يظهر من الأدب الأجنبي الأوروبي.
وهذا الشر على قبحه وشناعته هين يمكن أن يُحتمل لو لم يستتبع شرًّا آخر أقبح منه أثرًا، وأشد نكرًا، فإن طبيعة الحياة الأدبية الصالحة تستتبع أن يكون في الأدب أجيال يتبع بعضها بعضًا، شيوخ معتدلون وشباب مجددون، فإذا سكت أولئك نطق هؤلاء، وإذا قصر أولئك برز هؤلاء، ولكن الأمر عندنا على غير هذه الحال: شبابنا منصرف عن الإنتاج الأدبي، بل عن العناية بالأدب، وكهولنا شابوا قبل أوان الشيب وصمتوا، وقد كان في ألسنتهم وأقلامهم بقية.
وإنك لتبحث عن الشاعر الشاب الذي نشأ في هذه الأعوام، فصرف جماعة من الشبان عن شوقي وحافظ ومطران فلا تجده، وعن الكاتب الشاب الذي ظهر فاستحدث مذهبًا في النثر صرف بعض الناس عن هيكل والعقاد والمازني فلا تظفر به، وخلاصة موقفنا الأدبي أن زعماء الأدب عندنا كُسالى لا ينتجون، وأن الشباب المصري منصرف عن الأدب لا يُعنى به، فضلًا عن الإنتاج فيه، وشر من هذا وذاك، أن من شبابنا المصري من له نفس تحس، وقلب يخفق، وعقل يفكر، فهو يتأثر بالحياة ويريد أن يصورها، أو يصور تأثره بها، فإذا حاول ذلك لم تواته لغته العربية، فوصف ما يريد من ذلك بالفرنسية أو الإنجليزية، وأجاد الوصف، ووفق إلى الإحسان، وأعجب به قُرَّاء من الأوروبيين.
ومن الغريب أن في مصر الآن جماعة أدبية اشترك فيها المصريون والأجانب، واتخذت اللغة الأجنبية مرآة لقلوبها وعقولها، ولسانًا لعواطفها وشعورها، ثم نحن ما نزال نعتقد أن في مصر نهضة أدبية نصفها بالقوة حينًا، وبالروعة حينًا آخر، كلا، كانت في مصر نهضة أدبية، ولكنها فترت منذ أعوام، وأخشى أن يكون هذا الفتور نذير الخمود ثم الجمود، ثم علة هذا الفتور المهلك، فالتمسها إن شئت في تعليم اللغة العربية والأدب العربي في المدارس الثانوية؛ فهو — بحمد الله — مجدب عقيم، كما كان مجدبًا عقيمًا دائمًا، والتمسها في حرص الصحف والمجلات على اجتذاب أكثر عدد ممكن من القُرَّاء، ونزولها لذلك عن الأدب القيِّم الذي يدعو إلى التفكير، إلى الأدب الفارغ الذي يلائم الكسل ويقطع الوقت، ثم التمسها بعد هذا وذاك في هذه الخصومات السياسية الفارغة التي لا تقدم النهضة السياسية، ولا تأتي بجديد، وإنما تعيد اليوم ما كانت تقول منذ عشر سنين، ومهما تكن علة هذا الفتور، فإنه شرٌّ يجب أن يفكر فيه الذين ما يزالون يحسبون أن في مصر حياة أدبية ناهضة. -
مؤتمر العلوم التاريخية
مؤتمر العلوم التاريخية
طه حسين
جريدة السياسة
١٩ مايو ١٩٢٣
عُدْنا إلى العملِ صباحَ الخميس ١٢ أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين، وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» Louis Massignon ، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة طويلة حادَّة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين».
والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المُحاضِرُ، وإن كنتُ قد اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض؛ لأنه لم يكن بيِّنًا، ولأن أساس البحث الذي ذهب إليه المُحاضِرُ خطأ فيما اعتقد؛ فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على مهارتهم وحُسْن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها يخطئون فَهْمَ هذه اللغة أحيانًا ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء.
لم أفهم الغرض الذي رمى إليه الأستاذ، وأحسب أن كثيرًا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد تناقشنا وتناقشنا كثيرًا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي أثر خالص من آثار العرب أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى.
أما الأستاذ «ماسينيون» فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيًّا خالصًا، وإن ما يمكن أن تجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يُؤخَذ عن هذه الأمم، وإنما هي المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف البيئات. فليس حتمًا إذا فكَّرَ العربيُّ كما فكَّرَ اليونانيُّ أن يكون العربيُّ قد أَخَذ عن اليونانيِّ، ولكن من المعقول جدًّا أن يكون اليونانيُّ والعربيُّ قد فكَّرَا بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا عن غيرهم هذه النظرية أو تلك.
هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن بل إنه واقع، بل إن هناك نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذت عن الأخرى، ولكن إمكان الشيء غير وجوده بالفعل وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض؛ فذلك شيء قد يكتفي به الفلاسفة والمفكرون.
فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة ولا يلجأون إلى الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا مؤقتًا حتى يُتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة التي تُفسِّر ما لديهم، فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية تُوافِق ما رَأَيْنا عند اليونان أو عند الفُرْس كان لنا أن نفترض توارُدَ الخواطر، وكان لنا أن نفترض أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو الفرس، كان لنا أن نفترض الأمرين جميعًا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك.
وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة التاريخ، وليس يجب أن نجد النصَّ التاريخيَّ الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو عن الفُرْس لِنَنْفِيَ توارُدَ الخواطر؛ فكثيرًا ما تَضِيع النصوص دون أن يكون ضياعها مصدرًا لضياع الحقيقة. وليست النصوص كلَّ شيء في التاريخ؛ فهناك الصلات التي تختلف قوة وضعفًا وتتفاوت متانة ووهنًا بين الأمم. وهذه الصلات إذا ثبتت ثبوتًا تاريخيًّا كافيًا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض.
وليس يجب أن يكون هذا التأثير ظاهرًا يعلمه الناس جميعًا، يعلمه من أثَّرَ ومن تَأثَّر؛ فأشد أنواع التأثير عملًا في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة الدولية — إن صح هذا التعبير — هو ما كان خفيًّا يجهله مصدره كما يجهله قابله. فإذا ثبت أن اليونان مثلًا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق ونقلوا إليه علمهم وفلسفتهم وتركوا فيه عادات وضروبًا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة العرب ولا عن صدر الإسلام كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية، أو في التصوف العربي بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبهما باليونانية أثر من آثار الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي.
وقُلْ مِثْلَ هذا في الفقه؛ فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسًا مُنَظَّمًا، ولكنَّا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلًا أو كثيرًا، سواء أعلم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرًا، ولأن هذه القوانين قد دُرِّسَتْ درسًا مزهرًا في الشام والجزيرة ومصر؛ فيجب أن يترك حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارًا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها وأن تتكوَّن من هذه الآثار الاجتماعية لهذه الشعوب.
والعرب لم يهدموا كل شيء، وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبًا، بل ليس من شك في أن كثيرًا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء بذلك، فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية.
لا يَغْضَبِ العلماء؛ فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما تكوَّنَ من النظام اليوناني والروماني والفارسي. هذه النظم التي تعاقبت على الشام، ومصر، والجزيرة.
وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض، ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي، أو هذه النظرية أثر عربي خالص، أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك إذا لم توجد النصوص هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح.
حول هذه النقطة دارت المناقشة ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير الأستاذ «ماسينيون» وغيري وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعًا يلمون بتاريخ الدين الإسلامي إلمامًا حسنًا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص، بل إن أحدهم كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود وبقراءة ما كتب الفرس، أو ما كتب الهنود في الدين.
وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية؛ فقد يكون ذلك واجبًا محتومًا، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبًا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ينبغي، والدين الإسلامي عربي، ولكن أممًا غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه. وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرًا وتأثر بها كثيرًا.
وإذن؟
وإذن؛ فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام لا في مصر والشام وحدهما، بل فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام ولو أن لي كلمة مسموعة بين علماء الإسلام لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تُدرَّس اللغات الأجنبية الإسلامية في الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية وأخرى في درس التركية وأخرى في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تُدرَّس كتب الدين التي كُتِبَتْ بالفارسية أو بالتركية، أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلًا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يُعَدُّ هو الجامعة الإسلامية الكبرى!
هلمُّوا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تُدرَّس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية درسًا مفصلًا نافعًا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقَّه في أن يكون الجامعة الإسلامية الكبرى، وليس ينبغي أن تكون مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف.
أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟
أما مساء الخميس فقد كان لذيذًا، قضينا شطرًا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول» وكنا قد دُعِينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة.
هنا خطبنا قسيسٌ فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يُفسِّر لنا إصحاحًا من الإنجيل أو آية من التوراة، وإنما تحدَّثَ إلينا في الفن وتحدَّثَ إلينا في الآثار؛ ذلك أن هذه الكنيسة قديمة بعيدة العهد بالتاريخ بُدِئَ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار الفن والعمارة إلى آخر القرن السابع عشر، فخطبنا هذا القسيسُ ساعةً وبعضَ ساعة مبيِّنًا لنا هذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بها الكنيسة، مقارنًا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشًا آراء بعض الفنيين والأثريين من الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد.
أعترف بأني لم أكن أفهم شيئًا كثيرًا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريًّا ولا فنيًّا ولا أكاد أتصوَّر فن العمارة، ولكن مع هذا كنت أُعْجَب بهذا القسيس إعجابًا شديدًا لا يعدله إلا إعجابي بقسيس آخر خَطَبَنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نُسِخَتْ فيه، فيرى بعضهم أنها نُسِخَتْ في القرن العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين.
كنت إذن أُعْجَبُ بهذين القسيسَيْن، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء، وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم، فلنا عليهم بعض الحقوق؛ لأننا نريد أن يكون علماء الدين فينا أئمةً وفخرًا في وقت واحد.
ويؤلمني جدًّا أن أقارن بينهم وبين رجال الدين في أوربا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدًّا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ قرون.
هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقًا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تُقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حُرٌّ، وأن القسيس ليس له من الحرية مثل هذا المقدار العظيم.
ومع ذلك، فالقسس في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن فينهضهم ويتفوق عليهم. وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم التاريخ.
وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أَظْهَرَ عنايةً شديدةً بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى. وأؤكد لك شيئًا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وأن علماء الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الأطباء، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الحياة، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الرياضة. وما لي أذهب بعيدًا وفي مصر مدارس اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم يكونوا أقل نجاحًا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزًا؟!
فأحب الآن أن تُحَدِّثني عن علمائنا في مصر. مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم يجهلون جهلًا تامًّا تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟!
أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟
سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في بروكسل أسقفًا فرنسيًّا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أنه سيشترك في مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا المؤتمر.
أليس يحسن؟! أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ليكونوا كغيرهم من رجال الدين؟! ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث)، كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا.
أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ أيشعرون بأنهم يُحْسِنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البُعد ويحسنون إلى أمتهم أيضًا؛ لأنها تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقًّا، وأن تأتمَّ بهم حقًّا في دينها ودنياها؟
سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبًا من الموسيقى الدينية القديمة التي أَحْدَثُها يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد إني أُعْجِبْتُ بهذه الموسيقى وأشهد إني طربت لهذا الغناء اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن مساجدنا إنما أُنْشِئَتْ لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطلب ذلك ولا أفكر فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا مَنْ يستطيع أن يُحدِّثنا عن تاريخ الأزهر الشريف، وجامع قلاوون، وجامع برقوق، من الوجهة الفنية كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا عن كنيسة «سانت جودول».
سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وُضِع ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد تقدَّمُوا فحملوه، ومضوا فتبعهم المؤتمرون في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل يُمثِّل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم.
أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكومتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه الجماعات! ولولا أن وزير المعارف كان قد أُنْبِئَ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه؛ فحيَّاني تحية حسنة، ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه.
ثم لقيت أثناء السهرة مؤرخًا شابًّا بولونيًّا تعرَّفَ إليَّ لأن زوجه تعرَّفَتْ إلى زوجي ودعاها إلى هذا التعرُّفِ الطربوشُ، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوبَ عصبة الأمم في مؤتمر العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية. وكيف لا تفعل، وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟!
صافَحَني هذا الشابُّ، وقال: «هناك مسألة تُحيِّرني، ولعلَّك تُجِيبني عليها. ما بال مصر لم تُمثَّل في عصبة الأمم؟! ومتى تطلب هذا التمثيل هنا؟»
أعترف أيها القارئ بأني قد كذبت ولم يكن مصدر الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبتُ سائلِي على الفور: «ستطلب مصرُ الانضمامَ إلى عصبة الأمم في هذه السنة!» قال صاحبي: إذن فسيُرَدُّ طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلتُ: أعتقد ذلك.
فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟