Tag: parliamentary conflict

  • صبريات٢

    حديث الوادي
    صبريات. . .
    نعم صبريات، وقد طال الصمت عن وزير المالية، لأنه هو آثر الصمت، وأغرق فيه، وأحب السكون، واطمأن إليه. ويظهر أنه ضاق بالصمت والسكون، فخرج عنهما إلى الحركة أولًا، وسيخرج إلى الكلام غدًا أو بعد غد. وإذا نشط وزير المالية نشط معه الناس. وإذا قال وزير المالية قال معه الناس. فما أعرف بين وزرائنا النابهين رجلًا أحب إلى الكتاب، وآثر عندهم، وأقدر على تنشيطهم إن فتروا، وعلى إنطاقهم إن سكتوا، وعلى إلهام الفصول الطوال من هذين الوزيرين الخطيرين، وزير المالية حين يعالج المال، ورجال المال، ووزير التقاليد حين يعالج التعليم، ورجال التعليم.
    ودع رئيس الوزراء الرجل الطيب، فإنه هادئ وديع، ومتواضع مطمئن، قلما يلهم أو يوحَى. أعماله وأقواله كلها منسقة تنسيقًا يزهد في النظر فيها، والتفسير لها، والتعليق عليها. ودع زملاءه الآخرين، فهم رجال طيبون يشبهونه في الدعة والهدوء، والعجز عن الوحي والإلهام. دع هؤلاء الوزراء الطيبين، وقف عند وزير المالية، ووزير التقاليد، وأطل الوقوف عندهما، فلن تزهد فيهما، ولن يزهدا فيك، ولن تشبع منهما، ولن يشبعا منك، لأنهما لا يقولان، ولا يعملان، ولا يفكران، ولا يحلمان، إلا أتيا بالأعاجيب، ودفعاك إلى التفكير والقول والكتابة دفعًا.
    هذا وزير التقاليد قد طاف به طائف مفاجئ من حب اللغة الإنجليزية، فآثرها بالعطف، واختصها بالمودة، وأزمع أن يأخذ الطلاب لدرسها في الصيف والشتاء، واصطناعها في الخريف والربيع، وأمر أن تذاع فيهم الكتب، يتدبرونها ويستظهرونها، أثناء الصيف، حتى إذا عادوا أثبتوا بالامتحان أن حظهم من العلم باللغة الإنجليزية قد اتسع وامتد، وقد ارتفع وعمق، حتى أصبحوا إنجليزًا أو كالإنجليز. وليس من شك في أن هذه الحركة سترضى المندوب السامي، وستبلغ من رضاه مدى لا يبلغه المستبقون. فليهنأ وزير التقاليد بهذا النشاط الخصب، وليهنأ الإنجليز بهذه العناية المنتجة، ولتترك اللغة العربية أمرها إلى الله، فقد يُعنى بها وزير آخر في الصيف المقبل.
    ولكن ما لنا ولوزير التقاليد، ونحن إنما نريد الحديث عن الصبريات، والثناء على وزير المالية، فهو خليق بالثناء حقًّا. لقد كان الناس يظنون به الظنون، ويحسبون أنه قد عدل عن كل حركة، وانقطع عن كل كلام، وأذعن لقضاء الظروف، وخضع لما لا بد من الخضوع له، فإذا هو بعيد عن هذا كله، أشد البعد، يحسبه الناس هادئًا وهو يضطرب، ويظنونه ساكنًا وهو يتحرك، ويقدرون أنه صامت، وصمته أبلغ من الكلام. وها نحن أولاء نفاجأ بهذا الخلاف العنيف بينه وبين جماعة من النواب، يبلغون ثلث المائة، يريد هو أن تُجبى الضرائب على وجهها، لا يفرق فيها بين الأغنياء والفقراء. ولا بين الشعب والنواب، ويطلب هو إلى المديرين أن يمضوا في ذلك جادين غير مقصرين، ويكره النواب منه ذلك، فيطالبونه بالاعتذار، وينذرونه بنزع الثقة منه إن لم يفعل. وكنا نظن أن قومًا يأتمرون بالوزير ليخرجوه، ويكيدون له ليخلصوا منه، ولكن ماذا نسمع اليوم من الناس، وماذا نقرأ اليوم في الأهرام؟ يقول الناس وتذيع الأهرام، إن الأمر لم يقصر بين الوزير وهؤلاء النواب على هذا المنشور الغريب، ولو وقف الأمر عنده لما ضاق النواب به، ولكنهم استكشفوا منشورًا آخر أو تعليمات أخرى أذاعها الوزير، بين المديرين، وأذاعها المديرون بين المأمورين، وأذاعها المأمورون بين العمد، وأذاعها العمد بين الناس في قرى الريف، وهذه التعليمات خطيرة حقًّا، تنذر بالشر المستطير. فالوزير فيما يقول الناس وتذيع الأهرام، لا يطلب إلا شيئًا يسيرًا هو إحصاء الضرائب التي تأخرت عند النواب. وأقرباء النواب والتبيين عن درجة هذه القرابة. بين الذين تأخرت عندهم الضرائب وبين النواب. ماذا؟ أتحقيق سريٌّ يُراد، ومن الذي أمر به ومن الذي دفع إليه؟ أهو الوزير، فما له لم يأمر به إلا في هذه الأيام؟ أهو رئيس الوزراء، فما له لم يفكر فيه منذ نهض بأعباء الحكم. ماذا؟ أليس يكفي تحقيق الكورنيش وتحقيق الاستبدالات، وتحقيق البلدية حتى يبدأ في تحقيق جديد واسع النطاق، تمتد أسبابه في أطراف الأرض كلها في المدن والقرى، وفي الحضر والريف. ماذا؟ أليس يكفي التحقيق حول الوزراء والموظفين حتى يمتد التحقيق إلى النواب، والشيوخ. من الذي أمر بهذا التحقيق؟ ومن الذي دفع إلى هذا التحقيق؟ وماذا يُراد من هذا التحقيق؟ ماذا؟ أجماعة من النواب يأتمرون بالوزير، ليخرجوه من الوزارة. أم هو الوزير يأتمر بالنواب ليقيم الدليل على أن هذا العهد الحاضر لم يخل من إيثار ومحاباة، واستغلال للنفوذ، وأيُّ الفريقين يفوز؟ أيخلص النواب من هذا الوزير الذي يتخذهم موضوعًا للتحقيق، ويشترك في تبعات الحكم، ثم يمضي في عمل من شأنه أن يفسد على الوزارة أمرها؟ أم يعجز النواب عن هذا الوزير، فيبقى في منصبه يصرف الأمر كما يريد، ويلتمس الضرائب عند من التوى بها، أو تأخر في أدائها، مهما يكن، ومهما يكن أولياؤه، وأصدقاؤه؟ أما الوزير فلم يتعدَّ حدوده، ولم يتجاوز حقه، ولم يخرج عن طوره الذي يجب له، فمنصبه يحمله أمانة العناية بالضرائب وجبايتها بالعدل من المصريين جميعًا. وتخليص هذه الجباية من المجاملة والمحاباة، فليس للنواب عليه سبيل، ولا ينبغي أن يكون للنواب عليه سبيل، وإذا لم يكن بد من أن يفوز أحد الخصمين، فالقانون والدستور، يريدان أن يفوز الوزير على النواب في هذه الخصومة. ولكن النواب، وهم عماد الحكومة وجُنَّتها، قد آزروها حين تنكر لها صدقي باشا رضحوا في سبيلها بصدقي باشا، ومما قُدم إليهم من يد واصطنع فيهم من جميل، وهم يؤازرونها في كل مشكلة. ويؤيدونها في كل ملمة لا يلقونها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة، وإذا التوى بعضهم بالضرائب، فليس منهم من يلتوي بالنصر والتأييد. وإذن فكيف يسمح لوزير المالية أن يثير حولهم الشك، ويسلط عليهم الظنة، ويملأ الجو من حولهم بالشبهات؟ مشكلة أثارها وزير ماليتنا النابغة. ومن للمشكلات يثير غبارها، ويُذكي نارها، إلا وزير ماليتنا النابغة؟ ولكن إثارة المشكلات شيء، وحلها شيء آخر. وزير المالية بارع في إثارة المشكلات، ولكن براعته في حلها شيء مشكوك فيه. وإذن فأيُّ المختصمين يفوز؟ أيفوز النواب فيسقط الوزير؟ أم يفوز الوزير فيخضع النواب لهذا التحقيق الخطير؟ ما أشد إشفاقنا على الرجل الطيب، فإن حل هذه المشكلة العنيفة سيحمله من الجهد، ويكلفه من العناء ما لا قبل للمترفين به، في هذا الصيف الثقيل.
    أما نحن فقد نحب أن نعين الرجل الطيب على التماس حل لهذه المشكلة، ولغيرها من المشكلات، على التماس حل شريف، يريحه ويريح غيره من الناس، وهذا الحل هو ألا يحاول صلحًا بين المختصمين، ولا تأجيلًا للمشكلة على حساب المصلحة العامة، وإنما يؤيد وزير المالية في موقفه تأييدًا حازمًا، واضحًا، صريحًا. فإما أن يذعن خصوم الوزير للحق، والقانون، وإما أن يأبوا فتخذلهم الكثرة، وإما أن تتضامن الكثرة معهم فتستقيل الوزارة، ويفتح الباب، للإصلاح الصحيح. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٠ يونية ١٩٣٤.

  • حرب

    حديث المساء: حرب

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٥ نوفمبر ١٩٣٣

    لم نفرغ من الضحك بعد لأن الرئيسين الخطيرين لا يريدان لنا أن نستريح من الضحك والإغراق فيه، كلاهما رقيق القلب كريم النفس، كلاهما رفيق بنا شفيق علينا، كلاهما يرثي لنا من هذه الخطوب المتصلة والمحن التي لا تنقطع ومن هذه الآلام التي نشقى بها ونرزح تحت أثقالها، وكلاهما يريد — وله الشكر على ما يريد — أن يسلِّي عنا الهم، ويجلِّي عنا الحزن، فلا يكتفي بأن يرسل على ثغورنا الابتسام، بل يأبى إلا أن يملأ أفواهنا بالضحك المتصل والقهقهة التي لا آخر لها.

    وكلاهما يبلغ به اللطف والظرف والإيثار ألا يُضحكنا من غيره، وإنما يضحكنا من نفسه فيما يعمل وفيما يقول، كلاهما يجود بنفسه ليضحك أمته. والجود بالنفس أقصى غاية الجود كما قال الشاعر القديم، فلنضحك إذن ما دام الرئيسان الخطيران يأبيان إلا أن نضحك، ولنغرق في الضحك ما دام وزير التقاليد يأبى إلا أن يشاركهما في هذا الظرف ويأخذ بحظه معهما من هذا الجود، ولنعلم إذن أن الله أرفق بمصر والمصريين من أن يسلط عليهم ظلمة المحنة، دون أن يرسل على هذه الظلمة من حينٍ إلى حين شعاعًا مشرقًا مضيئًا.

    وأول ما يضحك من هذه المهزلة المشرقة التي تمثل أثناء المأساة القائمة هو هذه الحرب الضروس التي شبت، وما زالت تتلظَّى بين رجلين لا يقدران على الحرب وليسا منها في شيء؛ فصدقي باشا مريض مخذول وعبد الفتاح يحيى باشا ضعيف طيِّب القلب، وكلاهما خليق أن يؤثِر السلم ويفرغ للراحة والهدوء، والاستمتاع بما في الحياة من طيبات، ولكنهما على ذلك يقتتلان ويصطرعان ويبثُّ كل منهما حول صاحبه الحبائل والأشراك، ثم يجرد كل منهما سلاحه، ويرفع كل منهما صوته، ويثير كل منهما من حوله غبارًا ستر الليل والنهار، ثم يهجم كل منهما على صاحبه، حتى إذا اشتبكا واعتركا، ثم اصطدما والتحما، تفرقا فلم يلقَ أحد منهما كيدًا، ولم يعرض أحد منهما لمكروه؛ لأن أحدًا منهما لا يقدر على الكيد، ولأن أحدًا منهما لا يقدر على المكروه، إنما هي فصول تمثل وقوم يضحكون.

    كان صدقي باشا يأبى إلا أن يتحكم في خصمه، وكان عبد الفتاح باشا يأبى إلا أن يتحكم في عدوه، فظهر أن أحدًا منهما لم يتحكم في صاحبه، وأن ظروف السياسة تتحكم فيهما جميعًا، تدفعهما إلى الإقدام فإذا هما يقدمان، وتدفعهما إلى الإحجام فإذا هما يحجمان، لا يكاد صدقي باشا يُقصى عن الحكم حتى يُعلِن في الأهرام أنه رئيس الكثرة البرلمانية، وأن استشارته في تأليف الوزارة واجبة محتومة، ثم لا يكاد يرتفع الضحى حتى تسعى الظروف السياسية فتضطره إلى الإحجام، وإذا هو يُكذِّب الأهرام، ويقسم أنه لم يقل مما روت عنه شيئًا، ثم يَقدُم مرة أخرى فيزعم أن الوزارة ليست شعبية؛ لأنها لم تؤلف بأعين حزب الشعب، ثم تسعى إليه الظروف فيؤمن بأن الوزارة شعبية؛ لأن رئيسها قد ثاب إلى الحظيرة، بعد أن ثار بها وخرج عليها.

    ثم يعلن رئيس الوزارة أنه مسالم، ثم لا يلبث أن يعلن أنه مخاصم، ثم يفصل صدقي باشا وزيرين، ثم لا يلبث أن يرتاح لرجوع الوزيرين، ثم يقدم رئيس الوزراء فيزور الحزب، ثم يُحجم رئيس الوزراء فيتجنَّب الحزب. ثم ينهزم صدقي باشا، فيستقيل من رياسة الحزب، ثم ينتصر صدقي باشا فيعود إلى رياسة الحزب، ثم يظهر وزير الداخلية فيصول ويجول، وإذا المديرون يصولون ويجولون أيضًا، وإذا العرائض تُهَيَّأ، وإذا النواب يرادون سرًّا على أن يرشحوا لمجلسهم رئيسًا من حزب الاتحاد.

    هنالك يغضب حزب الشعب ورئيس حزب الشعب، فيكون العتاب أول الأمر، ثم تكون الشكوى، ثم يكون الهجوم، وينهزم رئيس الوزراء وهو رجل طيب القلب نزيه النفس، فيدعو إليه المديرين، ويأمرهم ألا يفعلوا، ويخيَّل إلى الناس أن المختصمين قد جنحوا إلى السلم واطمأنوا إليها، ولكن ما يكفُّ عنه المدير يستطيع أن يأتيه الوزير، فتهيأ العرايض، ويدعى النواب إلى وزير الداخلية في مكتبه أو في داره ويطلب إليهم الوزير أن يمضوا فيشتد العتاب، وترتفع الشكوى، ويعظم الغضب، وتستأنف الحرب، وتقدَّم الأسئلة، ويثار الغبار، وتبرز الأسلحة؛ فإذا الفضائح يهدم بعضها بعضًا، وإذا المخزيات تفسد الجو وتملؤه شرًّا، وإذا السماء تمطر أسئلة على الوزراء، وإذا الصحف تُثير عجاجًا في وجه رئيس حزب الشعب، والمصريون يرون؛ فتحزن نفوسهم، وتبسم ثغورهم، وتُعرِض وجوههم، أنفةً واشمئزازًا، ثم يبلغ الجهد أقصاه بالجيشين المتحاربين؛ فقد كثرت الجراحات فيهما، ودبَّ الفشل بين صفوفهما.

    وأحس القادة أن الصلح خير، وإذا هم يجنحون إلى السلم مرة أخرى، ويجدُّون فيها ملحِّين، ويسعى بها بين الرئيسين قوم يودون لو يُلقى الستار على كل هذا العار. وهنا يظهر وزير التقاليد، وما أدراك ما وزير التقاليد؟ صريح جريء، ونزيه بريء، لا يعرف المراوغة، ولا يحب المداورة، وإنما يندفع وأجره على الله، ويأتي ما يريد وخلاص، كما يقول ما يريد وخلاص، فإذا لقي سُعَاةَ الصلح، وطلاب السلم، وضعها على حجر كما يقول العامة وقال للسفراء لا صلح حتى تؤمنوا لرفعت باشا برياسة مجلس النواب، وتكتفوا لصدقي باشا برياسة حزب الشعب؛ فإن رفعت باشا قد ضحَّى بالوزارة في سبيل الرياسة، فأخذُها منه ظلم له، ورفعها عنه اعتداء عليه، والحق أحق أن يتبع، وعدل الله يجب أن يستقر في الأرض، وقد ورد في كتاب البيع أن من اشترى فدفع الثمن فله أن يقبض العين، ومن رده عنها أو نزعها منه فهو غاصب، ورفعت باشا قد اشترى رياسة مجلس النواب، ودفع وزارة الحربية ثمنًا لها؛ فحقه في الرياسة ثابت بَيِّن يُظَاهِره على ذلك كتاب البيع، الذي ألفته منذ أعوام وأعوام، ويؤيده في ذلك القانون، فكتاب البيع بيننا وبينكم، والقانون حكم في هذا الخلاف.

    ولم يكد وزير التقاليد يضع الأمر على حجر، ويتحدى الشعبيين، ويجعل تطبيق كتاب البيع شرطًا للصلح، حتى استيأس الشعبيون من الصلح، وأمر رئيسهم بقطع المفاوضات.

    وفي أثناء ذلك أقبلت نجدة من لندرة تؤيد رئيس الوزراء؛ فلقيها رئيس حزب الشعب بجواب محرج للخصمين جميعًا، كتبت الديلي تلغراف وترجمت الأهرام، فقال صدقي باشا طُبخت الرسالة في مصر وقُدِّمَت للناسِ على مائدة الديلي تلغراف.

    ثم لم يتقدم النهار أمس حتى هجم رئيس الوزراء، ولكن رئيس الوزراء لا يهجم حتى يقدم بين يديه الطلائع تسعى وتعلن النذير، فذكرت المقطم وغير المقطم أن رئيس الوزراء سيذيع بيانًا، وخفقت قلوب الشعبيين لهذا البيان، ثم أصبح الناس ولعل الشعبيين لم يناموا ليلهم، وإذا الأهرام تحمل القنبلة، فتلقيها في صفوف الشعبيين، وقد كانت قنبلة ضخمة فخمة، وقد كان دويها عنيفًا ظريفًا، أخافَ قومًا وأضحك آخرين. وقد كانت هذه القنبلة قيمة حقًّا تدل على شيء كثير، ولكنها لا تنتهي إلى شيء، تدل على أن رئيس الوزراء لا يحسن الحرب، وعلى أن من الخطر أن ينزل في الميدان، وأن يستعمل أسلحة القتال؛ لأنه يوشك أن يصيب نفسه بيده، وأن يؤذي نفسه بسلاحه، لم يقل رئيس الوزراء في بيانه شيئًا، إلا أن هذا البيان مقدمة لبيانات أخرى ستأتي بعده، فهو إذن أعلن الحرب الصريحة المريحة؛ فالحرب خير من انتظار الحرب، والارتواء بالدماء خير من التعطش إليها، ولكن رئيس الوزراء مع هذا قد قال شيئًا كثيرًا، أراد أن يؤذي صدقي باشا فآذى نفسه من غير شك، وستظهر الأيام أَبَلَغ من صدقي باشا ما يريد أم لم يبلغ منه شيئًا؟ أعلن رئيس الوزراء كما أعلن وزير التقاليد، وكما أسرَّ وزير الداخلية أن الوزارة تجعل كتاب البيع حكمًا بينها وبين حزب الشعب، وتريد أن تكون رياسة مجلس النواب خالصة لرفعت باشا دون صدقي باشا.

    ومن الحق أن رئيس الوزراء لم يذكر بيعًا ولا شراءً، ولا تضحيةً بالوزارة في سبيل الرياسة، وإنما ذكر الكفاية والنزاهة، والعدل بين النواب، ومن الذي يستطيع أن يشكَّ في كفاية الدكتور رفعت باشا ونزاهته وبراعته، وإن الناس جميعًا ليذكرون رفقه بالمعارضة البرلمانية، وإنصافه لها من الكثرة، ودقته في أخذ الأصوات وتنفيذ القانون، ولكن الغريب أن رئيس الوزراء قد أعلن في بيان رسمي أن للوزارة مرشحًا معينًا لرياسة مجلس النواب، ومن الذي زعم أن الوزارات ترشح لرياسة النواب، وتفرض مرشحيها عليهم فرضًا؟ وفي أي نص يوجد هذا من نصوص الدستور الجديد؟ وفي أي فن يوجد هذا من فنون التقاليد؟ وما شأن الوزراء برياسة النواب؟ وما تدخل الوزراء في أمور النواب؟ وأين يكون احترام الدستور والاعتراف بسلطة الهيئة التشريعية إذا أباحت السلطة التنفيذية لنفسها أن تختار رئيس مجلس النواب، وتفرضه على الكثرة البرلمانية فرضًا، وتخيِّر الكثرة بين الإذعان وبين الحرب التي لا تُبْقِي ولا تذر؟!

    أرأيت أن رئيس الوزراء أراد أن يصرع صدقي باشا فصرع نفسه، وأراد أن يدفع عن التقاليد فانتهك حرمة التقاليد؟ أرأيت أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الفصل إننا لم نفرغ من الضحك بعد؛ لأن الرئيسين الخطيرين يريداننا على أن نضحك ضحكًا متصلًا. وليس من شك في أن زعيم البرلمان سيذود عن البرلمان، وفي أن مؤسس النظام سيدافع عن النظام، وفي أن صدقي باشا سيلقى قنبلة عبد الفتاح باشا بقنبلة شرٍّ منها أو مثلها، وفي أننا سنضحك من الثانية كما ضحكنا من الأولى، وفي أننا لم نفرغ ولن نفرغ من الضحك حتى يأذن الله بأن نستريح من الوزارة ومن حزب الشعب جميعًا، وحتى يأذن الله بأن تعود أمورنا إلى وزارة لا تفرض الرؤساء على مجالس النواب، ولا يأذن لها البرلمان بأن تعتدي عليه إلى هذا الحد، وإلى أحزاب تحترم نفسها أكثر مما تحترم الوزارة، وتحرص على الحق أكثر مما تحرص على السلطان.