تسامح …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٠ أكتوبر ١٩٤٦
من أجمل المناظر التي يشهدها العالم في هذه الأيام منظر المفاوضات أو المحادثات أو المناقشات أو تبادل الرأي بين وزير الخارجية البريطانية ورئيس الوزارة المصرية؛ فهو إِنْ دلَّ على شيء فإنما يدل على أن العالم الذي ألح عليه الحزن والخوف والإشفاق — منذ أُثِيرَتِ الحرب العالمية الثانية — في حاجة إلى أن يشهد ما يُسَلِّيه وما يُرَفِّه عنه، وإنَّ ساسة الديمقراطية المنتصرة لا يبخلون عليه بالتسلية ولا يَضِنُّون عليه بالترفيه.
ولعلَّك تُوَافِقُني على أنَّ المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية رجل اشتراكي، بل هو من زعماء الاشتراكية، وله في الحكم وتصريف السياسة الداخلية والخارجية مذهب يلائم سياسة حزبه الاشتراكي فيما يُقال وفيما يُكتَب على الأقل، وعلى أن صدقي باشا رئيس الوزارة المصرية أبعد الناس عن الاشتراكية وأشدهم بغضًا لها وسخطًا عليها، وله في الحكم وفي تصريف السياسة الداخلية والخارجية مذهب ينبغي أن يكون معاكسًا أشد المعاكسة لمذهب زميله في المفاوضات، أو المحادثات، أو المناقشات، أو ما شئت من هذه الأسماء التي لا يستطيع الناس أن يتفقوا عليها. وهما على ذلك يلتقيان ويتفاوضان أو يتحادثان أو يتناقشان، وهما على ذلك يرجوان أن يَصِلا إلى الاتفاق على ما يقوم فيه الخلاف بين المصريين والبريطانيين.
فهذا دليل واضح على أن العالم يتقدَّم ولا يتأخَّر، وعلى أن فكرة التسامح التي كان فولتيير يدعو إليها ويبشر بها في القرن الثامن عشر ما زالت بخير، لم يفسدها ولم يضعفها ظهور الشيوعية الروسية والنازية الألمانية والفاشية الإيطالية.
وأنت توافقني على أن المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية عضو في حزب العمال، وهو بحكم عضويته هذه قد انتُخِبَ في مجلس النواب، وهو يعتمد على الكثرة الضخمة في مجلس العموم البريطاني، وهذه الكثرة تعتمد على ثقة الشعب البريطاني، على ثقته الخالصة من كل زيف، المتبرئة من كل زيغ، التي لا تحوم حولها الشبهات من قريب أو بعيد.
والمستر بيفن يعتمد على هذه الكثرة وحدها، لا يستعير سلطانه من تأييد خصومه السياسيين ولا من تأييد أصدقائه الذين يحالفونه اليوم ليخاصموه غدًا. وهو صادق إن قال إنه يتحدث بلسان البرلمان البريطاني، وصادق إن قال إنه يتحدث بلسان الحكومة البريطانية، وصادق إن قال إنه يتحدث بلسان الشعب البريطاني كله، بل هو صادق إن قال إنه يتحدث بلسان الممتلكات المستقلة التي تتكون منها القوة العاملة في الإمبراطورية البريطانية. وهو يستطيع أن يغضب فتغضب له الإمبراطورية كلها، وأن يرضى فترضى معه الإمبراطورية كلها.
أمَّا صدقي باشا فهو عضو في مجلس النواب الذي يعرف المصريون كيف انتُخِب، والذي يشهد عليه أعضاؤه وزعماؤه بأن انتخابه لم يكن خالصًا من كل زيف ولا مبرأً من كل زيغ ولا معصومًا من كل اعوجاج. بل قد قال فيه مكرم باشا إن انتخابه قام على التزوير، وقال فيه النقراشي باشا إن انتخاب بعض أعضائه قام على التزوير.
فمجلس النواب المصري مشكوك إذن في صحة انتخابه وصدقي باشا عضو فيه، وهو ليس عضوًا في كثرته السعدية ولا في قلته الدستورية، وإنما هو رجل ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإنما هو مستقل.
ومعنى ذلك أنه لا يعتمد على تأييد المستقلين إلَّا أن يكون هذا التأييد مؤقتًا مشروطًا، ولا يعتمد على تأييد السعديين والدستوريين إلَّا أن يكون هذا التأييد مؤقتًا مشروطًا أيضًا، ومعنى ذلك أنه إذا تكلم فليس من المحقق أنه يتكلم بلسان مجلس النواب، لا بلسان الكثرة ولا بلسان القلة. وهَبْ أن مجلس النواب قد منحه ثقة إجماعية، فقيمة هذه الثقة مشكوك فيها؛ لأن تمثيل مجلس النواب لإرادة الشعب مشكوك فيها أعظم الشك وأقصاه. وإذن؛ فلن يُصَدَّق رئيس وزرائنا إن قال إنه يتكلم بلسان الشعب.
وأبشع من هذا أن رئيس وزرائنا يرأس هيئة المفاوضات التي لا تثق به ولا تطمئن إليه؛ فلن يُصَدَّق إن قال إنه يتكلم بلسان هذه الهيئة.
وأشد مِنْ هذا كلِّه بشاعةً أن مجلس الوزراء مُؤلَّف من سعديين يستطيع حزبهم أن يصدر إليهم الأمر فينفون ثقتهم بصدقي باشا، بل هم لم ينتظروا أن يصدر إليهم هذا الأمر، فقد صرح أحدهم غير مرة بأن وزارة صدقي باشا ليست دستورية، وبأنها ضرورة لا تلبث أن تزول! ومن دستوريين يستطيع حزبهم أن يأمرهم بالتخلي عن صدقي باشا في أي وقت شاء، فإن أطاعوا فَقَد صدقي باشا ثقة زملائه، وإن عصوه أصبحوا مستقلين لا يمثلون هذا الحزب.
ومجلس الوزراء مؤلف مع هؤلاء من مستقلين يستطيع كل واحد منهم أن يتخلى عن رئيس الوزراء في أي لحظة كما تخلى عنه نائب رئيس الوزراء لطفي السيد باشا ووزير التجارة سابقًا حبشي باشا.
وإذن؛ فلن يستطيع صدقي باشا أن يضمن لنفسه الصدق إن قال إنه يتكلم بلسان مجلس الوزراء.
فالمتفاوضان أو المتحدثان أو المتناقشان يختلفان كما ترى أشد الاختلاف؛ أحدهما قوي بتأييد الشعب إلى أبعد غايات القوة، والآخر ضعيف بخذلان الشعب إلى أقصى آماد الضعف. وهما مع ذلك يلتقيان ويتفاوضان أو يتحادثان أو يتناقشان.
وأظرف من هذا كله أن وزير الخارجية البريطانية لا يستطيع — ومعه الوزارة البريطانية كلها والبرلمان البريطاني كله — أن ينذر صحيفة أو يعطلها أو يصادرها إلَّا في حدود رسمها القانون، وليس لأحد من الإنجليز مهما يكن أن يتجاوزها في أي ظرف من الظروف، حتى حين تكون الحرب قائمة، وحين تكون الأحكام العرفية معلنة، وأن رئيس الوزارة المصرية قد أنذر الصحف وعطلها وصادرها، غير ملتزم حدود القانون، ولا متقيد بنصوص الدستور. وقد همَّ البرلمان أن يحتج فلم يُغْنِ عنه الاحتجاج، وهمَّ رئيس الشيوخ أن يحتج فلم يبلغ بالاحتجاج غايته، وإنما التقى مع رئيس الوزراء عند نصف الطريق أو عند ثلث الطريق.
وأشد من هذا كله ظرفًا وطرافةً أن وزير الخارجية البريطانية لا يستطيع أن يمنع اجتماعًا مهما يكن أعضاؤه ومهما يكن موضوعه ومهما يكن مكانه، حتى ولو أيدته الوزارة الإنجليزية كلها والبرلمان الإنجليزي كله إلَّا في حدود القانون التي ليس إلى تجاوزها سبيل. ولو قال قائل للإنجليز إن وزير الخارجية أو رئيس الوزارة في بريطانيا العظمى يريد أن يمنع مستر تشرشل أو مستر إيدن من شهود اجتماع أو إلقاء خطبة؛ لرفعوا أكتافهم وهزُّوا رؤوسهم وأغرقوا في ضحك عريض!
فأمَّا رئيس وزرائنا فإنه يمنع — لا أقول الوفد — فاضطهاد الوفد شيءٌ طبيعي، ولكنه يمنع مكرم باشا من أن يجتمع إلى زملائه أو يتحدث إليهم أو يلقى الناس في ناديه!
ورئيس وزرائنا يستطيع أن يمنع النقراشي باشا من هذا كله إن خرج النقراشي باشا من هذا الحلف البديع. وليس أمر هيكل باشا بخير من أمر صاحبيه، فالاجتماع مباح لرئيس الحكومة والذين يناصرونه، والاجتماع حرام على خصوم الحكومة حتى حين يكونون أعضاء في البرلمان. وعلى رغم هذا الخلاف بين الرجلين؛ فهما يلتقيان، ويتفاوضان، أو يتحادثان، أو يتناقشان!
وليس لهذا كله مصدر إلَّا أن فكرة التسامح التي كان فولتير يدعو إليها ويُبشِّر بها في القرن الثامن عشر ما زالت بخير لم تمسسها أحداث الدكتاتورية بسوء! فصدقي باشا رجل متسامح يفاوض هذا الوزير الديمقراطي الاشتراكي الذي يؤمن بحرية الشعب البريطاني، ولا يعمل إلَّا معتمدًا على ثقته وتأييده. والمستر بيفن رجل متسامح يفاوض صدقي باشا الذي لا يحفل بالشعب إلَّا حين يتكلم، ولا يحفل بالبرلمان إلا حين يتكلم أيضًا، ولا يثق إلَّا بنفسه ولا يثق به أحد غير نفسه، ولا يطمئن إلَّا إلى نفسه ولا يطمئن إليه أحد غير نفسه. لا مصدر لهذا إلَّا فكرة التسامح التي ظفرت بها الإنسانية في العصر الحديث!
وكان الديمقراطيون المنتصرون قد أعطوا على أنفسهم عهدًا ألَّا يتركوا على الأرض شعبًا يُحكَم بالقهر والبأس، ويُساس بالقوة والبطش. ولكنهم — بعد أن أعطوا على أنفسهم هذا العهد — فكَّروا وقدَّروا وتبيَّن لهم أن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، وأن من حق الاستبداد أن يعيش في الأرض كما تعيش الحرية، وأن من حق الظلم أن يَسُوس بعض الشعوب كما أن من حق العدل أن يَسُوس بعضها الآخر، وأن الديمقراطية الكاذبة ليست أقل استحقاقًا للرعاية من الديمقراطية الصادقة. وهم من أجل ذلك أبقوا على نظام الجنرال فرانكو، وهم من أجل ذلك أدَّبوا اليونان الذين صدَّقوا ذلك العهد واعتمدوا عليه، وهم من أجل ذلك يكتفون من الأشياء بأسمائها ومظاهرها، بل هم قد لا يحفلون بالحقائق ولا بالأسماء.
فلم يزعم الجنرال فرانكو في يوم من الأيام أن نظامه ديمقراطي، ونظامه مع ذلك قائم يُدافع عنه الديمقراطيون المنتصرون؛ لأن التسامح ينبغي أن يكون الأصل الذي تقوم عليه الحياة وتقوم عليه الصلات بين الشعوب.
والنتيجة الطبيعية لهذا أن الشعب المصري مثلًا شعب متطفل فضولي — يدخُل فيما لا يعنيه، ويتعرض لما ليس له به شأن — حين ينكر على صدقي باشا حقَّه في أن يتكلم بلسانه أو يتفاوض باسمه مع الإنجليز، فهذا الشعب المصري من الشعوب التي لم تُخلَق للسياسة ولم تُخلَق السياسة لها، وإنما خُلِقت لتذعن وتخضع وتستكين. فإن همَّت أن تخالف ما يصدر إليها من أمر عُوقِبَتْ على ذلك أشد العقاب، فمُنِعَتْ صحفها من الظهور، ومُنِعَتِ اجتماعاتها من الانعقاد، ومُنِعَ خطباؤها من القول، ومُنِعَ الشباب والصبية من طلابها وتلاميذها من الاختلاف إلى معاهد التعليم.
فأمَّا الشعب الإنجليزي فله شأن آخر، فهو مقصِّر مسيء إلى نفسه وإلى العالم وإلى المُثُل العليا كلها إن ترك سياسته للوزراء وأشباه الوزراء، ولم يراقب قادته وسياسته بالبرلمان الحر والصحافة الحرة والخطابة الحرة والاجتماعات التي تنعقد حيث تشاء، ومتى تشاء، وكيف تشاء.
ومعنى هذا أن شعوب الأرض تنقسم إلى قسمين: شعوب خُلِقَتْ لتؤدبها حكوماتها، وتَسُوسها على رغمها، وتمتعها بالسعادة والشقاء سواء رضيت أو كرهت. وشعوب أخرى خُلِقَتْ لتؤدب هي حكوماتها، وتوجهها في تدبير مصالحها كما تشاء هي لا كما تشاء الحكومات. وقُلْ إن شئت إن من شعوب الأرض شعوبًا خُلِقَتْ خادمة لحكوماتها وشعوبًا أخرى خُلِقَتْ ليكون حكَّامها خُدَّامًا لها.
ونحن — بحمد الله — من القسم الأول، تتيح لنا الأيام من حينٍ إلى حينٍ سيدًا يرأس وزارتنا ويدبر أمرنا كما يحب، فإن جمجمنا أو حاولنا أن نجمجم؛ علمنا كيف يكون الصمت وكيف نؤدب الشعوب.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فقد جاء في الأثر: «كما تكونوا يُوَلَّى عليكم.» وكان أستاذنا الجليل لطفي السيد باشا يعلِّمنا أن الحكومة صورة الأمة، فإذا كان الشعب ضعيفًا فحكومته قوية عليه مستبدة به، وإذا كان الشعب قويًّا فحكومته خادم له مذعنة لأمره.
ليس في هذا كله شيءٌ من الغرابة، وإنما الغريبُ حقًّا أن تقصر ذاكرة الديمقراطية المنتصرة إلى هذا الحد الذي نراه. فما أكثر الذين صدقوا في أعقاب الحرب أن الأرض ستُملَأ عدلًا بعد أن مُلِئَتْ جورًا، وأن الشعوب ستأمن إلى آخر الدهر من الخوف والعوز والظلم والعدوان! وما أكثر الذين اعتقدوا في أعقاب الحرب أن زعماء الديمقراطية المنتصرة لن يسمحوا لأيديهم بأن تصافح أيدي المستبدين!
ولكن يجب أن لا ننسى ما كان يُقال في قصص ألف ليلة وليلة مِنْ أنَّ حديث الليل مدهون بالزبد لا تكاد تطلع عليه الشمس حتى يذوب.
Tag: Parliamentary Governance
-
شيخ البحر
شيخ البحر
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٩ يوليو ١٩٤٥
لا أكاد أذكر الظروف التي ألجأت السندباد البحري إلى تلك الجزيرة النائية في بحر الهند، ولا أكاد أدري أكان حب التجارة والكسب والاستزادة من المال هو الذي جشم ذلك الهول، أم كان حب السياحة والاستطلاع والتنقل في أقطار البر والبحر هو الذي عرَّضه لهذا الخطب.
ولكن أراه وحيدًا في هذه الجزيرة لا يعرف كيف يُقِيم أَوَدَهُ ولا يدري كيف يحمي نفسه من الطوارق والحادثات، وهو يهيم أمامه يملك قلبه الحزن، ولا تخبو في نفسه نار الأمل، ويسيطر عليه الخوف ولكنه يجد شعورًا بشيء من الأمن، ويكاد يهلكه الجزع ولكنه على ذلك ينظر في الأرض والسماء ويريد أن يعرف ما حوله من الأشياء والأحياء، وهو ماضٍ أمامه يسلم نفسه إلى اليأس حينًا وإلى الأمل حينًا آخر. وقد أخذ شيء من الدعة وهدوء البال يثوب إليه؛ لأنه رأى أشجارًا وثمارًا وأزهارًا وأنهارًا، فحدَّث نفسه بجنة يستطيع أن يقيم فيها ما شاء الله له أن يقيم حتى تنكشف له الأيام عن فرج من حرج، وعن مخرج من ضيق، وحتى تُرفَع له في الأفق سفينة يراها من بعيد، ثم يراها من قريب، ثم ينفض عمامته ويُلوِّح بها في الهواء ويبعث صوته في الجو إلى أقصاه داعيًا مستغيثًا، فتقبل السفينة لتستنقذه من هذه الوحدة وترده آمنًا أو خائفًا إلى البصرة ثم إلى بغداد.
وإنه ليسعى بين أشجاره وأزهاره وأثماره وأنهاره خائفًا يترقب، وإذا هو يرى شيخًا فانيًا، قد لبس الضر وألحَّتْ عليه السن بألوان البؤس والضعف والإخلال. وقد جلس هذا الشيخ على شاطئ نهر من الأنهار، أو قُلْ على شاطئ جدول من هذه الجداول، لا يستطيع أن يتحرك ولا أن ينتقل. رآه السندباد فرحمه ثم أطال النظر إليه فرقَّ له، وهمَّ أن يدنو منه ليواسيه، ولكنه وحيد لا يقدر على شيء، أثر لا يفكر إلَّا في نفسه، مشغول بوحدته، مغرق في هذا الانقطاع الذي اضطر إليه، فهو حر في أن يمضي لشأنه وأن يفرغ لهمه وأن يدع الشيخ لما هو فيه من شقاء وفناء، ومن ضعف وعجز، ومن تهالك وانحلال.
ولكن الشيخ يشير إليه متهالكًا، ويلح عليه في الإشارة، ويدعوه بصوت حزين وكلام لا يبين. وإذا الرحمة قد استأثرت بقلب السندباد من دون الأثرة، وإذا هو يدنو من الشيخ البائس اليائس، رفيقًا به شفيقًا عليه، يسأله عن أمره، ولكن الشيخ لا يفهم عنه كما أنه هو لا يفهم عن الشيخ، وإذا الإشارة تقوم بينهما مقام العبارة، وإذا الشيخ يشير إلى السندباد أن احملني على كتفيك هاتين واعبر بي هذا الجدول الذي لا أطيق له عبورًا.
وقد شكَّ السندباد غير طويل، ثم أَقْبَلَ على الشيخ ولَيْتَهُ لم يُقْبِلْ، واحتمله على كتفيه ولَيْتَهُ لم يحتمله، وعَبَرَ به الجدول ولَيْتَهُ لم يفعل، وهَمَّ أن يَرُدَّهُ إلى الأرض ولكن هيهات! ليس إلى ذلك من سبيل. فقد أدار الشيخ ساقَيْهِ حول عنق السندباد وتمكَّن من مجلسه واستقر على كتفيه وأبى أن يتحوَّل عنهما … وكلما حاول السندباد أن ينزله ضغط بساقيه على عنقه حتى كاد أن يخنقه، ثم ضرب برجله هذه أو تلك في جنبه هذا أو ذاك يدفعه إلى أن يمشي ويمضي أمامه، ويمنعه من أن يقف أو يستريح. وقد أصبح السندباد حطبة لهذا الشيخ، وأصبحت إرادة السندباد في يد هذا الشيخ يصنع بها ما يشاء ويصرفها كما يحب.
فالسندباد يسعى حين يُؤمَر بالسعي ويقف حين يُطلَب إليه الوقوف، والأمر يصدر إليه بالسعي مرة وبالوقوف مرة، فلا يستطيع أن يرده أو يخالف عنه. والأمر لا يصدر إليه صوتًا مسموعًا أو كلامًا مفهومًا، وإنما يصدر إليه ضغطًا بالساقين على العنق أو ركلًا بالرجلين على الصدر والجنبين.
والسندباد يقتطف لنفسه وللشيخ من أثمار هذه الأشجار ما يغذوهما، فإذا أراد أن يجلس ليستريح لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له في جلوسه أرب، فإذا جاء الليل وأراد السندباد أن يغفي إغفاءة طويلة أو قصيرة لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له فيه أرب.
ثم هو إن أذن له في النوم لم يفارق كتفيه، ولم يُفرِّج بين ساقيه، وإنما يديرهما حول عنقه إدارة مُحْكَمة حتى إذا طال نوم السندباد ضغط على عنقه أو ضرب في صدره أو ركل جنبيه أحدهما أو كليهما.
وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من رقص، وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من غناء، وليس عليه من ذلك بأس فإنما هي ركلة على الجنب ووكزة في الصدر أو ضغطة على العنق، وإذا السندباد يرقص فيمعن في الرقص، أو يُغنِّي فيجوِّد في الغناء!
وقد أَلِفَ السندباد حياته هذه، واطمأنَّ إليها، ووطَّن نفسه على أن ينفق فيها ما بقي له من أيام إلَّا أن تنشق له الخطوب عن وميض من أمل فينجو، وقد كان يائسًا من النجاة.
وفي ذات يوم أحسَّ السندباد شوقًا إلى خمر بغداد، فجنى عناقيد من عنب واعتصرها في إناء لست أذكر كيف وجده وكيف اتخذه، فقد طال عهدي بأسفار السندباد كما طال عهدك بها أيضًا، ولكنه اعتصر العنب على كل حال وادخره في مكان أمين، وجعل يطوف بالشيخ في أنحاء الجزيرة يقف ليمضي ويمضي ليقف، ومضى على ذلك يوم ويوم وأيام. ثم عاد إلى إنائه ذاك فإذا الخمر فيه ترغي وتزبد، وإذا هو يقبل عليها فيشرب منها حتى ينقع غلته، وما هي إلَّا لحظات حتى تتمشى في مفاصله كتمشِّي البرء في السقم في قول أبي نواس، وإذا هو يُحْدِث ألوانًا من الرقص لم يألفها الشيخ، ويأتي فنونًا من الغناء تقع في نفس الشيخ موقعًا حميدًا، والشيخ يستزيد مطيته من الرقص ويستزيد مطيته من الغناء، والسندباد يمضي في ذلك نشيطًا له حفيًّا به، وكلما آنس من نفسه فتورًا أو قصورًا عمد إلى إنائه ذلك فحسا منه شيئًا يرد إليه المرح والنشاط.
قد أراد الشيخ أن يجرب هذا الشراب، وفهم عنه السندباد ذلك، ولو كان أمره إليه لضن عليه بالشراب ولكنها ركلة في الجنب أو وكزة في الصدر أو ضغطة على العنق. وإذا السندباد يُرْجِع الإناء إلى الشيخ، فيشرب منه ويشرب حتى يرتوي، وإذا السُّكْر قد دبَّ في مفاصله دبيب النمل في الكثيب، وجرى في أعطافه جريان الماء في الغصن الرطيب. وقد طرب الراكب والمركوب فلا تَسَلْ عن الرقص ولا تَسَلْ عن الغناء، ولكن الخطوب قد انشقت للسندباد عن وميض من أمل، فجعل يشرب قليلًا ويسقي الشيخ حتى استرخت المفاصل، وانحلَّت القوة، وتراخى الضغط على العنق، ولم تستمسك القدمان حول الجنبين.
وقد ذهب ما كان في رأس الشيخ من عقل ضئيل، وأفلت من يده عنان السندباد، ومشى في جسم الشيخ وعقله نوم خفيف جعل يثقل شيئًا فشيئًا، حتى إذا استحكم للسندباد أمره جلس في رفق وألقى عن نفسه عبأه الثقيل البغيض في لباقة، ثم نهض وقد أحكم أمره، فنظر إلى الشيخ النائم نظرة عنيفة فيها بغض تملأه القسوة، ثم عمد إلى صخرة ضخمة فاحتملها بين ذراعيه في كثير من الجهد، ثم رمى بها على رأس الشيخ؛ فشدخه وأسلم نفسه للرب لا يلوي على شيء، حتى إذا بلغ مأمنه أقام ينتظر السفينة التي ستُرفَع له ذات يوم والتي سيدعوها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة ثم إلى بغداد.
لست أدري أيذكر السعديون هذه القصة أم لا يذكرونها، فكثيرٌ منهم قرأها من غير شك أيام الصبا، وكلنا يقرأ ألف وليلة أيام الصبا وينساه في طور الكهولة والشباب. ولكن قصة السندباد هذه هي المثل الصادق لسيرة الحزب السعدي مع حزب آخر يشاركه في البرلمان ويشاركه في الحكم، كما كان شيخ البحر يشارك السندباد في جزيرته تلك، وفيما كان فيها من أشجار، وأزهار، وأثمار، وأنهار.
وقد كان الحزب السعدي مطوفًا في بعض آفاقه، يلتمس الانتخاب ويلتمس النيابة ويلتمس الحكم. وانتهى به التطواف إلى تلك الجزيرة في يوم من أيام العام الماضي، ونظر فإذا هو وحيد، فمضى في الجزيرة يطوف فيها كما كان يطوف في البحر، في نفسه كثير من خوف ألَّا يبلغ الحكم ولا يقدر عليه، وفي نفسه كثير من جزع إن فاته الحكم بعد طول السعي وثقل الجهد، وفي نفسه شيء من أمل أن تُرفَع له السفينة في بعض الآفاق، وإنه ليسعى بين الأشجار والأنهار وإذا حزب ضئيل نحيل لولا صوته لما رآه أحد — كما يقول المتنبي — قد جلس على شاطئ الجدول متهالكًا، قد لبس الضر والتحف والبؤس، وغمره الشقاء، وقد رقَّ له الحزب السعدي فأقبل عليه حتى احتمله على كتفيه وعبر به الجدول خفيفًا نشيطًا، ثم لم يُتَح له أن يتخلص منه إلى الآن، فقد أدار ساقيه حول العنق، وأعد قدميه لوكز الصدر وركل الجنبين.
وسندبادنا العصري ماضٍ أمامه وعلى كتفيه حمله الثقيل، يقف ليسعى ويسعى ليقف، ويتكلف من الرقص ألوانًا ومن الغناء فنونًا، والشيخ مستقر في مكانه على هاتين الكتفين الوثيرتين، لا يريد عنهما تحولًا ولا نزولًا، وسندبادنا العصري ضيق بحمله وضيق بحياته وضيق بكل شيء، ولكنه لا يستطيع أن يخلص من شيخ البحر؛ فالساقان ملتفتان حول العنق التفافًا محكمًا، والقدمان مستعدتان استعدادًا حسنًا للركل والوكز، والدنيا تُظْلِم مرة حتى كأن الليل الفاحم قد غمرها، وتشرق مرة أخرى حتى كأن الشمس قد صبَّت عليها كل ما فيها من ضياء، ولكن السندباد مثقل بعبئه لا يعرف كيف يتخفف منه ولا يجد لنفسه من ضغطه وركله ووخذه نجاة.
وليس بين السندباد العصري والسندباد البحري فرق إلَّا من ناحيتين اثنتين؛ الأولى: أن السندباد البحري كان خاليًا إلى شيخ البحر، شقيًّا بحمله وحيدًا فريدًا، لا يضحك منه ولا يرثي له إلَّا أشجار الجزيرة وأثمارها وأزهارها وأنهارها، أمَّا السندباد العصري فمن حوله ملايين من المصريين وملايين من الشرقيين ينظرون إليه ويشفقون عليه، وقد يضحكون منه ضحكًا مرًّا. الثانية: أن السندباد البحري كان صاحب مجون وطرب، وصاحب حيلة واسعة وافتنان في الخروج من المآزق، فاشتاقت نفسه إلى خمر بغداد، وعرف كيف يعتِّقها وكيف يستعين بها أول الأمر على احتمال المكروه، وكيف يخلص بها بعد ذلك من هذا المكروه، وكيف يلقي الشيخ عن كتفيه ويعود إلى بغداد سالمًا موفورًا.
أمَّا السندباد العصري فمتحرج متزمت، لا يحب خمر القاهرة ولا خمر بغداد، وإنما يحب شراب الخروب والعرق سوس، ثم هو ليس واسع الحيلة ولا ماهرًا في تذليل العقاب وقهر الصعاب والنفوذ من المشكلات.
وإذن؛ فسيبقى الشيخ على كتفيه وسيشبع عنقه ضغطًا وصدره وكزًا وجنبيه ركلًا حتى يفتح الله له بابًا من أبواب الفرج، ويخف غيره من هؤلاء الذين يرمقونه مشفقين حينًا وساخرين حينًا آخر، فينقذه من هذا المكروه ويضع على كتفيه هذا الحمل الثقيل، ويرد إليه حريته في أن يذهب إلى ساحل البحر ينتظر السفينة التي ترتفع في الأفق والتي يدنيها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة، ثم إلى بغداد.
أيتم إنقاذه اليوم؟! أيتم إنقاذه غدًا؟! أيطول قضاء الله عليه بهذا العذاب أم يقصر؟! علم هذا عند الله وعند الراسخين في العلم، وهم كما تعلمون قليلون. -
حرب
حديث المساء: حرب
طه حسين
كوكب الشرق
٢٥ نوفمبر ١٩٣٣
لم نفرغ من الضحك بعد لأن الرئيسين الخطيرين لا يريدان لنا أن نستريح من الضحك والإغراق فيه، كلاهما رقيق القلب كريم النفس، كلاهما رفيق بنا شفيق علينا، كلاهما يرثي لنا من هذه الخطوب المتصلة والمحن التي لا تنقطع ومن هذه الآلام التي نشقى بها ونرزح تحت أثقالها، وكلاهما يريد — وله الشكر على ما يريد — أن يسلِّي عنا الهم، ويجلِّي عنا الحزن، فلا يكتفي بأن يرسل على ثغورنا الابتسام، بل يأبى إلا أن يملأ أفواهنا بالضحك المتصل والقهقهة التي لا آخر لها.
وكلاهما يبلغ به اللطف والظرف والإيثار ألا يُضحكنا من غيره، وإنما يضحكنا من نفسه فيما يعمل وفيما يقول، كلاهما يجود بنفسه ليضحك أمته. والجود بالنفس أقصى غاية الجود كما قال الشاعر القديم، فلنضحك إذن ما دام الرئيسان الخطيران يأبيان إلا أن نضحك، ولنغرق في الضحك ما دام وزير التقاليد يأبى إلا أن يشاركهما في هذا الظرف ويأخذ بحظه معهما من هذا الجود، ولنعلم إذن أن الله أرفق بمصر والمصريين من أن يسلط عليهم ظلمة المحنة، دون أن يرسل على هذه الظلمة من حينٍ إلى حين شعاعًا مشرقًا مضيئًا.
وأول ما يضحك من هذه المهزلة المشرقة التي تمثل أثناء المأساة القائمة هو هذه الحرب الضروس التي شبت، وما زالت تتلظَّى بين رجلين لا يقدران على الحرب وليسا منها في شيء؛ فصدقي باشا مريض مخذول وعبد الفتاح يحيى باشا ضعيف طيِّب القلب، وكلاهما خليق أن يؤثِر السلم ويفرغ للراحة والهدوء، والاستمتاع بما في الحياة من طيبات، ولكنهما على ذلك يقتتلان ويصطرعان ويبثُّ كل منهما حول صاحبه الحبائل والأشراك، ثم يجرد كل منهما سلاحه، ويرفع كل منهما صوته، ويثير كل منهما من حوله غبارًا ستر الليل والنهار، ثم يهجم كل منهما على صاحبه، حتى إذا اشتبكا واعتركا، ثم اصطدما والتحما، تفرقا فلم يلقَ أحد منهما كيدًا، ولم يعرض أحد منهما لمكروه؛ لأن أحدًا منهما لا يقدر على الكيد، ولأن أحدًا منهما لا يقدر على المكروه، إنما هي فصول تمثل وقوم يضحكون.
كان صدقي باشا يأبى إلا أن يتحكم في خصمه، وكان عبد الفتاح باشا يأبى إلا أن يتحكم في عدوه، فظهر أن أحدًا منهما لم يتحكم في صاحبه، وأن ظروف السياسة تتحكم فيهما جميعًا، تدفعهما إلى الإقدام فإذا هما يقدمان، وتدفعهما إلى الإحجام فإذا هما يحجمان، لا يكاد صدقي باشا يُقصى عن الحكم حتى يُعلِن في الأهرام أنه رئيس الكثرة البرلمانية، وأن استشارته في تأليف الوزارة واجبة محتومة، ثم لا يكاد يرتفع الضحى حتى تسعى الظروف السياسية فتضطره إلى الإحجام، وإذا هو يُكذِّب الأهرام، ويقسم أنه لم يقل مما روت عنه شيئًا، ثم يَقدُم مرة أخرى فيزعم أن الوزارة ليست شعبية؛ لأنها لم تؤلف بأعين حزب الشعب، ثم تسعى إليه الظروف فيؤمن بأن الوزارة شعبية؛ لأن رئيسها قد ثاب إلى الحظيرة، بعد أن ثار بها وخرج عليها.
ثم يعلن رئيس الوزارة أنه مسالم، ثم لا يلبث أن يعلن أنه مخاصم، ثم يفصل صدقي باشا وزيرين، ثم لا يلبث أن يرتاح لرجوع الوزيرين، ثم يقدم رئيس الوزراء فيزور الحزب، ثم يُحجم رئيس الوزراء فيتجنَّب الحزب. ثم ينهزم صدقي باشا، فيستقيل من رياسة الحزب، ثم ينتصر صدقي باشا فيعود إلى رياسة الحزب، ثم يظهر وزير الداخلية فيصول ويجول، وإذا المديرون يصولون ويجولون أيضًا، وإذا العرائض تُهَيَّأ، وإذا النواب يرادون سرًّا على أن يرشحوا لمجلسهم رئيسًا من حزب الاتحاد.
هنالك يغضب حزب الشعب ورئيس حزب الشعب، فيكون العتاب أول الأمر، ثم تكون الشكوى، ثم يكون الهجوم، وينهزم رئيس الوزراء وهو رجل طيب القلب نزيه النفس، فيدعو إليه المديرين، ويأمرهم ألا يفعلوا، ويخيَّل إلى الناس أن المختصمين قد جنحوا إلى السلم واطمأنوا إليها، ولكن ما يكفُّ عنه المدير يستطيع أن يأتيه الوزير، فتهيأ العرايض، ويدعى النواب إلى وزير الداخلية في مكتبه أو في داره ويطلب إليهم الوزير أن يمضوا فيشتد العتاب، وترتفع الشكوى، ويعظم الغضب، وتستأنف الحرب، وتقدَّم الأسئلة، ويثار الغبار، وتبرز الأسلحة؛ فإذا الفضائح يهدم بعضها بعضًا، وإذا المخزيات تفسد الجو وتملؤه شرًّا، وإذا السماء تمطر أسئلة على الوزراء، وإذا الصحف تُثير عجاجًا في وجه رئيس حزب الشعب، والمصريون يرون؛ فتحزن نفوسهم، وتبسم ثغورهم، وتُعرِض وجوههم، أنفةً واشمئزازًا، ثم يبلغ الجهد أقصاه بالجيشين المتحاربين؛ فقد كثرت الجراحات فيهما، ودبَّ الفشل بين صفوفهما.
وأحس القادة أن الصلح خير، وإذا هم يجنحون إلى السلم مرة أخرى، ويجدُّون فيها ملحِّين، ويسعى بها بين الرئيسين قوم يودون لو يُلقى الستار على كل هذا العار. وهنا يظهر وزير التقاليد، وما أدراك ما وزير التقاليد؟ صريح جريء، ونزيه بريء، لا يعرف المراوغة، ولا يحب المداورة، وإنما يندفع وأجره على الله، ويأتي ما يريد وخلاص، كما يقول ما يريد وخلاص، فإذا لقي سُعَاةَ الصلح، وطلاب السلم، وضعها على حجر كما يقول العامة وقال للسفراء لا صلح حتى تؤمنوا لرفعت باشا برياسة مجلس النواب، وتكتفوا لصدقي باشا برياسة حزب الشعب؛ فإن رفعت باشا قد ضحَّى بالوزارة في سبيل الرياسة، فأخذُها منه ظلم له، ورفعها عنه اعتداء عليه، والحق أحق أن يتبع، وعدل الله يجب أن يستقر في الأرض، وقد ورد في كتاب البيع أن من اشترى فدفع الثمن فله أن يقبض العين، ومن رده عنها أو نزعها منه فهو غاصب، ورفعت باشا قد اشترى رياسة مجلس النواب، ودفع وزارة الحربية ثمنًا لها؛ فحقه في الرياسة ثابت بَيِّن يُظَاهِره على ذلك كتاب البيع، الذي ألفته منذ أعوام وأعوام، ويؤيده في ذلك القانون، فكتاب البيع بيننا وبينكم، والقانون حكم في هذا الخلاف.
ولم يكد وزير التقاليد يضع الأمر على حجر، ويتحدى الشعبيين، ويجعل تطبيق كتاب البيع شرطًا للصلح، حتى استيأس الشعبيون من الصلح، وأمر رئيسهم بقطع المفاوضات.
وفي أثناء ذلك أقبلت نجدة من لندرة تؤيد رئيس الوزراء؛ فلقيها رئيس حزب الشعب بجواب محرج للخصمين جميعًا، كتبت الديلي تلغراف وترجمت الأهرام، فقال صدقي باشا طُبخت الرسالة في مصر وقُدِّمَت للناسِ على مائدة الديلي تلغراف.
ثم لم يتقدم النهار أمس حتى هجم رئيس الوزراء، ولكن رئيس الوزراء لا يهجم حتى يقدم بين يديه الطلائع تسعى وتعلن النذير، فذكرت المقطم وغير المقطم أن رئيس الوزراء سيذيع بيانًا، وخفقت قلوب الشعبيين لهذا البيان، ثم أصبح الناس ولعل الشعبيين لم يناموا ليلهم، وإذا الأهرام تحمل القنبلة، فتلقيها في صفوف الشعبيين، وقد كانت قنبلة ضخمة فخمة، وقد كان دويها عنيفًا ظريفًا، أخافَ قومًا وأضحك آخرين. وقد كانت هذه القنبلة قيمة حقًّا تدل على شيء كثير، ولكنها لا تنتهي إلى شيء، تدل على أن رئيس الوزراء لا يحسن الحرب، وعلى أن من الخطر أن ينزل في الميدان، وأن يستعمل أسلحة القتال؛ لأنه يوشك أن يصيب نفسه بيده، وأن يؤذي نفسه بسلاحه، لم يقل رئيس الوزراء في بيانه شيئًا، إلا أن هذا البيان مقدمة لبيانات أخرى ستأتي بعده، فهو إذن أعلن الحرب الصريحة المريحة؛ فالحرب خير من انتظار الحرب، والارتواء بالدماء خير من التعطش إليها، ولكن رئيس الوزراء مع هذا قد قال شيئًا كثيرًا، أراد أن يؤذي صدقي باشا فآذى نفسه من غير شك، وستظهر الأيام أَبَلَغ من صدقي باشا ما يريد أم لم يبلغ منه شيئًا؟ أعلن رئيس الوزراء كما أعلن وزير التقاليد، وكما أسرَّ وزير الداخلية أن الوزارة تجعل كتاب البيع حكمًا بينها وبين حزب الشعب، وتريد أن تكون رياسة مجلس النواب خالصة لرفعت باشا دون صدقي باشا.
ومن الحق أن رئيس الوزراء لم يذكر بيعًا ولا شراءً، ولا تضحيةً بالوزارة في سبيل الرياسة، وإنما ذكر الكفاية والنزاهة، والعدل بين النواب، ومن الذي يستطيع أن يشكَّ في كفاية الدكتور رفعت باشا ونزاهته وبراعته، وإن الناس جميعًا ليذكرون رفقه بالمعارضة البرلمانية، وإنصافه لها من الكثرة، ودقته في أخذ الأصوات وتنفيذ القانون، ولكن الغريب أن رئيس الوزراء قد أعلن في بيان رسمي أن للوزارة مرشحًا معينًا لرياسة مجلس النواب، ومن الذي زعم أن الوزارات ترشح لرياسة النواب، وتفرض مرشحيها عليهم فرضًا؟ وفي أي نص يوجد هذا من نصوص الدستور الجديد؟ وفي أي فن يوجد هذا من فنون التقاليد؟ وما شأن الوزراء برياسة النواب؟ وما تدخل الوزراء في أمور النواب؟ وأين يكون احترام الدستور والاعتراف بسلطة الهيئة التشريعية إذا أباحت السلطة التنفيذية لنفسها أن تختار رئيس مجلس النواب، وتفرضه على الكثرة البرلمانية فرضًا، وتخيِّر الكثرة بين الإذعان وبين الحرب التي لا تُبْقِي ولا تذر؟!
أرأيت أن رئيس الوزراء أراد أن يصرع صدقي باشا فصرع نفسه، وأراد أن يدفع عن التقاليد فانتهك حرمة التقاليد؟ أرأيت أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الفصل إننا لم نفرغ من الضحك بعد؛ لأن الرئيسين الخطيرين يريداننا على أن نضحك ضحكًا متصلًا. وليس من شك في أن زعيم البرلمان سيذود عن البرلمان، وفي أن مؤسس النظام سيدافع عن النظام، وفي أن صدقي باشا سيلقى قنبلة عبد الفتاح باشا بقنبلة شرٍّ منها أو مثلها، وفي أننا سنضحك من الثانية كما ضحكنا من الأولى، وفي أننا لم نفرغ ولن نفرغ من الضحك حتى يأذن الله بأن نستريح من الوزارة ومن حزب الشعب جميعًا، وحتى يأذن الله بأن تعود أمورنا إلى وزارة لا تفرض الرؤساء على مجالس النواب، ولا يأذن لها البرلمان بأن تعتدي عليه إلى هذا الحد، وإلى أحزاب تحترم نفسها أكثر مما تحترم الوزارة، وتحرص على الحق أكثر مما تحرص على السلطان.