موسم
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٣ سبتمبر ١٩٤٩
هذا الصيف يريد أن ينصرم، ويهم أن يمضي بقيظه المحرق وحرِّه المرهق وكسله الذي يكف النفوس عن النشاط، ويصد الأجسام عن العمل، ويفرض على الناس في مصر حياة خامدة هامدة، يحيونها كما يستطيعون لا كما يريدون. وهذا الخريف يريد أن يُقبل بنسيمه العذب الذي يردُّ الحياة إلى النفوس، والنشاط إلى الأجسام، ويحبب إلى العقول أن تفكر، وإلى القلوب أن تشعر، ويُتيح للناس أن يبتسموا للحياة، وأن يستقبلوها فَرِحين، بل مبتهجين لها، يصرفونها حسب حاجاتهم وإرادتهم، وحسب منافعهم ومآربهم. وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف؛ تهيأ الصبية والشباب للسعي إلى المدارس والاختلاف إلى الدروس في معاهد العلم على اختلافها متعلمين، وتهيَّأَت الأسر لما يقتضيه ابتداء العام الدراسي إنفاق المال ليُتاح للتلاميذ والطلاب أن يفرغوا للدرس والتحصيل، ومن إنفاق الجهد لكسب هذا المال وتدبيره وتوفير ما يحتاج إليه التلاميذ والطلاب من أداة وملبس وطعام ليكون فراغهم للدرس خصبًا وإقبالهم عليه منتجًا.
وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأَ الأساتذة والمعلمون للسعي إلى المدارس والمعاهد، يَلْقَوْنَ فيها هذه الأجيال الناشئة، فَيُلْقُونَ إليها تراث الأجيال الماضية، ويهيئونها لاستقبال الحياة في جِدٍّ وكَدٍّ، وفي ثقة وأمل، وعن بصيرة وخبرة وقدرة على قهر المصاعب واحتمال الخطوب.
إذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأ الماضي لينقل تراثه إلى المستقبل، وتهيَّأت الأمة لتجدد نفسها، وتهيأ الوطن ليستقبل ربيعًا جديدًا تشيع فيه الحياة، وتنشر فيه الثقة، وتبتسم فيه الآمال.
فهذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر، وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر هي أيام الموسم الرائع في حياة الأمة والوطن جميعًا. أيام الموسم الذي تنعقد به الآمال وتتعلق به الأماني، ويتهيأ فيه الجيل الجديد لتلَقِّي شعلة الحضارة من الجيل القديم على أنها أمانة ما ينبغي أن تحفظ كما هي، وإنما ينبغي أن تزكو وتنمو وتربو وتزداد بهجةً وجمالًا وتألُّقًا وإشراقًا. فمن حق الأمة أن تبتهج بهذه الأيام، وأن تتلقاها بقلوب فرحة ونفوس مرحة وضمائرَ مطمئنَّة إلى أنها قادرة على البقاء والنماء والخلود الذي لا خمول فيه ولا خمود. كذلك أتصور هذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر. وكذلك ينبغي أن يتصوَّرَها المصريُّون جميعًا. ولكن أنظر فأرى هذه الأيام تُقبل شاحبة كئيبة، تُثقِلُها الهموم وتنوء بها الأحزان؛ لأننا لا نعرف للعلم حقه، ولا نقدِّر الرُّقِيَّ قدره، وإنما نستقبل فصل التعليم كما نستقبل غيره من فصول الحياة اليومية، لا نمنَحُه حَقَّهُ من الرِّضَى والابتهاج؛ لأننا لا نمنحه حقه من العناية والإكبار. فالكثرة الكثيرة من صبيتنا وشبابنا لا يحفلون بهذا الموسم لأنهم لا يشاركون فيه، قد حال الجهل والعجز بينهم وبين المدارس والمعاهد والجامعات؛ فهم مُقبِلُون على حياة حيوانية غليظة، لا رِقَّةَ فيها ولا لين، على حياة تمَس أجسامهم ولا تمس قلوبهم وعقولهم، على حياة تشبه حياة ما يسومون من الماشية وما يتعهدون من نبت الأرض. فموسم التعليم لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، ولأن القلة القليلة من صبيتنا ومن شبابنا يُقبلون على هذا الموسم يريدون أن يبتهجوا به، ولكنه يكتئب لهم، ويريدون أن يتلقوه بالفرح والمرح، ولكنه يتلقاهم بالهَمِّ والحزن والكآبة والضيق. تصدهم المدارس والمعاهد عن أبوابها لأنها أضيق من أن تتسع لهم.
فبعضهم يريد أن يتعلم فيرده ضِيق المدارس إلى الجهل. وبعضهم يريد أن يتزيَّد من التعليم فيَضطره ضيق المعاهد إلى أن يقف حيث انتهى به الشوط. وبعضهم يطمح في ارتفاع الذكر ونباهة القدر فيرده ضيق المدارس والمعاهد إلى الخمول والجمود، والرضى بما قُسِم له من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا. والأُسَر تشارك أبناءها في هذا الهم المُمِض، وتحمل معهم همومًا ممضة أخرى، فليس كل الناس قادرًا على أن يوفر لصِبْيَتِه وشبابه ما يحتاجون إليه من المال ليشتروا العلم من حيث يُباع، أو ليتلقَّوْه بالمُجَّان إن أتاحت درجاتهم أن يتلقوه بالمجان.
فهذا الموسم الذي حقُّه أن يكون عيدًا تملؤه البهجة والغبطة والرضى والأمل، يستقبله الصبية والشباب عندنا بالنفوس الكئيبة والقلوب الوَجِلة، ويستقبله الآباء والأمهات بالحزن المبرح والهم الثقيل، وتستقبله وزارة المعارف بهذا النشاط المجدب الذي لا يغني عنها ولا عن الناس شيئًا. ولا يمكن أن يُشَبَّه إلَّا بالقطار الذي يملأ الجو من حوله ضجيجًا وعجيجًا وصفيرًا وزحيرًا، ولكنه لا يتقدم شِبْرًا إلى أمام، وإنما يضطرب مكانه فيكون مصدر إقلاق وإزعاج لا مصدر شيء آخر.
هذه الألوف المؤلَّفة من الشباب الذين ظفِروا بالشهادة الثانوية لا يجدون أماكنَ في الجامعات، وهذه الألوف المؤلَّفة من الصبية الذين ظفروا بالشهادة الابتدائية لا يجدون أماكن في المدارس الثانوية. ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على الديوان ويروحون إلى بيوتهم، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن، ينقُضُون بين ذلك ويبرِمُون، ويختصمون فيما بينهم ثم يصطلحون، يختلفون ثم يأتلفون. والصبية والشباب لا يجِدُون أماكن في المدارس ولا في الجامعات. وهَبْهُم وجدوا الأماكِنَ واستقروا فيها وتهيَّئوا للدرس، واطمأن أباؤهم وأمهاتهم، فإن الوطن لن يطمئن، ولا ينبغي له أن يطمئن؛ لأن هؤلاء الصبية والشباب لن يتعلموا كما ينبغي لهم أن يتعلموا، يحُول بينهم وبين ذلك حائل خطير كل الخطورة، هو أن المعلم ليس منشرح الصدر للتعليم، وليس فارغ البال للعلم، وليس موفور النشاط للدرس، وليس خالص القلب للطلاب والتلاميذ. يشغَلُه عن هذا كله أن له أسرة ينبغي أن تعيش هادئة مطمئنَّة، ولم تُيسَّر لها أسباب الحياة الهادئة المطمئنة. يشغله عن ذلك أن له بنات وبنين يريدون أن يتعلَّموا، وقد تقطعت بهم الأسباب. لم يظفروا بالدرجات التي تُعفِيهم من أجور التعليم، ولم يظفر أبوهم بالمرتب الذي يتيح له أن يؤدي عنهم أجور التعليم، بل لم يظفر بالمرتب الذي يتيح له أن يطعمهم ويكسوهم ويحميهم من آفات المرض والبؤس والجوع. فهو يُقبل على هذا الموسم كارهًا له، ضيقًا به، ساخطًا عليه. وإذا أقبل المعلم على التعليم كارهًا، فلا تنتظر منه خيرًا. وإذا لم تنتظر من المعلم خيرًا، فلا تنتظر من تلاميذه خيرًا. وإذا لم تنتظر خيرًا من المعلمين والمتعلمين، فلا تَشُكَّ في أن الأمة تضيع أجيالها، وتبدد تراثها، وتقضي على نفسها بالخمود والهوان.
ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على ديوانهم إذا أصبحوا ويروحون إلى بيوتهم إذا أمسَوْا، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن ويختصمُون ويصطلحُون ويختلفُون ويأتلفُون، ولا يُغْنُونَ عن أنفسهم ولا عن الناس شيئًا. ولو قد قدَّرت وزارة المعارف التعليم حق قدره، وعرَفت لمستقبل الشعب ما ينبغي من العناية به والرعاية له؛ لاستقبل المعلمون والمتعلمون هذا الموسم الوطني العظيم بقلوبٍ يملؤها الرضا، ونفوسٍ تملؤها الغبطة، وضمائرَ يملؤها الاطمئنان، ونشاطٍ خصب ينبئ الشعب بأن مستقبله سيكون خيرًا من ماضيه، وبأن أبناءه سيكونون خيرًا من آبائهم، وبأن الوطن سيزداد على مر الزمن قوة وعزة ورقيًّا وازدهارًا.
إن أخبار مصر لتصل إليَّ في هذه القرية المنقطعة النائية التي أَوَيْتُ إليها في قمة من قمم الألب، فتملأ نفسي حزنًا وكآبةً، وتمزِّق قلبي لوعةً وحسرةً. وزير المعارف مشغول بحماية التقاليد عن حماية التعليم، ووكلاء يختصمون فيما بينهم أيُّهم تكون له الكلمة النافذة والأمر المطاع، والصِّبْية والشباب لا يجدون الأماكن في المدارس، والجامعات والمعلمون لا يجدون ما ينفقون، وهم يجأرون بالشكاة، ولا يجدون لشكاتهم سميعًا. والأحزاب المؤتلفة تختصم في توزيع الدوائر، وفي أجَل مجلس النوَّاب أيقصر أم يطول.
ليصدِّقني رئيس الوزراء — وهو الرجل الذي أعرف فيه الوطنية الصادقة والإخلاص الصحيح — أن أمته تتعرض لخطر أشد هولًا من اختلاف الأحزاب بعد ائتلافها، وهذا الخطر يأتي من عجز وزارة المعارف عن النهوض بما ينبغي للتعليم من العناية والرعاية والاحتفال. لن يغني عن مصر شيئًا ألَّا يسافر الفتيات إلى أوروبا، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تُلغى في المدارس دروس الموسيقى والرقص التوقيعي، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تنفَّذ كلمة هذا الوكيل من وكلاء الوزارة أو ذاك، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تأتلف الأحزاب أو تختلف إذا تعرضت أجيالها الناشئة لهذا الشر المستطير، فدُفِعت إلى الجهل من حيث تسعى إلى العلم.
ليصدِّقني رئيس الوزراء وزملاؤه المؤتلفون أن من الحق عليهم جميعًا أن يمنحوا التعليم والمعلمين والمتعلمين شيئًا من عنايتهم واحتفالهم. فليس منهم من يرضى إذا خلا إلى نفسه أن تكون مصر لُقْمَةً سائغة لكل جائع من الأمم المستعمِرة. وإذا مضَيْنا في إهمال شئون التعليم على النحو الذي مضينا عليه إلى الآن؛ فلن يكون لمصر بدٌّ من هذا المصير.
وقى الله مصر كل مكروه، وجنَّبها شر العاديات، وأتاح لها مواسم تعليمية يتفوق فيها الابتسام على العبوس.
Tag: Pedagogical Reform
-
في التعليم والمعلمين
في التعليم والمعلمين
طه حسين
مجلة مجلتي
١٥ مايو ١٩٣٥
أظن أن حديث الناس في هذه الأيام سيكثر عن التعليم والمعلمين، إلَّا أن تشغلهم أحداث السياسة كما تعودت أن تفعل فتصرفهم عن كل قول نافع وعمل مفيد. وإذا قدرت أن حديث التعليم خليق أن يشغل الناس في هذه الأيام، فمصدر ذلك هذه القنبلة الرسمية، إن صح هذا التعبير. فقد ألقى وزير المعارف قنبلة (وإن لم يتعود الوزراء إلقاء القنابل) حين أصدر تقريره عن التعليم الثانوي، مبيِّنًا فيه عيوب هذا التعليم، مقترحًا ما يرى من أسباب الإصلاح. وليس من شأني أن أعرض لهذا التقرير بنقد أو تقريظ، ولا أن أناقش هذه العيوب التي سجلها الوزير تسجيلًا، ولا أن أناقش هذه الاقتراحات التي يعرضها الوزير ليعرف فيها رأي الناس. ليس من شأني أن أعرض هنا لهذه الأشياء، فقد يكون لي فيها موقف آخر يومًا ما في غير الصحف والمجلات. وإنما الذي يعنيني الآن، هو أن ألاحظ أن وزارة المعارف قد حكمت على نفسها في هذا التقرير، أو أن وزير المعارف قد حكم على وزارته، حكمًا أو أحكامًا كان الرأي العام قد أصدر كثيرًا منها منذ زمن طويل، وكانت الحكومة تأبى أن تقبلها أو تعترف بها. فلنحمد لوزير المعارف شجاعته على قول الحق، ولنحمد له — قبل كل شيء — هذا الدرس القيم الذي ألقاه على وزارته حين بيَّن لها في غير تردد وفي غير إيماء، بل في حزم وعزم وتصريح، أن الرجل الذي يستحق هذا الاسم هو الذي لا يكره أن يعترف على نفسه بالعيب، وأن يلتمس إصلاح هذا العيب بعد أن يتبينه ويتعرف أسبابه وآثاره.
ونحن نرجو أن تنتفع وزارة المعارف بهذا الدرس الذي ألقاه الوزير، وأن تتعود منذ الآن مواجهة أمور التعليم في شجاعة وحزم، والاعتراف بما اقترفت من أغلاط، وما تورطت فيه من خطأ، والاجتهاد في إصلاح هذا الخطأ وتلك الأغلاط.
ونحن نرجو أيضًا أن يدرس وزير المعارف فروع التعليم الأخرى كما درس التعليم الثانوي، ويصدر في أمر كل فرع منها تقريرًا كهذا التقرير الذي أذاعه في أمر التعليم الثانوي، فهو إن فعل أحسن إلى المصريين وإلى وزارة المعارف من وجوه.
منها أنه يستكشف عيوب التعليم ويدعو الناس إلى درسها والنظر في إصلاحها، ومنها أنه يضع بكل تقرير تاريخًا صحيحًا دقيقًا متقنًا لفرع من فروع التعليم. فإذا استوفى وضع تقريراته كلها، فقد وضع تاريخًا ممتعًا للتعليم المصري في هذا العصر الحديث، ينتفع به هذا الجيل كما تنتفع به الأجيال المقبلة. ومنها أنه يخرج من هذه العادة المنكرة التي ألفها الوزراء، فأفسدت عليهم أمرهم كل الإفساد، وأفسدت على البلاد نفسها أمرها كل الإفساد، وعرضت الحق لخطر عظيم، وجعلت الحقائق الرسمية في ناحية هي ناحية الشك والريبة، والحقائق الواقعة في ناحية أخرى هي ناحية الصدق واليقين والخوف من الجهر بها في كثير من الأحيان. وهذه العادة المنكرة هي هذه التي تحمل الوزراء على أن يعتقدوا أن أول ما يجب عليهم لوزاراتهم إنما هو تصويرها في صورة الكمال الذي يفرض لها الصواب فرضًا، ويعصمها من الخطأ؛ فهي لا تقول إلَّا حقًّا، ولا تأتي إلَّا خيرًا، ولا يعرض لها الضعف من وجه من وجوهها، ولا يدركها الزلل في طريق من طرقها.
فوزير المعارف حين خرج على هذه العادة، فاعترف على وزارته بأغلاطها، واجتهد في إصلاح هذه الأغلاط؛ فتح بابًا جديدًا نرجو أن يلجه الوزراء، ولا سيما وزراء الإصلاح.
على أني لم أكتب لأتحدث في هذا التقرير كما قلت، وإنما اتخذته وسيلة للحديث في شيء آخر: هو نشاط المعلمين وعنايتهم بصناعتهم في البلاد الأجنبية، واضطرارهم في مصر إلى فتور يشبه الموت. ولقد انتهى إليَّ بريد فرنسا في اليوم الذي انتهى إليَّ فيه تقرير وزير المعارف عن التعليم الثانوي، فلما أخذت أنظر في الصحف الفرنسية رأيت من ألوان النشاط الذي ينشطه المعلمون الفرنسيون أثناء ما يُتاح لهم من الإجازات أمرًا عجيبًا، ثم رأيت في تقرير وزير المعارف هذه الحقيقة المؤلمة التي سجَّلها تسجيلًا، وهي أن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، ولكنه يضعف شخصية المعلمين، ونظَّار المدارس، ويوشك أن يمحوها محوًا. وقد يكون من الخير أن يظهر القارئ المصري على شيء من نشاط المعلمين الفرنسيين أثناء الإجازات. وقد يكون من الخير أن يظهر وزير المعارف نفسه على شيء من هذا النشاط أيضًا؛ ليستيقن أنه لم يكن مخطئًا ولا مسرفًا حين رثى للمعلمين المصريين، وأن المعلمين المصريين هؤلاء يلقون من وزارة المعارف شططًا لا يشبهه شطط، ويحتملون منه ظلمًا عظيمًا، وأن إصلاح التعليم لا سبيل إليه مهما تنفق الجهود وتبذل القوى وتصرف الأموال إذا لم يظفر المعلمون بهذه الحرية التي تفتح لهم أبواب النشاط في مصر، والتي قد ضربت بينهم وبينها حجب صفاق.
كان المعلمون الفرنسيون منذ أيام يتمتعون بإجازة الفصح، فلم يلهوا ولم يلعبوا، ولم يتهالكوا على النوم والكسل، والاختلاف إلى الملاعب والقهوات، وإنما أنفقوا إجازاتهم — أو بعض إجازاتهم — على أقل تقدير في عقد المؤتمرات المختلفة، يفدون إليها من أقصى الأرض، ويعرضون لدرس الموضوعات المختلفة التي تمس التعليم والمعلمين من قريب أو بعيد. وثق بأنهم يعقدون مثل هذه المؤتمرات في الصيف من كل عام أيضًا، يعقدونها مرة في باريس ومرة في غير باريس من مدن فرنسا في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب.
ولست أريد أن أتحدث عن نقابات المعلمين وجماعاتهم المختلفة، ولا عن مجلاتهم التعليمية التي لا تُحصى، ولا عن الموضوعات التي يتناولونها بالدرس في هذه المجلات، ولا عن اشتراكهم في المؤتمرات الدولية المختلفة، وإنما أتحدث عن مؤتمراتهم الخاصة التي يعقدونها في بلادهم كل عام، وعن الموضوعات التي يعرضون لها في هذه المؤتمرات.
وحسبي أن أذكر هنا مؤتمرات ثلاثة عقدها رجال التعليم في باريس أثناء إجازة الفصح، فأمَّا أولها فمؤتمر اتحاد المعلمين الأوليين، وقد عقدوها في التاسع عشر من شهر أبريل، وتناولوا فيها موضوعات مختلفة أهمها هذه الموضوعات الثلاثة:
الأول: الصلة بينهم وبين الحكومة منذ سنة ١٩٣٣. فقد دعت الأحداث السياسية الفرنسية، وما أثير من خصومات عنيفة بين الأحزاب إلى أن يسوء ظن الحكومة برجال التعليم الأولي، فتشفق منهم على النظام الجمهوري لمكانهم من التطرف إلى الشمال، ثم صلحت الأمور واستقرت الأحوال، وسجَّل هؤلاء المعلمون في مؤتمرهم هذا أن العلاقات قد حسنت بينهم وبين السلطان، وأكدوا أنهم لا يعنون بالسياسة ولا يحفلون بالإضراب، ولا يفكرون حين يُعلِّمون إلَّا في الوطن ورقيه واستقلاله، وحمايته من غارة الأجنبي. الثاني: رقي المعلمين أنفسهم، وما يجب لهم من الاستعداد لأداء واجبهم الفني على أحسن وجه ممكن، وهم ينتهون إلى قرار إجماعي له خطر عظيم في الحياة الفرنسية. ومن الخير أن تلتفت إليه وزارة المعارف المصرية. فهم يريدون ألَّا يشتغل بالتعليم الأولي إلَّا من ظفر بالشهادة الثانوية قبل أن يدخل مدرسة المعلمين الأولية. وهم لا يريدون الشهادة الثانوية السهلة اليسيرة التي يسمونها الشهادة الثانوية الحديثة، وإنما يريدون هذه الشهادة العسيرة، التي لا بدَّ فيها من اللاتينية؛ لأنهم يؤمنون بأن العلم بلغتهم، وتعليم هذه اللغة موقوفان على العلم باللاتينية، ولأنهم يؤمنون بأن للاتينية أبعد الأثر في تكوين عقول الشباب. وخطر هذا القرار يأتي من أن رجال التعليم الأولي، وهم يعدون في فرنسا بعشرات الألوف، ومعهم الاشتراكيون والديمقراطيون من أهل الشمال كانوا دائمًا خصومًا للغة اللاتينية، يمانعون في تعميمها كل الممانعة. وقد تأثر بهم البرلمان الفرنسي في كثير من الأوقات، فخفف تعليم اللاتينية تخفيفًا، وأنشأ شهادات ثانوية لا تشترط فيها اللاتينية، فتحول رجال التعليم الأولي عن هذا الرأي. ومطالبتهم باللاتينية بعد أن كانوا يلحون في أن يُباح لهم دخول الجامعة ونيل درجاتهم دون علم باللاتينية دليل على أن الحياة الفرنسية تتطور تطورًا خطيرًا نحو التعمق في العلم، والنظر إليه على أنه وسيلة إلى تكوين الرجل لا إلى اكتساب العيش. الثالث: أمر المعاشات. فهم يطالبون بأن تنظم قوانين المعاشات للمعلمين الأوليين تنظيمًا يكفل لهم شيخوخة هادئة بعد أن أنفقوا شبابهم وكهولتهم في خدمة الدولة والوطن.
وليس المؤتمر الثاني الذي عقده نظار المدارس الأولية وناظراتها في اليوم نفسه بأقل خطرًا من هذا المؤتمر، فالنظار والناظرات يطالبون باللاتينية كما يطالب بها المعلمون، والنظار والناظرات يطالبون بحرية المعلم وحمايته من أهواء الأحزاب السياسية وشهوات الوزراء، والنظار والناظرات يطالبون بإصلاح نظام المعاش كما يطالبون بإصلاح الحياة الاجتماعية والصحية لصغار التلاميذ. والذي يستحق العناية أن رجال الحكومة والبرلمان يشهدون هذه المؤتمرات ويشتركون في مناقشتها. فمدير التعليم الأولي يشهد هذا المؤتمر، ويجيب على ما يوجه إليه من سؤال، ويعد برفع قرارات المؤتمر إلى الوزير، وبالجد في تحقيق ما يمكن تحقيقه منها. وعضو من أعضاء مجلس الشيوخ يشهد ذلك المؤتمر، ويشترك في مناقشاته، ويبيِّن للمؤتمرين مسلك مجلس الشيوخ بالقياس إلى التعليم الأولي، ويعد بالدفاع عن آمالهم ومطالبهم أمام لجنة التعليم وفي المجلس نفسه، ويكون هذا كله في بناء السوربون.
وهناك مؤتمر ثالث لعله أعظم خطرًا من هذين المؤتمرين، وهو الذي عقده رجال التعليم العام، وخصصوا في الثامن والعشرين من شهر أبريل جلسة من جلساته لتحديد معنًى من المعاني الخطيرة التي يحرص عليها الفرنسيون أشد الحرص، ونريد نحن أن نتخذه مثلًا أعلى للتعليم في مصر، وهو حيدة التعليم العام بالقياس إلى السياسة والدين. فهم يسجلون أن الدولة لا تفرض ولا ينبغي لها أن تفرض على طلابها رأيًا ما في سياسة أو علم أو خلق أو فلسفة أو دين. وإنما محور التعليم يجب أن يكون الحق والحق وحده. وهم يسجلون أن الدين يجب أن يعلم، على أن يقوم بتعليمه رجال الدين أنفسهم في يوم من أيام الأسبوع، وأن لكل معلم أو أستاذ حريته الكاملة في مذهبه السياسي والديني والخلقي، بشرط ألَّا يقحم ذلك في التعليم، وألَّا يتكلف حمل المتعلمين بالعنف أو باللين أو بالتصريح أو بالتلميح على رأي من آرائه أو مذهب من مذاهبه. وهم يطالبون بأن ينظم القانون في غير لبس ولا غموض حقوق المعلمين وواجباتهم، وبأن يحمي القانون معاهد العلم من كل عبث يصدر عن الشهوات السياسية أو المذهبية مهما تكن. وكان الذي أعلن هذه المطالب وجهر بها وانتهى إلى التأييد الإجماعي من المؤتمرين، أستاذًا معروفًا من أساتذة التعليم العالي في الكوليج دي فرانس، هو الأستاذ لوروا.
فأين هذه الحرية التي يستمتع بها المعلم الفرنسي في الاجتماع والتفكير وإعلان الرأي من حرية المعلم المصري؟ وأين هذا النشاط الذي يبذله المعلم الفرنسي فيما يمس شئون التعليم وشئون المعلم من نشاط المعلم المصري؟ ولعلك تسأل بعد ذلك عن مصدر فتور المعلمين المصريين، وإحجامهم عن مثل هذا النشاط، وإشفاقهم من درس مثل هذه الموضوعات، وإعلان آرائهم فيها! فلا توجه إليَّ هذا السؤال، ولكن وجهه إلى وزارة المعارف، ولا تنتظر جواب وزارة المعارف، فهو موجود صريح في التقرير الذي أذاعه الوزير في هذه الأيام.
أليس الوزير يعترف بأن نظام التعليم في مصر لا يضعف شخصية التلاميذ وحدهم، وإنما يضعف شخصية المعلمين والنظَّار، ويوشك أن يمحوها محوًا؟!
وكيف ينشط المعلم، وكيف يفكر، وكيف يعلن رأيًا من الآراء ونظام التعليم نفسه حرب على شخصيته، يحول بينها وبين كل نشاط؟!