Tag: Philology

  • نحن والتقريظ مختارات المنفلوطي

    نحن والتقريظ: مختارات المنفلوطي

    طه حسين

    ؟؟؟

    ٢ أبريل ١٩١٢

    أما وقد كتب الكاتبون عن هذا الكتاب وفيهم ولي الدين وبعضهم وحافظ، فسنلقي دلونا في الدِّلَاء
    — كما يقول المثل العربي — وسندع شيئًا من أعمالنا للنظر في قيمة هذا الكتاب ومنزلته من كتب
    الآداب إيثارًا للحق واختيارًا لنصح الأمة وإرشادها.

    ونحن نعتقد أن صاحب المختارات لن يَضِيق لما سنكتبه من النقد بعد أن بلا حلاوة التقريظ الذي
    أهداه إليه جماعة الكُتَّاب والشعراء، وإنما نكتب عن هذا الكتاب من وجوه:

    الأول: منزلته من الاختيار وحُسْنه. ونريد بهذا الوجه أن نعرف نصيب صاحب الكتاب من تحقيق
    الغرض المقصود أو الذي ينبغي أن يكون مقصودًا من الاختيار في الآداب، وهو تمثيل الحياة الفكرية
    للأمة التي يختار من آدابها في عصر من العصور، حتى يتأتى لتاريخ الآداب أن يستمد هذه الصورة
    التي يمثلها الاختيار حكمه على هذه الأمة أولها بالتبريز في الآداب أو القصور.

    وإذا أردنا أن نتكلم عن كتاب المنفلوطي من هذا النحو وجب علينا أن نقتصد كل الاقتصاد في المدح
    والثناء؛ لأنه مع الأسف الشديد لم يستطع أن يُمثِّل لنا صورة ما من الصور الأدبية للأمة العربية
    في أي عصر من العصور، وإنما الكتاب عبارة عن مقطعات صغيرة من الشعر والنثر في موضوعات مختلفة
    وعصور متباينة، وقلَّما تستطيع القطعة منها أن تبين حالًا خلقية أو فكرية للعصر الذي قِيلَتْ
    فيه؛ لأنها صغيرة ولأنها منفردة في كثير من الأحيان.

    اختار المفضل الضبي فمثَّل العصرَ الجاهلي أحْسَن تمثيل، وأهدى إلى أئمة اللغة مقدارًا كبيرًا
    من الشواهد العربية التي تقوم بكثير مما كتبوه، ومثله صنع أبو تمام والبحتري إلا أنهما تناولا
    العصرين الأموي والعباسي.

    أما المنفلوطي فقد اختار في جميع العصور على التقريب إلا أنني أستطيع أن أباهل أي كاتب من
    الكُتَّاب على أنه لم يُحْسِن تمثيل أي عصر من العصور. وكيف يبلغ هذه المنزلة من يكتفي بإيراد
    بيتين اثنين لعدي بن الرقاع في تهذيب الشعر؟! فالكتاب من هذا النحو لم يُهْدِ إلى تاريخ الآداب
    شيئًا ما، وإنما هو على مثال تلك الكتب التي تُؤلَّف للظرفاء يستظهرون ما فيها من المقطعات
    لتنطلق بها ألسنتهم في الأسمار والمحاضرات من غير إطالة ولا إملال، وإن عندنا منها شيئًا
    كثيرًا.

    الوجه الثاني من وجوه النقد: تَحرِّي صاحبنا لأسماء الرجال وأيام حياتهم وتراجمهم؛ فإن مما لا
    يحتمل النزاع أن صاحب المختارات راوٍ يجب أن يكون صادق الرواية حَسَن الضبط — كما يقول علماء
    الحديث — فإذا زل في اسم رجل أو تاريخه كان ذلك سبيلًا إلى ضعف الثقة به وتبدُّل الرأي فيه. كيف
    لا، وذلك تغرير للشبان الذين سيعتمدون عليه في حفظهم واستظهارهم؟!

    ولصاحب المختارات من هذا كثير نذكر منه الآن خطأه في اسم كاتب كبير ومؤلف مشهور شاع ذكره بين
    الأدباء منذ القرن الرابع للهجرة، وهو أبو هلال العسكري الذي سمَّاه المنفلوطيُّ ابنَ هلال،
    وإنما نعرف ابن هلال أحد الخطاطين في مدينة بغداد، فأما الذي روى عنه المنفلوطي فأشهر مِنْ أن
    يناله الخفاء وكتبه بيننا منشورة وأحاديثه معروفة!

    ومن هذا النحو نستطيع أن نقول إن صاحب المختارات قد جعل على الثقة به سبيلًا للشك
    والريب.

    الثالث من وجوه النقد: إصابة المؤلف في رواية النصوص الشعرية والنثرية وفَهْم ما يرمي إليه
    أصحابها من المعاني والأغراض، ولصاحبنا المنفلوطي من الخطأ في هذا شيء كثير، نذكر منه الآن خطأه
    في أول بيت رواه في كتابه، وهو قول الأعرابي:

    وداهية داهى بها القوم مُفلقٍ شديد بعوران الكلام
    أذومها

    روى صاحبُنا البيتَ مُصَحَّفًا فضَبَطَ «القوم» بالنصب على أنها مفعول والصواب رفعها على أنها
    فاعل، وإنما «مفلق» بالجر على أنها صفة للداهية. وروى «بعوران» محرفة؛ فزعم أنها العوراء وليس
    بشيء، وإنما هي كما روينا لك، وتحقيق ذلك مبسوط في كتاب الكامل لأبي العباس المبرد.

    وزعم أن الشاعر يشكو ويستغيث من سفاهة خصمه، واستشهد بهذا على سوء حظ الأدب في هذا العصر،
    ولكنه مع الأسف قد أخطأ؛ فإن الشاعر يفتخر بذرابة لسانه ويتمدح بقوة حجته وشدة شكيمته! والدليل
    على ذلك قوله بَعْدُ:

    أصختُ لها حتى إذا ما وعيتُها رميتُ بأخرى يستديم
    أميمها

    ترى القوم منها مُطْرِقين كأنما تساقوا عقارًا لا يبل
    سليمها

    وقد وهم المنفلوطي فروى الشطر الثاني من هذا البيت: تساقوا بكأس! والصواب ما رويناه لك كما هو
    في الكتب الصحاح، وأخصها كتاب الكامل.

    ومن هذا النحو نستطيع أن نقول: إن صاحب المختارات لم يُوفَّق إلى المنزلة الوسطى في حُسْن
    الضبط، وإتقان الرواية، وإصابة الفهم.

    الوجه الرابع: أن صاحب المختارات قد تعرَّضَ في كتابه لترجمة الشعراء والكُتَّاب الذين اختار
    لهم فلم يجد في ذلك؛ لأنه توهم أن ترجمة الشاعر هي عبارة عن ذكر السَّنَة التي وُلِد أو مات
    فيها مع شيء من المدح والإطراء الذي لا ينبغي أن يسرف الناقد فيه، بل يجب أن يتوخى فيه القصد
    والأناة.

    وليت شعري! إذا كان كل الشعراء والكُتَّاب فحولًا مجيدين وأفذاذًا نابغين، فماذا عسى أن يكون
    نصيب النقد الصحيح مما كتبوه أو نظموه. تلك طريقة قد سلكها المتقدمون وشقي بها المتأخرون، فحسن
    رأيهم في كل كاتب وظنهم بكل أديب، وذهب التفاوت بين طبقاتهم في الحقيقة.

    ومن الغريب أن المنفلوطي مع ذلك لم يترك أن يقول إن هذا الشاعر من الطبقة الأولى، وذاك من
    الطبقة الثانية! وما أدري أي شيء هو الحد الذي جعله فاصلًا بين الطبقات ومميزًا بين أقدار
    الشعراء، ومن هذا النحو نستطيع أيضًا أن نقول إن صاحب المختارات قد أفعم كتابه بالغلو
    والإسراف.

    وهناك وجوه أخرى لا أُطِيل بذكرها الآن؛ لأني سأعود إن شاء الله إلى النقد المفصَّل، وإنما
    أكتفي في هذا اليوم بما تقدم مع إظهار الأسف الشديد لهذه الحال التي نحاول أن نفارقها فلا
    نستطيع، وهي حال الغلو في التقريظ والإفراط في تقارض الثناء.

    قصد ولي الدين فيما كتب، ولم يُصِب «بعضهم» الإنصاف فيما نشر.

    أما حافظ فأكبر الكُتَّاب على التلاميذ، وزعم أنه كفاية الأديب الفذ والكاتب النابغة، ولعمري
    إن بعض ما ذهب إليه حافظ ليكفي لإرضاء المنفلوطي، ولَعَمْرُ حافظ لو أن هذه الأمة امتلأت بأدباء
    لا يعرفون إلا ما في مختارات المنفلوطي لكانت أقل من أن تغني غناء أو أن تبلي بلاءً. وإنها
    منزلة لا يحبها لأُمَّتِه إلا مغرورًا وسيئ القصد، وإني أُجِلُّ حافظًا عن هاتين الصفتين وأنصح
    له آخرة الأمر أن يقصد في إظهار ذات نفسه، وأن يتحرى إصابة الحق في أناة؛ فإن من العيب أن أنكر
    عليه قوله: «أخذ عليك ولي الدين.» فإن العرب لا تعدي «أخذ» ﺑ «على» في هذا الموضع، وإنما تعديها
    بالباء. كذلك من العيب أن أنكر عليه قوله: «أخصب ما بينه وبين البلاغة، ويبس ما بينه وبين
    الركاكة.» فإن الذوق لا يقابل الإخصاب باليبس وإنما يقابله بالإجداب، وإن في هذا الآن لكفاية
    وغناءً، ولعل موعدنا بنقد المقدمة في ألفاظها ومعانيها قريب.