Tag: Political anxiety

  • قلق وكيد

    حديث الوادي
    بين الأدب والسياسة
    قلق وكيد . . .
    وهذا موضوع ليس أقل إثارة لعناية الأدباء من غيره من الموضوعات لأنه يتصل بالحياة العامة، ويتصل بالحياة الخاصة، ويعرض للكتاب والشعراء صوراً طريفة حقاً، يستطيعون إن وقفوا عندها وأطالوا النظر فيها، ثم صاغوها في صيغهم الفنية، من الشعر والنثر، أن يخرجوا للناس آيات بينات.
    فلعلك تلاحظ معي أن صاحب الدولة رئيس الوزراء ما زال مقلقاً للراحة منغصاً لحياة كثير من الناس، يحول بينهم وبين الهدوء ما أشرقت الشمس ويذود عنهم النوم إذا أقبل الليل. أقلق المستوزرين أياماً وليالي لأنه لم يعرب عن مذهبه في تأليف الوزارة ولم يبين عن وجهته في اختيار الوزراء وترك الصحف تشيع وتذيع، وترك الأحاديث تختلط والآراء تصطدم، فخيل لكل مستوزر أنه وزير، وخلى بين المستوزرين وبين الخيال البعيد، والأمل الذي لا حد له، وأخذ هؤلاء الناس يسعون مع الأمل ويمضون مع الخيال، والجمهور معهم يسعى ويمضي ويرقب وينتظر، وهو يتحدث ويتنبأ ويتفكه على كل حال. ورئيس الوزراء صامت مغرق في الصمت. عامل جاد في العمل، حتى إذا أمسى الناس ذات يوم سمعوا لبعض الأسماء ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا لبعض الأشخاص، فإذا أسماء لم تكن تقدر وإذا أشخاص لم يكونوا منتظرين.
    هنالك قام الدهش مكان القلق، ثم لم يلبث الدهش أن زال وقامت مكانه الموجدة، والحفيظة، واليأس المضني للقلوب، والحزن المهلك للنفوس. ثم لم تلبث هذه العواطف أن أنتجت نتائجها الطبيعية وولدت بناتها التي تمتاز بالخفة والرشاقة، وباللباقة واللين، والتي تضمن الانسلال من كل مكان، والدخول إلى كل مكان، والعبث بكل قلب، والإفساد لكل نفس، وهي الكيد والسعي والوشاية والنميمة وما يشبهها من هذه المعاني التي ملأت الجو المصري، وتراءت في الجو الإنجليزي منذ ظهر تأليف الوزارة وتبين أن رئيس الوزراء قد خيب آمالاً وأخلف ظنوناً واختار زملاءه من غير المستوزرين. قوم يرون أن رئيس الوزراء قد استسلم للوفد، فتلقى منه الأمر وانقاده في غير تردد ولا روية، وإذن فما أجمل استغلال هذه الفكرة، والسعي برئيس الوزراء عند الإنجليز، وعند القصر؟
    وقوم آخرون يرون أن رئيس الوزراء على ما أظهر من إذعان وخضوع للوفد، لم يظفر بتأييده الصريح الخالص! وإنما الوفد يتخذ وزارته طريقاً إلى الانتخاب ثم جسراً إلى الحكم، وإذن فما أجمل استغلال هذه الفكرة للإفساد بين الوفد ورئيس الوزراء ولإظهار الوفد على ما يضمره رئيس الوزراء من شك وريبة، وائتمار به إذا سنحت الفرصة، ولإظهار رئيس الوزراء على ما يضمره الوفد من مكر وخديعة وتهيؤ للمعارضة التي لا ترد.
    وبنات اليأس هذه كما قدمت رشيقـة لبقـة خفيفة غالية في الخفة تطير في كل جو، وتسعى إلى كل مكان، وتلقي أحاديثها في خفة وظرف ولطف، في كل ناد، وفي كل مجلس، ثم تنسل لم يحسها أحد، ولم يشعر بها إنسان، وإذا الناس يشعرون كأن ما ألقته من السعايا والوشايات حقائق مستقرة لم تنشأ في ذلك البيت، ولم تخترق في ذلك النادي، ولم تخترق ذلك المستوزر اليائس، ولم ينطلق لسان ذلك السياسي، الذي كذبت آماله، وأخلفت ظنونه، وأفلتت منه الوزارة فأقسم على الانتقام.
    على أن رئيس الوزراء لم يكتف بإقلاق هؤلاء الناس أياماً واضطرارهم إلى الكيد، بعد أن زال عنهم القلق، واستقر مكانه اليأس، وإنما هو يستبقي ظلاً من القلق يسيراً يضطرب في الجو اضطراباً ما، فيسحر عقولاً، ويستهوي نفوساً، ويطلق بعض الألسنة ببعض الحديث. فما زال رئيس الوزراء محتاجاً إلى زميلين أو إلى ثلاثة من الزملاء، فمن عسى أن يكون هذان الزميلان؟ أيختار رئيس الوزراء بين المستوزرين، من رجال الأحزاب، وإذن فمن يختار، وكيف يختار؟ أم يختار رئيس الوزراء بين كبار الموظفين وإذن فمن يختار، وكيف يختار؟ فالقلق متصل، النفوس مضطربة والقلوب معلقة، ورجال السياسة يحتاطون، يودون لو أتوا على رئيس الوزراء ولكنهم يخافون ألا يختارهم للخارجية أو المواصلات، فهم يتحفظون، يودون لو كادوا لرئيس الوزراء ولكنهم يرجون أن يختارهم للخارجية أو المواصلات، فهم يتحفظون، هم يعدون الغشاء ليطلقوه إذا أصبحوا وزراء وهم يعدون الكيد ليطلقوه إذا خطأهم الاختيار، وهم في أثناء ذلك يسعون بالإشاعة والإذاعة، والترشيح.
    وإذا ظن رئيس الوزراء أن هذا هو كل ما أحدث من القلق، فهو مخطئ أشد الخطأ، فهو قد آثر الصمت بعد أن ألف الوزارة، كما آثره قبل تأليفها وهو إذا تكلم آثر الإيجاز والألغاز وهو إذ عمل لم يسرع ولم يتعجل، وهو يحير الراغبين والراهبين جميعاً.
    أولئك الموظفون الذين اتخذهم صدقي باشا والإبراشي باشا أدوات لنشر الفساد وإذاعة الظلم، ونشر الجور وتعذيب الناس وسفك الدماء، واستصفاء الأموال. هؤلاء الموظفون قلقون أو قل إنهم كانوا يائسين، فلما رأوا صمت رئيس الوزراء وأناته هدأ الخوف، واستحال إلى قلق مؤلم ممض هو شر من الخوف. أيعزلهم رئيس الوزراء أم يبقيهم؟ وإن عزلهم فهل يخلى بينهم وبين الأمن والراحة والعافية أم هل يقفهم أمام القضاء ليسألوا عما اقترفوا من إثم، ويؤخذوا بما اجترحوا من السيئات؟ وإن أبقاهم فهل يدعهم حيث وجدهم، أم هل ينقلهم من مناصبهم، ثم يمسهم بما يمس به الموظفون من ألوان الإبعاد والتخفيض والنفي إلى هذه الزوايا المهملة في حجرات الدواوين؟ هل منهم يسأل، وكل منهم يترقب، وهل منهم يقرأ الصحف ويكلف نفسه تأويلاً وتعليلاً وتحليلاً، يقرأ بين السطور، يقرأ ما كتب، وما لم يكتب، يسمع ما قيل وما لم يقل يحدق في الوجوه تحديق الملح، يريد أن يصل إلى أعماق النفوس ويتبين ما انطوت عليه الضمائر من النيات، يسعى بالتهنئة وهو مستعد للبغض الشديد إن أصابه الشر، وللحب الشديد إن أخطأه العقاب. وهؤلاء الموظفون الذين أصابهم صدقي باشا والإبراشي باشا بألوان الظلم والتنكيل قلقون أيضاً: وعدهم رئيس الوزراء بالإنصاف، ولكنهم لا يعلمون كيف يكون هذا الإنصاف، ولا إلى أي حد ينتهي، ولا على أي نحو يقوم، أهو رد إلى المناصب التي أبعدوا عنها أم هو رد إلى خدمة الدولة ليس غير؟ أهو إصلاح لما كان، أهو إصلاح لما سيكون؟ أفيه تعويض لما احتملوا من أذى أم تعويض ذلك عند الله لا عند رئيس الوزراء؟ ومتى يكون هذا الإنصاف، أتحمله شمس اليوم حين تشرق، أم تحمله شمس الغد، أم هو بطيء يحب الأناة كما يحبها رئيس الوزراء ويكره العجلة كما يكرهها رئيس الوزراء؟ وهؤلاء النواب والشيوخ الذين قيل لهم إنهم سيبقون فاستبشروا ثم قيل لهم إنهم سيصرفون فابتأسوا ثم هم الآن معلقون بين الموت والحياة هم نواب وشيوخ في الورق، وليسوا نواباً ولا شيوخاً لأن رئيس الوزراء قد أعلن أنه سيلغي النظام ويصرف البرلمان.
    نعم ولكن متى يلغى النظام ومتى يصرف البرلمان؟ وما لرئيس الوزراء يصطنع هذه القسوة وينضج هؤلاء الناس على نار هادئة ويطيل تعليقهم في هذا اليأس الذي لا يخلو من أمل وفي هذا القنوط الذي لا يبرأ من رجاء، ومن يدري لعلهم إن قرأوا عدية يس، في ليلة النصف من شهر شعبان، لعلهم إن زاروا بعض المقابر وأضاؤوا حولها الشموع،
    ووزعوا عندها الصدقات، لعلهم إن استعانوا ببعض السحرة، وأصحاب العزائم والطلسمات أن يظفروا بمعجزة من هذه المعجزات التي تغير رأي رئيس الوزراء أو تحول بينه وبين ما يريد! وما الذي يمنع هؤلاء الشيوخ والنواب، من أن يضعوا شيخ الأزهر على رأسهم، ثم يذهبوا معه لزيارة السيد الإنبابي، والسيدة سكينة، ثم ما الذي يمنعهم من أن يضعوا إسماعيل صدقي باشا على رأسهم ثم يذهبوا معه لزيارة سانت تيريز، هذه القديسة التي تقوم كنيستها في شبرا والتي يقال إنها تأتي بالأعاجيب، ثم من يدري لعل الإبراشي باشا أن يكون أقدر من الأولياء والقديسين على رد رئيس الوزراء عما يريد. فالإبراشي باشا واسع الحيلة خصب الذكاء يستطيع أن ينفق وأن ينفق بغير حساب، والمال قوة يا لها من قوة، فمن يدري لعله يستطيع تسميم الجو، ولعله آخذ في ذلك ولعله لا يمهل رئيس الوزراء إلا ليعلمه بعد يومين أو أيام أن إلغاء النظام ليس شيئاً هيناً ولا يسيراً.
    ثم شيخ الأزهر وما شيخ الأزهر؟ إن له بركات ظاهرة وأخرى خفية، إن له مساعي واضحة، وأخرى غامضة، إنه يستطيع أن يقرأ العدية الكبرى ومن ورائها الدعاء المشهور، أن له عند الأولياء وسائل. إن بينه وبين السيد العدوي صلات لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، إنه يستطيع أن ينفق ليلة من لياليه ساهراً في غرفة من غرفه. يطلق البخور ويجري لسانه بما تيسر من الكلمات، فإذا النظام باق لا خطر عليه، وإذا الشيوخ والنواب لا يتعرضون لشر، ولا يخافون بأساً، وإذا العلماء المفصولون حيث هم لا يتقدمون، وقد يتأخرون . . أرأيت أن رئيس الوزراء ما زال مقلقاً للراحة يكلف الناس عناء طويلاً وهماً ثقيلاً، أرأيت أن هذا القلق الذي يثيره رئيس الوزراء، وهذا الكيد الذي ينتجه القلق وهذا الاضطراب الذي يعبث بكثير من الناس، خليق كله أن يثير عناية الأدباء وأن يلهمهم نشراً رائعاً، وشعراً بارعاً، لو أرادوا أو لو استطاعوا ولكنهم لا يريدون أو لا يستطيعون. فستفلت منهم هذه الفرص وما أكثر ما تفلت الفرص من الأدباء.
    طه حسين
    الوادي، ٢١ نوفمبر ١٩٣٤ .

  • موقف

    حديث الوادي
    موقف . . .
    موقف من أغرب المواقف، وأشدها إمعاناً في الشذوذ، هذا الموقف الذي دفعت إليه مصر دفعاً في هذه الأيام بفضل الوزارة القائمة، وما تبين من عجزها الواضح عن النهوض بالأعمال الثقال والثبات للخطوب الملمة وحسن اللقاء للطوارئ والمفاجآت.
    موقف غريب أشد الغرابة، شاذ أعظم الشذوذ لا يحتاج مصري مهما تكن ثقافته ومهما تكن منزلته الاجتماعية إلى أن يدله عليه أحد، أو ينبهه إليه إنسان. فأنت تستطيع أن تتنقل في الأندية، وتلم بمجالسهم في القهوات والدور، وأنت تستطيع أن تستمع إلى عامة الناس، وهم يتحدثون فيما بينهم أثناء مزاولتهم لأعمالهم اليومية، وأنت تستطيع أن تصعد إلى الترام، والأتوبيس التي تنقل الناس في القاهرة أو إلى القطارات التي تنقل الناس بين القاهرة والضواحي، أو بين القاهرة والأقاليم فسترى شيئاً لم تكن تراه منذ شهر أو شهرين، سترى قلقاً بادياً، واضطراباً واضحاً، وخيالاً أرسلت أعنته، فانطلق لا يلوي على شيء، ولا يقف عند شيء، وإنما هو يتلقف الأنباء، ثم يستغلها إلى أقصى غايات الاستغلال، فيخلق الحوادث، ويبتكر الأخبار، وينشئ الفروض، ويحكي ما كان، ويصور ما هو كائن، وينبئ بما سيكون. وتنطلق الألسنة بما يوحي به هذا الخيال الذي أدركه شيء يشبه الحمى، فهو لا يهدأ، ولا يطمئن، ولا يكف عن الحركة والإنتاج. ولا تكاد الأحاديث تلقى في مكان حتى تطير منه إلى أماكن أخرى، ثم تطير من هذه الأماكن إلى أماكن أخرى، وهي كلما وقعت في مكان أثارت القلق، وبعثت الاضطراب، وأنشطت الخيال، وأطلقت الألسنة، حتى أصبح المصريون لا يشكون في أن حياتهم العامة معرضة لحدث جديد خطير، وهم يبحثون عن هذا الحدث، وهم يريدون أن يعرفوه، بالتحقيق أو بالتقريب وهم يستدلون عليه بما يقع من الأحداث، وما ينشر من الأنباء، وما يأتي الكبراء والوزراء من الحركات، يقضون في ذلك نهارهم حين يعملون، ويقضون في ذلك ليلهم حين يسمرون، ولعل منهم من يحلم به إذا أدركه النوم، ولكنه على كل حال أول ما يخطر لهم. وأول ما يفكرون فيه، حين يستقبلون النهار ويستقبلون معه صحف الصباح. هذه هي حياة المصريين في هذه الأيام، قلق متصل يزيد من حين إلى حين إشفاق مستمر يشتد من وقت إلى وقت وحديث لا ينقطع في السياسة وأسرار السياسة وما قد تنكشف عنه هذه الأسرار.
    وأكبر الظن أن الوزارة ليست أقل اضطراباً ولا قلقاً من الشعب، فلعلها تعلم من أمر السياسة أكثر قليلاً مما يعلم الشعب، والشعب لا يعلم شيئاً أو لا يكاد يعلم شيئاً والوزراء يأتون من الحركات ما لا يمكن أن يفهم منه هدوء البال، واطمئنان القلب وراحة الضمير. فهم يلتقون، وهم يفترقون وهم يتبادلون الزيارات التي لا تخلو من معنى، وهم يتلقون زيارات أخرى ليست أقل معنى من هذه الزيارات التي يتبادلونها فيما بينهم. وهم يتحدثون إلى بعض المتصلين بهم، وهم يسألون أحياناً عن الأخبار، شعب قلق، ووزارة قلقة، فأما الإنجليز فيظهرون نشاطاً غريباً لم يظهروه من قبل، يدخلون فيما لم يتعودوا أن يدخلوا فيه ويقبلون على ما لم يتعودوا أن يقبلوا عليه ويفعلون ما لا ينبغي لهم أن يفعلوا ويكفي أن نلاحظ نشاط نائب المندوب السامي وحده في هذه الأيام القليلة الماضية، فهو يفتش على الشرطة في الإسكندرية وهو يطير إلى القاهرة فيفتش على الثكنات، ثم على بعض الأقسام، ثم على المطافئ، ثم يتغذى مع قائد جيش الاحتلال، ثم يزور رئيساً من رؤساء الوزارات المصرية السابقين، ثم يزور بعض الإنجليز ثم يطير إلى الإسكندرية، ولا يكاد يستقر أربعاً وعشرين ساعة حتى يرد له ذلك المصري من رؤساء الوزارات السابقين زيارته. يسافر لهذه الزيارة مع الظهر ويعود من هذه الزيارة مع المساء، وتقول الصحف إن هذه الزيارة لها ما بعدها، وقد تتبعها زيارة أخرى والناس يقرأون هذه الأنباء في الصحف، ويسمعونها في الأندية، ويقال لهم إن الوزارة حائرة ويقال لهم إن الوزارة قد تستقيل، وهم يريدون أن يفهموا، ولكن كيف يفهمون؟ وهم يريدون أن يتبينوا ولكن كيف يتبينون؟ وزارة مغرقة في الصمت وقد كان يجب عليها أن تتكلم، مغرقة في السكون وقد كان يجب عليها أن تعمل، مغرقة في الألغاز وقد كان يجب عليها أن تكون واضحة، مصرة على البقاء في الحكم، وقد كان يجب عليها أن تتخلى عنه، بعد أن ظهر لها وظهر للناس أنها لا تصلح له، ولا تقدر عليه، ولا سيما في هذه الظروف التي لم يبق إلى الشك في دقتها وخطرها وحرجها من سبيل.
    والصحف تجمع الآن على مطالبة الوزارة بإصدار نشرات منظمة عن صحة جلالة الملك، فلم يبق عند أحد شك في أن صحة جلالته قد انحرفت بعد أن جاءت الأنباء بذلك من أوروبا، وكان ينبغي أن يعرف الناس ذلك في مصر قبل أن يعرفوه في أوروبا.
    وبعد أن أجلت الرحلة الملكية وبعد أن أعلن أن حضرة صاحب الجلالة لا يستقبل في عيد الجلوس هذا العام، وبعد أن دعي طبيب من القاهرة ثم دعي طبيب أو أكثر من طبيب من الخارج.
    فالناس يعلمون أن صحة جلالة الملك ليست على ما يتمنون من العافية، وهم يريدون أن يعلموا، ومن حقهم أن يعلموا. ومن الواجب على الحكومة أن تعلمهم بحال ملكهم من يوم إلى يوم، بل من صباح إلى مساء.
    ولكن الوزارة لا تقول في هذا شيئاً كما أنها لا تقول في غيره من الأمر شيئاً. فقد نحب أن نعلم ماذا يصنع الوزراء، وما بقاؤهم في مناصبهم إذا كانوا يقصرون حتى في أقدس الواجبات فلا يطمئنون الشعب على صحة ملكه ولا ينبئون الشعب بمعنى هذا النشاط الغريب الذي يظهره الإنجليز.
    إحدى اثنتين فإما أن يكون الوزراء ناهضين بواجباتهم حقاً، وإذن فقد كان يجب أن ترى آثار هذا النهوض، والوزراء يعلمون حق العلم أنهم ليسوا أوصياء على شعب قاصر، وإنما هم موظفون لشعب رشيد، فليس لهم أن يخفوا عليه شيئاً، وليس لهم أن يستأثروا من دونه بما يمس حياته من قريب. وأما أن يكون الوزراء باقين في مناصبهم ليختلفوا إلى الدواوين، ويستمتعوا بجاه الوزارة وظاهر من سلطانها، فيجب أن يعلموا أن الوزراء لا يختارون لهذا، وإنما يختارون لشيء آخر.
    وبعد فإنا نريد أن نعتقد أن الوزراء يرجعون إلى ضمائرهم. ويعلمون حق العلم أن الشعوب قد تتعرض لأوقات من حياتها لا يجوز فيها الهزل، ولا يباح فيها الإهمال، ولا يغفر فيها التقصير، وأن الوزراء يقدرون هذا كله، ويلائمون بينه وبين سيرتهم في هذه الأيام، فإما أن يعملوا ويقولوا ويقنعوا المصريين بأنهم وزراء حقاً، خليقون بملاقاة الطوارئ، والثبات للحوادث والنفاذ من الخطوب، وإما أن يردوا أمر الشعب إلى الشعب، ويدعوا الحكم لينهض به قوم هم أصلح له، وأقدر عليه، ولاسيما في هذه الظروف.
    طه حسين
    (★) الوادي، ٦ أكتوبر ١٩٣٤.