Tag: Political Authority

  • نسج العنكبوت

    نسج العنكبوت
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٤ مارس ١٩٤٨

    هو الذي يظللنا الآن فلا يرد عنَّا شرًّا ولا يصرف عنَّا عادية؛ لأنه مهلهل، لأنه لا يقوى على صد أو رد أو مقاومة، وكل ما يستطيعه هو أن يبطئ حركتنا، ويحول بيننا وبين النشاط المُطَّرد المستقيم. له من السلطان الحكومي كل مظاهره، فوزراء يجتمعون في كل أسبوع، وقد يجتمعون غير مرة في الأسبوع، ووزراء يختلفون إلى البرلمان فيسمعون ويقولون، ووزارات ومصالح تفتح أبوابها مع الصبح، وتغلقها حين يتقدم النهار، وموظفون يغدون على مكاتبهم، ويروحون إلى دورهم، وعلى وجوه فريق منهم ابتسامات ساخرة لا تحفل بالمكاتب ولا بالدُّور، وعلى وجوه فريق آخر منهم ابتسامات حائرة لا تدري أتخلص للسخرية أم تخلص للكآبة والحزن، وفي وجوه فريق ثالث منهم شحوب عابس لا يشبهه إلا شحوب الذين يُقبِلون على الكوارث، أو تُقبِل عليهم الكوارث لا يملكون لها ردًّا، ولا يستطيعون منها خلاصًا. ولهؤلاء وهؤلاء وأولئك تُصرف في آخر كل شهر أجور خطيرة أو حقيرة لا تكاد تستقر في جيوبهم، وهي لا تصل إلى بيوتهم على كل حال.

    فكل شيء يدل على أن في مصر سلطانًا سياسيًّا منظمًا، كما أن في غيرها من البلاد المتحضِّرة سلطانًا سياسيًّا منظمًا. وكل شيء يدل على أن هذا السلطان السياسي المنظَّم في مصر من شأنه أن يصدر عن أهلها الأحداث والخطوب، وأن يحمي كرامتها من العدوان الخارجي، ويحمي لأهلها حياتهم وأموالهم وحقوقهم من العدوان الداخلي. ولكن انظر إلى ما تَعرِض عليك الصحف حين تصبح وحين تمسي في كل يوم، فسترى سواء رضيت عن ذلك أو كرهت أن هذا السلطان السياسي المنظم في مصر لا يرد عنها ولا عن أهلها، ولا يستطيع أن يرد عنها ولا عن أهلها شرًّا يهبط من السماء، أو ينجم لها من الأرض أو يأتيها من الأجنبي الخارجي، أو يأتيها من المواطن المقيم.

    جرائم تُقترف في النهار المبصر وفي الليل المظلم، وتنشر الصحف أنباءها المروعة، فلا يرتاع لها أحد؛ لأن الناس قد ألِفوا الرَّوْعَ حتى اطمأنُّوا إليه، وعاشوا فيه كما يطمئن غيرهم إلى الأمن ويعيشون فيه. وقنابل تنثر حيث يريد أصحابها أن ينثروها. يجدها الناس في وضح النهار، ويجدها الناس في غلَس الليل، وتُدعى الشرطة فتنظر إليها مكتئبة، وتنقلها متثاقلة، ويقرر المختصون من الفنيين أنها من هذا النوع أو ذاك، إلا أن تنفجر قبل أن تبلغها الشرطة فتزهق النفوس وتريق الدماء وتشيع الجراحات، ولا تكاد تشيع خوفًا أو ذُعرًا؛ لأن الناس قد ألِفوا ذلك واستسلموا له، فأصبحوا لا يخافون ولا يذعرون. وقد يعبث أصحاب القنابل أو يجِدُّون فيلاعبون الشرطة، ويداعبون الحكومة، ويكتبون على قنابلهم سائلين عن اليوم الخامس عشر من هذا الشهر أعيد هو أم غير عيد.

    والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يجِدُّون ويكِدُّون ويجوعون ويمرضون ويجاهدون ويكافحون؛ ليُخرِجوا للدولة هذه الأموال التي تؤدَّى منها الأجور والمكافآت.

    وقد يُقبِل هذا الوباء أو ذاك من حيث لا يدري أحد، بل من حيث لا تدري الوزارة التي خصصت لرد الوباء إن أقبل، ومحق الوباء إن نفذ إلى أهل الوطن. قد يُقبِل هذا الوباء من حيث لا تدري وزارة الصحة، فلا يجد من يَرُدُّهُ ولا من يصده، فينزل في مصر على الرحب والسعة، ويرتع في نفوس المصريين غير مدفوع ولا ممنوع، ثم ينصرف من حيث أقبل، وقد ملأ يديه موتًا ويتمًا وثكلًا وتأييمًا وترميلًا وفقرًا وجوعًا!

    والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون ويروحون، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تُصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يستخرجون من دماء قلوبهم، وعرق جبينهم هذه الأجور والمكافآت.

    وقد يخطر لحاكم السودان أن يعبث بمصر والمصريين، وأن يخطو الخطوات الأولى أو الأخيرة لا أدري ليضيف إلى الإمبراطورية البريطانية مستعمَرة جديدة أو قديمة هي السودان. وقد يستبيح السكرتير الإداري لنفسه أن يقول في المجلس الاستشاري إن الحاكم العام للسودان يعين أعضاء المجلس التنفيذي ويعزلهم، كما أن الملك في مصر يُعيِّن الوزراء ويقيلهم، وينشر هذا كله في الصحف، ويقرؤه الوزراء والشيوخ والنواب وسائر المواطنين، فلا يغيظهم ذلك ولا يُحفِظهم؛ لأنهم قد ألِفوا الغيظ والحفيظة حتى أصبحوا لا يغتاظون، ولا تبلغ الحفيظة من قلوبهم شيئًا.

    وقد يَخطُر للإنجليز أن يظفروا بموافقة الحكومة المصرية على ما يكيدون لمصر في السودان، فإذا أشفقت الحكومة من هذه الموافقة، ولم تُجِب الإنجليز إلى كل ما أرادوا، لم يتردد بعض المتكلمين بلسان وزارة الخارجية البريطانية في أن يقول إن الحكومة البريطانية قد احتملت في مصر أكثر مما ينبغي أن تحتمل، وأن مصر قد أسرفت في التجنِّي، وأَغرقت في الدل والتيه. وينشر هذا في الصحف فلا يغتاظ له أحد؛ لأن المصريين قد ألفوا الغيظ حتى أصبحوا لا يعرفون كيف يغتاظون!

    والمهم هو أن مظاهر السلطان السياسي المنظم قائمة في مصر كما تقوم في كل بلد متحضر، ولكنها في مصر مظاهر ليس وراءها شيء، فهي أشبه بنسج العنكبوت الذي لا يصد شرًّا ولا يدفع عادية، وإنما يبطئ من الحركة ويفسد النشاط، ويثقل الناس بما يكرهون. ولا يجلب عليهم شيئًا مما يحبون … وصدق الشاعر القديم حين قال لخصمه ذلك البيت الذي لم يلائم أحدًا قط كما يلائم المصريين الآن:

    ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل

    وصدق الله العظيم حين قال: ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ )، ولكن أتدري لِمَ كان السلطان السياسي المنظم في مصر مشبهًا لنسج العنكبوت؟ لسبب يسير جدًّا، هو أن نيابة نُوَّابه وشيوخه، ووزارة وزرائه، وإدارة مديريه لم تقُم على أساس من حب الشعب وإرادته وثقته، وإذا بُنيت أمور الحكم على غير حب الشعب وإرادته وثقته، فلا يمكن أن تكون إلا مشبهة لنسج العنكبوت.

  • كرامة

    حديث اليوم: كرامة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٧ أغسطس ١٩٣٢

    وكنا قد حفظنا في متن من المتون، في الجريدة أو في الجوهرة، بيتًا لم ننسه وإن طغى النسيان على كثير مما حفظنا؛ لأن هذا البيت قد شاع وانطلقت به الألسنة في البيئات الأزهرية، كما انطلقت به الألسنة في القرى وأسمار الريف وهو:

    واثبتن للأولياء الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه

    ولم أكن فكرت قط في أن أنفي كرامة الأولياء، أو أشك فيها، وإنما كنت أصدق ما يقص علي من أخبارها وأعاجيبها. وكثيرًا ما كنت ألتمس هذه الأخبار والأعاجيب؛ لأني أجد لذة في قراءتها والتحدث بها، والاستماع لها، ولكني كنت أنتظر أن أشهد منها واحدة، لا شكًّا ولا ريبًا، ولكن ليطمئن قلبي. وقد أذن اللَّه في أن يظهر لي أن أشهد هذه الكرامة، وأن يصبح إيماني بها قويًّا متينًا، كإيماني بأن شيخ الأزهر هو شيخ الأزهر!

    وكان شيخ الأزهر نفسه علة هذه الكرامة الجديدة، والباعث على ظهورها وإشراق نورها. فقد أمر منذ أسبوعين أن يصادر كتاب البغدادي غيرة على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وذودًا عن المذهب الرسمي للدولة في الفقه. فلم تكد تمضي على هذا الأمر وتنفيذه ليلة، وتتبعها ليلة، حتى غير الشيخ أمره تغييرًا، وبدل حكمه تبديلًا، وأذن بأن يذاع الكتاب، إلا ما كان منه نقدًا لأبي حنيفة رحمه اللَّه. ثم مضت أيام تبعتها أيام، وليالٍ تبعتها ليالٍ، وإذا نحن نسمع اليوم قومًا يهمسون، ولكنهم يؤكدون، أن الشيخ قد ألغى قضاءه إلغاءً، ومحا رأيه محوًا، وأذن في أن يذاع الكتاب كما تركه صاحبه، لا يصيبه مسخ ولا نسخ، ولا يحذف منه قليل ولا كثير. وقد خفت غيرة الشيخ على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وهدأت حدته في الذود عن المذهب الرسمي للدولة. فاكتفى بأن يتفق مع الناشر على طبع كتاب قديم، فيه دفاع عن الإمام الأعظم ومذهبه. ومن المحقق أن رجوع الشيخ عن مصادرة الكتاب كله، بعد أن أمر بها، وأذعنت لأمره إدارة الأمن العام، ثم رجوعه عن مسخ الكتاب وتشويهه بعد أن أمر به، وأذعن الناشر لأمره، وأذاعت إدارة الأمن العام هذا الأمر وهذا الإذعان في بلاغ رسمي، كل هذا من الظواهر الغريبة الخارقة كما جرت به العادة في الحكومات والمصالح الرسمية. ذلك أن الحكومة إذا أمرت، فليس من شأنها أن ترجع فيما أمرت به، حتى ولو تحققت أنها قد جارت عن القصد، وتجاوزت العدل فيما أصدرت من أمر؛ لأن هيبتها أعز عليها من العدل، وهي تحرص على خوف الناس منها أكثر مما تحرص على حبهم لها، وهي تقدر أن الرجوع عن الأمر بعد إصداره، يزعزع هيبتها في نفوس الناس، ويحملهم على أن يتساءلوا: أجادة هي أم هازلة؟ مستقلة هي في أحكامها وأعمالها، أم خاضعة ليد تحركها من وراء ستار؟

    غريب إذن أن يعدل الشيخ، وتعدل معه إدارة الأمن العام، عن مصادرة كتاب البغدادي كله أو بعضه. وقد اختلف الناس في تأويل هذه الظاهرة الغريبة. فأما الكُتَّاب والصحفيون الذين أنكروا على الشيخ والحكومة هذا الجور، فقد زعموا — وويل للناس من الغرور — أن أقلامهم قد استردت هيبتها القديمة، وسطوتها الماضية، وأصبحت تخيف الشيخ وغير الشيخ من رجال السياسة ورجال الدين. وزعموا — وويل الناس من الغرور — أن الشيخ وإدارة الأمن العام، قد فزعا لحملتهم، وأشفقا أن تتصل، فآثرا أن يُلغى هذا الأمر، ويربأا بأنفسهما عن نقد الناقدين، وخصومة المخاصمين.

    ولكن الكتاب يكتبون، ويكتبون وهم ينفذون أعمال الشيخ وأعمال الحكومة منذ سنتين دون أن يحفل بهم أحد، أو يلتفت إليهم إنسان. فليس الكتاب ولا الصحفيون إذن هم الذين غيروا رأي الشيخ، أو عدلوا بإدارة الأمن العام إلى قصد السبيل. قال آخرون: نعم، ولكن الحكومة قدرت، وقدر معها الشيخ، أن مصادرة الكتب العلمية تسيء سمعة مصر، وتسمها بالخزي والعار أمام الشرقيين والغربيين، الذين اشتركوا في هذا الكتاب، وانتظروا أن يصل إليهم كاملًا. وقد لا تحفل الحكومة، ولا شيخ الأزهر برأي المصريين فيهما، ولكنهما يحفلان جدًّا برأي الأجانب، ويحرصان جِدًّا على ألا يسوء فيهما هذا الرأي. ولكن الحكومة وشيخ الأزهر يأتيان من الأمر في شأن السياسة والدين أشياء كثيرة، يعرفها الأجانب ولا يرضون عنها، كثيرًا ما يتناولونها بالنقد، وكثيرًا ما يعبثون بها ويضحكون منها، وتمضي الحكومة، ويمضي الشيخ فيها مع ذلك، لا يحفلان بما يقول الأجانب أو ما يرون.

    قال آخرون: هذا كله حق، ولكن المشتركين في الكتاب من المصريين وغير المصريين، كانوا ينتظرون الكتاب كاملًا، فلما عرفوا أنه سيصل إليهم منقوصًا تأهَّب فريق منهم لمقاضاة الناشر والحكومة، وتأهب فريق آخرون لإكمال الكتاب، ومقاضاة الحكومة إن عرضت لهم بشر. ولكن متى أشفقت الحكومة، أو خافت من مثل هذا الموقف وحبل القضاء طويل، وقد تستقيل الوزارة قبل أن يفصل القضاء في الأمر. ليس شيء من هذه الأسباب إذن هو الذي عدل بالحكومة وشيخ الأزهر عن تحريم ما كانا حرماه من نشر شيء فيه نقد لأبي حنيفة رحمه اللَّه، وتعريض بالمذهب الرسمي للدولة في الفقه.

    قال جماعة من الشيوخ: إنما تختصمون في غير موضع للخصومة، وتختلفون في غير محل للاختلاف، وكل هذه الأسباب التي يزعمها بعضكم، وينكرها بعضكم الآخر لا تزن عند الشيخ الأكبر شيئًا. فهو لم يخف من الكتَّاب، ومن يكونوا الكتاب حتى يخافهم الشيخ؟ وهو لم يحسب حسابًا لشيء من هذه الأشياء التي ذكرتموها؛ لأنه أحرص على حرمة أبي حنيفة ومذهب الدولة من أن يخاف فيها لومة لائم مهما يكن. إنما هي كرامة. ولكن لمن؟ هنا اختلف الشيوخ وتفرقوا. فأما الحنفية منهم، فقالوا: كرامة للإمام الأعظم رحمه اللَّه؛ فقد كان رحب الصدر لخصومه، واسع العفو عن معارضيه، وكان يقول: اللهم من ضاق صدره بنا فإن في قلبنا له سعة. فلما رأى روحه الكريم غضبة الشيخ الأكبر، لم تعجبه ولم يرضَ عنها؛ فزار الشيخ في المنام، وأنذره لئن لم يعدل عن خطئه، ويخفف من حدته، ويترك للنقد حريته كاملة موفورة، ليلقين من اللَّه عز وجل شر ما يلقى المعتدون في الدنيا والآخرة. وقال الشافعية: بل هو الشافعي رحمه اللَّه تمثل للشيخ في حلم من أحلام الليل، وقال له: لقد روى الخطيب في كتابه ثنائي على أبي حنيفة، ألست ترى أنك تسيء إليَّ وإلى أبي حنيفة بمصادرة هذا الثناء. قال المالكية: وما نرى إلا أن مالكًا رحمه اللَّه قد قال للشيخ مثلما قال الشافعي، فقد روى الخطيب ثناء مالك على أبي حنيفة؛ كما روى ثناء الشافعي. قال الحنابلة: وروى الخطيب أيضًا ثناء أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه على أبي حنيفة، كما روى ثناء غيره من أئمة المسلمين، فما نرى إلا أنه قد لام الشيخ في المنام أيضًا.

    وكان في القوم رجل شيخ فيه وقار، ولكن فيه دعابة، فلما فرغ القوم مما كانوا فيه، ولم يتفقوا على مصدر هذه الكرامة، صفَّق بيديه تصفيقًا هينًا، واعتدل بعض الشيء، وابتسم عن يمينه، وضحك عن شماله، وهي عادته إن هم بأمر ذي بال. ثم قال للقوم: ألا أحدثكم أحدوثة كلها صدق، وهي على ذلك تزيل ما أنتم فيه من خلاف؟ قالوا: هات. قال الشيخ: كان — وما أكثر ما كان — في قديم الزمان، شيخ من الجان، يسمى القيحطان، له جبة وقفطان، وقلب ولسان، وعلم وإيمان، وكان معمرًا قد شهد العصور، وبلي الدهور؛ ورأى اختلاف الأجيال، وتنازع الملل، وتخاصم العلماء والفقهاء، منذ ظهر العلم والفقه، وكان يغشى مجالس أهل العلم، وأصحاب الفقه، ومجالس الحكماء والفلاسفة، ومجالس الشعراء والمتأدبين، وكان يحسن كل لغة، ويتقن كل فن، وكان يعي كل ما يسمع، ولكنه إذا خلا إلى نفسه نظر فيما وعى، فحفظ أحسنه ونفى سيئه. وقد ظل هذا الشيخ على هذه الحال حياته، حتى إذا كانت فتنة من الفتن، لقي فيها الصالحون من العلماء من ظلم الظالمين، وعسف المستبدين شرًّا كثيرًا، وظهر فيها الباطل، واستخفى فيها الحق، وعلت فيها كلمة الجهل، وسفلت فيها كلمة العلم، ضاق الشيخ بهذه الحال، وأقسم لينفقن ما بقي له من حياة في ترويع الظالمين للعلم، والمعتدين على العلماء حيثما كانوا. وأنتم تعلمون أن الجن يتمثلون في صور مختلفة، ويتشكلون في أشكال متباينة منها الحسن المغري، ومنها القبيح المخيف، فجعل هذا الشيخ كلَّما اعتدى على العلم معتدٍ أو ظلمه ظالم، لزمه حتى يعرف مزاجه، ويبلو طبعه، فإن كان ضعيف القلب، قصير العقل، طويل اللسان، لا ثقة له بنفسه، ولا اعتماد له عليها، ولا رأي له فيما يأتي من الأمر، إنما هو مسخر يؤمر فيأتمر، ويُنهى فينتهي. تصور له في أي شكل من هذه الأشكال التي تخيف ضعاف القلوب والعقول ثم أنذره وحذره، فما هي إلا أن يقصر الظالم عن ظلمه، وينصرف الباغي عن بغيه، وأنا زعيم لكم بأن القيحطان هذا، قد زار الشيخ في يقظة، أو زاره في حلم، وقد تشكل للشيخ في شكل من هذه الأشكال المزعجة المروعة، وقد عزم على الشيخ ليطلقن كتاب الخطيب من إساره، أو لينغصن عليه يقظته ونومه.

    ألم تعرفوا هذا القيحطان بعد؟ إنما هو حرية العلم، قد وجدت منذ عرف الإنسان التفكير ولن تموت وعلى الأرض إنسان يفكر. وقد عاهدت هذه الحرية نفسها على أن تحتال في صرف الظالمين للعلم عن ظلمهم، والمعتدين على العلم عن عدوانهم.

    وكذلك أجمع القوم على أن في الأمر كرامة أضافها بعضهم إلى الإنس، وأضافها بعضهم إلى الجن. أما أنا فمع أني أؤمن بالكرامات ولا أنفيها فأعتقد أن قد سُمع النداء، واستُجيب الدعاء، وتنزل الأمر إلى الشيخ، فأطلق لكتاب الخطيب حريته. لقد استجار العلم منذ أسبوعين بصاحب الجلالة المصرية حامي العلم وجاره من كل ضيم. وما كان للعلم أن يستجير بملك مصر ثم يلقى ضيمًا، ولو من شيخ الأزهر، ولو من وزير الداخلية.

    لم يحدثني أحد بما أقول، لكني لا أشك أنه قد كبر على حضرة صاحب الجلالة الملك أن يضام العلم، وتفتضح مصر، وهو الجالس على عرش النيل، فتفضل حفظه اللَّه فرد الأمر إلى نصابه، وردع الظالمين عن ظلمهم، وجعل الخطيب البغدادي حرًّا في القاهرة، كما كان حرًّا في بغداد.

    أما بعد، فإني أرى في رجوع الشيخ عن ظلمه لكتاب الخطيب فألًا حسنًا، وبشيرَ خيرٍ، فقد سقط الحجر الأول من هذا البناء المريب، الذي أقامه التحالف بين جماعة من رجال السياسة وجماعة من رجال الدين، والذي كان قوامه التحكم في الحرية على اختلاف أنواعها. ومتى سقط الحجر الأول فتسقط بعده أحجار. ومتى ردت إلى العلم حريته، فسترد إلى السياسة حريتها أيضًا.

    أما بعد، فإني أرجو أن ينتفع شيخ الأزهر وتنتفع معه الحكومة من هذا الدرس القاسي، فليس من الهين أن يقال: «قضى الشيخ وأمرت الحكومة ثم رجع الشيخ عن قضائه، وعدلت الحكومة عن أمرها.» ولو قد فكر الشيخ، ولو قد تروَّتِ الحكومة، لعرفا أن حرب العلم ليست كحرب السياسة، وأن خصومة العلماء ليست كخصومة الساسة، وأن القوة مهما تكن عنيفة غاشمة، لا تصلح سلاحًا لحرب العلم والعلماء. إنما يحارب العلم بالعلم. وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم بالعلم؟! إنما يحارب العلم جهرًا وصراحة، لا سرًّا ولا من وراء حجاب، وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم في وضح النهار. إنما يحارب العلم ليخلص حقه من باطله، ويبرأ صوابه من خطئه، لا لتهدر حريته، فليس إلى إهدار حريته من سبيل. وأنى لشيخ الأزهر أن يلتمس الحق، أو أن يلتمس الصواب؟! إني نذير لشيخ الأزهر إذا لم يكن له بد من أن يشتغل بالسياسة، ويؤيد رجال السياسة باسم الدين، ألا يفعل هذا على حساب العلم؛ فإن العلم أقوى جانبًا وأعز نفرًا من أن ينال منه الشيخ، وإن أيدته ألف حكومة كالحكومة المصرية. إن القيحطان حي ما عاش الإنسان، وإنه قادر على أن يروع الشيخ ويبغض إليه مصادرة الكتب. فليدع الشيخ خصومة العلم، وحرب العلماء، وليمضِ بعد ذلك إلى حيث شاء.

  • مصادرة

    حديث اليوم: مصادرة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٥ يوليو ١٩٣٢

    الحمد لله؛ فقد بلغ الشر أقصاه، وانتهت المحنة بهذا البلد وأهله إلى حيث لا يتأتى لها مزيد. وإذا بلغ الشر أقصاه، وإذا بلغت المحنة غايتها؛ فمن المُحقَّق أن أيامًا بيضًا ستتبع هذه الأيام السود، وأن أملًا مشرقًا سيمحو ظلمة اليأس، وأن هواءً طلقًا من الحرية سَيُنَفِّس عن المظلومين، والذين استُذلُّوا وليس لهم من ذنب إلا أن الله خلقهم ليكونوا أحرارًا، فصادفوا أفرادًا يجدون لذة في استذلال الناس.

    الحمد لله. ما كنت أُقدِّر أن بأس هذا العصر التي تتجشمه مصر سيتجاوز الأحياء إلى الأموات، وسينال القدماء بعد أن نال المحدثين، وسيتجاوز في هذا كل غاية حتى يصبح فضيحة وخزيًا لهذا البلد الذي كان الشرق يراه موئل الإسلام، وملجأ العلم، ومعقل العلماء، فأصبح الآن وإن أهله ليتأهَّبون لفراقه، وإن اللاجئين إليه ليُطردون منه، وإن الراغبين في زيارته ليتنكَّبون هذه الزيارة مخافة أن يُصيبهم ضيمٌ أو يَنالَهم أذًى؛ فقد أصبحت مصر لا تصلح مقامًا للأحرار.

    لقد أنفقت ساعة وساعة، وقرأت في كتاب وكتاب، ولهوت بصحيفة وصحيفة، وتحدثت إلى صديق وصديق، أريد أن أهدئ ثورة الغضب التي ملكتني صباح اليوم حتى أكتب مطمئنًّا مستقر النفس، ولكني لم أوفق ولم أبلغ من الهدوء واستقرار النفس ما بلغه رئيس الوزراء من هدوء الحال واستقرار النظام. لقد قرأ الناس جميعًا صباح اليوم أن الحكومة صادرت «تاريخ بغداد»؛ لأن في جزء من أجزائه، الذي لم يتم طبعه بعدُ، كلامًا عن أبي حنيفة لم يُرضِ الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

    قرأ الناس هذا في مصر وسيقرءونه غدًا في فلسطين والشام، وسيقرءونه بعد غد في العراق وبلاد العرب، وسيقرءونه في الهند، وسيقرءونه في أفريقية ثم في أوروبا وأمريكا، وسيوصم هذا الجبين المصري الذي كان إلى الآن وضاءً وضاحًا مشرقًا نقيًّا بميسم من الخزي والعار، وسيقال في أطراف الأرض وفي بيئات العلماء من الشرقيين والغربيين أن الحكومة المصرية في القرن العشرين تصادر كتابًا أعجب به المسلمون تسعة قرون، وتهالك المستشرقون على درسه وترجمته، وكان كل باحث عن التاريخ والعلم يتمنى لو ظفر به، فصادرته الحكومة وحملت نسخه في السيارات إلى وزارة الداخلية لتمزقه، أو لتحرقه، أو لتلقيه في النيل. صادرته لأن شيخ الجامع الأزهر لم يَرضَ عما قال صاحبه أو روى في أبي حنيفة. هذا كثير، هذا إسراف.

    إن الذين يعصفون بالحرية، ويستذلون الناس، ويهدرون حرية الرأي، ويطئون بأقدامهم كرامة العقل، هؤلاء الناس خليقون أن يذكروا كرامة الوطن، وأن يفكروا في أن هذا الذي يصنعونه بكتاب الخطيب البغدادي سيستخذي له المصريون جميعًا إذا لقوا أحدًا من علماء الشرق والغرب. فإذا هانت على سادة اليوم قيمة الحرية وحقوق الوطن؛ فليتقوا الله في سمعة الوطن، وليَرْبَئُوا بأبناء مصر عن أن يطأطئوا رءوسهم أمام أبناء الشام والعراق حياءً وخزيًا.

    ما ذا؟ أفهم أن تُقاوِم الأحزاب السياسية أحزابًا سياسية، وأفهم أن تسرف الأحزاب الحاكمة في مناهضة الأحزاب المعارضة، وأفهم أن يُعاقَب الكُتَّاب وأن تُوقف الصحف وأن تُغلق، وأن يُقصى الأساتذة عن كراسيهم في الجامعة، وأن تُصادر كتب المؤلفين الأحياء، وأن يُشهَّر بهم، وأن يجتمع لهم البرلمان. أفهم هذا كله؛ لأنه يعتمد على خصومة سياسية سيئة قوامها الانقياد للأهواء، والاندفاع في الانتقام، ولكنها خصومة سياسية على كل حال، يُمكن أن تفهم، ويُمكن أن تُعلل، ويُمكن بنوع خاص أن تُقاوم.

    ولكن الشيء الذي لا أستطيع أن أفهمه، ولا يستطيع إنسان له ضمير حي أن يفهمه، أو أن يُقرَّه، أو أن يصبر عليه، هو أن تصادر كتب العلم الخالص التي أصبحت كنزًا للعقل الإنساني كله؛ لأن شيخ الأزهر لم يرض عنها. وأين كان شيخ الأزهر من الغضب لأبي حنيفة وغير أبي حنيفة من علماء المسلمين؟ إن في كتب الأدب والتاريخ لكلامًا كثيرًا عن هؤلاء الأئمة، منه ما يَسرُّ ومنه ما يسوء.

    إن في كتاب الأغاني لشناعات تنسب إلى الأئمة، وإن فيه لأحاديث تتهم أبا حنيفة باللهو والقصف وشرب الخمر. إن في نهج البلاغة لسنًا قبيحًا لأعلام الصحابة والخلفاء الراشدين. فهل يريد شيخ الأزهر أن تُصادر هذه الكتب، وأن يَحرم الناس قراءة التاريخ والأدب لأنه لا يَرضى عنها؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تُصادَر كتب الشيعة لأن فيها تَعريضًا بأهل السُّنة؟ وأن تُصادر كتب أهل السنة لأن فيها تَعريضًا بأهل الشيعة؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تصادر كتب الفقهاء على اختلافهم؛ لأن الفقهاء يختصمون في الفقه ويتجنى بعضهم على بعض؟ أين يريد أن يذهب بنا شيخ الأزهر؟ وإلى أي حد تريد الحكومة أن تجاري شيخ الأزهر؟

    إن أمر الخطيب البغدادي لغريب: كان حنبليًّا فتحوَّل إلى مذهب الشافعي، فكرهته كثرة الحنابلة في بغداد، وأغريت به، وكادت له، واضطرته في وقت من الأوقات إلى أن يُهاجر من بغداد، ويفر إلى حيث يستظل بلواء الفاطميين، ولكنه لم يكد يبلغ دمشق حتى ائتمر الفاطميون به ليقتلوه؛ لأنه من أهل السنة، وليس من الشيعة، فخرج من المدينة خائفًا يترقب، ومضى هاربًا متنكرًا حتى انتهى إلى حلب، وهناك عرف أن الأمور قد صلحت في بغداد، فعاد إليها واسترد فيها مكانته العالية، ومات فيها يحيط به الإكبار والإجلال.

    وقع هذا كله في القرن الخامس للهجرة، وفي القرن الحادي عشر للمسيح؛ فانظر ماذا يقع الآن في القرن الرابع عشر للهجرة، وفي القرن العشرين للمسيح، وفي مدينة القاهرة ملجأ علم الإسلام والأدب العربي حين طاردهم الترك والتتار.

    شيخنا الأكبر — فيما أظن — شافعي المذهب، ولكنه يحب أبا حنيفة ويغضب له أكثر مما يحبه ويغضب له الحنفيون، وعلى رأسهم مفتي الديار المصرية. يحب أبا حنيفة ويغضب له فيضطهد في سبيله شافعيًّا مثله، ويأمر بمصادرة كتابه دون أن يستشير في ذلك علماء الحنفية، أو يسأل رئيسهم المفتي على أقل تقدير. ما ذا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُنظَّم هذا الظلم. إذا لم يكن بد من مصادرة كتب العلم؛ فلتوضع قواعد مضبوطة واضحة لهذه المصادرة، وليعرف الناس من أين يأتيهم الشر.

    ما ذا؟ لقد عدل البابا عن مصادرة الكتب، واكتفى منذ زمن طويل بتحريم الكتب التي لا ترضاها الكنيسة على المؤمنين. فهلَّا اكتفى شيخنا الأكبر بنهي المسلمين عن قراءة الكتب التي لا يرضى لهم قراءتها، فيقف بذلك عند حدود الله الذي كلفه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ليس غير. ما ذا؟ ما هذه السرعة الغريبة التي اصطنعتها الحكومة في تنفيذ هذا الأمر الأزهري الغريب؟ ليس للخطيب البغدادي سفير أمريكي أو فرنسي يحميه؛ فكتابه يصادر إذن في غير هوادة ولا رفق ولا أناة، بينما كُتب الجامعة الأمريكية تستمتع بالحرية والتنقل في أيدي القراء.

    مَن يُجير العلم؟ مَن يُجير العلماء؟ مَن يُجير كتب السلف من مثل هذا العدوان؟

    بأي حق يصادر هذا الكتاب وإن في المكاتب الأجنبية لكتبًا مِلْؤها الكفر والإلحاد، وإن فيها لتَراجِم للقرآن مِلْؤها الخطأ والتحريف، وإن فيها لكتبًا أُلِّفت لهدم الأديان ومهاجمة الإسلام خاصة؟ أفتقصر يد الشيخ والحكومة عن هذه الكتب ثم تمتد إلى كتاب البغدادي المسكين؟ بأي حق يصادر هذا الكتاب وتحظر قرءاته على أهل فلسطين والشام والعراق وغيرهم من المسلمين الذين لا يؤمنون لشيخ الأزهر، ولا يدينون لصدقي باشا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُظلَم المصريون وحدهم؛ لأن منهم شيخ الأزهر، ومنهم صدقي باشا، وليحظر عليهم شراء هذا الكتاب، وليُؤمر طابعه بأن لا يبيعه إلا من وراء الحدود لهذه المملكة المصرية الحرة.

    فأما أن يطغى شيخ الأزهر على المسلمين جميعًا وغير المسلمين، وأن يطغى صدقي باشا على المصريين جميعًا وغير المصريين، فشيء أقل ما يوصف به أنه بريء من الذوق. وهل قدَّر شيخ الأزهر، وقدَّرت معه الحكومة مقدار ما أنفق طابع هذا الكتاب من مال وقد أتم منه اثني عشر جزءًا أصغرها لا تقل صفحاته عن أربعمائة؟ وهل يرى شيخ الأزهر والحكومة أن من الإنصاف وإرضاء الله وأبي حنيفة أن يضيع على هذا الرجل جهده وماله في غير بحث ولا تحقيق؟

    وإذا لم يكن بد من أن تفرض علينا الكتب التي نقرؤها، والآراء التي نراها، فما بال شيخ الأزهر لا يتفق مع الحكومة على إصدار قانون يحرم على الناس أن يطبعوا كتابًا، أو ينشروا فصلًا حتى تأذن به سلطتنا الدينية الجديدة التي لا يعرفها الدين؟ هذا القانون إن أصدرته الحكومة يوفر على الناس جهودهم وأموالهم، ويصرف أهل الشرق والغرب عن أن يطبعوا كتبهم وكتب القدماء في مدينة القاهرة؛ حيث تسيطر إرادة الشيخ الأكبر على ما يُطبع وما لا يُطبع، وعلى ما يُقرأ وما لا يُقرأ.

    اللهم اشهد أن الأمر قد بلغ في مصر حدًّا لا يلائم كرامة الخُلُق، ولا كرامة العقل، ولا كرامة الوطن، ولا كرامة الإنسان؛ فليس من كرامة الخُلُق أن يسعى رجل أو رجال بناشر هذا الكتاب إلى شيخ الأزهر، وينقل إليه منه صحفًا يعلم أنها لا ترضيه فيأمر بمصادرة الكتاب، ويضيع على هذا الناشر وعلى شركائه ما أنفقوا من جهد ومال، وأمَّلوا من خدمة للعلم والعلماء. وليس من كرامة العقل أن يتحكم في ثمار العقل رجل مهما يكن عالمًا، ومهما يكن فيلسوفًا، ومهما يكن حكيمًا مستنيرًا، فكيف به إذا كان الشيخ الظواهري، ونحن نعلم من يكون الشيخ الظواهري، وما يكون إذا قيس إلى أقل تلاميذ البغدادي قدرًا، فضلًا عن الخطيب البغدادي نفسه؟

    كلا، ليس مما يلائم كرامة العقل أن يتحكم رجل وإن كان شيخ الأزهر، وأن يتحكم ألف رجل وإن كانوا شيوخًا لألف أزهر فيما ينتج العقل وما يقرأ الناس، وليس مما يلائم كرامة الوطن أن تصبح مصر خزي الشرق، وأن يقول العالِم للعالِم في دمشق، أو في بغداد، أو في باريس، أو في برلين، أو في لندرة: لا ترسل هذا الكتاب إلى مصر، ولا تنشر هذا الكتاب في مصر؛ فإن فيها إنسانًا رابضًا في غرفة من الغرف له لحية وعلى رأسه عمامة، يستطيع أن يأمر فتذعن لأمره حكومة دستورية تعلن في جنيف أنها تقوم على أساس الديمقراطية الحديثة. وهذا الإنسان الرابض ذو اللحية وذو العمة يستطيع أن يلغي كتابك إلغاءً، يستطيع أن يجعله نهبًا للنار، أو طعامًا لأسماك النيل السعيد. ألم تعلم أنه صادر تاريخ بغداد؟

    هل تعلم الحكومة أن أساتذة مستشرقين من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، بل من النرويج والدانمرك ينظرون إلى القاهرة على أنها مركز الحياة الأدبية والعلمية في الشرق، فينشرون فيها كتبًا كتاريخ بغداد فيها ما يرضي الشيخ، وفيها ما يغضبه؟ أفتريد الحكومة أن تُصادر هذه الكتب فتفضح مصر في أوروبا وأمريكا؟ أم تريد الحكومة أن تخلي هذه الكتب فتكيل للغرب بصاع وللشرق بصاع؟ وليس مما يلائم كرامة الإنسان أن تكون هذه الملايين من المستنيرين في الشرق والغرب لعبة في يد شيخ الأزهر يغذوها بما شاء من العلم، ويصرف عنها ما شاء من العلم دون أن يبحث أو يحقق — ماذا أقول — بل دون أن يقرأ.

    فلو قرأ شيخ الأزهر تاريخ بغداد منذ أخذ الناشرون يذيعونه على الناس لأمر بمصادرته منذ زمن بعيد، ولو عرف شيخ الأزهر أن الدولة تنشر بأموال المسلمين في دار الكتب المصرية كتبًا لا يقاس إليها تاريخ بغداد فيما تشتمل عليه مما يُغضِب الشيخ لتقدم إلى الحكومة في أن تكف عن نشر هذه الكتب، وفي أن تصادر ما نشر منها. الله! الله! هذه مصر في القرن العشرين تُنفَى منها كُتب العلم، وقد كانت في القرن الرابع عشر تلوذ بها كتب العلم. الله! الله! هذه مصر التي يظلها عرش محمد علي وأسرته يراد بها أن تكون بلد الجهل، ودار الظلم، وسجن العقل، وقد كانت مصر في أيام المماليك بلد العلم، وموطن العلماء! فيها كان يثمر الأدب والعلم والفن، وإليها كان يُهاجر ابن خلدون هاربًا من ظلم ملوك أفريقيا الشمالية.

    كل شيء ممكن في مصر: تتأخر حين يتقدم حولها كل بلد، وتشرق حين يكون العالم كله مظلمًا. بمن يستجير العلم؟ وإلى من يشكو؟ وعلى من يعتمد وقد فقد النصير والعون، وضاقت به مصر التي وسعته مرتين، وحفظته للعالم مرتين، وحمته من الجهل والجهال مرتين: مرة في عصر الإسكندر، وأخرى في عصر المماليك؟

    اللهم إن رضِيَ صدقي باشا وحكومته، ورضِيَ البرلمان لمصر بهذا الخزي والعار، فإن ابن إسماعيل، ووارث محمد علي، ومنشئ الجامعة، ومحيي الجمعية الجغرافية، ومنشئ المعاهد العلمية المختلفة أحرص على الكرامة المصرية من أن يرضى لها هذا الخزي والعار. إليه وحده يجب أن يلجأ العلم بعد أن فقد النصير والعون في مصر، وإليه وحده يجب أن يشكو الخطيب البغدادي من وزير الداخلية وشيخ الأزهر، وهو خليق أن يُنصف الخطيب البغدادي من شيخ الأزهر وإن كان الشيخ الظواهري، ومن وزير الداخلية وإن كان صدقي باشا.