بطر …!
طه حسين
جريدة الجمهورية
٧ أكتوبر ١٩٦١
منذ أعوام طوال، سمعت حديث الوحدة العربية، ولم أسمعه للمرة الأولى والثانية والثالثة إلا من السوريين. كانت الوحدة العربية حلمًا للسوريين حين كانت أرضهم وحياتهم ومنافعهم كلها في أيدي الفرنسيين، يتصرَّفُون فيها كيف شاءوا، ويعبثون بها كيف أحبُّوا. ولعلها كانت حلمًا للسوريين قبل ذلك حين كانت سورية خاضعة للترك العثمانيين، يدبِّرون أمرها، ويسومون أهلها سوء العذاب. ولعل السوريين كانوا يتعزَّوْنَ بهذا الحلم، من عسف الترك، ومن ظلم الفرنسيين. ولعلهم كانوا يرون في تحقيقه وسيلة يخرجون بها من محنهم القاسية، ويستردون بها شيئًا من حريتهم ومن كرامتهم ومن سيادتهم؛ لا في وطنهم السوري وحده، بل في الوطن العربي كله. وقد أوشك هذا الحلم أن يتحقق حين انتصر الحلفاء الغربيون على الترك، وحين أصبحت سورية دولة مستقلة. ولكن ذلك الاستقلال لم يكد يرى النور، حتى أطبقت عليه ظلمة الانتداب الفرنسي، وحتى مُزِّقَ الوطن السوري كل مُمَزَّقٍ في أيدي الفرنسيين، وقُسِّم إلى دويلات يعبث بها المنتدبون، يوجهونها إلى مصالحهم، فعاد ذلك الحلم يداعب نفوس السوريين. والناس جميعًا يعرفون كيف أبلى السوريون أحسن البلاء في مقاومة الظلم الفرنسي، وكيف ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل العودة إلى الاستقلال، وكيف أمنت قلوبهم ووثقت نفوسهم بأن هذا الاستقلال لن يكون غاية في نفسه إن أتيح لهم، ولكنه سيكون وسيلة إلى تحقيق استقلال آخر أوسع وأشمل وأكرم، وهو استقلال الوطن العربي كله، وتحقيق وحدة الأمة العربية بعد ذلك.
وكان السوريون في تلك الأيام يكرهون أن يسمعوا من عربي كلمة الأمة السورية، بل كانوا يُسرعون إلى إصلاح هذه الكلمة، فيقولون لمن ينطق بها: لا تقل هذا، فليست هناك أمة سورية أو أمة عراقية أو أمة مصرية، وإنما هناك أمة واحدة: هي الأمة العربية، وقل إن شئت: الشعب السوري والشعب والعراقي والشعب المصري، فليس بد من أن تتحد هذه الشعوب في العصر الحديث كما اتحدت في وقت مضى، وتصبح كلها أمة عربية كما كانت في وقت مضى.
وأذكر أني خاصمتهم كثيرًا في هذه الوحدة، وكنت أسألهم أين تكون العاصمة لهذه الوحدة؟! أتكون في المدينة كما كانت أيام الخلفاء الراشدين؟! أم تكون في دمشق كما كانت أيام الأمويين؟! أم تكون في بغداد كما كانت أيام العباسيين؟!
فكانوا يردون عليَّ في استخفاف أي استخفاف ويقولون: ليس هذا هو المهم، فالأهم هو أن تحقق الأمة العربية وحدتها، ولا بأس بأن تكون عاصمة هذه الوحدة حيث تريد أن تكون.
ثم لم يلبثوا أن اتهموني في صحفهم بالفرعونية أولًا وبالشعوبية بعد ذلك، ثم تجاوزوني إلى اتهام الكتاب المصريين كلهم أو أكثرهم بهذه الفرعونية التي كانوا يُبغضونها أشد البغض، وينكرونها أعظم الإنكار.
وكنت في سوريا سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف حين اجتمع مندوبون من البلاد العربية بمدينة الإسكندرية ليدرسوا إنشاء الجامعة العربية. ولست أنسى أنني خطبت في دمشق في العيد الألفي لأبي العلاء المعري، وتمنَّيت النجح لفكرة الجامعة العربية وللذين كانوا يحاولون تحقيقها، فضجَّت الجماهير الضخمة بالهتاف والتصفيق، وكان السيد شكري القوتلي — رئيس الجمهورية السورية حينئذ — يرأس ذلك الاجتماع، وقد ظلَّ الهتاف والتصفيق متصلًا حتى يئستُ أو كدت أيأس من إتمام الحديث عن أبي العلاء.
وفي تلك الأيام جعل السوريون يهنئونني بالعدول عن الفرعونية والميل إلى الوحدة العربية، لا في دمشق وحدها، ولكن في معرة النعمان، وفي حلب، وفي حماة.
كذلك كان السوريون أثناء الانتداب الفرنسي، فلما انتهى هذا الانتداب وأُتيح الاستقلال للسوريين، لم يشكوا في أن تحقيق الوحدة العربية الشاملة قد أصبح قريبًا من متناول اليد.
وما من شك في أن السوريين كانوا من السابقين إلى التفكير في الوحدة وإلى الدعوة إليها والجد في سبيلها، حتى اضطروا في يوم من الأيام أن يتعجَّلوا تحقيقها، وأن يُلِحُّوا في هذا التحقيق أشد الإلحاح وأقواه، وأن يسبقوا الظروف الملائمة لتتحقق هذه الوحدة دون أن تقوم العقبات في سبيل تحقيقها.
ثم أقبلوا إلى مصر ذات يوم وحاصروا رئيس جمهوريتها بالإلحاح والتشدد فيه، وكادوا يُحمِّلونه تبعات ما كانت تتعرض له سورية من الخطوب الجسام. كانت تركيا تناوشهم على الحدود الشمالية، وكان نوري السعيد يحلم بالهلال الخصيب، ويستعين بالإنجليز في تحقيقه. وكانت إسرائيل خطرًا داهمًا على الحدود من ناحية ثالثة.
وكان لسان حال السوريين يوشك أن يقول لرئيس الجمهورية في مصر ذلك البيت العربي القديم الذي سار مسير الأمثال:
فإن كنتُ مأكولًا فكن أنت أكليوإلا فأدركني ولما أمزقِ
ولم يكن رئيس الجمهورية يريد أن يأكل أحدًا، لم يكن يحب لوطنه أن يأكل أحدًا، وإنما كان رجلًا عربيًّا كريمًا لا يتردد في أن يسرع إلى معونة أي مواطن عربي آخر يحتاج إلى هذه المعونة ويطلبها.
وكذلك اضطر رئيس الجمهورية المصرية إلى أن يستجيب إلى هذه الدعوة السورية، وهو يعلم بأن هذه الاستجابة ستثير له مشاكل لا تُحصى وستعرضه لألوان من المشقة لا يقهرها إلا أولو العزم، وستحمِّله أعباءً لا ينهض بها إلا الذين يؤمنون بالحق والخير ويستجيبون للشهامة والمروءة والنجدة حين يدعون إليها.
وأذكر أني لقيت أحد وزرائنا بعد الاتفاق على هذه الوحدة، وقلت له: إن هذه الوحدة التي اتفقتم عليها قبل أوانها ستثير لكم ولنا مشكلات لسنا في حاجة إليها، وحسبنا ما يواجهنا في وطننا من المشكلات. فكان جوابه أن الرجل الكريم يُؤْثِرُ أن يبذل التضحيات مهما تثقل ومهما تكن فادحة، على أن يعرِّض أخاه للخطر.
وقد تمت الوحدة إذن وأقرَّها الشعب السوري بالإجماع، ولم يكن الشعب المصري أقلَّ منه إجماعًا على إقرار هذه الوحدة. وبدأت المشكلات وتتابعت، واحتمل رئيس الجمهورية وزملاؤه أثقالها وأعباءها ومتاعبها، لم يضنُّوا بشيء من جهدهم ولم يضنُّوا بشيء من المال. وليس من شك في أن الذي استفادته سورية من هذه الوحدة أعظم ألف مرة ومرة من الذي استفاده الشعب المصري منها في هذه الأعوام الثلاثة الماضية.
حُفظ الوطن السوري على أهله، وأمنت حدوده، وانقطعت مطامع الطامعين فيه، ويسرت الحياة للسوريين في بلادهم وفي بلادنا أيضًا، وأُتيحت للعمال والزراع مكاسب لا تكاد تقدر، وتحققت بينهم العدالة الاجتماعية إلى أقصى ما كان يمكن أن تتحقق في هذا الوقت القصير. ولكن الإنسان بَطِرٌ بطبعه، سريع إلى الجحود، سريع إلى كُفر النعمة، ومن أجل ذلك — لا من أجل شيء آخر — استجابت شرذمة من السوريين للاستعمار، وآثرت مصالحها الخاصة على مصالح الوطن السوري، بل على مصالح الوطن العربي كله.
آثرت أن تنعم وتُسرف في النعيم، وأن يشقى الشعب السوري ويغرق في الشقاء، وآثرت أن تحقق منافعها الجائرة وطغيانها الآثم، على أن تشرق آمال الوحدة والعزة والكرامة في نفوس العرب على اختلاف أوطانهم.
ووقف رئيس الجمهورية من هذه الخيانة ومن هذا الجحود ومن هذا الكفر بالنعمة، موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف الرجل الكريم النبيل؛ آثر سلامة الوطن السوري، وأبى أن يستجيب للعاطفة، وأبى أن يأخذ السوريين بأن يبروا بأيمانهم وعهودهم ومواثيقهم، وخلَّى بينهم وبين ضمائرهم، بل تجاوز هذا كله وطلب إلى السوريين ألا يسفك بعضهم دماء بعض، وأن يدَّخروا وحدة الوطن السوري للدفاع عنه حين تدهمه الخطوب. فعل هذا كله ولم يحل بين السوريين وبين أن يصنعوا بأنفسهم ما يشاءون، لم يتحفَّظ إلا تحفظًا واحدًا: وهو أنه لن يعترف بحكومة سورية إلا إذا أقرَّها الشعب السوري في استفتاء حر كريم.
والمصريون جميعًا يقفون موقف رئيس الجمهورية، ويسألون الله أن يسدد خُطى الشعب السوري، وأن يوجهه إلى منافعه الصحيحة، وأن يجعل مثله الأعلى دائمًا هو الحق والخير وعزة العرب، ويتمنَّون على الله عز وجل ألَّا تحق على القلة الجاحدة من إخواننا السوريين هذه الآية الكريمة من سورة النحل: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
Tag: Political betrayal
-
ابن الثورة
حديث الوادي
ابن الثورة. . .
وليس من المحتوم أن يكون ابناً باراً، فمن الأبناء من يؤثرون العقوق، ومن الأبناء من يدفعون إليه دفعاً، ويتورطون فيه تورطاً، ولكنهم على كل حال يقترفون إثمه الثقيل، يسيئون وكأن الناس ينتظرون منهم الإحسان، ويفسدون وكأن الناس ينتظرون منهم الإصلاح، ويخيبون الآمال وكانت الآمال فيهم بعيدة إلى غير مدى، واسعة إلى غير حد. وهؤلاء الأبناء الذين يقترفون الإثم أو يتورطون فيه، ليسوا مع الأسف الشديد قليلين بل هم كثيرون تشقى بهم الأمهات شقاءً مؤلماً ممضاً، ويضربون للناس أمثالاً سيئة أشد السوء، نافعة أعظم النفع. سيئة لأنها تغري الضعفاء وتستخف المتعجلين وتستهوي عشاق الوصول، ونافعة لأنها تعظ الأقوياء وتثير العبرة في قلوب الذين يريدون أن يعتبروا، وتقيم الأدلة للناس على أن نصر الله قريب، وعلى أن عدل الله أقرب من نصره، وعلى أن آخرة السوء سيئة مهما تكن الظروف، وعاقبة الخير خيرة مهما طال الانتظار.
وكان ابن الثورة الذي نريد أن نتحدث عنه شاباً حين أدركته الثورة فلم تكتشفه حتى ألهبت فيه؟؟؟ وأثارت نفسه إثارة، وجعلته كله حركة ونشاطاً وجعلت لسانه شعلة من نار، لا يتحرك إلا إلى الثورة، ولا ينطق إلا بالثورة ثم ما زالت به حتى أخرجته عن منثور الكلام إلى منظومه ونقلته من الخطابة إلى الشعر، أو جمعت له من الخطابة ومحاولة الشعر. ثم مضت الثورة في طريقها موفقة تقتحم ما يعترضها من العقبات، فائزة لا تخيفها الخطوب، ولا تثنيها المصاعب، ومضى هو مع الثورة تابعاً لها، متأثراً بها صائحاً حين تريد الثورة أن يصيح، خطيباً حين تريد الثورة أن يخطب، متكلفاً الشعر حين يخيل إليه أن الثورة تريده على الشعر، ثم أذن الله للثورة أن تفوز، وقضى الله لرجال الثورة أن يلو الحكم، وجعل الله أمر مصر إلى عظيم مصر فلم يكد جلالة الملك يعهد برئاسة الوزارة الشعبية الأولى إلى سعد حتى اختار بين زملائه وأعوانه الأستاذ نجيب أفندي الغرابلي المحامي. وابتهج الناس يومئذ لانتصار الديمقراطية، ووثق الناس يومئذ بالزعيم واختيار الزعيم، وسخط بعض الناس يومئذ على هذه الديمقراطية التي قلبت الأمور في مصر قلباً، وغيرت أوضاع الحكم تغييراً ورفعت إلى منصب الوزارة رجلاً كان يغنيه ويرضيه منصب من المناصب الوسطى، وذكر بعض الناس يومئذ شاعراً يونانياً قديماً كره انتصار الديمقراطية في مدينة فنفى نفسه من الأرض، ورثى عهد الأرستقراطية وذم عهد الديمقراطية في شعر جميل ما زال بعضه محفوظاً إلى الآن:
ثم ذكر بعض الناس هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة وما أصاب النبي وأصحابه من أذى، وما قضى الله بعد ذلك للإسلام من فوز وذكروا ما تحدث به بعض أصحاب النبي حين فتحت عليهم البلاد، من مصرع جماعة من المسلمين جدوا وجاهدوا وصبروا وصابروا، وغرسوا الشجرة المباركة ثم سقطوا في ميدان الجهاد قبل أن يصيبوا من ثمر هذه الشجرة شيئاً وبقاء جماعة آخرين أتيح لهم أن يعيشوا حتى يجنوا من ثمر الشجرة ألذه وأطيبه، وكان هؤلاء الناس يعدون نجيب الغرابلي بين الذين أتيح لهم الفوز، وقضي لهم أن يأكلوا من ثمر الشجرة هنيئاً مريئاً ثم حدثت الحوادث وعرضت الخطوب، وتلقى الرجل الحوادث مع أصحابه، وثبت الرجل للخطوب مع زعيمه وأصدقائه، ثم قيض الله سنداً له، وهو ينكر على الرجل؟؟؟ ولكنه لا ينكر عليه شيئاً كثيراً ومضى الرجل بعد وفاة الزعيم مجاهداً مع خليفة الزعيم، وفياً للثورة ورجال الثورة، وآمال الثورة أو مظهر من هذا الوفاء ما لا يثير في النفوس شكاً ولا ريباً. وشارك الرجل أصدقاءه في الحكم حين انتهى إليهم الحكم، وشاركهم في المحنة حين صبت عليهم المحنة، ثم عاد معهم إلى الحكم حين عادوا إليه. والظاهر من أمره في هذا كله واضح مستقيم، تؤكده الأيمان التي أقسمها، والعهود التي قطعها، والجهود التي بذلها.
ثم أصبح الناس ذات يوم وإذا ابن الثورة يعق الثورة، وإذا ربيب سعد ينكر سعداً، وإذا صديق مصطفى يخرج على مصطفى، وإذا هو يسئ حتى إلى قوم تضامنوا معه ونصروه فعرضوا أنفسهم من أجله للسخط، ووقفوا أنفسهم معه موقف الريبة، وصرفوا عن أنفسهم من أجله ما كانوا يستمتعون به من ثقة الناس وحب الشعب، وحملوا أنفسهم من أجله تبعات ثقالاً فأي تبعة أثقل من تبعة الفرقة والانقسام؟
جحد الرجل هذا كله وجعل الرجل هذا كله تحت قدمه ودبر أذنه، وجرى إلى المنصب حين دعي إلى المنصب، وخف إلى الحكم حين لوح له الإبراشي باشا بالحكم، ونظر الناس فإذا الغرابلي باشا وزير، وبحث الناس فإذا الغرابلي باشا كان يدبر أمره تدبيراً ويلتمس منصباً من مناصب الدولة عند الطاغية صدقي باشا، يبتغي إلى ذلك الوسيلة، ويوسط في ذلك الوسطاء ونظر الناس فإذا عهد الثورة قد قطع، وإذا الرجل قد حنث في أيمانه كلها، ومد يده إلى أعداء الثورة وإلى خصوم الدستور، وإلى محاربي الشعب، استغفر الله، بل عمل مع هؤلاء الناس وشاركهم فيما كانوا يقترفون من الآثام ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يعين عضواً في مجلس الشيوخ، ثم نظر الناس فإذا لسان الغرابلي باشا يستطيع أن يتحرك بيمين أخرى يقسمها ليكون للدستور الجديد مخلصاً وفياً، وإذا قلب الرجل وعقله وضميره مستعدة لتعقيد الأيمان، وتغيير الرأي وإنكار الماضي وجهل المستقبل والاستمتاع باللذة العاجلة في الساعة التي تمر. ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يحل ما كان يحرم، ويعرف ما كان ينكر، ويشترك في صب العذاب على الشعب البريء. ثم نظر الناس، فإذا الغرابلي باشا يشترك مع القيسي باشا في أخذ زعيمه القديم وأصدقائه القدماء بالعنف والبطش، يمنعهم من الانتقال إن أرادوا أن ينتقلوا، ويمنعهم من القول إن أرادوا أن يقولوا ومنعهم من الاستقالة إن أرادوا أن يستقيلوا ويسلط عليهم كل ما كان يشكو منه، حين كان لهم صديق، أو حين كان يظهر لهم المودة والوفاء.
ثم تمضي الأيام وينقضي العام وإذا الله قد تأذن بأن دولة الباطل قد زالت، وبأن سلطان الشر قد زال وبأن ليل الشياطين قد انجلى، وبأن الظالمين قد آن لهم أن يعودوا إلى حجورهم مدحورين. ثم ينظر الناس فإذا الوزراء قد هووا عن الحكم، وإذا الغرابلي باشا قد عاد إلى داره وتقطعت الأسباب بينه وبين الديوان وأصبح كما كان في الصيف الماضي، إلا أنه فقد أصدقاءه جميعاً، وفقد مودة الشعب وكسب لنفسه بغض الشعب أو قل إعراض الشعب عنه، وازدراء الشعب لأمثاله، وزهد الشعب فيهم وفيه.
أعاد إلى داره غنياً بعد فقر؟ ميسوراً بعد عسر؟ الله يعلم من هذا ما لا نعلم. ولكن الذي لا شك فيه أنه لم يعد إلى داره عزيزاً ولا كريماً ولا مستمتعاً بما يستمتع به الرجل العزيز الكريم من الثقة والحب والتأييد. سخط الناس عليه حين ولي الحكم، ولم يفكر فيه أحد حين أقصي عن الحكم، نسي نفسه فنسيه الناس، وأهمل نفسه فأهمله الناس، ذلك أن الثورة قد عادت تستأنف شأوها بعد أن انقطع، وتمضي أمامها بعد أن وقفت بها الطريق، ونظر رجال الثورة فإذا منهم متخلفون، منهم من حايد حياداً مدخولاً، ومنهم من حارب حرباً آثمة، ولكنهم نظروا فإذا طول المحنة واتصال الفتنة وظهور الحق وانخذال الباطل، كل ذلك قد ضم إليهم قوماً كانوا يخاصمونهم، ورد إليهم قوماً كانوا ينكرونهم، فقوي جند الثورة قوة لا حد لها وتغلغل حب الثورة في نفوس الشعب إلى غير حد، وعظم يقين الشعب بثورته، وحرص الشعب على أن ينتهي بها إلى غايتها الكريمة، وسقط في الطريق قوم زلت ببعضهم الأقدام وزلت ببعضهم الأخلاق، وقصرت ببعضهم الضمائر حتى عن الوفاء للأصدقاء.
إن في قصة هذا الابن من أبناء الثورة لعظة للشباب المصريين، يجب أن يتدبروها، وأن يفكروا فيها فيطيلوا التفكير، إنهم إن نظروا إلى تاريخ الغرابلي باشا وإلى قوته الأولى ثم ما أصابه من الضعف ثم ما أدركه من الانخذال، ثم ما يلقاه الآن من الجزاء، كانوا خليقين أن يكونوا رجالاً حقاً، وأن يعرفوا أن أشد الأشياء عداوة للإنسان إنما هي هذه النقمة العاجلة التي تفسد عليه أمره، وتضيع عليه ماضيه، وتحيل مستقبله حظاً قاتماً مملوءاً بالشبهات.
فليفكر الشباب في قصة الغرابلي باشا فقد ألقت الأيام عليهم بهذه القصة درساً ناقماً بليغاً خليقاً بالتفكير.
طه حسين
الوادي، ١٧ نوفمبر ١٩٣٤.