الناصريزم
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٠ أغسطس ١٩٥٧
هذه كلمة شائعة في غرب أوروبا وفي شمال أمريكا، ويكثر استعمالها في فرنسا خاصة، وعسى أن تكون هي التي ابتكرتها.
ففي الفرنسيين بقية من ذكاء، وفي لغتهم فضل من مرونة، وهم من أجل ذلك أبرع الناس في ابتكار الألفاظ، يسبق إلى ذهن كاتب من كُتَّابهم أو عالم من علمائهم أو رجل من رجال السياسة فيهم، فما أسرع ما يلتمس اللفظ الذي يؤدِّي به هذا المعنى، فإن لم يجده في اللغة التي تنطق بها الألسنة وتجري بها الأقلام ولا في المعاجم، ابتكر له من عند نفسه لفظًا يؤدِّي به ما يريد، وقَبِل الناس منه لفظه هذا في غير مشقة ولا مقاومة.
ولا أعرف أمة معاصرة تناظر الفرنسيين في تطويع لغتها لما تريد، إلا الأمة العربية التي ابتكرت ألوفًا من الألفاظ حين كانت حضارتها مزدهرة، وحين عرضت لها معانٍ كثيرة لم يكن للعرب بها عهدٌ من قبلُ. وما زال المثقفون الممتازون من العرب يبتكرون الألفاظ حين يحتاجون إليها، ولا يجدونها في أحاديث الناس ولا في بطون الكتب.
ومعنى هذه الكلمة التي ابتكرها الفرنسيون — في أكبر الظن — وأخذتها عنهم الأمم الغربية في أوروبا وأمريكا، وهو كل ما يدعو إليه ويجد في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية، بشرط أن يسبغ الفرنسيون وأضرابهم على هذا الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية لونًا يرونه في أعينهم وقلوبهم قاتمًا ويراه الشرقيون مشرقًا زاهيًا.
دلائل اللفظ اليسير
فمقاومة الاستعمار في مصر، ودعوة الأمم المغلوبة إلى مقاومته، والثبات أمام الأمم القوية الظالمة، ورفض ما تحاوله من التدخُّل السافر أو المنقب، واسترداد الحق من الغاصب له مهما يكن قويًّا غنيًّا، ورفض الانقياد لما يريده الأقوياء ويجمعون به بين حين وحين من ترهيب بالقوة والبأس والمقاطعة الاقتصادية، أو إغراء بالمال وما يشبه المال من كل ما تستجيب له النفوس الضعيفة والقلوب التي برِئت من الإيمان بالوطن والثقة بالنفس والاعتداد بالكرامة والاستمساك بحق الإنسان في الحياة الحرة المبرَّأة من كل خضوع أو خنوع.
كل هذا يدل عليه الفرنسيون وأضرابهم بهذا اللفظ اليسير القريب الواضح، وهو «ناصريزم». واللفظ كما ترى قد أُخِذَ من اسم رئيس الجمهورية، وأضيفت إليه هذه الحروف الأخيرة التي تُصطنع للدلالة على المذاهب والنظر والعقائد في العلوم والديانات والفلسفة. وكل هذا الذي يدعو إليه ويجدُّ في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية بغيضٌ بالطبع إلى الغرب الأوروبي والأمريكي؛ لأنه مقاومة لما في طبيعة الغرب للطموح دائمًا إلى الاستطالة والاستعلاء وبسط السلطان والاستئثار بالخير. وما دامت هذه الدعوة إلى التحرُّر بغيضة، فكل استجابة لها بغيضة أيضًا، وكل انتشار لها خطر يجب على الغرب أن يقاومه ويجِدَّ في محوه من الأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
كلمة أخرى
ولكن هناك كلمة أخرى لم يجدها الغرب بعدُ؛ لأنه لم يشعر إلى الآن بأنه مريض وبأن مرضه هذا جديد لم يُعرف من قبلُ ولم يدرسه الأطباء النفسيون، ولم يدرسه أصحاب التحليل النفسي الفردي أو الاجتماعي، وهذا اللفظ هو «الناصريت».
والذين يعرفون اللغات الأوروبية، يعرفون بالطبع أن هذه الحروف التي أُضيفت الآن إلى اسم رئيس الجمهورية، تدل عند الأطباء على أسماء الأدواء والعلل التي تصيب بعض أعضاء الجسم.
ونفوس الغربيين وساستهم خاصة مصابة بداء في هذه الأيام يأتيهم من رئيس الجمهورية المصرية، وهو بالطبع لم يُصِبْ أعضاءهم الظاهرة، وإنما أصاب أعضاءهم وملَكاتهم الباطنة؛ ففي قلوبهم مرضٌ هو بُغْضُ جمال عبد الناصر، وفي عقولهم مرضٌ هو اتهام جمال عبد الناصر بكل شَرٍّ يأتيهم من الأمم التي خضعت لسلطانهم حينًا ثم أخذت تثور به وتتمرد عليه في هذه الأيام.
فرئيس الجمهورية المصرية هو مصدر ما أصاب الإمبراطورية الفرنسية وما لا يزال يصيبهم إلى الآن، وهو مصدر ما أصاب الإنجليز في بعض مستعمراتهم البعيدة وما لا يزال يصيبهم في قبرص وفي عمان وفي البحرين وفي مواضع أخرى من الأرض كان الاستعمار البريطاني فيه مستقرًّا ثم أصبح قلقًا مضطربًا. وكل ما يحدث في العالم العربي الشرقي والغربي إنما يدور حول رئيس الجمهورية المصرية وما يصدر عنه أو يوجَّه إليه. فإذا انحرف الأردن عن الغرب، فتخلَّص من المعاهدة البريطانية، وحرر جيشه من قيادة الإنجليز؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا تشددت تونس أو مراكش في الانتصار للجزائر، أو غضبت تونس أو مراكش لاختطاف الزعماء الجزائريين؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا استمسك لبنان بما بينه وبين فرنسا وأمريكا من صلة؛ فهذا موجه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به غيظه والكيد له والتأليب عليه. وإذا مال الأردن إلى أمريكا وتأثَّر بإغرائها وقَبِل مالها وأفسد من أجل ذلك حياته الخاصة، فشرد بعض المواطنين وحبس بعضهم الآخر، وأقال حكم الشعب الأردني؛ فهذا موجَّه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به إساءته وإثارته وإشعاره بأنه ليس مسيطرًا على الأمم العربية كلها. وإذا حاول العراق في هذه الأيام تيسير الأمر بينه وبين مصر، فلم يُفسِد الإذاعة المصرية ولم يقاومها؛ فهذا كيدٌ من رئيس الجمهورية المصرية للبريطانيين والأمريكيين.
الكارثة الكبرى
ولا يحسب القارئ أني أغلو أو أتكثر، وإنما هي حقائق التفكير الغربي في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، كما تُصوِّره الصحف والمجلات وبعض الكتب التي تصدر في هذه البلاد.
والكارثة الكبرى عند الغربيين — وعليهم أيضًا — هي أن هذه الدعوة التي يدعو بها رئيس الجمهورية المصرية قد تجاوزت العالم العربي شرقه وغربه، واستجابت لها أمم أخرى في مؤتمر باندونج، وأصبحت لها كتلة تدعو بها في هيئة الأمم المتحدة، وهي كتلة الأمم الآسيوية الأفريقية.
ومعنى هذا كله أن رئيس الجمهورية المصرية قد أصبح علة تُنَغِّصُ على ساسة الغرب حياتهم أيقاظًا وأحلامهم نيامًا، وأشد أمم الغرب تأثُّرًا بهذه العلة هي الأمة الفرنسية التي أصاب ساستها وكثيرًا من كُتَّابها وأدبائها شيءٌ يشبه الحُمَّى. ولهذه الحُمى الناصرية في فرنسا أوقات تشتد فيها حتى تتجاوز الأربعين وأوقات أخرى تخِف فيها، ولكن حرارتها لا تصل إلى الطور الطبيعي في يوم من الأيام؛ فأعياد الثورة المصرية قد رفعت درجة الحرارة الناصرية في فرنسا إلى أقصاها، حتى أخرجت بعض الكُتَّاب الفرنسيين من أعضاء المجمع اللغوي عن أطوارهم، وانتهت بهم إلى شيء من الهذيان، كان أروع مظاهره في مقال نشرته جريدة الفيجارو للكاتب الفرنسي المعروف فرنسوا بونسيه، وهو رجل عُرِفَ بحدة الذكاء ونفوذ البصيرة وسعة الثقافة وعمقها.
الحمى الهاذية
كان سفيرًا لفرنسا في برلين أيام هتلر، وحين كان يهيئ للحرب العالمية الأخيرة. وما أعرف أحدًا برع في تصوير هتلر أثناء هدوئه وأثناء غضبه وأثناء ثورته كما برع فيه هذا الكاتب. وما أعرف أحدًا نصح لحكومته أحسن النصح وأخلصه كما فعل هذا الكاتب حين كان هتلر يتهيَّأ للحرب. ولكن هذا الكاتب اشترى — فيما يظهر — طائفة لا بأس بها من أسهم الشركة القديمة للقناة، وكانت هذه الأسهم — فيما يظهر أيضًا — تعود عليه في كل عام بمال كثير، فصدمه تأميم القناة في العام الماضي صدمة أذهلته، ولم يبرأ من ذهوله بعدُ.
وقد كتب في الأسبوع الماضي مقالًا نُشر في الفيجارو، وأشهد أنه مقال رائع حقًّا يصور الحمى الهاذية أروع الصورة وأبغضها إلى النفوس. ولست أدري أَقَرَأَ المصريون هذا المقال أم لم يقرأه، ولكني أؤكد أني لو كنت رئيسًا للتحرير في إحدى الصحف المصرية لترجمت هذا المقال؛ ليعرف المصريون كيف ترتفع حمى الناصرية في فرنسا حتى تبلغ بأصحابها أقصى حدود الخطرفة والهذيان.
بلاء التحرر
وهذه الحمى التي تأتي الفرنسيين من رئيس الجمهورية المصرية، لم تكد تهدأ حتى أخذت تصعد في هذه الأيام؛ ذلك أن هيئة الأمم المتحدة ستجتمع في الشهر المقبل، وأن الكتلة الآسيوية الأفريقية ستثير فيها مشكلة الجزائر، وأن أمريكا لا تُخفي ضيقها بعجز الفرنسيين عن حل هذه المشكلة. ومصدر هذا كله بالطبع رئيس الجمهورية المصرية؛ فهو المسئول الوحيد عند الفرنسيين — وعند غيرهم من أمم الغرب أيضًا — عن هذا البلاء العظيم الذي يُسمَّى التحرر، ويريد أن يرد إلى الأمم المغلوبة حقها الكامل في أن تحيا كما تشاء هي لا كما يشاء الأقوياء الأغنياء.
وهذه الكتلة الآسيوية الأفريقية قوية — فيما يظهر — وفيها كثير من المكر وكثير من الدهاء، فليس غريبًا أن يضع الفرنسيون أيديهم على صدورهم إشفاقًا من أن تنتصر هذه الكتلة في هيئة الأمم المتحدة؛ فتظفر بحكم الجزائر أو بحكمٍ على فرنسا، وهذه هي الكارثة التي لا يرى الفرنسيون كارثة أعظم منها خطرًا.
الداء ذو وجهين
وكذلك أصبح اسم رئيس الجمهورية يدل على مذهب بغيض في الغرب، ويدل في الوقت نفسه على علة مُفسِدة لتفكير الغرب وحكمه على كثير من الأشياء. والغربيون لا يشكُّون في أن رئيس الجمهورية المصرية يحاول أن ينشئ إمبراطورية عظيمة تجمع الأمة العربية كلها تحت لواء واحد. والفرنسيون لا يشكُّون في أن تأييد مصر للجزائر لا يُراد به وجه الله ولا وجه الجزائر؛ وإنما يُراد به وجه الإمبراطورية المصرية، ويُراد به أن تستأثر مصر بالجزائر من دون فرنسا. وما أعرف أن الهذيان يصل بالناس إلى مثل هذا الحد، ولكن هذا الذي نراه الآن في الغرب والذي لا يحققه المصريون؛ لأنهم لا يقرءون الصحف الأجنبية، ولأن صحفهم العربية لا تصوره لهم كما ينبغي، بل لعلها لا تعرفه؛ لأنها مشغولة عنه بأحداث العالم العربي.
أقول: إن هذا الداء الذي أصاب التفكير الغربي، والذي نراه في الصحف والمجلات والكتب شيءٌ ذو وجهين؛ أحدهما يَسُرُّ ويغر، والآخر يحزن ويسوء؛ فقد يسرُّ المصريين — وقد يَغرُّهم أيضًا — أن يعلموا أن الغرب مشغول بهم مبغض لهم مشفق منهم. ولكن حياة الأمم لا تقوم على السرور والغرور، وإنما تقوم على تقدير الأشياء كما ينبغي أن تُقَدَّرَ، وعلى العلم بحقائقها والانتفاع بما ينفع منها والاحتياط لما يكون منها ضارًّا أو معرضًا للخطر. وليس يضر مصر ولا يسوءُها أن تبغضها هذه الحكومة أو تلك من حكومات الغرب؛ فإن الحكومات تذهب وتجيء. وإنما الشر كل الشر والخطر كل الخطر هو أن يشيع بغض مصر والتنكُّر لها والاحتياط منها في أعماق الشعوب الغربية من كان منها مخاصمًا لنا ومن كان منها متحفظًا معنا.
يجب مقاومة السخف
فليس لمصر مصلحة مطلقًا في أن تفهمها الشعوب على غير حقيقتها وتظن بها الظنون. والمصريون قد يضحكون حين يُذكر لهم إنشاء هذه الإمبراطورية العربية الضخمة؛ يضحكون من هذا لأنه سُخف في نفسه، ولأن مصر التي بذلت ما بذلت من الجهد لتحقيق استقلال السودان ليست هي التي تحلم بإنشاء الإمبراطوريات في هذا الوقت الذي تنهار فيه إمبراطوريات عظمى. ولكن الواقع هو أن كثيرين جدًّا من أهل الغرب مؤمنون بهذه السخافة؛ فقد أفسدت السياسة تفكيرهم، فلم يُفَرِّقُوا بين الممكن وغير الممكن، وليس لنا بُدٌّ من أن نقاوم هذا السخف الشائع بنفس القوة وبنفس الحزم اللذين نقاوم بهما الاستعمار. وكم أحب أن تهتم لهذا الأمر وزارة الخارجية من ناحية، وإدارة الاستعلامات من ناحية ثانية، والصحافة والإذاعة من ناحية ثالثة. ولا بد من أن نصل إلى إشعار الشعوب الغربية بأن ساستها يُضلِّلونها ويكذبون عليها، وبأن مصر لا تطمع في شيء قريب من حدودها أو بعيد عنها، ولا تريد إلا أن تعيش عزيزة كريمة على نفسها وعلى الناس، وأن تعيش الأمم من حولها عيشة قوامها العزة والكرامة؛ فمصر لم تؤثِر نفسها بخير قط، وهي إذ طالبت بأن ترد الحقوق إلى أهلها في الجزائر وغيرها، فإنما تحب لإخوانها من الناس ما تحب لنفسها، مستجيبة بذلك لما فُطرت عليه من الإيثار ولما يدعو إليه القرآن والإنجيل.
Tag: Political Discourse
-
الناصريزم
-
خصام
حديث المساء: خصام
طه حسين
كوكب الشرق
٣١ مارس ١٩٣٤
خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.
فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.
وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.
والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.
هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.
إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!
ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.
ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.
إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.
أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون. -
قدوم …
حديث المساء: قدوم …
طه حسين
كوكب الشرق
١٧ فبراير ١٩٣٤
إذا أقبل مساء اليوم أقبل معه المندوب السامي على مصر، تشق به طيارته الجو المصري، ثم تهبط به طيارته على النيل العظيم، وفي هذه المرة لا يستقبله المصريون راضين أو كارهين، وفي هذه المرة لا ينظر المصريون إلى هذه المظاهر الفخمة الضخمة التي يُحَاطُ بها سفر المندوب السامي وتُحَاطُ بها عودته، والتي تؤذي شعور المصريين بالكرامة والعزة، وتؤذي آمالهم في الحرية والاستقلال، ولو أننا نستطيع أن نُحْسِنَ الظن بمندوب سامٍ؛ لشكرنا للمندوب السامي الجديد ارتحاله عن مصر طائرًا، ورجوعه إلى مصر طائرًا، وتجنبه هذه المظاهر التي كان يحبها غيره من المندوبين، ويرون فيها إعلاءً لكلمة الإنجليز، في بلد ليس من الضروري ولا من الحق أن تعلو كلمتهم فيه؛ ولقَدَّرْنَا أنه رجل رقيق الشعور، دقيق الذوق، يُؤلِمه أن يُحَاطَ قدوم الممثلين السياسيين على بلده بما يحاط به قدوم المندوبين السامين على مصر من هذه المظاهر الفخمة المؤذية؛ فهو يكره أن يألم المصريون لمثل ما يألم له الإنكليز إن وقع في بلادهم، مما يؤذي الكرامة والاستقلال.
ولكنَّا نعلم أن المندوب السامي الجديد، لم يُقَدِّرْ هذا في أكبر الظن، ولم يفكر فيه، ولم يخطر له أن يُجَنِّبَ المصريين ألمًا لا يرضاه لنفسه، وإنما هو رجل حديث، يعتقد أن المَدَنِيَّة لم تنشأ عبثًا، وأن الطيَّارات إنما اخترعت ليطير بها الناس، فهو يستخدم المدنية، ويُسَخِّرُ الطيارات لما سُخِّرَتْ له، ويُؤْثِرُ السرعة ولذتها ومنافعها على القطار والسفينة وبُطئِهما، وما يحيط بالسفر فيهما من مظاهر الإكبار والإجلال، وسواء أكان المندوب السامي قد ذكر المصريين، وأشفق عليهم من مظاهر الحفاوة هذه في سفره وعودته، أم لم يذكر إلا نفسه، وحاجته إلى السرعة؛ فإن من حقه علينا أن نعرف له هذا السفر الهادئ الوديع، الذي لم يكد يحسُّه أحد، وهذه العودة الهادئة الوديعة التي لم يكد يحسها أحد.
على أن من غير الإنصاف أن نقول: إن أحدًا لم يحسَّ سفر المندوب السامي إلى إنجلترا، وعودة المندوب السامي إلى مصر؛ فقد كان سفره الهادئ الوديع موضوع الأحاديث الطوال العراض التي لم تنقضِ بعد، وهذه عودته الهادئة الوديعة موضوع أحاديث طوال عراض يعلم الله وحده متى تنقضي، والسياسة وحدها هي التي ذهبت بجمال هذا الهدوء وهذه الوداعة، وماذا تنتظر من السياسة؟! فهي لا تدخل في شيء إلا وأفسدته وذهبت بجماله ونضرته، ولأمر ما نشأت بين المندوب السامي وبين الرجل الطيب أزمة، في تلك المدة القصيرة التي أقامها السير لامبسون في القاهرة، وزادها سفر السير لامبسون تعقيدًا؛ لأنه لم يَزُرْ رئيس الوزارة، أو أن رئيس الوزارة لم يزره؛ أو لأنهما لم يلتقيا بعد التقائهما بالمحطة، فكان هذا موضوع حديث له أول ولم يعرف آخره بعد؛ أيُّ الرجلين أخطأ، وأيُّ الرجلين أصاب؟ أيُّ الرجلين ينزل على ما يريد صاحبه، بعد أن يعود المندوب السامي إلى القاهرة؟ أيذهب رئيس الوزراء إلى قصر الدوبارة؟ أم يذهب المندوب السامي إلى دار الرياسة، أم يلتقيان في وسط الطريق، في حفلة من الحفلات، أو في مأدبة من المآدب، أو عند صديق من الأصدقاء؟
وأخذ الناس يقولون فيطيلون، وأخذ بعضهم يرد على بعض، والناس معذورون، فما دامت هذه القصة قد خَلَقَتْ أزمة اتصل فيها الحديث بين القاهرة ولندرة؛ فإن من حق الناس أن يخوضوا في هذه الأزمة؛ لأن الأزمات لم تُخْلَق عبثًا، وإنما خُلِقَتْ ليخوض فيها الناس، كما خُلِقَت الطيارات ليطير بها الناس، وكذلك لجَّ الناس في الحديث، ولجُّوا في المناقشة، وقال فريق منهم: إن الأزمة قد حُلَّتْ، وقال فريق منهم: إن الأزمة لم تُحَلَّ، وقال الذين يحبون العبث: إنها محلولة معقدة في وقت واحد، وما زال الناس يتحدثون حتى يتبيَّن لهم أين كان الخطأ وأين كان الصواب، وأي الرجلين ينزل عندما يريد صاحبه.
ثم إن المندوب السامي الجديد يَرِثُ مندوبًا ساميًا قديمًا، وقد تحدَّث الناس عن المندوب السامي القديم فأطالوا الحديث، تحدثوا عنه حين كان مقيمًا وتحدثوا عنه حين كان مسافرًا، وتحدثوا عنه حين كان ثابتًا، وتحدثوا عنه حين كان قَلِقًا في مركزه، وتحدثوا عنه بعد أن نُقِلَ؛ فمن الطبيعي أن يتحدثوا عن خليفته ووارثه، وهم يتحدثون بأن المندوبين السامين لم يُخْلَقُوا عبثًا، وإنما خُلِقُوا ليتحدث عنهم الناس من جهة، وليمثِّلوا بلادهم تمثيلًا ممتازًا في بعض البلاد الأجنبية من جهة أخرى، ولا يكون المندوب السامي الجديد مندوبًا ساميًا حقًّا إلا إذا حقق هذين الشرطين. أما تحقيق الشرط الثاني فشيء لا شك فيه، والسير لامبسون يعرف منه أكثر مما نعرف، وأما تحقيق الشرط الأول فشيء يمسنا نحن ويتصل بنا، ونستطيع أن نؤكد للمندوب السامي أننا سنحقِّق له هذا الشرط على أكمل وجه وأجمله، وقد بدأنا نحققه؛ فنحن نتحدث عنه، ونطيل الحديث، نتحدث عنه في الأندية، ونتحدث عنه في الصحف، ونتحدث عنه من جميع الأنحاء، التي يتحدث منها الناس عن الناس، وَصَفَتْ لنا الصحف الإنجليزية قامته؛ فنحن نتحدث عن قامته، ووصفت لنا الصحف الإنجليزية سيرته في الصين؛ فنحن نتحدث عن سيرته في الصين، ورأينا طرفًا يسيرًا جدًّا من سيرته في مصر؛ فنحن نتحدث عن هذا الطرف اليسير، ولكننا نتحدث بنوع خاص عن سيرته التي لم نَرَهَا؛ لأنها لم تكن بعد، نتحدث ونتبارى في الحديث، نتنبَّأ بما يريد، ونتنبَّأ بما سيفعل، ونُسرِف في التنبؤ، وإذا أحاديثنا عنه تشغل أنديتنا حين نسمر فيها شطرًا غير قصير من الليل؛ فليطمئن المندوب السامي من هذه الناحية؛ فهو يشغل الأندية، ويطلق الألسنة، ويُثِير في النفوس نشاطًا إلى التفكير، وفي العقول حاجة إلى الاستطلاع، وليس هذا كله بالشيء القليل، ومع ذلك فقد نحب أن لا يتخذ المندوب السامي لنفسه صورة مخطئة من أحاديث الناس وتفكيرهم، ومما يقصدون به إلى تلك الأحاديث وهذا التفكير، فقد يصور له بعض المصوريبن اشتغال الناس به على أنه اعتماد عليه، والتجاء إليه، وانتظار الفرج على يديه؛ فنحب أن يعلم المندوب السامي أن هذه الصورة إن قُدِّمَتْ إليه كانت خليقة أن لا يعجب بها، ولا يطمئن إليها، ولا يثق بما توحي به من الخواطر والمعاني؛ لأن هذه الصورة لا تطابق الأصل، ولا تمثل الحقيقة الواقعة، ولا تعطي فكرة صحيحة صادقة عن ما يشغل الناس من أمرها، فالكثرة المطلقة من المصريين تتحدث عن المندوب السامي؛ لأنها تحب الاستطلاع قبل كل شيء؛ ولأن حب الاستطلاع طبيعة لا يستطيع الناس مقاومتها.
ثم هي تشتغل بالمندوب السامي؛ لأنها تريد أن تعرف مذهب الإنجليز فيما بينهم وبين مصر من الصلات، ألا يزال هو هذا المذهب الذي اختاروه بعد انقطاع المفاوضات الأخيرة؛ فدفعهم إلى أن يُعِينُوا الظلم ويؤيدوه، بل إلى أن يُدْفَعُوا إليه، ويرغبوا فيه بهذا الحياد الذي انتحلوه انتحالًا، وتكلفوه تكلفًا، وخَدَعُوا به قومًا ليس إلى انخداعهم من سبيل، أم هو مذهب جديد؟ وإذا كان كذلك فماذا عسى أن يكون؟ أهو مذهب القوم الذين يحبون الإنصاف، ويُؤْثِرُون العافية ويرغبون في السلم؛ فيخلون بين المصريين وبين حقوقهم ومصالحهم، ويهيئون للمفاوضة الحرة الشريفة التي يُرْجَى أن تُرْضِي الفريقين المختصمين، أم هو مذهب القوم الأقوياء الذين تغرهم قوتهم، ويطغيهم بأسهم؛ فلا يحفلون بحق ولا عدل، ولا يقدرون وفاءً بعهد، ولا إنصافًا لمظلوم، وإنما يبسطون السلطان ما وجدوا إلى بسطه سبيلًا، ويتدخلون في أمور المصريين وإن لم يرضَ المصريون؟
ونظن أن أحدًا لا يستطيع أن ينكر على المصريين حقهم في أن يتحدثوا بهذا كله، وأن يتساءلوا عن هذا كله؛ فكل أمة في الأرض حرة في أن تحب الاستطلاع وتتحدث عن كبار الناس، وكل أمة في الأرض حرة في أن تسأل عما يراد بها لتلقى الخير بالخير، والشر بالشر، لتلقى الود بالود، والعداء بالعداء؛ فليس على المصريين بأس إذن من أن يتحدثوا ويطيلوا الحديث عن المندوب السامي الجديد؛ لأن المندوب السامي الجديد لم يُرْسَلْ إلى بلادهم ليستمتع فيها باعتدال الجو وصفائه، ولا بجمال النيل وما يقوم على شاطئيه، إنما أُرْسِلَ إلى مصر ليعمل في السياسة المصرية، التي تمسُّ حياة المصريين اليوم وتمس حياتهم غدًا، ولكن هذا الحديث الذي لا شك في أنه من حق المصريين لا يدل، ولا ينبغي أن يظن أنه يدل، على أن المصريين يعتمدون على المندوب السامي، أو ينتظرون الفرج على يديه.
إنما يدل — ويجب أن يُفْهَمَ أنه يدل — على أن المصريين يعرفون حقوقهم كأحسن ما يجب أن يعرف الناس حقوقهم، ويحرصون على هذه الحقوق كأحسن ما يحرص الناس على الحقوق، ويريدون لهذا أن لا يخدعوا عن شيء، وألا يُغْصَبَ منهم شيء، وأن لا تلهيهم المظاهر عن الحقائق.
وليس من شك في أن قومًا سيزعمون للمندوب السامي أن مِنَ الناس مَنْ يرجونه ويطمعون فيه، وينتظرون منه خيرًا كثيرًا، ويفكرون فيه إذا أصبحوا، ويفكرون فيه إذا أمسوا، ولكن من الخير للمندوب السامي أن لا ينخدع بما سيُنْقَلُ إليه من أمر هؤلاء الناس؛ فهم قليلون قليلون جدًّا، لا يعبرون عن رأي أحد غير أنفسهم، ولا يصورون آمال أحد غير أنفسهم، وهم قد خَدَعُوا كثيرين من الذين سبقوه، وخدعوا بذلك الحكومة الإنجليزية نفسها، خيَّلوا إلى الإنجليز أنهم شيء، فلما امتحنهم الإنجليز لم يجدوهم شيئًا، ولعل دكتاتورنا العظيم أوضح مثال لهؤلاء الناس؛ فهو قد خَيَّلَ إلى المندوب السامي القديم وخيَّل إلى الحكومة الإنجليزية أنه شيء عظيم، وأنه يستطيع أن يُتِمَّ ما عجز غيره عن إتمامه، فلما امتحنوه كان أمرهم معه كأمر المسافر الظمآن، الذي يطمعه السراب فيَجِدُّ في طلبه؛ حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه.
وكان انخداع الإنجليز بما خَيَّلَ إليهم دكتاتورنا العظيم مصدرَ شرٍّ عظيم للإنجليز وللمصريين وللدكتاتور العظيم نفسه: فأما الإنجليز ففقدوا مودة مصر فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأما المصريون ففقدوا حريتهم وضاعت عليهم منافع لا تُحْصَى، وسُفِكَتْ فيهم دماء، وأُزْهِقَتْ فيهم نفوس، وأَلَمَّتْ بهم مظالم تَسْتَخْذِي لها الحضارة الحديثة، وأما الدكتاتور ففقد حُبَّ مواطنيه وثقتهم وعطفهم، ثم فقد الحكم؛ فإذا هو يفقد حتى أقرب الناس إليه وألصقهم به، وأشدهم انتفاعًا بما جنى على بلاده من السيئات.
ويستطيع المندوب السامي ويستطيع الإنجليز أن ينظروا إلى صديقهم القديم ليروا أين هو من مصر وأين مصر منه، وهم قد نظروا بالفعل؛ فأبوا أن يفاوضوه، ثم أبوا أن يمضوا في نصره وتأييده حين كان أشدَّ الناس حاجةً إلى أن ينصروه ويؤيدوه؛ وإذن فقد يقال للمندوب السامي: إن بين المصريين قومًا ينتظرونه، ويطمعون فيه ويعرضون أنفسهم عليه، فليذكر المندوب السامي أن رجلًا كان ينتظر السير برسي لورين ويطمع فيه ويُطَمِّعُه في نفسه، فلما انخدع له السير برسي لورين، لم يُفِدْ منه لما بين مصر وإنجلترا من العلاقة شيئًا، إنما أضاع من أجله شيئًا كثيرًا، ونحب أن نؤكد للمندوب السامي أنه يريح نفسه من تعب كثير، ويقتصد لنفسه وللإنجليز جهدًا كثيرًا ووقتًا كثيرًا، إن نظر إلى المصريين على أنهم شعب راشد يعرف ما يريد، ويُقَدِّرُ ما يُرَادُ به، ولا يَرْضَى من الإنجليز ولا من غير الإنجليز إلا ما يلائم حقه وكرامته، وعزته القومية، فهو إن نظر إلى المصريين على هذا النحو؛ استطاع أن يفهمهم واستطاعوا أن يفهموه، وقد يمكنه ذلك من أن يُتِمَّ مع المصريين ما عجز عن إتمامه المندوبون السابقون، فأما إن سار سيرة السير برسي لورين؛ فسينتهي إلى ما انتهى إليه السير برسي لورين، وإن سار سيرة اللورد لويد أو اللورد كرومر؛ فسينتهي إلى ما انتهى إليه اللورد لويد أو اللورد كرومر.
وستظل مصر قائمة كما كانت، تطالب بالحق، وتحرص على الكرامة، وتجاهد في سبيل العزة، وتصبر على الظلم وتقاومه ما وجدت إلى هذه المقاومة سبيلًا، ولكن رضا مصر ومودتها وثقتها أمور لن تُكْتَسَبَ بقسوة ولا بظلم ولا بمكر ولا بخداع، إنما هي الصراحة والصراحة وحدها، الصراحة التي تقوم على احترام مصر، والاعتراف لها بأنها بلد كريم، هذه الصراحة وحدها هي التي تستطيع أن تريح الإنجليز من المصريين، وتريح المصريين من الإنجليز، وتحقق بين هذين الشعبين مودة من الخير لشعوب الشرق كلها أن تحقق.