حديث الوادي
حقائق…
يجب أن يعلمها الإنجليز المقيمون في مصر، وأن يعلمها معهم بعض المصريين الذين يبتغون إليهم الوسيلة ويلتمسون عندهم المعونة والتأييد، ويجب أن تعلمها الإجبشيان جازيت خاصة، لأنها تعرب عن أولئك وهؤلاء، ولأنها هي التي تدعونا إلى أن نقرر لها هذه الحقائق، بعد أن كتبت هذا المقال الظريف الرشيق الذي نشرته صباح أمس وترجمته عنها صحف أصدقائها الوزاريين.
حقائق ما نظن الإجبشيان جازيت تجهلها، وما نظن قراءها من الإنجليز وأولياءها من المصريين المساكين يجهلونها، لأننا نعيش في عصر لا تجهل فيه البديهيات، ولا تخفى فيه الأوليات على عامة الناس فضلاً عن المثقفين الذين يحررون الصحف، ويشتغلون بالسياسة، ويعالجون أمور الشعوب.
وأوضح هذه الحقائق وأشدها جلاءً أن حرية الرأي في كل شيء، وفي السياسة خاصة، إذا كان الإنجليز يقدسونها في بلادهم، ويرعون حرماتها حق الرعاية، ولا يستبيحون لأنفسهم أن يلغوها، أو يقيدوها، أو يحظروها على أحد من الإنجليز، ولا سيما حين يكون من المعارضين، فإن المصريين يقدسون حرية الرأي كما يقدسها الإنجليز، ويرونها حقاً لهم كما يراها الإنجليز، ويريدونها أن تكون في بلادهم جداً لا لعباً، وحقيقة واقعة لا كلاماً يكتب أو يقال. والمصريون يعلمون حق العلم أنهم بعيدون مع الأسف الشديد، عن أن يستمتعوا بهذا الحق المقدس، ولكنهم يصرون كل الإصرار على أن يظفروا به، وينتهوا إليه، ويكون حظهم منه كحظ الإنجليز سواء بسواء. وقد تظن الإجبشيان جازيت أن المصريين مغرورون حين يريدون أن يظفروا بما يستمتع به الإنجليز في بريطانيا العظمى، لأن المصريين لم يبلغوا من الحضارة مبلغ الإنجليز ولا بد لهم من أن يتواضعوا ومن أن ينتظروا. ولكن الإجبشيان جازيت خليقة أن تعلم أن التجارب السياسية في هذا العصر الحديث قد أقنعت الناس بأنهم جميعاً سواء، وعلمتهم أن ليس لأحد منهم فضل على آخر في الاستمتاع بالحقوق السياسية، وأن حقوق الشعوب، لا يمكن أن تقصر على طبقة دون طبقة، ولا على جماعة دون جماعة كما علمتهم أن الاستعمار وتسلط الشعوب القوية على الشعوب الضعيفة مرض بغيض يجب أن تقاومه الأمم ما وجدت إلى مقاومته سبيلاً. فالمصريون حراص على حرية الرأي، وعلى الاستمتاع الصحيح بها، ويجاهدون في ذلك ما وسعهم الجهاد، ويضحون في سبيل ذلك ما وسعتهم التضحية، ويحتملون في سبيل ذلك ما يمكن وما لا يمكن حتى لوم الإجبشيان جازيت واستهزاءها، وجرأتها على مصارحة المصريين، في بلاد المصريين بأنهم قوم يجب أن يؤخذوا بالقمع والإذلال، وإلا يطمعوا بما يستمتع به الإنجليز من الحرية والاستقلال.
لن يغير المصريون رأيهم في هذا، سواء أرضي الإنجليز أم سخطوا، سواء أقبل الإنجليز أم أبوا. ولن يتردد كل مصري مثقف، في أن يذيع هذا كله ويبثه في هذه الطبقات، التي تزدريها الإجبشيان جازيت، وتريد أن يترفع رئيس الوفد عن مخالطتها، وتبيح للوزارات أن تأثم في ذات الحرية لتظل هذه الطبقات جاهلة، غافلة، خاضعة لما يراد بها من الذلة والخنوع.
يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت وقراؤها من الإنجليز وأولياؤها من المصريين المساكين أن ما كان يمكن أن يقال في القرون الماضية لا يمكن أن يقال الآن. وأن الدعوة إلى تقسيم الشعب إلى طبقات بعضها محترم عزيز، وبعضها ممتهن ذليل، قد أنتجت في أوروبا، وفي بلاد الإنجليز أنفسهم، نتائج خطيرة، مروعة، لم ينسها التاريخ بعد، وما نظن أن الإنجليز يحبون أن تحدث في مصر، وأن يدفع إليها المصريون. وما نظن أن الإنجليز يجهلون أن الإلحاح في كتابة فصول كهذا الذي كتبته الإجبشيان جازيت أمس خليق أن يؤدي إلى هذه النتائج ويدفع إلى هذا الشر المستطير.
يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت وقراؤها من الإنجليز، وأولياؤها من المصريين البائسين أن من أعجب العجب ومن أشد الأمور نكراً، ومن الخزي الذي توصم به الحضارة الأوروبية الحديثة أن يعيش الأجانب في بلد كمصر فلا يحفظوا له حقاً، ولا يرعوا له كرامةً ولا يتحرجوا من أن يعلنوا فيه الدعوة إلى التفريق بين الطبقات، وإلى إيثار جماعة من أهله بالرعاية، وأخذ كثرته بالعنف، لا لشيءٍ إلا لأن هذه الكثرة ليست غنية، ولا موسرة ولا قادرة على ما يقدر عليه الآفاقون من هذه الحياة الناعمة السعيدة التي لا يصلون إليها إلا في هذه البلاد والتي ما كانوا ليحلموا بها لو عاشوا في بلادهم تلك، التي تقدس فيها الحرية، وتحترم فيها حقوق الشعوب.
يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت أن المصريين لن يرضوا أن تكون حياة الأجانب في بلادهم وسيلة إلى استبعادهم أو سبباً إلى إذلالهم، وإنما الذي يرضاه المصريون ويلحون فيه، ويعلمه المثقفون منهم لغير المثقفين، هو أن مصر يجب أن تكون للمصريين أولاً وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وأن الأجنبي طارئ على مصر، فإن استطاع أن يعيش فيها، ملائماً بين مصلحته ومصلحة الوطنيين فذاك، وإلا فأرض الله واسعة وبلاده أحق به، وأعطف عليه. والمصريون يعلمون حق العلم أن الأجانب يفرضون أنفسهم عليهم فرضاً، وأن الإنجليز يضحون بمصالحهم، في سبيل المصالح الأجنبية، وأن الإنجليز أقوياء، يملكون من وسائل القهر والعنف ما لا يملكه المصريون ولكن هذا كله لا يخيف المصريين، ولا يغير رأيهم في أن مصر يجب أن تكون لهم أولاً وفي أنه لا بد من أن يأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه الإجبشيان جازيت أن تكتب مثل ما كتبت، والذي لا تستطيع وزارة مهما تكن أن تسمح لها بمثل ما تسمح لها به الوزارة القائمة من إهانة المصريين في بلاد المصريين.
قد يكون هذا اليوم بعيداً، وقد يكون قريباً، ولكنه آتٍ من غير شك كما أن يوماً من الأيام قد أتى على انجلترا، فسمح للعمال بأن يتولوا الحكم وأن يستأثروا به أحياناً دون الطبقات الأرستقراطية العليا التي كانت تحتكره احتكاراً.
ثم يجب أن تعلم الإجبشيان جازيت أن رئيس الوفد لم يقتنع فيما يظهر بما يدعو إليه أصحاب المنافع العامة من الإنجليز من أن بين المصريين فروقاً، تجعل بعضهم أحق بزيارته من بعض، وإنما هو مقتنع بما يقتنع به الإنجليز في بلاد الإنجليز من أن أبناء الشعب كلهم سواء ومن أن فقراءهم أحق بالعناية من أغنيائهم ومن أن جهالهم أحق بالعناية من مثقفيهم، ومن أن رعاعهم أحق بالعناية من ممتازيهم، وعلى هذا فسيزور رئيس الوفد ما يشاء من الأقاليم والمدن والقرى، وسيسلك رئيس الوفد ما يشاء من الطرق، والشوارع، والحارات، وسينزل رئيس الوفد حيث يشاء من الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة وليس للشرطة، ولا للوزارة ولا لدار المندوب السامي، ولا للاجبشيان جازيت أن ترسم له خطته، أو تفرض عليه طريقاً أو تحظر عليه طريقاً أخرى. وإنما هذا حقه المقدس يستمتع به متى شاء، كما يشاء، فإن خلت القوة بينه وبين هذا الحق فذاك، وإن حالت القوة بينه وبين هذا الحق سجلت على نفسها الخوف والحرج والخذلان، وسجلت على سياسة الاستعمار خزياً لا يشرف، ونفاقاً لا يرفع الرؤوس.
أما بعد فإن الإنجليز أحرار في أن يحبوا الظلم ويؤيدوه ويدعوا إليه وينتفعوا به، ولكن من الحق عليهم أن يذكروا أن قوماً آخرين قد سبقوهم إلى أخذ مصر بالظلم، وحكمها بالقسوة والعنف، ولكنهم لم يبلغوا منها شيئاً، بل ذهبوا وظلت مصر باقية، والإنجليز أنفسهم قد أخذوا مصر بالعنف والقسوة أعواماً وأعواماً، وهم الآن يستطيعون أن يسألوا أنفسهم، ماذا جنوا؟ وهل بلغوا من إذلال مصر وإخضاعها ما يريدون؟…
طه حسين
الوادي، ٧ أغسطس ١٩٣٤.
Tag: political equality
-
مساواة
حديث الوادي
مساواة . . .
أجمل ما تشتمل عليه الرسالة البرقية التي أرسلها مكاتب التيمس إلى صحيفته، يتحدث فيها عن رحلة رئيس الوفد الأخيرة، نقده للرئيس لأنه لا يريد أن يتعاون مع أحزاب المعارضة الأخرى على قاعدة المساواة.
هذا النقد جميل حقاً وهو خليق بالإكبار والإعجاب وخليق بالتفكير فيه، والتفسير له، بنوع خاص، فرئيس الوفد رجل ظالم حقاً، يعترف له الإنجليز ويعترف له خصومه من المصريين بأنه زعيم الكثرة من الشعب وبأن التصريف المعقول لأمور الشعب من دونه أمر لا سبيل إليه، ثم يقول له الإنجليز ويقول له خصومه من المصريين ما بالك تظلم وتطغى، وتأبى أن تعمل مع غيرك، من الساسة على قاعدة المساواة؟ يؤمن الإنجليز والمصريون بأن الوفد صورة ديمقراطية صحيحة، للشعب المصري، وبأن الأحزاب الأخرى صور لأنواع من القلة، منها الصحيح، ومنها المتكلف المصنوع ثم يقول الإنجليز، ويقول بعض المصريين للوفد، ما بالك لا تتعاون مع هذه الأنواع من القلة الصحيحة أو المصنوعة، على قاعدة المساواة؟
ومعنى هذا بالضبط أن هؤلاء الإنجليز والمصريين يسلمون بأن الألف أكثر من العشرة، ولكنهم يتساءلون في الوقت نفسه ما بال الألف لا تساوي العشرة؟ يسلمون بأن هناك كثرة واضحة، بينة، وبأن إرادة هذه الكثرة واضحة بينة، ثم يتساءلون ما بال الكثرة لا تساوي القلة، وما بال إرادة الكثرة لا تتضاءل ولا تنزل عند إرادة القلة؟ يسلمون بأن هناك أوضاعاً طبيعية قد وجدت لأن الله أراد أن توجد، ثم يتساءلون ما بال هذه الأوضاع لا تقلب ولا تتغير، فيصبح الواحد مساوياً للاثنين، وتصبح العشرة مساوية للألف، وتصبح الكثرة مساوية للقلة؟ والغريب أن هؤلاء الإنجليز، والمصريين، حين يلقون على أنفسهم وعلى غيرهم هذه الأسئلة، لا يخطر لهم أن يجيبوا بأن هذه الأوضاع لا تتغير، لأن الله قد خلقها كذلك، وإذا أراد الله شيئاً فلا مرد له، وبأن الواحد لا يستطيع أن يساوي الاثنين، لأن طبيعة الأشياء أرادت وستزيد دائماً أن يكون الواحد نصف الاثنين، وبأن الكثرة لا تستطيع أن تساوي القلة، لأن الله قد فطر العقل الإنساني على أن يتصور التفاوت الطبيعي بين الكثير والقليل. لا يخطر لهم أن يجيبوا بهذه الأجوبة على تلك الأسئلة، مع أنها من بسائط الأشياء وأولياتها، ومع أنها لو ألقيت عليهم في حياتهم العادية الخاصة، أو في غير السياسة المصرية، من الأمور العامة، لما ترددوا في أن يهزوا الرؤوس، ويرفعوا الأكتاف ويسخروا من الذين يريدون أن يقلبوا أوضاع الطبيعة ويغيروا حقائق الأشياء ذلك أن هؤلاء الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن الأمور لا ينبغي أن تجرى على طبائعها في مصر، كما تجرى على طبائعها في غير مصر من البلاد، أما لأن اطراد الأمور على طبيعتها في مصر يقتضي أن يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تصبح الديمقراطية في مصر جداً لا لعباً، والحياة الدستورية في مصر حقاً لا خيالاً، وهذا شيء يكرهه الإنجليز، فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يسيغوه أو يطمئنوا إليه وأما لأن الأمور إن جرت على طبيعتها في مصر أصبحت أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته وآلت شؤون الحكم إلى رئيس الوفد وأصحابه دون الذين يناظرونهم ويناضلونهم من المصريين. وهؤلاء المصريون لا يستطيعون أن يطمئنوا في قرارة نفوسهم إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن يرضوا فيما بينهم وبين ضمائرهم بما قسم الله لهم من مكان القلة المعارضة، أمام الكثرة الحاكمة. فهم يرون أنفسهم أصحاب الذكاء، وهم يرون أنفسهم أصحاب الكفاية وهم يرون أنفسهم أقدر على الحكم، وأبرع في تصريف الأمور، وأجدر أن تلقى إليهم أزمة مصر.
وهم إذن يؤثرون أنفسهم على الحق، ويقدمون أنفسهم على الديمقراطية ويبغون طريقهم إلى الحكم عوجاً، يخيلون إلى الناس أنهم ديمقراطيون، وأنهم دعاة إلى الحياة الدستورية الصحيحة وهم في حقيقة الأمر أرستقراطيون، لا يدعون إلى حياة دستورية، وإنما يدعون إلى تحكم القلة في الكثرة.
هذا هو التعليل الصحيح فيما يظهر لهذا النقد الظريف الذي يسوقه الإنجليز وبعض المصريين إلى رئيس الوفد، وإلى أصحابه شيعته الوفديين، وظاهر أن هذا النقد إن فهم من الإنجليز لا يمكن أن يفهم من المصريين فالإنجليز مستعمرون، وهم بحكم موقفهم هذا لا يستطيعون أن يطمئنوا إلى حرية مصر، ولا أن يأمنوا استمتاعها بالحكم الديمقراطي الصحيح، ولا أن تطيب نفوسهم عن سيطرة الشعب على شؤونه واعتداد الشعب بنفسه، وإيمان الشعب بحقوقه، فكل هذا خطر على الاستعمار مضيق لسلطان الإنجليز، دافع بمصر إلى ما تريده صادق من الاستقلال الصحيح. فلا يستغرب من الإنجليز أن يضيقوا بالوفد ورئيس الوفد ولا أن يطلبوا من الكثرة أن تتضاءل حتى تساوي القلة، ولا أن يلجأوا إلى العنف والكيد، يبعدون بهما الكثرة عن الحكم إبعاداً إذا أبت أن تذعن لما يريدون.
كل هذا يفهم من الإنجليز، والمصريون يفهمونه حق الفهم، ويقاومونه حق المقاومة، ولكنه لا يفهم من المصريين لأنهم إن كانوا يريدون الاستقلال لبلادهم حقاً، ويحرصون على أن تكون بلادهم حرة حقاً، ويخلصون فيما يعلنون من أنهم دعاة الحرية وحماة الدستور، فهم يعلمون حق العلم أن طريق الاستقلال والحرية والدستور، إنما هي أن تكون أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته، وأن يكون الألف من المصريين أكثر من العشرة وأن يكون حق الألف أكثر من حق العشرة وهم يعلمون هذا حق العلم، لأنهم أصحاب الذكاء، وأصحاب الكفاية، والذين يجتمع لهم الذكاء والكفاية لا يجهلون البسائط، ولا يغفلون عن الأوليات. وإذن فما مطالبتهم للكثرة بأن تكون متساوية للقلة؟ وما إلحاحهم على زعيم الكثرة في أن ينزل عن حقوق هذه الكثرة لا لشيء إلا ليمكنهم من هذا الحكم الذي يريدونه ويلحون فيه ولا يستطيعون أن يتعزوا عنه، ولا يستطيعون أن ينهضوا وحدهم بأثقاله؟ خير من هذا، وأقرب إلى المعقول وأشد ملاءمة للذكاء أن يعلنوا أنهم لا يحبون الديمقراطية ولا يرضونها ولا يقبلونها نظاماً للحكم، وأنهم يفضلون حكم القلة على حكم الكثرة. فهم إن فعلوا لاءموا بين آرائهم وبين سيرتهم، ووافقوا بين أقوالهم وأعمالهم، وكانوا صادقين فيما يسرون وما يعلنون، وعرف المصريون كيف يخاصمونهم في الرأي، أو كيف يؤيدونهم فيه.
وأغرب من هذا كله أن يعترف الإنجليز بأن رئيس الوفد رجل شجاع، وبأن رئيس الوفد رجل نزيه، وبأن رئيس الوفد رجل ثابت على الرأي، لا يضطرب ولا ينهزم، ثم يطلبون إليه بعد ذلك أموراً لا تلائم الشجاعة ولا النزاهة ولا الثبات، فليس من الشجاعة أن يكون مصطفى النحاس زعيم الكثرة ثم يضحي بحقوق هذه الكثرة ليرضي الإنجليز أو ليرضي قلة من المصريين وليس من النزاهة أن يكون مصطفى النحاس أميناً على حقوق الشعب ثم يساوم في هذه الحقوق ليرضي الإنجليز وقلة من المصريين، وليس من الثبات على الرأي أن يكون مصطفى النحاس مقتنعاً بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى كثرة الشعب، ثم يعلم بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى قلة ضئيلة من أبناء الشعب ليرضي الإنجليز وفريقاً من المصريين.
هذا غريب قوامه التناقض والاضطراب وإيثار المنافع والاندفاع مع الأهواء، على أن المسألة ليست رضى الإنجليز ولا غضبهم، وليست رضى القلة أو غضبها، وإنما هي رضى الحق من جهة وتربية الخلق السياسي في الشعب من جهة أخرى، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم من جهة ثالثة بأن نهضة المصريين ليست لعباً ولا مزاحاً، فالحق يريد أن تكون أمور الشعب إلى كثرة في كل بلد ديمقراطي، وهذا رأي الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة رئيس الوفد التي لن يساوم فيها. وتربية الخلق السياسي تريد من الوفد ورئيسه إصراراً على حق الشعب وثباتاً فيه. وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يجادل فيها، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم بأن مصر لم تنهض لتلهو، وإنما نهضت لتجد حتى تظفر بالاستقلال، يريد من الوفد ورئيسه ألا توضع حقوق الشعب وآماله موضع الأخذ والرد ولا موضع البيع والشراء، وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه وخطة الرئيس التي لن يقبل فيها نزاعاً ولا حواراً، فإذا لم يكن بد من أخذ ورد، وإذا لم يكن بد من جدال ونزاع، فلترد إلى الشعب حقوقه قبل كل شيء ولنقم الديمقراطية في مصر على أساسها الصحيح المتين، ثم يمكن بعد ذلك أن يكون الأخذ والرد والنزاع والحوار بين الأحزاب في المسائل التفصيلية الثانوية التي تمس الحياة اليومية للناس، فأما الحقوق العليا للأمم فهي فوق المناقشة وفوق الجدال.
طه حسين
الوادي، ٥ أغسطس ١٩٣٤. -
يوم
حديث الوادي
يوم…
فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.
كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.
ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.
والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.
أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.
ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.
كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.
إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.
إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.
إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.
طه حسين
الوادي، 14 يوليو 1934.