Tag: political freedom

  • برنامج (١) …

    برنامج (١) …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٦

    ما عسى أن تكون هذه المصاعب التي تتصل بسياستنا الداخلية والتي أشار إليها المستر بيفن حتى حين تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الثلاثاء، وذكر أنها تَحُول دون الوصول إلى نتيجة للمفاوضات؟!

    لقد قِيلَ أمس إن المسئولين في وزارة الخارجية لا يريدون أن يفصلوا القول في تفسير هذه الإشارة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية إلى مجلس النواب البريطاني. ومن الطبيعي أن المسئولين في وزارة الخارجية لا يحبون هذا التفصيل، ولا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيه، فهم يقدِّرون قبل كل شيء أن رئيس الوزارة المصرية الذي ألقى نفسه عليهم إلقاءَ رجل ذكي فطن يكتفي بالتلميح عن التصريح، وبالإشارة عن العبارة، وبالإجمال عن التفصيل. وهم يعلمون ثانيًا أن للسياسة الخارجية لغتها الدولية التي تعتمد على الرمز والإيماء أكثر مما تعتمد على وضع النقط تحت الياء، وهم يعلمون ثالثًا أن المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية ليست من شئونهم، أو لا ينبغي أن تكون من شئونهم، فهم لا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيها؛ فيُسجَّل عليهم أنهم يريدون الاستقلال المصري، ويدخلون فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه، فليس غريبًا إذن أن يكتفي المستر بيفن بإشارته الموجزة.

    وليس غريبًا أن يأتي المسئولون في وزارة الخارجية تفصيل هذه الإشارة أو تفسيرها، وإنما الغريب إن أمكن أن يُستغرَب شيء من رئيس وزرائنا الغريب ألَّا يفهم صدقي باشا هذه الإشارة، وألَّا يندم على إلحاحه في النهوض بالمفاوضات على رغم هذه المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية، وألَّا يأخذه شيء من الاستحياء — وقد كدت أملي كلمة أشد وقعًا من هذه الكلمة — من أن نلقي هذه الإشارة إلى مجلس النواب البريطاني، يلقيها وزير الخارجية البريطانية.

    وصدقي باشا مقيم في لندرة قد ذهب إليها رافضًا لكل نصح، مُعْرِضًا عن كل مشورة، مُهْمِلًا لكل صعوبة، غير مقدِّر لما يمكن أن يُقال له في لندرة، أو لما يمكن أن يُقال عنه في لندرة.

    ولكننا لا نستغرب من صدقي باشا شيئًا، فصدقي باشا هو الذي قصد إليه الشاعر العربي القديم فيما يظهر حين قال:

    إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهوسكت عن ذكر العواقب جانباولم يستشِرْ في رأيه غيرَ نَفْسِهولم يرضَ إلَّا قائم السيف صاحبا
    وواضح جدًّا أن الشاعر العربي القديم لم يكن يفكر في رجل ينهض بأعباء السياسة الدولية، ويرأس حكومة مسئولة أمام البرلمان أولًا وأمام الشعب ثانيًا؛ لأنها تحكم في ظل النظام الديمقراطي كما يُقال، وإنما كان يفكر في نفسه من حيث هو فرد له حريته الكاملة في أن يغامر بمنافعه، وفي أن يقامر بحياته إن أراد، فهو يستطيع إذن ألَّا يفكر في العواقب وألَّا يستشير إلَّا نفسه، وأن يعتز بقائم السيف ليدافع به عن نفسه وعن رأيه متعرضًا لما تجر عليه صلابته هذه من الأخطار. فأمَّا الذين يرأسون الحكومات ويُؤتمَنون على مصائر الشعوب، ويسألون عن كل ما يقولون وكل ما يعملون، ويُحاسَبون على الخطأ إن أخطئوا، وعلى الإساءة إن أساءوا فهؤلاء يجب عليهم قبل كل شيء أن يفكروا في العواقب قبل أن يقولوا وقبل أن يعملوا، فإن لم يفعلوا فهم آثمون في ذات الوطن، وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يستشيروا أنفسهم وحدها في آرائهم، وإنما ينبغي أن يستشيروا غيرهم من هؤلاء الذين ألقى إليهم النظام الديمقراطي عبء الأمانة على مصالح الشعب من الشيوخ والنواب والوزراء وهيئة المفاوضين، وأن يصدعوا بأمرهم ويذعنوا لرأيهم أو يستقيلوا، فإن استبدوا من دونهم بالأمر واكتفوا باستشارة أنفسهم في آرائهم فهم آثمون في ذات الوطن. وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يعتمدوا على قائم السيف وحده، بل ألَّا يعتمدوا على قائم السيف إلَّا في تتبع الذين يفسدون في الأرض، ويعرِّضون أمن الناس للخطر، ويزهقون النفس ويسفكون الدماء بغير الحق.

    في تتبع هؤلاء وحدهم وفي دفع العدو المغير يمكن أن يعتمد رئيس الحكومة على قائم السيف في حدود القانون، ويأذن من القضاء والسلطات المختصة. فأمَّا في تدبير السياسة الداخلية والخارجية فقائم السيف لا قيمة له ولا عناء فيه، والذين يعتمدون على قائم السيف في هذه الأشياء يطغون ويأثمون في ذات الوطن، ومع ذلك فقد رأينا صدقي باشا يصل من المفاوضات ما كان يريد أن ينقطع ويجدد منها ما كان يريد أن يبلى، ويسافر إلى لندرة ليستبقي هذه المفاوضات غير حافل برأي الشعب ولا برأي البرلمان، ولا برأي زملائه المفاوضين، لا يذكر العواقب ولا يفكر فيها ولا يحفل بأثر هذه العواقب في حقوق مصر وفي سمعتها، قد استشار نفسه فأشارت عليه بالسفر فسافر، ولم يصطحب إلَّا قائم السيف فعطل الدراسة في معاهد التعليم كلها شهرًا، وحظر على المصريين أن يجتمعوا وأن يخطبوا، وسلَّ على الصحف سيفًا من الخوف؛ حتى لا نقول ما يفرض عليها النصح للوطن أن تقول!

    فلسنا مخطئين إذن حين نظن أن هذا الشعر العربي القديم كأنه قبل في رئيس وزرائنا هذا الذي يستبد بالرأي فيما لا يملك أن يستبد بالرأي فيه، هذا الذي يضع الشعب بأسره على الرف، ثم يصرِّف مصالحه وحقوقه وسمعته وكرامته كما يحب هو لا كما يحب هذا الشعب المغلول فلا يستطيع أن يتحرك، المكموم فلا يستطيع أن يتكلم، الذي سُلِّطت عليه ألوان الخوف، فلم يكد يستطيع أن يفكر.

    أي غرابة إذن في ألَّا يحفل صدقي باشا بما يمكن أن يقول له الإنجليز في لندرة، وبما يمكن أن يقول الإنجليز عنه في لندرة، وبهذه الإشارة التي ألقاها المستر بيفن إلى مجلس النواب البريطاني يوم الثلاثاء؟!

    وليس الذي يعنينا الآن أن يحفل صدقي باشا بهذه الإشارة أو لا يحفل بها، فقد استيأست مصر من صدقي باشا منذ وقت بعيد، وليس الذي يعنينا أن يفهم الإنجليز الذين تحدث إليهم المستر بيفن دقائق هذه الإشارة أو لا يفهمها؛ فمطالبنا واضحة، وموقفنا صريح، وكلمتنا حاسمة. والذين يحتاجون إلينا يجب عليهم أن يسلكوا الطريق التي تتيح لهم أن يسمعوا منا ويتحدثوا إلينا.

    ليس يعنينا إذن موقع هذه الإشارة من صدقي باشا أو من الإنجليز، وإنما الذي يعنينا موقعها من المصريين أنفسهم؛ فهم الذين يعنيهم أمر الحقوق المصرية، وهم الذين ينبغي أن تكون لهم الكلمة الأخيرة في كل ما يتصل بهذه الحقوق.

    وهذه الإشارة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هذا الشعب المصري الذي منعه صدقي باشا من أن يجتمع ومن أن يتكلم، ومن أن يستمتع بحريته السياسية كما تستمع بها الشعوب المتحضرة الديمقراطية. هذا الشعب المغلول المكموم المُضيَّق عليه في كل شيء قد استطاع أن ينتصر على صدقي باشا وعلى المستر بيفن، وعلى جميع الذين يريدون أن تُعْقَد بين بريطانيا العظمى ومصر معاهدة لا يرضاها المصريون ولا يشاركون في درس تفصيلاتها ودقائقها.

    فلو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري ويستمتع بثقته وتأييده لما ثارت هذه المصاعب الداخلية التي تَحُول دون انتهاء المفاوضات إلى غايتها، ولما احتاج المستر بيفن إلى أن يشير إليها في مجلس العموم.

    ولو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري تمثيلًا مقاربًا وينطق بلسان فريق محترم من هذا الشعب؛ لأُتِيحَ له وللمستر بيفن أن يطويا كشحًا عن هذه المصاعب إن ثارت، وأن يعتمدا على هذه القلة ذات الخطر؛ ليخفيا هذه المصاعب على الرأي العالمي العام، وليخدعا الشعب المصري عن نفسه وعن حقه، ويكرهاه على ما لا يريد. ولكن صدقي باشا لا يمثل الشعب ولا يمثل فريقًا من الشعب قل أو كثر، ولا يمثل حتى زملاءه الوزراء، ولا يمثل حتى زملاءه المفاوضين، وإنما يمثل نفسه ونفسه وحدها. ومن أجل هذا صارت المصاعب الداخلية، ومن أجل هذا أشفق وزير الخارجية البريطانية من المضي في المفاوضات إلى غايتها، ومن أجل هذا صرَّح وزير الخارجية البريطانية بإشفاقه هذا لمجلس النواب البريطاني.

    والمصريون يطلبون حقوقهم ولا يرضون حتى يظفروا بها كاملة. هذا حق، ولكن المصريين يأبون أن يتحكم فيهم فرد أو أفراد من المصريين أو من الإنجليز. وهم قد استطاعوا بإبائهم وثباتهم وإصرارهم على ألَّا يمنحوا ثقتهم إلَّا للذين يأمنونهم ويطمئنون إليهم. استطاعوا بهذا كله أن يمنعوا صدقي باشا من إمضاء المعاهدة التي لا تلائم حقَّهم ولا كرامتهم واستطاعوا بهذا كله أن يشعروا بريطانيا العظمى بأن المعاهدات لا قيمة لها إذا لم تقبلها الشعوب وإن قبلتها الحكومات، وليس هذا الفوز بالشيء القليل، هو فوز سلبي ما في ذلك شك، ولكنه فوز سلبي اليوم ليكون فوزًا إيجابيًّا غدًا.

    فليس على المصريين إلَّا أن يصمموا ويعزموا ويستمسكوا بهذه الكلمة التي لا يستمسك بها في مثل هذا الموقف إلَّا الشعب الكريم، وهي كلمة لا …

    يجب أن يسمع صدقي باشا هذه الكلمة غائبًا أو حاضرًا، نائمًا ومستيقظًا، راضيًا وساخطًا، ويجب أن يسمعها المستر بيفن مقيمًا في لندرة أو مسافرًا إلى نيويورك، ويجب أن يسمعها العالم كله على اختلاف مذاهبه في السياسة ونُظُم الحكم لا تريد مصر أن تفكر في معاهدة مع الإنجليز قبل أن يصبح الجلاء ووحدة وادي النيل حقيقة واقعة، ولا تريد مصر أن يُنطَق بلسانها أو يُتحدَّث باسمها في شئون سياستها الخارجية مع دولة من الدول مهما تكن إلَّا الذين يستمتعون بثقتها، وينهضون بأعباء الحكم فيها نتيجة لانتخاب حر لا يخضع للبطش والبأس، ولا يتعرض للتزييف والتزوير، ولا تريد مصر أن تصبح حقوقها موضوعًا للمساومة مهما يكن المساومون، ومهما تكن الظروف التي تدعو إلى هذه المساومة، ولا تريد مصر أن تغامر بمصالحها ومستقبلها، وتقامر بدماء أبنائها لخدمة دولة من الدول، سواء أكانت هذه الدولة في الشرق أم في الغرب. ولا تريد مصر أن تعقد مخالفات هنا أو هناك قبل أن تستكمل حقوقها، وتستمتع باستقلالها، وتستطيع أن تقول نعم أو لا عن إرادة ورضا لا يفرضهما الأجنبي بجيش الاحتلال ولا يفرضهما المصري بقائم السيف.

    يجب أن يكون البرنامج المصري في هذه الأيام حازمًا وحاسمًا وساطعًا قاطعًا وموجزًا كل الإيجاز، لا يجد أحد مشقة في فهمه، ولا يتكلف أحد جهدًا في النطق به، وإنما هو كلمة واحدة قصيرة كأقصر ما تكون الكلمات حازمة كأحزم ما تكون الألفاظ هي كلمة «لا» التي يجب أن تتردد بها جوانب الوادي من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يجب أن تكون «لا» هي شعار المصريين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

  • مواعيد

    مواعيد

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٣٠ أغسطس ١٩٤٥

    يجب أن يعترف المصريون بأن الله قد أتاح لهم في هذه الأيام سادة كرامًا يسودونهم بالرفق، وقادة عظامًا يقودونهم إلى المجد، وأطباء بارعين يطبُّون لنفوسهم وقلوبهم من هذه الأمراض الخطيرة التي تعرض للشعوب في أوقات الخطر والخوف والاضطراب. ونظرة يسيرة إلى ما يحدث من حولهم في أقطار العالم القريبة والبعيدة، تبيِّن لهم ذلك في وضوح، وتظهره لهم في جلاء.

    فالعالم كله خائف وهم آمنون، والعالم كله مضطرب وهم هادئون، والعالم كله متردد بين الجزع واليأس وهم مطمئنون، قد مُلئت قلوبهم ثقة، وفُتحت لهم أبواب من الأمل المشرق المضيء. وليس لهذا كله مصدر إلا أن سادتهم كرام يسودونهم بالرفق، وقادتهم عظام يقودونهم إلى المجد، وأطباءهم بارعون يردون عنهم أمراض النفوس والأجسام جميعًا.

    وقد عرف هؤلاء السادة الذين يحكموننا على خير ما تُحكم الشعوب، أن الأحكام العرفية مرض خطير ينهك الأجسام، ويفسد القلوب، ويضعف النفوس، وأن علاجه لا يكون بالأدوية العنيفة، وأن الإقلال منه لا ينبغي أن يأتي فجأة، ولا أن يلم دون تمهيد له متصل، وانتظار له طويل، وأن الخير كل الخير في أن يعالج هذا المرض الخطير شيئًا فشيئًا؛ يؤخذ الطب له باللين والرفق، ويكون السعي له بالأناة والمهل. ذلك أحرى أن يكون الدواء ناجعًا، والشفاء قاطعًا، واسترجاع الصحة والقوة مقطوعًا به، وذلك أحرى أن يأمن المريض النكسة، وينفذ من هذه العقابيل الخطرة التي توشك أن ترده إلى شر مما كان.

    وقد أحس سادتنا وقادتنا وأطباؤنا منذ أوائل هذا العام أن حمَّى الحرب قد أخذت تخف شيئًا فشيئًا، وأن مرض الأحكام العرفية يجب أن يخف شيئًا فشيئًا، فاصطنعوا في علاجنا رفقًا لا يشبهه رفق، واحتياطًا لا يعدله احتياط. عللونا بالوعود أول الأمر، وهم صادقون إذا قالوا، منجزون إذا وعدوا، وافون إذا عاهدوا؛ فصدقناهم واطمأننا إلى وعودهم وعهودهم. وأخذت الآمال تتراءى لنا من بعيد، تبسم لنا عن ثغور كأنها اللؤلؤ المنضود، وترمقنا بعيون كأنها السهام النافذة، ولكنها سهام الحب والرحمة والأمن والسلام. وجعلت قلوبنا تخفق لذلك رضًا وابتهاجًا، وجعلنا ننظر إلى هذه الآمال التي تتراءى وتتناءى، مشغوفين حراصًا عليها.

    وجعل سادتنا وقادتنا وأطباؤنا ينظرون إلينا من بعيد، يبسمون حين يرون ما تبعث الآمال في نفوسنا من الحياة، ويضحكون حين يرون ما تشيع الثقة فينا من الغرور، ويقول بعضهم لبعض: ألا ترى إلى هذا الشعب النحيل الضئيل العليل! إن الحياة قد أخذت تدب فيه قليلًا قليلًا، ولكنه أضعف من أن يحتملها إلا إذا تقدمت إليه بمقدار؛ فلنبالغ في الرفق به، والاحتياط له، ولنمنحه الحرية، قطرة قطرة، وقطرتين قطرتين، وقطرات قطرات؛ حتى نعوده الحرية بعد أن بعد عهده بها ونمرنه على القوة بعد أن طال فراقه لها، وكذلك عشنا على الوعود أيامًا وأيامًا، وأسابيع وأسابيع.

    ثم أحس قادتنا وأطباؤنا أننا أصبحنا قادرين على أن نحتمل القطرة الأولى من قطرات الحرية، فخففوا الرقابة على الصحف تخفيفًا يسيرًا ظاهرًا، وأقاموا ينظرون إلينا ويرقبون ما نأتي وما ندع. ثم قال بعضهم لبعض: يظهر أن المريض ما زال ضعيفًا لا يحتمل هذه القطرة التي قدمت إليه، فلنرده إلى الأمل، ولنداوه بالرجاء، ولنعلله بالوعود؛ مخافة أن ينتكس. وإذا الرقابة ترد كأعنف ما كانت أيام البأس، وإذا الآمال تعود فتتراءى للمريض باسمة، وتتناءى عنه معرضة، والمريض راضٍ بالأمل، قانع بالوعود، واثق بروح الله ورحمة الأطباء.

    ثم تضع الحرب أوزارها في أوروبا، وتسترد الشعوب حرياتها كاملة، ويعبث الغرور بنفس الشعب المصري المريض، فيظن أن حريته سترد إليه كما رُدَّت إلى غيره. ولكن سادته يعلمون من أمره ما لا يعلم، ويقدرون قوته على الاحتمال خيرًا مما يقدرها هو. فهم يمسكون الحرية على عنف، ويمنعونها من أن تسعى إلى هذا الشعب المريض؛ مخافة أن تقتله، وهم يمسكون الشعب على عنف مخافة أن يسعى إلى الحرية فيقتل نفسه. وهم يكتفون بأن يأذنوا للشعب وللحرية في شيء من تبادل اللحظ على بعد، ومن تبادل الإشارة في أناة وحذر وتحفظ؛ حتى إذا مر شهر وشهر وتبيَّن لسادتنا الكرام، وقادتنا العظام، وأطبائنا البارعين، أن تبادل اللحظ، وتقارب الإشارة، وطموح أحد العاشقين إلى صاحبه لا يؤذي ولا يُعرِّض لمكروه؛ قال بعضهم لبعض: نستطيع الآن أن نعيد إلى المريض قطرة الحرية تلك التي قطعناها عنه، ذلك أجدر أن يرضيه ويلهيه، وأحرى أن يريحنا ويريحه من هذا الصياح المزعج الطويل.

    وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان، كما يقبل الطبيب ذات يوم على المريض باسمًا متكلفًا إشراق الوجه، ورشاقة الحركة، وطلاقة اللسان. وقال رئيس الوزراء للبرلمان في مزاح يشبه الجد، وفي جد يشبه المزاح: لقد قررنا رد الحريات إلى الشعب فله أن يقول ويكتب، ويخطب ويجتمع وينتقل، ولكنه يحسن به أن يكون في هذا كله معتدلًا مقتصدًا رفيقًا بنفسه شفيقًا عليها. كما يقول الطبيب للمريض: أمَّا اليوم فقد جئتك بنبأ عظيم؛ سآذن لك في قليل من حساء، وفي شيء من حركة، وفي أن تجلس في سريرك، أو على مقربة منه ساعة من نهار، ولكن احذر أن تتجاوز الحد الذي رسمته لك، فتشق على نفسك، وتضطر إلى النكسة، ثم إلى ما كرهت من مرض طويل، وألم ثقيل ودواء بغيض.

    وقد فرح الشعب بجرعة الحرية التي أذن له بها رئيس الوزراء، كما يفرح المريض بقدح من الحساء الذي يأذن به الطبيب. ولكن رئيس الوزراء كان مازحًا يتكلف الجد، أو كان جادًّا يضمر المزاح، فلم يكد الشعب يذوق الحرية؛ حتى نطق وهمَّ أن يتحرك. وخاف رئيس الوزراء على الشعب حريته الضئيلة، وحركته اليسيرة، فنظر إليه مشفقًا عاطفًا رحيمًا، ثم أمر به فرد إلى حيث كان ينبغي أن يستقر؛ لأنه تبيَّن أنه لم يبلغ من القوة بعد ما يمكِّنه من الكلام في غير رقابة، فقامت النيابة مقام الرقابة. وليس المهم أن تستقر الرقابة في وزارة الداخلية، وهي ما زالت مستقرة فيها، وليس المهم أن يختلف الرقباء إلى دور الصحف وهم ما يزالون يختلفون إليها، وإنما المهم أن يعاقب المتكلم إذا تجاوز الحد المرسوم، وهو والحمد للَّه يعاقب على سعة، ويضايق في رخاء إن أمكن أن يجتمع الضيق والرخاء. فتحقيق في الضحى، وسجن في المساء، وإطلاق من السجن اليوم، وعودة إلى السجن غدًا، وحرية تُمنح على أن يرتهن في سبيلها هذا المقدار القليل أو الكثير من المال، وتفتيش لدور الصحف، وتفتيش في دور الصحفيين. كل ذلك لأن الشعب ما زال مريضًا، لم يسترد قوته بعد، ليستمتع بالحرية كما تستمتع بها الشعوب التي برئت من المرض، وتم لها الشفاء.

    والإقليم المصري معتدل فيما يقول الناس، يستمتع أهله بصحو الجو، وصفو السماء، وبهذا الليل الذي يخفف من قيظه، وبهذا البحر أو بهذين البحرين اللذين يجعلان الحياة فيه نعيمًا مقيمًا، كذلك يقول الناس إذا تحدثوا عن إقليم مصر، وكذلك يكتبون في الكتب، ولكنهم واهمون كل الوهم ما في ذلك شك، وآية ذلك هذا الشقاء الذي يتجرعه المصريون في هذا القيظ المهلك، وهذا الصيف الممض.

    وكذلك الحال بالقياس إلى الشعب المصري، يُقال: إنه صحيح قوي ذكي نشيط، وتقول الحقائق الواقعة: إن حظه من المرض أعظم من حظه من الصحة، وإن نصيبه من الضعف أضخم من نصيبه من القوة، وإن قسمته من الغفلة أكثر من قسمته من الذكاء، وإن ما اضطر إليه من الفتور أشد مما أتيح له من النشاط. فهو شعب خامد هامد، وخامل ذابل، لا يحتمل الخطوب حين تلم، ولم ينفذ من المشكلات حين تشتبك، وإنما ينظر إليها قائمًا واجمًا ساهمًا كأنما يتخبطه الشيطان من المس، وقد عرف سادتنا وقادتنا وأطباؤنا خصائص الإقليم المصري، وخصائص الذين ينعمون بالحياة في هذا الإقليم، فساسوهم كما ينبغي أن يساسوا بكثير من الرفق، وقادوهم كما ينبغي أن يقادوا في كثير من التمهل، وعالجوهم كما ينبغي أن يعالجوا في كثير من الاحتياط.

    فلا ينبغي أن ندهش إذا رأينا الأحكام العرفية تُلغى في أقطار الأرض كلها، وتبقى في مصر؛ لأن مصر لا تحسن الإسراع إلى الشفاء من مرض الأحكام العرفية، ولأن الشفاء لا يحب الإسراع إلى مصر، فمصر معتدلة تؤثر السيطرة على السرعة، وتكره العجلة؛ لأنها من الشيطان. ولا ينبغي أن ندهش إذا رأينا الإنجليز يضيقون بتلكؤنا وإبطائنا فيفاوضون حكومتنا في إنهاء الأحكام العرفية بالقياس إلى رعاياهم على الأقل، إذا كنَّا نحن نحب الأحكام العرفية ونحرص عليها! لا ينبغي أن ندهش لذلك؛ فالإنجليز يقيمون في إقليم بارد لا تأخذه الصحراء من الشرق والغرب، ولا تصب الشمس عليه حرَّها، كأنه ذوب الرصاص المصهور. بل لا ينبغي أن ندهش إذا رأينا السودان يسبقنا إلى إلغاء الرقابة على الصحف، ثم يسبقنا إلى إلغاء الرقابة على البريد، ثم يسبقنا إلى استئناف الحياة التي كان يحياها قبل الحرب! فالذين يشرفون على أمور السودان أعلم بشئونه وطاقته، وحسن استعداده للحرية منَّا نحن إخوانه المصريين. وحلفاؤنا الإنجليز الذين يدبرون أمر السودان سواء رضينا أم كرهنا، إنما يدبرونه بعقولهم، وطبائعهم الإنجليزية التي لا تتأثر بالإقليم الأفريقي، وإنما تتأثر بالإقليم البريطاني، والتي تعالج الأمراض على أصول الطب الإنجليزي، لا على أصول الطب المصري.

    مهما يكن من شيء فقد وضعت الحرب أوزارها في الشرق بعد أن وضعت أوزارها في الغرب، وردَّت الحرية إلى الشعوب، وأسرعت الشعوب إلى الحرية. وظل الشعب المصري مريضًا ينظر إلى سادته وقادته وأطبائه، ويقول بعضهم لبعض: أتظن أنه يستطيع أن يحتمل جرعة أخرى من الحرية؟! فيرد بعضهم على بعض: إن الأناة خير من العجلة، وإن الاحتياط خير من المغامرة. ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

    قدِّر لرجلك قبل الخطو موضعها فمن علا زلقا عن غرة زلجا

    يقول قائلهم: ولكن الإنجليز يطالبون بإعفاء رعاياهم من الأحكام العرفية، وما يستقيم لنا أن نعفيهم من دون المصريين. فيرد قائل آخر: سنعفيهم جميعًا، ولكن بعد أن نأخذ للأمر أهبته، ونعد له عدته. والغريب أنهم لم يأخذوا للأمر أهبته، ولم يعدوا له عدته في هذه الأشهر العشرة التي أنفقوها في الحكم، وإنما بدا لهم أن من الممكن اتخاذ الأهبة وإعداد العدة، بعد أن وضعت الحرب أوزارها في الشرق والغرب جميعًا، وبعد أن أُعفي السودان من الأحكام العرفية.

    والشعب المصري المريض يصيح ويصيح، ويملأ الجو صياحًا، ويكاد يؤرق ليل السادة والقادة والأطباء. ولا بد من أن يستريح سادتنا وقادتنا وأطباؤنا في الليل على الأقل؛ لأنهم يشقون في النهار بالأعمال الكبرى.

    لا بد إذن من أن يعلل الشعب لعل صياحه أن ينقطع، ولعل السادة أن يستريحوا. وما أيسر تعليل الشعب!

    نظرة أخرى من الحرية تُهدى إليه في كثير من الاحتياط، وقد فعل مجلس الوزراء فتفضل — وله الشكر كل الشكر، وعليه الثناء كل الثناء — فوقف الرقابة على البريد. ولا نقول ألغاها؛ لأنه لم يلغها كما أنه لم يلغِ الرقابة على الصحف، وإنما وقفها وقفًا يمكن الرجوع فيه إلى أن تُلغى الأحكام العرفية في شهر سبتمبر بعد عيد الفطر إن شاء الله. وشهر سبتمبر يمكن أن يحتمل إلغاء الأحكام العرفية في آخره وفي أوله وفي وسطه، ويمكن ألا يحتمل هذا الإلغاء، وأن يلقي حمله الثقيل على شهر أكتوبر، فلا بد من اتخاذ الأهبة، وإعداد العدة، والاحتياط لطوارئ التموين، وطوارئ غير التموين، ومن الممكن أن يستأنف المريض صياحه، ويؤرق السادة، والقادة، والأطباء، ولا بد لهم من أن يناموا بعد طول اليقظة، ومن أن يستريحوا بعد طول العناء.

    وإذن، فالدواء قريب يسير: كلمة تُقال فتستقيم الأمور، وتجري على خير ما يحب الحاكمون والمحكومون.

    أتذكر القصيدة التي قالها المتنبي منذ ألف عام، والتي استعرت مطلعها في حديث الأحد الماضي؟ يحسن أن تقرأ هذه القصيدة، فستجد فيها بيتًا وصف المتنبي فيه نفسه، وأؤكد لك أن المصريين المعاصرين لم يوصفوا قط بأصدق، ولا أروع، ولا أبعث للحزن والأسى من هذا البيت:

    أمسيت أروح مثرٍ خازنًا ويدًا أنا الغني وأموالي المواعيد

  • الديمقراطية المنتصرة

    الديمقراطية المنتصرة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٦ أغسطس ١٩٤٥

    يُقال إن الديمقراطية قد كسبت الحرب، وأدركت ما جاهدت في سبيله ستة أعوام من النصر المؤزر والفوز المبين، فمحقت الدكتاتورية في الشرق والغرب مَحْقًا، وسحقتها في أوروبا وآسيا سحقًا.

    والظاهر أن هذا كله صحيح؛ فقد استسلمت ألمانيا منذ ثلاثة أشهر، واستسلمت اليابان منذ يومين، وقد قُتِل موسوليني عظيم إيطاليا، ومثَّل به الإيطاليون تمثيلًا قبيحًا، وضاع هتلر فلم يقطع الناس في أمره بشيء، فهو تائه بين الحياة والموت، وبقي إمبراطور اليابان على أن يتلقى أوامر المنتصرين وينفذها في غير تردد ولا تلكؤ، وأصبحت كلمة الديمقراطية هي العليا في جميع أقطار الأرض، ولم يبقَ للدكتاتورية كلمة يمكن أن يُقال إنها أصبحت السفلى، بل خفت صوت الدكتاتورية خفوتًا تامًّا وانقطع انقطاعًا كاملًا، وجعلت الشعوب التي كانت حرة تتشوق إلى مزيد من الحرية، وجعلت الشعوب التي كانت مستعبدة تطمح إلى روح من الحرية يشيع فيها الحركة والنشاط، ويتيح لها الاستمتاع بالحياة في ظل الأمن والدعة والهدوء.

    فما عسى أن تكون هذه الديمقراطية التي انتصرت؟ وما عسى أن يكون فهمنا لها واستمتاعنا بها؟ وما عسى أن ننتظر من نتائج انتصارها المؤزر وفوزها المبين؟ وإلى أي حد نستطيع أن نقول ونحن صادقون فيما بيننا وبين أنفسنا — وفيما بيننا وبين الناس — إن مصر التي جاهدت مع المجاهدين لتنتصر الديمقراطية قد فازت مع الفائزين بما أُتِيحَ للديمقراطية من انتصار؟

    هذه أسئلة يلقيها المصري على نفسه إذا خلا إليها، ويلقيها بعض المصريين على بعض إذا التقوا وأخذوا في الحديث، وهم يستطيعون أن يجيبوا على بعض هذه الأسئلة، ولكنهم يعجزون العجز كله عن أن يجيبوا على بعضها الآخر. يستطيعون أن يجيبوا عن الأسئلة العامة التي لا تمسهم من قريب أو بعيد، فإذا اتصلت هذه الأسئلة بحياتهم أدركهم شيء من الحيرة والوجوم، فلم يعرفوا كيف يقولون أو أخذهم شيء من السخرية والعبث فاندفعوا في ضحك مر عريض، أو أخذهم شيء من الحزن والأسى وطرقوا صامتين يؤثرون الصمت على الكلام، ويودون لو آثروا الجهل على العلم، والغفلة على التنبه، ويودون بنوع خاص لو حُجِبَتْ عنهم حقائق الأشياء، فلم يروا ولم يسمعوا ولم يفهموا ما يرون ويسمعون ويفهمون.

    هم جميعًا يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يمكن الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، لا يحكمه غيره من الأجانب، ولا تحكمه قلة من أبنائه دون الكثرة، ولا تدبر حكومته أمره على غير ما يحب ويرضى، ولا توجه الحكم فيه لمصلحة الأجنبي دون المواطن، ولا لمصلحة القلة دون الكثرة، ولا لمصلحة الذين يريدون أن يستأثروا وحدهم بالخير والنعمة والرخاء، وأن يتركوا لغيرهم الشر والبؤس والضنك والشقاء. هم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي يضمن للشعب حريته وسيادته، بالقياس إلى الأجنبي مهما يكن، وبالقياس إلى المواطن مهما يكن. هي هذا النظام الذي يكفل للشعب حرية صادقة واستقلالًا صحيحًا في داخل الوطن وخارجه، وهم يعلمون أن الديمقراطية التي انتصرت هي هذا النظام الذي لا يكتفي بضمان الحرية الصادقة والاستقلال الصحيح في الداخل والخارج, وإنما يضمن معهما عدلًا اجتماعيًّا يعصم الناس من بأس الأقوياء كما يعصمهم من بؤس الحرمان، ويمحو من بينهم الأثرة والاستعلاء؛ أي يمحو من بينهم الاستبداد والامتياز. يجعلهم سواء أمام القانون، ويجعلهم متقاربين في الاستمتاع بالحياة الهادئة المطمئنة، متقاربين في القدرة على أن يصلحوا حياتهم ويرقوها ويرتفعوا بها من طور إلى طور، ويسعوا بها إلى الكمال المادي والمعنوي ما وجدوا إلى ذلك سبيلًا.

    هم يعلمون هذا كله حق العلم؛ لأنهم قرءوه في الكتب والصحف وسمعوه في الراديو. تحدث به إليهم الزعماء والقادة، وتحدث به إليهم الملوك أنفسهم، وهم يرون ذلك رأي العين. يرون بريطانيا العظمى وقد حوَّلت ثقتها عن زعيمها العظيم المستر تشرشل الذي قادها إلى النصر، ونفذ بها من أشد الخطوب نكرًا إلى خصمه المستر آتلي، لا لشيء إلَّا لأنها أشفقت من سياسة المحافظين، وخافت ألَّا تحقق هذه السياسة إلى جانب الحرية السياسية في الداخل والخارج. هذا العدل الاجتماعي الذي لا تتم الديمقراطية الحديثة إلَّا به.

    فالشعب البريطاني قد قال للعالم كله جهرة وفي غير تحفظ ولا التواء إنه يريد أن يحكم نفسه بنفسه لنفسه، وإنه قادر على تحقيق ما يريد. وقد افتتح برلمانه الجديد أمس، وأعلن ملكه العظيم فيما أعلن أن حكومته ستبذل ما تستطيع من جهد لِتُحقِّق للشعب البريطاني في أرضه، ولِتُحقِّق لشعوب الإمبراطورية أعظمَ حظٍّ ممكن من هذا العدل الاجتماعي الذي يقوم على النظام الاشتراكي الذي تؤمن به حكومة العمال، والذي أراد الشعب البريطاني أن يجرِّبه وأن يذوق ثمراته.

    والمصريون يرون ذلك ويقرءونه ويسمعونه، ويرون أن الشعوب الأوروبية الأخرى — سواء منها المنتصرة والمحررة والمغلوبة — تذهب كلها هذا المذهب، فتطمح إلى الحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وتحرص على العدل الاجتماعي، وتُضحِّي بكل شيء في سبيل هذا العدل وفي سبيل تلك الحرية. ففرنسا تسرع إلى اليسار، وليست إيطاليا وبلجيكا واليونان ويوجوسلافيا بأقل منها إسراعًا إلى اليسار. فأمَّا البلاد البلقانية الأخرى فقد اندفعت إلى اليسار اندفاعًا، ومن يدري أتقنع بالاشتراكية أم تياسر إلى أبعد منها؟

    وليس المهم أن يُسمَّى النظام ديمقراطية أو اشتراكية أو شيوعية، وإنما المهم أن يحقق النظام للشعب حرية سياسية صحيحة في الداخل والخارج، وعدلًا اجتماعيًّا صحيحًا يكفل للناس حياة كريمة، ويطهر قلوبهم من الحسد والحقد، ومن العداوة والبغضاء.

    إلى هذه المُثُل العليا يتجه العالم كله، وهو لا يتجه إليها بالقول وحده، وإنما يتجه إليها بالقول والعمل، ويخطو إليها خطوات حاسمة حازمة واسعة، لا تحتمل إبطاءً ولا تلكؤًا ولا ريثًا.

    والمصريون يرون هذا كله ويعلمونه كما يعلمون أخص ما يتصل بها من الشئون، فإذا سألتهم عن الديمقراطية المنتصرة ما هي؛ أجابوك على هذا السؤال في غير تردد ولا اختلاف، ولكنك حين تسألهم عن المقدار الذي يستمتعون به من هذه الديمقراطية المنتصرة؛ رأيت منهم الحزين المطرق واليائس والضاحك من اليأس، والذي يسمع منك السؤال ثم يعرض عنك؛ لأنه لا يريد أن يضيع الوقت فيما لا يغني ولا يفيد.

    ذلك لأنهم يعلمون جميعًا أنهم جاهدوا مع المجاهدين لتنتصر هذه الديمقراطية، وشاركوا فيما تكلفت الشعوب من عناء، وفيما احتملت من آلام وفيما قدمت من تضحيات، وكانوا يظنون أنهم سيشاركون فيما سينتهي الجهاد إليه من نصر، وفيما سيؤتي من ثمرات، ولكنهم نظروا فإذا الأمر كله كلام لا أكثر ولا أقل بالقياس إليهم. فالديمقراطية بمعناها السياسي التقليدي القديم — وهي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه — لم تُتَح لهم، وإنما رُدَّتْ عنهم أو رُدُّوا عنها.

    فليس من الحق أنهم ينعمون بالحرية السياسية الصحيحة في الداخل والخارج، وآية ذلك أنهم لا يستطيعون أن يقضوا وحدهم في كثير من شئونهم التي تمس السياسة والاقتصاد، وآية ذلك أنهم لا يستمتعون حتى بحريتهم الشخصية؛ فهم لا يكتبون كما يريدون أن يكتبوا، ولا يخطبون كما يحبون أن يخطبوا، ولا يجتمعون إذا أرادوا أن يجتمعوا، تمنعهم من ذلك كله الأحكام العرفية التي تتراءى لهم، قريبة منهم بعيدة عنهم، منغصة لحياتهم على كل حال، ويمنعهم من ذلك حكم لم يختاروه ولم يحبوه، يرفق بهم وإن لم يحبوا هذا الرفق، ويعطف عليهم هذا العطف.

    والناس يُدفَعون — رغم أنوفهم — للخير، ويُكرَهون على الرقي وعلى صلاح الحكم إكراهًا، وصلاح الحكم هذا معنى يختلف فيه الناس اختلافًا شديدًا، يقدره الأجنبي على غير ما يقدره الوطني، وتقدره القلة على غير ما تقدره الكثرة، والشيء المحقق هو أن ألسنة المصريين معقودة، وأقلامهم معقولة، وحقوقهم في الحرية السياسية محدودة بإرادة الحاكم العسكري العام، وبإرادة المسئولين عن شئون الحكم. أولئك الذين يرضون فتُيسَّر الأمور ويغضبون فتعسر الأمور. فكيف تريد المصريين على أن يعتقدوا أن لهم نصيبًا قليلًا أو كثيرًا من هذه الديمقراطية المنتصرة، وهم قد حُرِموا أيسر معانيها وأهون مظاهرها؟!

    فإذا سألتهم عن العدل الاجتماعي رفعوا أكتافهم وهزُّوا رءوسهم، وارتسمت على ثغورهم ابتسامات ساخرة في بعضها اليأس المهلك، وفي بعضها هذا الأمل الغامض الذي يفكر في الحياة الآخرة حيث أعد الله للصابرين أحسن الجزاء وأعظم الثواب.

    ذلك لأنهم ينظرون، فيرون امتيازًا آثمًا وحرمانًا آثمًا أيضًا، يرون قومًا ينفقون بغير حساب حتى يتبعهم الإنفاق، ولا يبلغون بعد ذلك لا أقول رءوس أموالهم، بل أقول أيسر ما تغل عليهم رءوس أموالهم، ويرون قومًا يجمعون الألوف إلى الألوف، والمئات إلى المئات، والقصور إلى القصور، والضِّياع إلى الضِّياع، ويبخلون مع ذلك حتى يعذبهم البخل عذابًا شديدًا.

    ويرون قومًا آخرين يجدون ويجهدون ويكدون ويكدحون، ثم ينظرون، فإذا هم وعيالهم لا يظفرون من ثمرات هذا الجد والجهد، وهذا الكد والكدح بما يقيم الأود ويكسو الجسم ويقيه شر العاديات.

    ويرون قومًا قد أصبحوا صائمين، وهم لا يدرون أيَصِلون صوم الليل بصوم النهار أم يجدون ما يقطعون به هذا الصوم؟

    يرون قومًا قد يُسِّر لهم كل شيء حتى كأن الدنيا قد خُلِقت لهم، ويرون قومًا قد عسر عليهم كل شيء حتى كأنهم خُلِقوا ليكونوا وقودًا لهذه النار المضطرمة التي تُسمَّى البؤس والحرمان.

    فأي غرابة في أن يرفع المصريون أكتافهم، ويهزوا رءوسهم، ويشيحوا بوجوههم إن سألتهم عن نصيبهم في الديمقراطية المنتصرة؟!

    كلا؛ ليس للمصريين من الديمقراطية المنتصرة نصيب قليل ولا كثير، إنما انتصرت الديمقراطية لغيرهم ولم تنتصر بالقياس إليهم، قد يذوقون ثمرة هذا النصر في يوم من الأيام، وسبيلهم إلى ذلك — فيما أظن — أن يترقبوا ليلة القدر؛ فإنها تأتي في رمضان من كل عام، وأن يضرعوا إلى الله في ليالي رمضان كلها مخلصين أن يتيح لهم نصيبًا من الديمقراطية المنتصرة.

    وأنا أوصيهم مخلصًا أن يبتهلوا بهذا الدعاء في ليالي رمضان كلها، لا يستثنون منها ليلة؛ فإنهم لا يدرون أيها ستكون ليلة القدر.

  • وإذن٢

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فماذا أصاب الأمن أمس؟ وماذا أصاب النظام؟ ولأي خطر تعرض سلم المصريين والأجانب حين كفت الوزارة شرطتها وجندها، عن الشعب فأظهر الشعب رأيه حرًّا، وأدّى الشعب واجبه كريمًا واستمتع الشعب بحقه، لا معتديًا، ولا متجنيًا، ولا محاولًا التجني أو الاعتداء. لقد كان الشعب أمس سيدًا في إقليم القليوبية، سيدًا كامل السيادة، لم يبسط عليه السلطان ظلمًا ولا بطشًا، ولم يعرض له السلطان بممانعة ولا مصادرة، فأظهرت نفس الشعب مكنونها، وانجلت نفس الشعب عن حقيقتها، وظهر ضمير الشعب صفوًا كله، ونقاء كله، وطهرًا كله، لا إثم فيه، ولا ميل إلى الإثم، لا عدوان فيه، ولا جنوح إلى العدوان، لا تمرد فيه، ولا طموح إلى التمرد. إنما هو الإيمان الصادق بالحق، واليقين الصادق بالواجب، والحرص الصادق على الكرامة، والوفاء الصادق للأوفياء. خصال كلها شرف ونبل، خصال كلها أمن وسلم، خصال كلها بر وخير. ففيم تحارب الوزارة هذه الخصال، وفيم تقاوم الوزارة هذه الخلال، وفيم تريد الوزارة أن تمنع هذا النور من أن يسطع، وأن تكف هذا الجلال عن أن يظهر، وأن تصد سيادة الشعب عن أن تبسط سلطانها على نفوس الشعب، وتظل بجناحها الرحيم الأمين أرض الوطن؟
    وإذن فما نفع الوزارة وما فائدتها في أن تحارب هذه الأخلاق الكريمة، وهذا الشعور النقي، وهذه الحرية الوضاءة الآمنة، وفي أن تكره هذا الشعب على أن يكون ذليلًا، وهو لم يخلق للذلة، وعلى أن يكون عبدًا وهو لم يخلق إلا ليكون حرًّا مستقلًا أبيًّا كريمًا.
    نعم وإذن نقولها مرة ومرة، ونعيدها اليوم وغدًا وبعد غد، وقد قلناها أمس وقلناها قبل أمس، سؤال نلقيه على أنفسنا، ونلقيه على الناس، ونلقيه على الطبيعة لو تجيب الطبيعة، فيم مقاومة الشعب، والشعب لا يرضى أن يذل. وفيم مصادرة الشعب والشعب لا يبتغي إلا الخير، وفيم محاربة الشعب، والشعب لا يريد بأحد شرًّا، ولا يرضى أن يريد به أحد شرًّا؟
    نعم، وإذن كلمة نقولها للقيسي باشا اليوم، وقد قلناها له أمس، وقلناها له ولغيره قبل أمس، فلم نظفر لها بجواب، وإنما هو الصمت الذي يحرج أصحابه، ويقيم عليه الحجة، ويثبت عليهم الإسراف فيما يقولون إن قالوا، وفيما يعملون إن عملوا، ويثبت عليهم العجز والانقطاع حين لا يقولون ولا يعملون.
    هذه عشرات الألوف قد اجتمعت أمس في مدينة بنها تشيع رجلًا كريمًا، مات وهو يؤدي واجبًا كريمًا. اجتمعت صادقة العزم خالصة النية، قادرة للواجب، مؤمنة بالحق، مقدسة للوطن، واثقة بالزعماء، فماذا أصاب مصر من اجتماعها؟ وماذا أصاب الأمن من احتشادها؟ وماذا مس النظام من التفافها حول زعمائها الأوفياء؟
    أسئلة نلقيها اليوم كما ألقيناها في كل فرصة، وستمر بآذان الوزراء اليوم كما مرت بآذانهم من قبل، فلا تدخلها ولا تصل إلى قلوبهم، لأن الوزراء لا يريدون أن يسمعوا لها، أو لا يستطيعون أن يسمعوا لها، هم في شغل بالحكم والسلطان، وباستبقاء الحكم والسلطان في أيديهم، فهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن يسمعوا لكلمة الحق، وهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن ينظروا إلى نور الحق، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يسمعوا، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يروا، لما ثبتت أقدامهم حيث تثبت ولما استقرت أجسامهم حيث تستقر الآن من كراسي الحكم ولآثروا راضين أو كارهين، أن يعودوا إلى دورهم، فيستمتعوا فيها بما ينبغي لمثلهم أن يستمتع به، من الراحة والهدوء والعناية بالحياة الخاصة والانصراف عن الحياة العامة والإعراض عن تصريف الأمور لأنهم لم يهيأوا لتصريف الأمور. إنما يصرف أمور الشعب من يحبه الشعب، إنما يدير منافع الشعب من يثق به الشعب، إنما يؤتمن على حقوق الشعب من لا يضيع حقوق الشعب، ولا يصادر حريته، ولا يحاول إكراهه على الذلة، ولا إخضاعه للبطش، إنما يقوم على حكم الشعب من إذا قال سمع له الشعب في غير خوف، ومن إذا عمل اقتدى به الشعب في غير إكراه، ومن إذا أقبل احتشد له الشعب في غير دعاء، ومن إذا انصرف شيعه الشعب، في غير طاعة للعصي، ولا خوف من السوط. نعم وإذن، فما حجة الوزارة فيما تصب على الناس من العذاب، حين يريدون أن يستقبلوا رئيس الوفد أو يودعوه، وما حجة الوزارة فيما تهدر من حقوق الناس وحرياتهم وكراماتهم حين يريدون أن يظهروا لرئيس الوفد أنهم يوفون بالعهد ولا يحنثون في الإيمان ولا يفرطون في الحق، ولا يقصرون في أداء الواجب، ولا يبيعون الوطن بثمن قليل، ها هم هؤلاء قد استقبلوا رئيس الوفد أمس
    عشرات من الألوف، فقالوا ما كانوا يريدون أن يقولوا، وأدوا ما كانوا يريدون أن يؤدوا، وانصرفوا موفورين لم يسفكوا دمًا، ولم يقترفوا إثمًا، ولم يعرضوا أمنًا لخطر، ولم يمسوا نظامًا بفساد، وإذن فهل يستطيع الوزراء وأعوانهم، أن ينكروا أنهم يعبثون أشنع العبث في هذا التمثيل الذي يأتونه ويسخرون له الشرطة والجند، ويحرجون به الصدور، ويخالفون به القانون والدستور، كلما ذهب رئيس الوفد أو جاء؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن العبث لا يلائم الحكمة، ولا يليق بالحكماء، ولا بالذين يحسنون التفكير، وأن المضي في العبث لا يدل على استقامة المنطق، ولا على صواب الرأي، ولا على تحري المنفعة، وإنما يدل على أشياء نحب أن يرفع الوزراء أنفسهم عنها؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن ما حدث أمس يقيم الأدلة الناصعة للذكي والغبي معًا على أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبطشون في غير مقتض للبطش، ويحتاطون في غير موجب للاحتياط، وعلى أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبقون في الحكم، والشعب لا يحب لهم ولا يحب منهم أن يبقوا في الحكم، وما الذي منع الوزارة أمس من أن تعرض لهذا الشعب الضخم بالأذى ومن أن تصده عن الاجتماع وترده عن الاحتشاد؟ أهو الخوف أم هي الحكمة؟ فإن يكن الخوف فما لها خافت أمس، وما لها لا تخاف كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ وإن تكن الحكمة فما لها اصطنعت الحكمة أمس، وما لها لا تصطنع الحكمة، كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ أم هو اضطراب الرأي واختلاط الأمر، والعجز عن التدبير، والقصور عن استكشاف السيرة التي تلائم المنطق والمنفعة واستقامة التفكير؟
    إن الدرس الذي ألقته الوزارة أول أمس على الناس كان مثيرًا للحزن والأسى ومحرجًا للصدور والنفوس، وإن الدرس الذي ألقته الأمة أمس كان مثيرًا للرضا معزيًا عما أصاب الصدور والنفوس من حرج، مثبتًا لمن يريد أن يفهم أن مصر بعيدة كل البعد عما يظن بها من اليأس وعما يراد بها من الذل، وعما ينتظر لها من الضعف والاستسلام.
    فهل يستطيع الإنجليز أن يفهموا هذين الدرسين، وأن يوازنوا بين نتيجتيهما، وأن يجنوا لأنفسهم من هذه الموازنة ومن ذلك الفهم ما ينبغي أن يجنوه من الثمرات؟
    طه حسين
    الوادي، ١٠ يوليو ١٩٣٤.