خلاف (٢)
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٠ أغسطس ١٩٤٦
أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ أمتفقون هم أم مفترقون؟ راضون هم أم ساخطون؟ أمتفائلون هم أم متشائمون؟
هذه هي الأسئلة التي يلقيها بعض المصريين على بعض وجه النهار وآخره، وفي أول الليل وحين يداعب النوم أعين الساهرين. وليست هذه الأسئلة عبثًا ولا كلفًا بالاستطلاع، وإنما هي صورة صادقة لهذا القلق الذي يملأ القلوب، وهذا الخوف الذي يزعج النفوس، وهذا الأمل الذي يعين الناس على احتمال الحياة ويُهوِّن عليهم لقاء الخطوب. وقد يكون من الغريب أن يجِد المصريون أملًا في القلق، ورجاءً في الخوف، وأن يستحبوا الاختلاف على الائتلاف، ويؤثِروا افتراق الآراء على اتفاق الأهواء، ولكن هذه هي الحقيقة الواقعة التي دفعتها إليها الظروف والتي يجب أن يعرفها رئيس الوزراء وزملاؤه المفاوضون المصريون.
فالشعب المصري يفرح الآن بما تعوَّد أن يحزَن له، ويبتسم الآن لما تعوَّد أن يلقاه بالعبوس.
قيل له إن هيئة المفاوضات قد عرضت على البريطانيين مشروعًا، وإنه آخر ما تستطيع أن تعرض، وقررت أنها لا تستطيع أن تغيِّر منه حرفًا ولا أن تنزل منه عن شيء، وقيل له إن هذا المشروع يسجل الحماية لأنه يعترف للبريطانيين بالمشاركة في الدفاع عن أرض الوطن، ويؤجل المفاوضة المفصلة في شئون السودان بشرط أن يعترف الإنجليز بوحدة وادي النيل في ظل التاج المصري. وقيل له إن في هذا المشروع أمورًا أخرى كلها شر، ولا يكاد يشتمل على خير. فامتلأت نفسه حزنًا وأُفعم قلبه غيظًا. لم ييأس من رَوح الله، ولم ييأس من نفسه، ولم ييأس من قادته وزعمائه الذين عاهدوه مخلصين على أن يجاهدوا في سبيل الحق الوطني حتى يكسبوه أو يموتوا دونه. ولكنه يئس من هؤلاء النفر الذين قبِلوا ما لم يكن ينبغي أن يقبلوا، وعرضوا ما كان يجب عليهم أن يرفضوا، وانتظروا في شيءٍ من الاستجداء وقد وضعوا أيديهم على قلوبهم ليُمسكوها أن تبلغ الحناجر أن يتفضل الإنجليز فيقبلوا عرضهم هذا الذي لا يلائم كرامة ولا حقًّا فضلًا عن أن يلائم اعتزاز المصريين بماضيهم المجيد وأمل المصريين في مستقبلهم الكريم.
وقيل له إن عضوًا واحدًا من هيئة المفاوضين هو مكرم باشا قد أبى أن يشارك في هذه الذلة، وعافَ أن يحتمل هذا الهوان لنفسه ولأمته؛ فوقف من زملائه موقف المعارضة. ثم لم يحتفظ بهذه المعارضة سرًّا بينه وبين زملائه، وإنما أعلنها إلى الشعب إعلانًا، ولم يستقل من هيئة المفاوضات، وإنما أقام في هذه الهيئة رقيبًا خطرًا كما يقيم الرقيب بين الأحياء، وكان عليهم الاستمتاع بجمال النهار وجلال الليل.
ثم قيل للشعب بعد ذلك إن الإنجليز لم يلطفوا ولم يرفقوا، ولم تعرف قلوبهم شيئًا من اللين، ولم تشعر نفوسهم شيئًا من الرحمة لهؤلاء المتهالكين المنتظرين، وإنما خوفوا وحذروا وأرسلوا آخر ما عندهم إلى هؤلاء السادة ليقبلوه أو يرفضوه. فإن كانت الأولى بلغوا الرضا وظفروا بالحظوة، واستقبلوا الأيام في ثقة وأمن، وإن كانت الثانية أضاعوا الفرصة وفقدوا الحظوة، وعرَّضوا أنفسهم لعبث الخطوب وتقلب الأحداث.
هنالك جزعت قلوب وهلعت نفوس وزاغت أبصار. وهنالك ثابت قلوب إلى بصائرها، وآبت نفوس إلى رشدها، وانقسم المفاوضون إلى فريقين: فريق خائف يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن ومهما تكن نتائجها، وفريق واثقٌ بنفسه وشعبه وحق مصر في العزة والكرامة، وإباء مصر للضيم والهوان، ورفضها أن تذعن للتحريف والتحذير. وهو من أجل ذلك لا يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن نتيجة هذا الرفض.
فريق يفكر في نفسه وفي منافعه العاجلة، لا يرجو للشعب وقارًا ولا يحسب لرضاه وغضبه حسابًا، بقيت له أعوام يريد أن ينفقها في هذه الحياة مستمتعًا بالسلطان وما يستتبعه السلطان من حول وطَوْل ومن نفوذ وجاهٍ، لا يتحرج أن يفرض نفسه على الشعب فرضًا، وأن يقيمها دكتاتورية تلبس ثوب الديمقراطية ويتخذ زينتها، وهو من أجل ذلك يؤثر قبول المعاهدة على رفضها.
وفريق آخر يخاف أن يمنعه ضميره من النوم، وأن ينغص الندم عليه صفو الحياة إن قبل ما لا ينبغي أن يُقبل وقصَّر في ذات الوطن وفرَّط في حقه، وهو يحسب لرضى الشعب وغضبه الحساب كل الحساب، ويريد أن يذكره الناس بالخير أثناء حياته، وأن يسجل التاريخ له احتفاظه بالكرامة وإباءه للضيم، وألَّا يذكره الناس فيقولوا آثر نفسه على أمته، وآثر العاجلة على الآجلة، ونزل عن حق الشعب وهو لا يملك أن ينزل عن حق الشعب. وهذا الفريق يأبى من أجل هذا كله أن يقبل المعاهدة وأن يجيب الإنجليز إلى ما يريدون.
فقد كان الشعب المصري يائسًا من المفاوضين جميعًا إلَّا واحدًا، فلما أذيعت فيه أنباء الخلاف ضاق اليأس واتسع الرجاء. فقد قيل له إن خمسة من المفاوضين يرفضون مشروع المعاهدة الذي يعرضه الإنجليز، وخمسة أكثر من واحد، فقد اطمأنَّ الشعب إذن إلى أن أربعة آخرين من أبنائه يريدوا أن يستمسكوا بالحق ويحتفظوا بالكرامة، فما له لا يبتهج بهذا الاختلاف، وما له لا يفرح لهذا الانقسام، وهو يرد إليه نفرًا من أبنائه كادوا يفلتون منه ويتجاوزون ما يرضيه.
بل ما له لا يرجو أن يكون في هؤلاء الخمسة أو الأربعة قدوة صالحة وأسوة حسَنة للذين يظهرون كلفًا برضى الإنجليز وشغفًا بمودتهم، فالشعب المصري لا ييأس من رَوح الله؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلَّا القوم الكافرون. والشعب المصري يعلم أن الخير يدعو إلى الخير كما أن الشر يغري بالشر. فمن يدري لعل إباء هؤلاء الخمسة الأباة أن يزين في قلوب زملائهم الآخرين حبَّ الإباء للضيم والامتناع عن الذل وموقف الدفاع عن الحق. من يدري لعل الرافضين لهذا المشروع أن يكسبوا زملاءهم كلهم أو بعضهم، ولعل هذا أن يجنب مصر هذا الخزي العظيم، خزي الاستسلام في غير موضع للاستسلام والخنوع في غير داعٍ للخنوع.
من أجل هذا كله يلقي بعض المصريين على بعض في كل لحظة هذا السؤال: أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ وفي نفوس المصريين أمل إن لم يتحقق كله، فهم حِراص على أن يتحقق بعضه فهم يأملون أن يأتلِف المفاوضون جميعًا وتتفق كلمتهم على رفض المعاهدة، فإن لم يكُن إلى هذا سبيل فهم يأملون أن يختلفوا وأن يكثر عدد الرافضين؛ لأن معنى هذا الخلاف أن جماعة من أبناء مصر سيبقَوْن في حظيرة مصر، وسيأبون أن يوقعوا بأيديهم صك الذل الذي يُراد أن يُفرض على مصر.
حاشية: جاء في المقال الذي نشرته لي جريدة «صوت الأمة» بعنوان «عبث» بتاريخ ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٦ ما يأتي: وأذكر أني كتبت ذات يوم فصلًا في البلاغ أعيب فيه هذه الشركة، وأبيِّن مناقضتها للاستقلال. وكان مستر بيفن يلهج بها ويرغبنا فيها، فلم تمضِ ساعات على ظهور البلاغ حتى تحدث إليَّ متحدث بالتليفون يهنئني بهذا الفصل، ويطلب إليَّ أن أكتب أمثاله وأُبَغِّض هذه الشركة إلى الشعب؛ لأنها تلغي الاستقلال إلغاءً، وكان المتحدث إليَّ بالتليفون هو أستاذنا الجليل وزير الخارجية والعضو في هيئة المفاوضات. وقد ظن بعض الناس أن هذا الحديث جرى بين الأستاذ الجليل وبيني أثناء اشتراكه في الوزارة القائمة، فأحب أن أقرر أنه إنما جرى أثناء وزارة النقراشي باشا.
Tag: political negotiation
-
خلاف (٢) | Dispute (II)
-
صلح٢ | Reconciliation 2
حديث الوادي
صلح
الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. والصلح جائز بين النواب والوزراء، إلا صلحًا أضاع على الدولة حقًا، أو كلفها من الأعباء ما لا تطيق. وقد كان خصام بين بعض الوزراء وبعض النواب، اشتد وعظم، حتى خاف شره بعض البيئات، وجد في إصلاحه، وسعى في هذا الإصلاح سعاة مهرة، يحسنون الحذر، ويجيدون الإشفاق من تفاقم الخطوب في أيام يحسن ألا تظهر فيها الخطوب. ثم أذن الله أن يعقد مجلس الصلح أول أمس في غرفة من غرفات البرلمان، وأن يحضره النواب الغاضبون، ويحضره عن الوزارة ثلاثة منهم الرئيس؛ قد ندبوا أنفسهم، أو ندبهم زملاؤهم، لهذه المفاوضات الشاقة، أو التي كان يُخاف أن تكون شاقة. ولم يكن بين هؤلاء الثلاثة من الوزراء وزير المالية الذي هو أصل الخصومة ومثير الخلاف. وقد انقسم الناس في تأويل غيبته عن هذا المجلس، فزعم بعضهم أنه لم يشهده لأنه لم يحفل بالصلح، ولم يفكر فيه. ولم يسعَ إليه. بل لم يرد أن يستمع للساعين إليه. وإنما كان سواء عنده أن يرضى من رضي، ويغضب من غضب؛ لأنه كان مؤمنًا بأنه لم يرد إلا خيرًا، ولم يأتِ إلا حقًا وعدلًا. ولأنه كان، وما زال، يملك أدلة ناصعة قاطعة تفحم المجادلين، وتقطع حجة الخصوم وتثبت ما سجله في منشوره تسجيلًا من أن بين أعضاء الهيئات النيابية من استفادوا من استثناء غير مباح، فالتووا بالضرائب وتلكأوا في أداء الأموال. ومن كانت في يده مثل هذه الحجج القاطعة لم يحفل بالخصومة ولا بالخصوم، ولم يضره أن يتألب عليه المتألبون ويلح في حربه الملحون. ووزير المالية رجل أخص صفاته صفتان؛ الأولى أنه نابغة، لا يحفل بغير النابغين، والنابغون في مصر معدودون، لا يكادون يتجاوزون مجلس الوزراء. فوزير المالية يحفل بزملائه الوزراء، على تفاوت في ذلك بمقدار تفاوتهم في النبوغ.
الثانية أنه مُرّ كالحنظل، أو أمرّ من الحنظل، عند الذين لا يُسيغون نبوغه، ولا يستطيعون أن يفهموه، أو يطمئنوا إليه. وهو يشفق على عامة الناس من نبوغه ومرارته معًا. فإذا كانت بينه وبينهم خصومة أو خلاف، خاصمهم من بعيد، لا خوفًا منهم، ولكن خوفًا عليهم. وهو من أجل ذلك خاصم سماسرة البورصة من بعيد، وهو من أجل ذلك خاصم النواب الغاضبين من بعيد. وكل ما يمنّ به على خصومه الضعفاء إنما هو أن يتفضل، فينيب عنه رئيس الوزراء الرجل الطيب ليجبر خاطرهم، كما يقول العامة ويردهم إلى الهدوء والاستقرار كما يقول المتحذلقون، وهو من أجل ذلك أناب رئيس الوزراء عن نفسه، أو ترك رئيس الوزراء يرضي السماسرة، كما تركه يرضي النواب أول أمس. وانصرف هو إلى أعمال أخرى أجلّ خطرًا، وأحق بعناية عظماء الرجال من إرضاء السماسرة وبعض النواب. وزعم قوم آخرون أن الوزراء أنفسهم هم الذين يأبون على زميلهم وزير المالية أن يشهد مجالس الصلح؛ لأنهم يعرفون أنه موفق دائمًا فيما يعمل، ولكنه قليل التوفيق فيما يقول. فهم يخشون أن يشهد مجلسًا من مجالس الصلح، فيقول كلمة يريد بها الخير، ولكنها تنتهي إلى الشر المستطير. والناس لم ينسوا بعد أن وزير الحربية سجل عليه مرة في مجلس النواب أنه لا يوفق في الكلام.
فزملاؤه إذن هم الذين منعوه من أن يشهد مجلس الصلح الذي عقد أول أمس، حرصًا منهم على أن يتم هذا الصلح بالفعل، وخوفًا منهم أن يستحيل إلى خصام عنيف. وزعم قوم آخرون أن وزير المالية لم يشهد مجلس الصلح أول أمس خوفًا وإشفاقًا، فقد كان النواب الغاضبون يريدونه على أن يعتذر، ولا يرضون منه غير هذا. وهو لا يريد اعتذارًا، فخاف أن يشهد المجلس فيستدرج إلى ما لا يريد طوعًا أو كرهًا. والظريف أن خصومه من النواب حين دُعوا إلى مجلس الصلح ظنوا أنهم سيلقون خصمهم، فلما لم يروه سألوا عنه، وألحوا في حضوره. فأما رئيس الوزراء فآثر الصمت، وأما وزير الزراعة فاضطرب بعض الشيء. قال إن زميله مشغول في مجلس الشيوخ، وأما وزير الداخلية فهو أفصح من أن يلتزم الصمت، وأثبت من أن يضطر إلى الاضطراب، وأذكى من أن يُعبأ بالجواب. ولذلك رد على السائلين بأن رئيس الوزراء هو الذي دعا إلى هذا الصلح، ثم ارتقى في الرد، وانقلب سائلًا بعد أن كان مسئولًا، فقال: ألا يرضيكم أن يكون رئيس الوزراء نفسه القاضي في هذا الخصام؟ وأي النواب يستطيع أن يقول إن حكومة رئيس الوزراء لا ترضى؟
وكذلك اصطلى رئيس الوزراء حَرّ هذه الحرب، مع أنه لم يجنها ولم يدعُ إليها. وظل وزير المالية بعيدًا عن الميدان ينظر ويسمع ويبتسم وينشد قول الشاعر القديم:
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
على أن الحرب لم تكن ضروسًا ولا عنيفة، ففي كلام رئيس الوزراء بركة، وفي صوت رئيس الوزراء عذوبة ترد القلوب إلى صفائها، والنفوس إلى نقائها. ولم يكد رئيس الوزراء يتحدث إلى النواب بكلمة من كلماته العِذاب حتى بلغ من إرضائهم ما كان يريد. فَتَمّ الصلح – ولكن بين مَن؟ هذا هو السؤال الذي لا بد من الجواب عليه. تَمّ الصلح بين النواب ورئيس الوزراء، ولكنهم لم يكونوا مختصمين، وإنما كانت الخصومة بين النواب ووزير المالية، فهل تم الصلح بينهم وبينه؟ وأي الفريقين نزل عن رأيه واعتذر إلى صاحبه؟ هل استرد وزير المالية منشوره من المديرين والمأمورين والعمد؟ هل اعترف وزير المالية بأن ليست هناك ضرائب متأخرة عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية؟ هل غير وزير المالية أمرَه للمديرين والمأمورين والعمد بأن يجبوا الضرائب من المصريين جميعًا، على قاعدة المساواة، وأن يحجزوا على الملتوين بالضرائب جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب، وأن يرفعوا إلى النيابة أمرَ المبددين جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب؟ كلا. لم يسترد وزير المالية منشورًا فيما نعلم، ولم يغير وزير المالية أمرًا من أوامره هذه فيما نعلم. ووزير المالية أنبغ وأذكى وأدنى إلى البطولة من أن ينهزم في هذا الموقف، أو يغير رأيًا لا يشك في أنه الحق. وإذن فبين مَن كان الصلح؟ وعلى أي قاعدة أُقيم؟
ولا تصدق ما يُشاع ويُذاع ويملأ الأسماع من أن غضب الغاضبين لم يكن من هذا المنشور، وإنما كان من منشور آخر سري، فالغضب قد كان من هذا المنشور نفسه، فلما أُذيعت أنباء التعليمات السرية، اشتد الغضب حتى غلت مراجلُه في صدور الغاضبين. وقد لا يكون وزير المالية أصدر منشورًا سريًا غير هذا الذي أذاعته الأهرام وغضب منه الغاضبون، ولكن من المحقق أن هذا المنشور الذي أصدره وزير المالية قد انتهى إلى المديرين وصدرت التعليمات بتنفيذه إلى المأمورين ثم إلى العمد. ولم يخطئ من قال لرئيس الوزراء إنه رأى في دفتر بعض العمد إشارة تليفونية تمس هذا الأمر. وإذن فوزير المالية النابغة البطل مقيم في مكانه لا يريم ثابت في موقفه لا يتحول، مُعلن إلى الناس جميعًا أن هناك أموالًا للدولة قد تأخرت عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية، وأن هذه الأموال يجب أن تُجبى، وإن دعا ذلك إلى الحجز، وإلى رفع الأمر إلى النيابة. وإذن فبين مَن كان الصلح؟ وعلى أي أساس أُقيم؟ كان بين النواب ورئيس الوزراء، الذين لم يختصموا قط. أو قل إن شئت، لم يكن هناك صلح، وإنما كانت هناك تسوية، وإعانة على تجرع الكأس، وقبول من الغاضبين لهذه الكأس المرة التي أهداها إليهم صبري بك، وأي غضاضة عليهم من أن يشربوا كأسًا مُرّة؟ أليست مرارتها تأتي من أن الشراب الذي تحتويه هو الحق والعدل والمساواة؟ نظن أن وزير المالية لم يُقدم على هذا الصلح الحرام، الذي يُضيع على الدولة حقًا أو يكلفها ما لا تطيق، ولكن هذا لا يغير موقفًا مؤلمًا حقًا، وهو أن وزيرًا أراد أن ينفذ القانون فثار به وتألب عليه نيف وثلاثون من حماة القانون.
ونظن أن وزير المالية ورئيس الوزراء والذين يُعنون بأن تكون مصر بلدًا متحضرًا، حسن السمعة، نقيَّ الخلق، يوافقوننا على أن هذا كثير.
طه حسين
حديث الوادي، ١٤ يونية ١٩٣٤.