Tag: political negotiations

  • مفاوضات

    حديث المساء: مفاوضات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٩ أكتوبر ١٩٣٣

    ليس موضوعها استقلال مصر؛ فقد انقضى — ولو إلى حين — ذلك العهد الذي كانت تُعنَى فيه الوزارات، أو تستطيع فيه الوزارات أن تُعنَى بالمفاوضة في استقلال مصر، وأصبحنا — والحمد لله — في عهد سعيدٍ تُشغَل الوزارات فيه عن الاستقلال بما هو أجلُّ من الاستقلال خطرًا، وأبلغ من الاستقلال تأثيرًا في حياة مصر، فإذا أتيح لها أن تفكر في الاستقلال واستكماله، فإنما تفكر في ذلك لتدخله في بيان من هذه البيانات التي تذاع يوم تُؤلَّف الوزارات، أو لتدخله في خطبة من خطب العرش حين تفتتح دورة البرلمان. وقد يخطر للوزارات أن تهم بالتحدث إلى الإنجليز في أمر الاستقلال، فترد عن ذلك ردًّا رفيقًا، فإذا ألحت ردت عن ذلك ردًّا عنيفًا، فإذا ألحت قطعت بها الأسباب، وغلقت دونها الأبواب، ومهدت إلى استقالتها أو إقالتها السبيل؛ فالمفاوضات في أمر الاستقلال شيء يخاف منه على بقاء الوزارات وامتداد حياتها.

    وليست هذه المفاوضات التي تريد أن تتحدث عنها حول إلغاء الامتيازات؛ فقد كان الدكتاتور الذي هوى ينتظر أن تفرغ إنجلترا من مشاغلها الأخرى ليستعين بها على إلغاء الامتيازات، فهوى قبل أن يفرغ بال الإنجليز، ولم تكد تنهض الوزارة القائمة حتى ألقت ألمانيا قنبلتها في جنيف، فتعقدت الحياة الدولية، وشغل الإنجليز عن الامتيازات ووزارة عبد الفتاح يحيى باشا، كما كانوا مشغولين عن الامتيازات ووزارة صدقي باشا. وإذن فلن تكون الامتيازات موضوعًا للمفاوضات التي أريد أن أحدثك عنها الآن.

    وليست مسألة الدين العام موضوعًا لهذه المفاوضات، فمسألة الدين العام أمام القضاء، ووزير المالية الجديد يؤثر الانتظار؛ لأنه يريد أن يعرف حكم القضاء من جهة، ولأنه من جهة أخرى لا يستطيع أن يطمئن إلى ما كان يطمئن إليه صدقي باشا من رأي المستشارين الملكيين المصريين. فلا بد له من أن يستشير رجال القانون والمال من الأوروبيين. فالمستشارون المصريون يستطيعون أن يشيروا على أوساط الناس لصدقي باشا وأمثاله. فأما أفذاذ الوزراء والنابهون منهم فيجب أن يكون الذين يشيرون عليهم من جوهر آخر غير الجوهر المصري، ومن عنصر آخر ممتاز. وإلى أن يحكم القضاء، وإلى أن يشير الممتازون من أهل أوروبا، فلن تكون مسألة الدين موضوعًا للمفاوضات.

    ومع ذلك فهناك مفاوضات طويلة، شاقة، معقدة، ملتوية، بعيدة الأثر في حياة المصريين، قد جرت وما زالت تجري، والشعب المصري كله مُعلَّق بين الأمل والرجاء؛ لأنه لا يدري أتنتهي هذه المفاوضات إلى الفوز فيعيش، أم تنتهي هذه المفاوضات إلى الإخفاق فيدركه الموت.

    لا تعرف رجلًا من المصريين ولا تتحدث إليه إلا رأيت نفسه مملوءة، وقلبه مشغولًا بهذه المفاوضات التي يتوقف على فوزها مصير هذه الملايين التي تعيش على ضفاف النيل. أفتريد أن تعرف هذه المفاوضات؟ وأي معنى لهذا السؤال فأنت تعرفها كل المعرفة، وأنت تستقصي أنباءها، وتتبع أطوارها مع الصباح والمساء؛ لأنك مصري، والمصريون جميعًا موقوفون على هذه المفاوضات.

    فقد علمت الآن أنها هذه التي تجري بين الوزارة، أو بين عضوين من أعضاء الوزارة، وبين حزب الشعب.

    ولهذه المفاوضات خصائص تمتاز بها من جميع المفاوضات التي سبقتها، ومن جميع المفاوضات التي قد تلحقها. ومصدر هذه الخصائص إنما هو الظروف التي أسقطت وزيرًا، وأقامت مكانه وزيرًا آخر، وأحدثت في حزب الشعب اضطرابًا أقل ما يوصف به أنه يُسلِّي همَّ المحزون، أسقط رئيس حزب الشعب ومنشؤه وباعث الحياة فيه، وأقيم مكانه رجل كان عضوًا في الحزب، ونائبًا لرئيسه، وكان عضوًا في الوزارة، فلما أُخرِج من الوزارة أخرج نفسه من الحزب، ثم رفع إلى رياسة الوزراء فرَدَّ نفسه إلى الحزب.

    لم يرض صدقي باشا بخروجه من الحزب حين خرج، ولم يرتح صدقي باشا لعودته إلى الحزب حين عاد، ولكن باب الحزب مفتوح لعبد الفتاح يحيى باشا يخرج منه متى شاء، ويدخل منه متى أراد، والبواب ينظر إليه معرضًا عنه حين يخرج، مكرهًا على الترحيب به والوقوف له حين يعود. وكان البواب يظن أنه يستطيع أن يغلق الباب في وجوه أخرى غير وجه هذا العضو المستبد، الذي لا يحفل بالبوابين، وقد يعطف عليهم أحيانًا.

    ولأمر ما خُيِّل لرئيس حزب الشعب أنه يستطيع أن يفصل من الحزب رجلين كانا يعملان معه في الوزارة، ثم عملا مع خصمه دون أن يذعنا لرأي رئيسهما. فكَرِه هذان الرجلان ذلك وأنكراه، وتضامن معهما رئيسهما الجديد، وتضامن معهما بقية الوزراء من المستَقِلِّين والاتحاديين، ونظر حزب الشعب ورئيسه، فإذا الحرب في ناحية، والوزارة في ناحية أخرى، وظن رئيس حزب الشعب، صدقي باشا، أن الأمر إليه، وأنه يستطيع لا أن يفصل هذين الوزيرين فحسب، بل أن يسقط وزارتهما — إن شاء الله — حين يجتمع البرلمان، ولكن رئيس الوزراء هزَّ رأسه، ورفع كتفيه، ورسم على ثغره ابتسامة ليست أقل جمالًا ولا سحرًا من ابتسامة منافسه العظيم وانتظر.

    لم يُغْرِ أحدًا بالنواب والشيوخ، ولم يُسلِّط عليهم وزير الداخلية ولا رجال الإدارة، ولم يخطر له أن يدعو أحدًا من أعضاء الحزب إلى تأييده والانضمام إليه، وإنما هزَّ رأسه ورفع كتفيه وابتسم وقال: أنا رئيس الوزراء. وإذا قوم يفدون، وقوم يخطبون، ولم يدعهم أحد إلى وفادة وخطابة، وقوم يعتذرون ولم يدعهم أحد إلى اعتذار، ولم يلمهم أحد في شيء.

    وإذا عريضة أؤكد لك جاهدًا أن أحدًا من الناس لم يكتبها، ولم يُمْلها، ولم يعدد لها ورقًا، ولم يُجْرِ بها قلمًا، ولم يُرِق فيها حبرًا، وإنما نظر أعضاء حزب الشعب، فإذا هي قد نجمت من الأرض أو هبطت من السماء، وإذا الهواء يحملها في دقة وخفة، وفي رشاقة ولباقة، ويطوف بها عليهم. لا يراه أحد، ولا يحسه أحد، ولا يقرع بها بابًا، ولا يهتك بها حجابًا، وإنما ينظر العضو من أعضاء حزب الشعب، فإذا ورقة مبسوطة أمامه، وإذا صوت خفي يثور في أعماق نفسه لا يسمعه غيره، وهو يقول: رمض هذه العريضة؛ فإنها تأييد لرئيس الوزراء. ولا يكاد هذا العضو من أعضاء حزب الشعب يفكر ولا يقدر؛ لأن الهواء الرقيق الدقيق الرشيق قد حمل دواة وقلمًا، ثم غمس القلم في الدواة، ثم وضع القلم في يد العضو من أعضاء حزب الشعب، ثم أجرى هذه اليد بكتابة الاسم الكريم.

    ثم تنصرف العريضة مدبرة، عن يمينها القلم، وعن شمالها الدواة وهي تضحك، وهما يضحكان، وهي تقول، وهما يقولان: سيعلم صدقي باشا أن لرياسة الوزارة جندًا من الهواء يُكره الأعضاء على كتابة الأسماء، وما تزال هذه العريضة تخرج من بيت لتدخل في بيت، وتترك نديًّا لتلم بنديٍّ، حتى تصل إلى عضو من أعضاء حزب الشعب، يحب الحزب، ويحب الوزراء، يكبر الرئيس الجديد، ويرحم الرئيس القديم. فلا يكاد يرى هذا الوفد الغريب يدخل عليه محمولًا على أجنحة الهواء، قلم عن يمين، ودواة عن شمال، وورقة مبسوطة بينهما، حتى يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين، وآية الكرسي، وينهض من فوره وقد أقسم ليتوسطنَّ في الأمر، وليُصلحَنَّ بالمفاوضة والرضى ما تريد جنود الهواء أن تصلحه بالحيلة والمكر.

    ومن ذلك الوقت بدأت المفاوضات، وتُحدِّثنا الصحف بأنها تتقدم في سبيل الوفاق تقدمًا مرضيًا سريعًا لا يعوقه إلا بعض هذه الصيغ التي يكثر فيها القال والقيل، والتغيير والتبديل، والتفسير والتأويل، ويعمل في التوفيق بينها عقل وزير التقاليد من قريب أو بعيد. والظاهر أن مساء هذا اليوم لن ينقضي حتى تنتهي المفاوضات إلى فوز الوزارة، وإذعان حزب الشعب، ورجوع الوزيرين المفصولين إلى الحظيرة، كما رجع رئيس الوزارة إليها بعد أن استقال.

    والظاهر أن هذا الفوز أمر محتوم؛ لأن هذه الجنود الخفية، جنود الهواء التي تحمل القلم عن يمين، والدواة عن شمال، وتبسط العريضة بينهما بسطًا لم تُلقِ السلاح، ولم تخلد إلى الراحة، وإنما هي موفورة القوة، جمة النشاط، متأهبة للزحف إذا لم يذعن صدقي باشا إذعانًا. ومن لصدقي باشا بمقاومة هذه الجنود الهوائية التي لا تبلغها الأيدي، ولا تدركها العيون، وهي قادرة على تحريك الأيدي، وإغماض العيون.

    وأمر هذه الجنود غريب؛ فهي لم تظهر نشاطها الحازم الجازم إلا منذ أيام حين رست سفينة في الإسكندرية، ثم أقلعت منها؛ فالناس يظنون أن جنود الهواء هذه قد كانت تصطاف في بعض المدن من وراء البحر، أو من وراء المحيط، حتى إذا قضت وطرها من الاصطياف عادت إلى مصر، فلما رأت ما رأت، وسمعت ما سمعت، نهضت لتقويم العوج وإصلاح الميل والتوفيق بين المختصمين. ووفقت — أو هي ستوفق — حين يجتمع مجلس الإدارة لحزب الشعب مساء اليوم.

    وكذلك يصفو الجو، وتنحل المشكلات، ويتولى حزب الشعب الحكم رغم أنفه، ويؤيد الرئيس المستقيل صديقه العزيز الرئيس الجديد راضيًا بتأييده كل الرضى، مغتبطًا كل الاغتباط، ويحتمل تبعات الحكم بعد أن أبعد عن الحكم لا لشيء إلا لأنه رجل عظيم قد خلق لاحتمال التبعات. يفر منها فتقفو أثره وتتهالك عليه. وكذلك ينتصر عبد الفتاح يحيى باشا، ويُرغم صدقي باشا على أن يكون له مؤيدًا وظهيرًا، ولكن المسألة التي يلقيها بعض الناس على بعض، وينتظرون عليها جوابًا، يظهر أنهم لن يظفروا به قبل آخر العام، هي: ما خطب هذه الجنود الهوائية؛ أترابط في مصر إلى أجل بعيد، أم ترحل عنها إلى قطر من أقطار الشرق، أو بلد من بلاد الغرب قبل أن ينقضي العام؟

  • وضوح

    حديث اليوم: وضوح

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٣ يوليو ١٩٣٢

    يظهر أن صلات جديدة تريد أن تنشأ بين لندرة والقاهرة، قوامها الصراحة والوضوح إلى حَدٍّ ما.
    أو قل إن لندرة تريد أن تعود — فيما يظهر — إلى سياسة الصراحة والوضوح التي كانت بينها وبين
    القاهرة، قبل أن تنهض هذه الوزارة القائمة بأعباء الحكم؛ فتضطرها إلى العدول عن الصراحة والوضوح
    إلى المواربة والغموض. وتفسد بذلك العلاقة بين شعبين كانا يخطوان إلى المَوَدَّةِ الصادقة خطوات
    واسعة بعيدة المدى.

    نعم، كل شيء يدل على أن لندرة تريد أن تستأنف سياسة الصراحة والوضوح، بعد أن سئمت سياسة
    المواربة والغموض، أو بعد أن قضت أوطارها من هذه السياسة وظفرت أثناء عامين من الوزارة القائمة
    بما كانت تريد. فقد أخذت بيئاتها السياسية المختلفة منذ أسابيع تُظهر شيئًا من التبرُّم يزداد
    وضوحًا وجلاءً كل يوم بالعلاقات الرسمية القائمة بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام، وكانت مسألة
    المفاوضات مصدر هذا التبرُّم والملل؛ فلم يكَد رئيس الوزراء يطلب إلى الحكومة الإنجليزية
    بأسلوبه غير المعروف البَدء في المفاوضة حتى أظهرت البيئات السياسية الإنجليزية نفورًا شديدًا،
    وقد حملت إلينا الأهرام مظهر هذا النفور منذ أسابيع، ثم أكدته المقطم، ثم أمعنت الديلي تلغراف
    في تأكيده، ثم حاول رئيس الوزراء في ختام الدورة البرلمانية أن يلقي على أمر المفاوضات ستارًا.
    فلم تلبث الأهرام أن أزاحت الستار أمس بمقال جاءها من مكاتبها يصور رأي المقامات السياسية
    الإنجليزية في المفاوضات والانتخابات الحرة والوزارة القومية.

    ومقال الأهرام موعز به من غير شك. فهو إذن صورة مقاربة — إن لم تكن صادقة كل الصدق — لرأي
    المقامات السياسية الإنجليزية في هذه المسائل الثلاث، فأما المفاوضات فترى هذه المقامات
    السياسية أن لا سبيل إليها مع رئيس الوزراء ووزارته؛ لأنهما لا يمثلان مصر ولا يستطيعان تقييدها
    بما قد يتم عليه الاتفاق بينهما وبين الإنجليز. وقد كانت الديلي تلغراف صريحة واضحة، فأعلنت أن
    المفاوضة غير مرغوب فيها مع رئيس الوزراء؛ لأن بقاءه في الحكم حتى يتم تنفيذ المعاهدة غير
    مضمون، ولأن خصومه مع الوفديين والأحرار والدستوريين لا بد أن يحسب لهم حساب في كل اتفاق مع
    مصر. وإذن فالإنجليز لم يغيِّروا مذهبهم الذي أعلنوه غير مرة، وهو أنهم لا يريدون أن يعاهدوا
    حكومة وإن كان رئيسها صدقي باشا، وإنما يريدون أن يعاهدوا شعبًا. وما دام صدقي باشا لا يمثل
    الشعب ولا ينطق بلسانه ولا يستطيع أن يقيده بما يمضي من اتفاق، فمفاوضته لون من العبث والاتفاقُ
    معه لغو لا خير فيه.

    وليس من شك في أن تفكير البيئات السياسية الإنجليزية في هذا الموضوع مستقيم لا عِوَج فيه،
    صريح لا غبار عليه، ملائم كل الملاءمة لتفكير المصريين الذين تمثلهم المعارضة فيما يظهر أصدق
    تمثيل، وإن لم يعجب ذلك رئيس الوزراء. فالمصريون يريدون أن يتفقوا مع الإنجليز اتِّفاقًا يرضونه
    ولا يُكرَهون عليه إكراهًا. اتفاقًا قوامه الإخلاص والصراحة والنصح، لا يختلس منهم اختلاسًا،
    ولا يُفرض عليهم فرضًا. ومن الواضح أن هذا الاتفاق لا يمكن أن يكون على يدي رئيس
    الوزراء.

    أما مسألة الانتخابات الحرة فقد يظهر — إن صح ما يقوله مُكاتب الأهرام — أن الإنجليز قد يئسوا
    منها واعتقدوا أن ليس إليها في مصر سبيل، وأن ما يؤخَذ به صدقي باشا يمكن أن يتهم به الوفديون
    لو أنهم أشرفوا على الانتخابات. لهذا لا تعتمد البيئات الإنجليزية فيما يقول مُكاتب الأهرام على
    الانتخابات الحرة لتعرف رأي المصريين ورضاهم عن المعاهدة، ورأي البيئات الإنجليزية في هذه
    المسألة خاطئ لا يحتاج إلى التصحيح، معوج يحتاج إلى التقويم. وإثم هذا الخطأ والاعوجاج في الحكم
    على أخلاق المصريين وكرامتهم وفَهمهم للحرية وتقديرهم للديموقراطية، ورعايتهم لديموقراطيتهم
    الناشئة يقع على الوزارة القائمة. فلولا أنها سلكت في انتخاباتها طريقها التي نعرفها نحن
    ويعرفها الإنجليز، والتي ننكرها نحن وينكرها الإنجليز، والتي تحول بينها وبين المفاوضة
    والمعاهدة؛ لما رأى الإنجليز رأيهم هذا في مبلغ تقدير المصريين للحرية والكرامة
    والديموقراطية.

    ومهما يكُن من شيء، فإن البيئات السياسية الإنجليزية لا تستطيع أن توجِّه إلى الوفد عُشر ما
    تستطيع أن توجهه إلى رئيس الوزراء ووزارته من التهم في أمر الانتخابات. فمن الأشياء الواضحة
    التي لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا أن الوفد لم يُحِطْ الانتخابات في يوم من الأيام بما أحاطها بها
    رئيس الوزراء ممَّا يدعو إلى الشك، ويُضطر إلى الريب. فالوفد لم يُلْغِ حرية الكلام والخطابة،
    ولم يُلْغِ حرية الانتقال، ولم يكلف خصومه الصمت والسكون، ولم يُحِطْهم بالحرس والجند أثناء
    الانتخابات وقبل الانتخابات. والوفد لم يسلك مع الموظفين السبيل التي سلكتها الوزارة القائمة
    معهم في أمر الانتخابات. والوفد لم يعرض عملية الانتخابات نفسها لما عرضتها له الحكومة القائمة،
    ولم يعطل الصحف قبلها. وشيء يسير من المقارنة النزيهة بين انتخابات الوفد وانتخابات الوزارة
    القائمة يثبت في وضوح وجلاء أن ما تُعاب به انتخابات الوفد طبيعي مألوف في كل ديموقراطية ناشئة
    لم يبعد عليها العهد، ولم يمرن عليها الشعب. أما ما تعاب به انتخابات الوزارة القائمة فشيء غير
    ذلك، لا نستطيع أن نقوله مخافة القوانين الجديدة، ولكنا لسنا في حاجة إلى أن نقوله؛ لأن
    الإنجليز يعرفونه حق المعرفة، ويعلمون به حق العلم في إجماله وتفصيله، ويستطيعون أن يحكموا
    عليه، وما نراهم إلا قد فعلوا. وآية ذلك أنهم قد فاوضوا حكومة الوفد، وهم يأبون أن يفاوضوا رئيس
    الوزراء ووزارته.

    رأي البيئات الإنجليزية إذن في الانتخابات الحرة عندنا معوج. وهو على ذلك لا يعنينا. فأمر
    الانتخابات من الأمور المصرية الخالصة التي يحسن — بل يجب — أن يتركها لنا الإنجليز، نصرفها كما
    نحب ونقضي فيها كما نشاء ما داموا هم واثقين بأن الذين سيفاوضونهم وسيعاهدونهم يمثلون الشعب
    تمثيلًا صادقًا صحيحًا.

    وهنا نصل إلى المسألة الثالثة، وهي مسألة الوزارة القومية التي ينتظرها الإنجليز لمفاوضتها
    والاتفاق معها، والتي طلبها الأحرار الدستوريون وينتظرها الشعب المصري كله، لا للمفاوضة وحدها؛
    بل لحل الأزمة الاقتصادية وتنظيم الإدارة وإصلاح ما أصاب الحياة العامة والخاصة في هذين
    العامين. وواضح جدًّا أن كل مصري يريد أن يخرج وطنه من هذا المأزق الذي هو فيه، والذي اضطرته
    إليه سياسة الحياد المزيف، يسره أن تشعر البيئات السياسية الإنجليزية بمثل ما تشعر به البيئات
    السياسية المصرية، لا نستثني من ذلك إلا رئيس الوزراء. فالمصريون جميعًا يريدون الوزارة
    القومية، وينتظرونها ويرغبون إلى جلالة الملك في أن يأمر بتأليفها، ويكل إليها استنقاذ مصر من
    هذا الشر الذي هي فيه. وما نظن أننا نخطئ أو نسرف في حسن الظن إذا قلنا وأكدنا أن أكثر الذين
    يلوذون برئيس الوزراء، ويؤيدونه يرون رأي الأحرار الدستوريين والبيئات السياسية الإنجليزية في
    الوزارة القومية، وأنها وحدها التي تستطيع أن ترد إلى البلاد ما هي في حاجة إليه من أمن ونظام
    وكرامة واطمئنان.

    رئيس الوزراء وحده في أكبر الظن، هو الذي يكره الوزارة القومية ويشفق منها؛ لأنه يعلم علم
    يقين أنه لن يكون عضوًا فيها. فأما المصريون فهم يؤثرون حياة مصر على رضا صدقي باشا. وأما
    الإنجليز فلهم أن يختاروا منذ اليوم بين رضا الشعب المصري ورضا صدقي باشا، والظاهر جدًّا أنهم
    قد اختاروا وأن اختيارهم ليس من شأنه أن يسوء المصريين.