حكمة …
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٠ يناير ١٩٤٦
يجب أن يكون أصدقاؤنا الإنجليز راضين عنا كل الرضى؛ فقد سلكنا في جماعة الأمم المتحدة مسلكًا من شأنه أن يملأ قلوبهم رضى ونفوسَهم غِبطةً وحبورًا. سلكنا مسلك الأطفال المؤدَّبين المهذَّبين الذين أحسنت أمهاتهم تربيتهم وتأديبهم، فهم لا يخالفون عن التقاليد في المحافل والمجتمعات، وهم لا يرفعون أصواتهم بكلمة نابية أو غير نابية، وهم لا يقولون إلَّا ما يُراد لهم أن يقولوا، وهم يؤثِرُون الصمت على أي كلام. فإذا اضْطُرُّوا إلى القول قالوا، ولكن في لهجة هادئة معتدلة وصوت مُتَّئِدٍ رزين. ثم هُم لا يطلبون شيئًا فضلًا عن أن يُلِحُّوا في طلب شيء، فليس من حسن الأدب ولا من كمال التربية أن يطلب الأطفال إلى أسرهم شيئًا أمام الأضياف، فضلا عن أن يطلبوا شيئًا إلى الأضياف أنفسهم. وإنما الأدب كل الأدب والتربية كل التربية أن ينتظر الأطفال هادئين وادعين، مُطرِقين إلى الأرض مبتسمين لمن حولهم، لا يقولون شيئًا ولا يطلبون شيئًا حتى يوجَّه إليهم الكلام، فيكون الجواب في أدب واستحياء، وحتى تقدم إليهم الطرفة فيكون القبول في كثير من التردُّد والتمنُّع مهما يكُن في دخيلة القلب والضمير.
كذلك كانت سيرتنا في جماعة الأمم المتحدة. فلولا أن الأدب نفسه كان يقتضينا الكلام لما تكلمنا، ولكن مندوبي الأمم كلها تكلموا، فيجب أن نقول شيئًا وأن نُسمع صوتنا حتى لا يُظَنَّ بنا الخَرس أو العمى. وجماعة الأمم المتحدة قد أهدت إلينا فضلًا وصنعت لنا معروفًا، وأخذت بيدنا حتى أجلستنا في مجلس الأمن، فمن أيسر الأدب ومن الرعاية لأصول التربية الصالحة أن نشكر لها هذا الفضل، وأن نعترف لها بهذا الجميل. فقد تكلمنا إذن كما تكلَّم الناس ليقال إننا تكلمنا، وقد تكلمنا إذن لنشكر الفضل فيقال إننا مؤدبون مهذبون، وقد تكلمنا بعد هذا وذاك لنسمع صوت أنفسنا، ولنعرف أننا ما زلنا قادرين على الكلام، ولنطمئن إلى أن ممثلينا في الخارج يستطيعون أن يرفعوا صوت مصر عاليًا بين أصوات الأمم، ورأسها شامخًا بين رءوس الشعوب. ولولا أن في أصدقائنا الإنجليز حزمًا صارمًا وعزمًا جازمًا واقتصادًا في القول وبُخلًا بالثناء؛ لأهدَوْا إلينا كثيرًا من هذه الألفاظ الحُلوة التي تدل على الرضى وتُصَوِّر حُسن التقدير. ولكن أصدقاءنا الإنجليز يُؤثِرُون التجهُّم والعبوس على الإشراق والابتسام، وهم يخشَوْن إن ابتسموا لنا وأظهروا رضاهم عن سيرتنا في جامعة الأمم المتحدة أن نطمع فيهم ونجترئ عليهم.
والإنجليز ماهرون في التربية بارعون في البيداجوجيا، أمهر من وزارة المعارف المصرية، وأبرع من مشيري وزير المعارف المصرية. وهم من أجل ذلك لا يُحِبون أن يبتسموا لنا حتى حين نستحق الابتسام، ولا أن يُظهروا الرضى عَنَّا حتى حين نستأهل الرضى. ولو أن لنا حلفاء غير الإنجليز وسلكنا معهم هذا المسلك الوديع الظريف لما بخَلوا علينا بالابتسام، ولا ضنوا علينا بالثناء، ولا تردَّدوا في أن يُقدِّموا إلينا ألوانًا من الحلوى والفاكهة؛ تقديرًا لهذا المسلك المؤدب المهذب الظريف.
والأشياء تُعرف بأضدادها، فانظر إلى إيران لم يكَد ممثلها يتكلم حتى أثارها حربًا شعواءَ على روسيا، فشغل بنفسه وبوطنه جماعة الأمم المتحدة، وشغل بنفسه وبوطنه أنباء البرق والراديو وكُتَّاب الصحف والمجلات. وانظر إلى ممثِّلي سوريا ولبنان، لقد أنذروا بأنهم سيقولون شيئًا فجعل الناس ينتظرون ليسمعوا ما سيقولون، ثم تكلَّموا فقالوا ما أرادوا أن يقولوا، واستمَعَ لهم ممثلو الدول في كثير من العناية وفي كثير من الاهتمام، وشغلت بهم أنباء البرق والراديو، واحتفل بهم كُتَّاب الصحف والمجلات. ضايقوا فرنسا وبريطانيا من غير شَكٍّ كما ضايق ممثلو إيران الدولة الروسية الكبرى. أمَّا نحن فقد كُنَّا على حظٍّ عظيمٍ من الأدب الكريم، وعلى نصيب موفور من التربية العالية الممتازة. فلم نقُل شيئًا، ولم نضايق أحدًا، ولم نشغل بأنفسنا برقًا ولا بريدًا ولا صحفًا ولا مجلاتٍ، وإنما اختلسنا حديثنا اختلاسًا، ومررنا به على الجماعة مرَّ النسيم الهادئ البليل في الوقت القائظ المُحرِق للأجسام المرهق للنفوس.
ومن الحق أن نشكر لوزير خارجيتنا أنه مثَّلنا فأحسن تمثيلنا، وأظهر لجماعة الأمم المتحدة أن مصر مؤدبة مهذبة ورقيقة رشيقة، لا تحب أن تزعج أحدًا، وإنما تُؤثِرُ دائمًا أن تكون خفيفة الظل حُلوة الرُّوح، حتى حين تُلِمُّ بها المُلِمَّات وتثقل عليها الخطوب. من الحق علينا أن نشكر لوزير خارجيتنا حُسن تمثيله لنا وصدق تعبيره عَنَّا، ودِقَّةَ تصويره لأخلاقنا وآدابنا وسيرتنا الراقية ونفوسنا الراضية.
ولكن وزير خارجيتنا لا ينبغي أن يستأثر وحده بهذا الشكر، فله فيه شركاء ليسوا أقلَّ منه فضلًا ولا أيسر منه استحقاقًا للثناء. فوزير الخارجية لا يتكلَّم عن نفسه، وإنما يقول ما يطلب إليه أن يقول؛ فهو لسان الحكومة، وهو مرآة لمجلس الوزراء. فإذا كان قد أحسن تمثيلنا وأجاد التعبير عن أخلاقنا وآدابنا وعن نفوسنا الراضية وقلوبنا المطمئنَّة؛ فالفضل في ذلك ليس له وحده، وإنما هو لرئيس وزرائنا أولًا ولمجلس وزرائنا ثانيًا ولوزير خارجيتنا آخر الأمر.
ولو أن رئيس وزرائنا أراد وأراد معه زملاؤه الوزراء؛ لكُنَّا أطول لسانًا من إيران، ولكُنَّا أشد إقلاقًا من سوريا ولبنان. ولكننا قومٌ مؤدَّبون مهذبون، يُقضى في أمرنا ونحن غائبون فلا ننكر، ويُقضى في أمرنا ونحن شاهدون فلا نحتج. يمنعنا الأدب من الإنكار، وتمنعنا التربية من الاحتجاج، ونحن بناة الحضارة وشادة الأهرام، ومعلمو الإنسانية، قد حلبنا الدهر أشطره، وبلونا حلوه ومره، وجربناه فأَحْسَنَّا تجربته. عنَّا صدرت الحكمة قبل أن تعرفها الهند، وقبل أن تعرفها اليونان، وقبل أن يعرفها العالم الحديث. ونحن من أجل هذا نُؤثِرُ الصمت لأنه من ذهب، ونترك لغيرنا الكلام لأنه من فِضَّةٍ، والحكماء يؤثرون الذهب على الفضة، ويفضلون الصمت على الكلام.
ونحن نعلم حق العلم أن احتجاج إيران لن يُجلِيَ روسيا عن أذربيجان، وأن احتجاج سوريا ولبنان لن يجلي البريطانيين والفرنسيين عن أرض سوريا ولبنان. وإذن فلِم ننكر ونحن نعلم أن الإنكار لن يُغني شيئًا، ولِم نحتج ونحن نعلم أن الاحتجاج لم يرد مكروهًا. إنما يتكلم ويحتج ويُنكر من لا حظَّ له من حكمة، ولا نصيبَ له من تجربة. فأمَّا نحن الذين علَّموا الناس الحكمة، وبيَّنوا لهم كيف ينتفعون بالتجربة، فما ينبغي أن نتكلم إلَّا حين نستيقن بأن الكلام سينفع أو يفيد.
أرأيت إلى أن وزير خارجيتنا لم يُمَثِّلْ آدابنا وأخلاقنا فحسب، وإنما مثَّل حكمتنا وفطنتنا وحُسن فَهمِنَا للأمور، وحسن تدبيرنا للظروف، وحُسن حكمنا على الأشياء والأحياء. ومن الحق أن الشعب المصري ساخط محزون، كان يَوَدُّ لو سلك وزير خارجيتنا مسلك إخواننا السوريين واللبنانيين والإيرانيين. ولكن الشعب المِصري ليس مُطَّلِعًا على حقائِقِ الأمور كما يَطَّلِعُ عليها الوزراء، ولا مقدِّرًا لدقائقها كما يُقَدِّرُهَا الوزراء، وفي الشعب اندفاع يَحْسُنُ أن يُضبط، وتطرُّف يحسن أن يُرد إلى الاعتدال. وحسب الشعب أن يعلم أن العناية الإلهية قد جعلت مصيره ومستقبله أمانة بين يدي رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء خيرُ من يحمل الأمانة، وهو أقدر على حَملها من السماوات والأرض والجبال. فما ينبغي للشعب إلَّا أن يطمئن وينام ما دام رئيس الوزراء وزملاؤه حاملين للأمانة ناهضين بأعبائها.
ومن الحق أن بعض حكمائنا وعقلائنا وأصحاب الرأي فينا وأساتذتنا المُحَنَّكِين كانوا يَوَدُّون لو سلك وزير خارجيتنا في لندرة مسلك غيره من وزراء الشرق الأدنى والأوسط.
فصدقي باشا مثلًا ليس راضيًا ولا مطمئنًّا، ولكن صدقي باشا رجل عسير ليس إلى إرضائه من سبيل، فلندعه يسخط اليوم فسيرضى غدًا، وهو بعد كل شيء ليس مبعوث العناية الإلهية في هذه الأيام. فليس له إلَّا أن يطمئن وينام كما يطمئن الشعب وينام.
ومن الحق أن من وزرائنا من يملِك القلق عليه أمره، ويفسد عليه حياته، ويخرجه عن التضامن الوزاري، ويضطره إلى التشهير والتشنيع. ولكن هذا كله لا ينبغي أن يُخِيفَنَا، ولا أن يقلقنا. فهذا الوزير المُشفِق القلِق لم يندفع إلى إشفاقه وقلقه إلَّا لأن الأمر ليس إليه هو، ولو قد كان هو في لندرة لتكلَّم كما تكلم وزير الخارجية، ولكان خفيف الظل حُلو الرُّوح عند أصدقائنا الإنجليز. فقد يظهر أن وزراءنا لا يحبون أن يظهروا للإنجليز من أنفسهم ولا من وطنهم إلَّا خفة الظل وحلاوة الرُّوح، فأمَّا شدة الوطأة وغلظة الحديث ومرارة اللسان وعظم السطوة وحِدَّة البأس، فكل هذه خِصال يُؤثِرُون بها مواطنيهم من المصريين. ولهم في هذا كله الحق كل الحق، فهم مُضطَرُّون أن يلينوا مع الإنجليز لأن الإنجليز لا يؤخَذُون إلَّا باللين، وهم مُضطَرُّون إلى أن يخشنوا على المصريين لأن المصريين لا يُؤخَذُون إلَّا بالخشونة والعنف. وهم حين يتصلون بالإنجليز أصحاب سياسة، والسياسة لباقة ورشاقة ولِين، وهم حين يتصلون بالمصريين أصحاب تربية وتعليم، ولا تكون التربية إلَّا بالحزم، ولا يكون التعليم إلَّا بالعزم، فأي غرابة في أن يكون وزراؤنا أسودًا علينا وظباءً حِسانًا مع حلفائنا وأصدقائنا الإنجليز؟
أمَّا بعدُ، فقد آنَ لهذا الشعب المصري أن يعرف نفسه ويقدِّر حياته حقَّ قدرها، ويملأ قلبه ثقة بأنه قد خُلِق ليحكم على غير ما يريد، ويُدبر أمره على غير ما يُحب، ويخضع لوزراء تُلقي عليهم العناية الإلهية أعباء الحكم فينهضون بها، لا يُسألون عنها إلَّا أمام ضمائرهم وأمام العناية الإلهية التي اختارتهم. وضمائرهم راضية مطمئنَّة، وآية ذلك أنهم لا يغيِّرون من سيرتهم شيئًا. والعناية الإلهية التي اختارتهم راضية عنهم، وآية ذلك أنها لم تزلهم عن مناصب الحكم. ونحن المصريين قد أنشأنا الحضارة ونشرنا الحكمة في العالم، فلا ينبغي أن نخرج عن هذه الحكمة التي تعلِّمنا أن نسمع ونطيع مهما تكُن الظروف ومهما تكن المُلِمَّات.
لقد أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح، ونحن المصريين لا نُحْسِنُ أن نطير لأننا لسنا أُولِي أجنحة، أو لأن أجنحتنا لم ينبت فيها الريش بعدُ!
فلنصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
Tag: political passivity
-
حكمة …
-
في الوقت الملائم
في الوقت الملائم
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٣ أغسطس ١٩٤٥
أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.
أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.
أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.
ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.
واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.
نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.
وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.
كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.
إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.
ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.
في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.
في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.
فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.
إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.
لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.
على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.
أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.
وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.
إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم.